يذكر المؤرخون، وكتاب التاريخ، أن الله أرسل رسولين في الفترة الزمنية بين آدم ونوح -﵉- هما: شيث وإدريس ﵉.
وكل ما ذكر عنهما يدور حول تحديد وقت رسالتهما، وثبوت الوحي إليهما، ومنزلتهما عند الله، أما قضايا الدعوة والمدعوين فلم يرد بيان عن ذلك، ولعله يرجع إلى أن ذرية آدم كانت على قرب بعهد أبيهم آدم -﵇- فبعث الله إليهم الرسل ليذكروهم، وليأخذوهم على الذي تركهم عليه آدم ﵇.
ولكن ما هي المدة بين آدم ونوح، ﵉؟ يروي "ابن حبان" في صحيحه بسنده عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله، أنبي كان آدم؟ قال ﷺ: "نعم، نبي مكلم". فقال الرجل: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون" ١.
عن ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام٢، ورواية ابن عباس تورد أنهم خلال هذه القرون العشرة كانوا مسلمين، وفي هذا إشارة إلى أن الفترة بين آدم ونوح كانت أكثر من ألف عام؛ لأننا لو اعتبرنا القرن مائة عام يكون الإسلام فيهم مدة ألف عام على الأقل، وبعدها عبدوا الأصنام والأوثان،
_________________
(١) ١ صحيح ابن حبان، كتاب الأنبياء، وقد ذكره ابن حجر في فتح الباري ج٦، ص٣٧٢. ٢ البداية والنهاية ج١، ص١٠١.
[ ٥٧ ]
حتى جاءهم نوح ﵇ وإن اعتبرنا القرن جيلا كمعناه الوارد في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ ١ تكون الفترة آلاف السنين وشيث -﵇- أحد أبناء آدم، وشيث معناه هبة الله، عهد آدم إليه وولاه أمر أبنائه، وأحفاده، وهو نبي بنص حديث ابن حبان٢، وأنزل الله عليه خمسين صحيفة، وقيل: هي المرادة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ ٣.
و"إدريس" -﵇- نبي الله، يقول الله تعالى عنه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ٤، فقد أثنى الله عليه، ووصفه بالنبوة والصديقية، وبين علو منزلته، وفي حديث الإسراء أن رسول الله -ﷺ- مر عليه في السماء الرابعة٥.
والمكان العالي الذي تتحدث عنه الآية قيل: هو الجنة، وقيل: هو السماء الرابعة.
والمرفوع قيل: عمله -﵇- وقيل: ذاته، حيث رفع قبل موته ثم مات بعد رفعه، وقيل: بل رفع بعد موته.
وكل هذه الأقوال معانٍ تحتملها الآية، فليس بعضها أولى من بعض.
ومن المعلوم بالضرورة أن شيثا وإدريس -﵉- دَعَوَا إلى توحيد الله، وإلى عبادته، وإلى التمسك بهديه وسبحانه وتعالى٦.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ١٧. ٢ البداية والنهاية ج١، ص٩٨. ٣ سورة الأعلى آية: ١٨. ٤ سورة مريم آية: ٥٦، ٥٧، وسمي ﵇ بإدريس؛ لمدارسته العلم. ٥ صحيح البخاري بشرح العيني، باب ذكر إدريس ﵇ ج١٥، ص٢٢٤. ٦ اكتفيت في العنوان بـ "إدريس" ﵇؛ لأن القرآن الكريم تحدث عنه، ولم يتحدث عن شيث ﵇.
[ ٥٨ ]