بعد أن نجى الله إبراهيم -﵇- من النار، وعدم تأثر قومه بهذه المعجزة، واجههم بما هم عليه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ١، ووضح لهم سر تمسكهم بالضلال، وهو أنهم جعلوا الأوثان وسيلة تجمع عبادها في مودة وتعاون؛ ولذلك ارتبطت بعواطفهم، وأعمت عقولهم، وأبصارهم.
ثم تركهم، ورحل من ديارهم، وقد أمره الله بالهجرة إلى بلاد الشام ومعه لوط وزوجته، يقول تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢. والأرض المقصودة هي بلاد الشام، ونزل إبراهيم -﵇- في "حران" موطن العرب "الكنعانيين".
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٢٥. ٢ سورة الأنبياء آية: ٧١.
[ ١٣٣ ]
كان الكنعانيون يعبدون الكواكب، ويصنعون الهياكل والتماثيل التي ترمز لها، وكانوا ينسبون الحوادث إليها، ويتصورونها تضر وتنفع؛ ولذلك رسموا رموزها على أبواب بيوتهم، وكان الواحد منهم يعبد عددا من الآلهة، بعضها في الليل، والآخر في النهار١ وهكذا عاش إبراهيم -﵇- فترة بين الكنعانيين، تعلم لغتهم، وشاهد عاداتهم ودياناتهم، وعرف ما هم عليه في حياتهم نشاطهم، ولم يرض بشيء من فسادهم وضلالهم.
إن إبراهيم -﵇- صناعة ربانية، يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ٢. إن الله -﷾- عرف إبراهيم -﵇- به، وأراه بالبصر والبصيرة، أنه -سبحانه- الرب المالك للسموات والأرض وما فيهما، من شمس وقمر ونجوم، وجبال وأشجار وسهول، وأن الكل مقهور تحت الملكوت الأعلى، مفتقر إلى الله في وجوده، واستمراره، وكافة شئونه، وبذلك كان إبراهيم -﵇- من الموقنين باستحالة وجود إله غير الله تعالى٣.
لم يرتض إبراهيم -﵇- أن يترك الناس على ضلالهم، ويستمر في عزلته، بل قام في أصحاب الكواكب يدعوهم إلى الله تعالى ولاحظ ﵇ أن الكواكب تختلف عن الأصنام من عدة نواحٍ:
فالكواكب تتحرك وتسير في فلك منتظم، بينما الأصنام لا حراك لها، وتبقى في الموضع والصورة التي وضعت فيها.
- الكواكب تتخذ مدارا علويا سماويا، بينما الأصنام جماد في الأرض.
- الكواكب تتكون من عناصر مجهولة، وهي لبعدها تجعل الإنسان يذهب في تحليلها كل مذهب، بينما الأصنام معلومة التكوين والتركيب.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج٢، ص١٥٠. ٢ سورة الأنعام آية: ٧٥. ٣ تفسير أبي السعود ج٢، ص١٥٢.
[ ١٣٤ ]
- الكواكب تفيد الإنسان بالضوء والحرارة، وتساعده في السير والحركة، بينما الأصنام خالية من أية فائدة.
- لا يمكن للإنسان أن يتحكم في الكواكب وهو مع الأصنام صانعها، وبائعها، والمتحكم فيها.
هذه الفروق جعلت إبراهيم -﵇- يبطل عبادة الكواكب بمنهج، وبأسلوب يختلف عن طريقته في إبطال عبادة الأصنام، يقول أبو السعود: إن إبراهيم -﵇- سلك طريقة في بيان استحالة ربوبية الكواكب تختلف عن طريقته في بيان استحالة ربوبية الأصنام؛ لأن ربوبية الكواكب أخفى بطلانا واستحالة، فلو استعمل مع عبدتها طريقته مع عبدة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد، وللجّوا في طغيانهم يعمهون١.
يصور القرآن الكريم طريقة إبراهيم -﵇- في إبطال عبادة الكواكب بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
فهو ﵇ لم يبدأ ببيان بطلان ألوهية الكواكب كما فعل مع عبدة الأصنام، وإنما أخذ يركز على غياب الكواكب وأفولها؛ ليعرفهم أن الإله لا يغيب ولا يفنى؛ لأن المغيب والفناء نقص لا يليق بمعبود.
_________________
(١) ١ تفسير أبي السعود ج٢، ص١٥٣ بتصرف. ٢ سورة الأنعام الآيات: ٧٤-٧٩.
[ ١٣٥ ]
وكان يمكنه لو ركز على طلوع الكوكب إثبات بطلان ألوهيتها؛ لأن الطلوع دليل الحدوث، وفي الطلوع احتياج للفاعل الصانع، ولكنه -﵇- تركه، وركز على الأُفُول؛ لأن الأفول يدل على الزوال والتغير، والزوال والتغير علامات نقص تخرج صاحبها عن حد الكمال، فلا يصح أن يكون الآفل ربا وإلها.
واستدلال إبراهيم -﵇- بالأفول مكنه من مجاراة القوم في معتقدهم، وإقبالهم على مناظرته، وقد تحيروا من أفول الآلهة، فأتاهم إبراهيم -﵇- من حيث تحيرهم، واستدل عليهم بما اعترفوا بصحته وذلك أبلغ في الاحتجاج١.
لما رأى إبراهيم الكوكب، قال معهم: هذا ربي، فلما أفل قال: لا أحب الآفلين؛ لأن الإله لا يتغير، ولا يفنى.
فلما رأى القمر طالعا، قال معهم: هذا ربي، فلما أفل طلب الهداية من ربه الحق؛ لأن ألوهية القمر ضلال وضياع.
فلما رأى الشمس طالعة جارى الناس وقال: هذا ربي هذا أكبر؛ لأن الناس كانوا يعتقدون أن الشمس ملك الفلك، ورب الأرباب، يقتبسون منه الأنوار، ويقبلون منه الآثار، فلما أفلت تبرأ من شركهم، وأعلن إيمانه بالله الواحد الأحد، خالق السموات والأرض.
والمجاراة عند إبراهيم -﵇- منهج تربوي، وقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ كان بلسانه فقط؛ لأن الله أراه منذ البداية ملكوت السموات والأرض، فلا رب له سواه، وكان يطلب منه الهداية خلال المجاراة.
يقول الشهرستاني: "وطلب الهداية من الرب ﷾ هي غاية التوحيد، ونهاية المعرفة، والواصل إلى الغاية والنهاية كيف يكون في مدارج البداية؟؟ "٢.
_________________
(١) ١ الملل والنحل ج١ ص٥٥ بتصرف. ٢ المرجع السابق ج١، ص٥٦.
[ ١٣٦ ]
والمتبرئ من شرك القوم دليل على اقتناعه بعقيدته، فهو وإن جاراهم فلحاجة قصدها، وغاية عمل لها والتبرؤ من كفرهم، وعباداتهم في النهاية دليل قصده منذ البداية، وإن لا لاستغرق الأمر عنده كثيرا من العمل والأجل.
ومن فطانة النبوة قوله لما رأى الشمس: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾؛ لأن هذا التعبير يبطل تأليه الكواكب والقمر؛ لأنها أصغر تزول بوجود الأكبر، وأيضا ففي العبارة شهادة حق عندهم تجعلهم يثقون في رأيه، ويسلمون بعدله ونصفته، فإذا ما تبرأ منها بعد ذلك لزوالها صدقوه، وكانوا معه.
لكن عبدة الكواكب استمروا على ضلالهم، ولم يأبهوا بدعوة إبراهيم، وأخذوا في مجادلته وحاولوا تخويفه من آلهتهم؛ ولذلك تركهم ﵇ بعدما أدى واجبه، وقال لهم ما حكاه الله عنه، قال تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ٨٠.
[ ١٣٧ ]