آزر هو أبو إبراهيم -﵇- واسمه في التوراة "تارح" وربما كان هذا لقبه.
عمل آزر بصناعة التماثيل من الخشب، ونحتها من الحجارة، وكان يعطيها إبراهيم ليبيعها، يروي ابن الأثير أن إبراهيم -﵇- كان يعرضها على الناس، ويقول: من يشتري من لا يضره، ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، وكان يأخذها وينطلق بها إلى النهر، فيصوب رءوسها فيه، ويقول: اشربي، اشربي، استهزاء بها١ لأن الله أعطاه الرشد، وسعة العقل قبل النبوة٢، فأدرك ما في تأليه الأصنام وعبادتها من ضلال، فقال ما قاله، وفعل ما فعله بها، ومن دلالة رشده في تصرفه عند بيع الأصنام أنه لم يعص أباه، ولم يقل كذابا، ولم يغش أحدا، ولم يترك واجبا !!
فلما بلغ مبلغ الرسالة، وكلفه الله بالتبليغ، بدأ بدعوة أبيه برا به؛ لأن من البر إرشاد الأب إلى ما فيه سعادته في الدنيا والآخرة، وقد أحسن الوالد لابنه بتربيته والإنفاق عليه، وواجب على الابن رد هذا الإحسان بدعوته إلى الحق، وجذبه إلى صراط الله المستقيم.
وحتى يقطع اعتراض الناس إذا اعترضوا، وقالوا: لماذا لم تدع أباك إلى ما تدعونا إليه، ولو كانت دعوتك خيرا لبدأت بأبيك وأهلك؟!
_________________
(١) ١ الكامل ج١، ص٩٦، يتحدث المؤرخون عن آزر، ويقولون: إنه أبو إبراهيم، أو عمه، والأولى أخذ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ على ظاهره، فهو أبوه. ٢ أشار المفسرون إلى هذا الرشد، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ .
[ ١١٩ ]
وحتى لا يتصور أحد أن الإنسان غير مسئول عن دعوة آبائه لمقامهم ومنزلتهم، بل هو بذلك يعد مسئولا إن ترك دعوتهم وإرشادهم.
وقد تناول القرآن الكريم دعوة إبراهيم -﵇- لأبيه في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ ١.
هذه الآيات قد وضحت الكثير عن إبراهيم -﵇- وعن دعوته؛ لأنها بينت:
- أخلاقه، ﵇.
- ومنهجيته في دعوة الأقربين.
- ووسيلته وأسلوبه في دعوته أباه.
أما أخلاقه -﵇- فهي أخلاق الرسول الداعية، إنه محب لأبيه يمتلئ قلبه خوفا من أي أذى يلحقه، ولو كان مسا خفيفا رقيقا؛ ولذلك فهو ينصحه، ويحاول معه أن يثير دوافع التدبر، والتفكير بكل رفق، وهو -﵇- يقدر أباه، وينزله منزلته، فيبدأ حديثه باللفظ المعبر عن التقدير والإخلاص، ومناداته بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾، ويكرره إبرازا لأدبه وحسن خلقه، ومن المعلوم أن في النداء تعظيما، وفي لفظ الأب حنانا وقربى.
_________________
(١) ١ سورة مريم الآيات: ٤١-٤٥.
[ ١٢٠ ]
ومن خلقه -﵇- مراعاة مقام الأبوة، ببيان أن التوجه بالدعوة ليس استعلاء، وإنما هو علم أتاه من الله، ورسالة تحمل مسئوليتها، ومنافع عديدة يتمنى لأبيه أن يظفر بها.
وعن منهجيته في دعوة أبيه نلحظ من الآيات الوضوح التام، والبصيرة الكاملة لكافة جوانب الدعوة، فهو يدعو إلى عبادة الله، النافع، الضار، العليم، الخبير، ويعلم أن أباه يعبد الأصنام التي يصنعها بيده ولا فائدة من ورائها ويدرك أن الشيطان هو الذي يزين للناس الشرك وعبادة الأصنام، ويعمل جاهدا لتكوين حزبه الضال على أساس الولاية بين أفراده لتستمر طاعتهم له، ويصعب عليهم ترك أصحابهم وضلالهم، وبذلك يتمادون في الضلال والكفر.
وقد واجه أباه مواجهة مباشرة بهذه الحقائق، وعلم رده وموقفه.
ومن أساليبه في دعوة أبيه، استعمال أسلوب الاستفهام؛ لأنه يوقظ انتباه المستمع، ويدفعه إلى التفكير، ويشركه في اكتشاف الإجابة، فيخلص لها، ويلتزم بها لصدورها من قناعته.
ويذكر له حقيقة ترضي الأب وهي اكتساب الابن للمعارف الجديدة، والوصول إلى علم مفيد، وإعجاب الأب بابنه يرضي، وحالة الرضا بداية الفهم والسماع.
ويبين لأبيه أن الله هو الرحمن؛ ولذلك فطاعة الشيطان الداعي إلى الشرك عصيان لله، وقد تؤدي المعصية إلى عذاب من الله، وهو أمر يخافه إبراهيم على أبيه، ولو كان مسا خفيفا، ولذلك فهو ينصحه.
وماذا كان موقف الأب من دعوة ابنه له؟
لم يؤمن آزر، ورد على إبراهيم بقسوة وشدة، وقال: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١.
كبر في نفسه أن ينصرف إبراهيم عن عبادة الأصنام، وكان يتمناها له، صناعة، وتجارة، وعبادة، وهدده بالرجم بالحجارة وباللعن والسب، وأمره أن يهجره زمنا
_________________
(١) ١ سورة مريم آية: ٤٦.
[ ١٢١ ]
طويلا، ينسيه ما سمعه منه، وأملا في أن يعود إبراهيم عن دعوته، وتركه إبراهيم -﵇- أيضا مؤملا هو الآخر في إيمانه، وقال له: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ١.
وترك إبراهيم أباه، وودعه في أمن وسلام، واستمر يدعو الله له، ويستغفره أملا في إيمانه، فلما تبين له أنه لن يؤمن تبرأ منه، ومن آلهته، واعتزله وابتعد عنه وعن آلهته؛ لأن ظهوره معهم يضعه في صورة الراضي عن دينهم، وأفعالهم، وهذا لا يجوز؛ لأن على المنكر مقاطعة صاحب المنكر ما دام لا يسمع لنصح أو إرشاد.
_________________
(١) ١ سورة مريم آية: ٤٧، ٤٨.
[ ١٢٢ ]