١ - الطول الممل والقصر المخل:
إن المقصود من الخطبة هو إفهام المخاطبين وإقناعهم بمضمون الكلام الموجه إليهم، فكل ما يحول دون ذلك عيب يجب اجتنابه، وأعظم ذلك الإطالة التي هي أدعى لسقطات اللسان، وتبعث الملل والسآمة في الإنسان.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن من المستحسن أن تكون الخطبة في الأحوال العادية في حدود عشرين دقيقة، ومن المهم مراعاة الحاضرين فقد يكون بعض المسلمين في برد شديد خارج المكان الدافئ، كما أنهم قد يكونون في حر شديد خارج المكان المكيف كما أن بعضهم قد يجيء مبكرًا إلى المسجد وقد يضايقه البول إذا ما أطيلت الخطبة.
لكن ينبغي للخطيب وهو يراعي مجانبة هذا العيب أن يجانب أيضًا الوقوع في ضدّه وهو القِصر المخلّ، وخير الأمور الوسط، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا» (رواه مسلم).
٢ - خلوها من نصوص الكتاب والسنة:
وقد عد بعض الفقهاء من أركان الخطبة ذكر آية من كتاب الله تعالى، فلا يَحْسُن بالخطيب أن يخلي خطبته من القرآن الكريم، وكذا من سنة المصطفى - ﵌ -؛ فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار.
٣ - كثرة الشعر فيها: وقد يصل الحد ببعض الخطباء إلى أن يُنزل الشعر منزلة الكتاب والسنة، فيستدل به كما يستدل بالكتاب والسنة، بل بعضهم قد لا يستدل إلا به، وهذا عيب كبير وطريق إلى تقرير الباطل إذا كان ذلك الشعر مشتملًا على باطل.
[ ١ / ٨٨ ]
على أن الاستشهاد بالشعر الذي له وقع في النفس، ويؤيد المعنى الذي نسج له الكلام لا بأس به إذا كان بقدر وناسب المقام.
٤ - اشتمالها على ألفاظ منكرة شرعًا أو عرفًا:
مثال الألفاظ المنكرة شرعًا أن يقول: «ما شاء الله وشاء فلان»، أو يقسم بغير الله تعالى أو غير ذلك من الألفاظ المنهية.
والمراد بالألفاظ المنكرة عرفًا ما اتفقت طباع القوم على استقباحه واستهجانه، فعلى الخطيب أن يتجنبه وأن يعدل عنه إلى بديل يعرفه القوم ولا ينكرونه، وهذا يختلف باختلاف البقاع والأصقاع، فربّ لفظ حسن شريف عند قوم قبيح هجين عند آخرين، وعليه يلزم من أراد أن يخطب في قوم أن يعرف لسانهم وعاداتهم وأعرافهم حتى لا يقع فيما يصدهم عنه ويسقطه في أعينهم.
٥ - اشتمالها على باطل:
وهذا من أخطر العيوب وأشدها ضررًا على الناس، وبخاصة إذا كان الخطيب مفوهًا، فيتوصل بحسن كلامه وتنميق عباراته إلى تقرير باطل كعقيدة فاسدة، أو بدعة محدثة، أو معاملة محرمة، أو معصية لله ورسوله - ﵌ -.
٦ - اشتمالها على أحاديث ضعيفة أو موضوعة:
وهذا العيب سببه عدم التحرّي والتثبت من صحة الحديث، ويخشى على من وقع في مثل هذا أن يتناوله الوعيد الذي ذكره رسول الله - ﵌ - في قوله: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (رواه مسلم).
قال الإمام النووي - ﵀ -: ضَبَطْنَاهُ: (يُرَى) بِضَمِّ الْيَاءِ وَالْكَاذِبِينَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْجَمْع وَهَذَا هُوَ المشْهُور فِي اللَّفْظَتَيْنِ. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابِهِ المسْتَخْرَجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلم حَدِيثُ سَمُرَةَ (الْكَاذِبَيْنِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ عَلَى التَّثْنِيَة».
[ ١ / ٨٩ ]
ويشتد هذا العيب ويتفاقم إذا كان موضوع الخطبة كله مبنيًا على حديث ضعيف أو موضوع، كمن يخطب في قصة ثعلبة بن حاطب ويستخرج منها العبر والعظات، وهي غير ثابتة، أو يخطب في قصة الغرانيق وهي أيضًا لا تثبت.
٧ - طغيان الأسلوب العلمي على الأسلوب الأدبي:
من مظاهر هذا العيب أن يستعمل الخطيب مصطلحات علمية دقيقة لا يدركها عامة الناس. ومن مظاهره أيضًا التوسع في تخريج الأحاديث وعزوها والكلام على طرقها وعللها. ومن مظاهره أيضًا خلو الخطبة من الأساليب الإنشائية كالأمر والنهي والاستفهام والتعجب والدعاء وغير ذلك، مما يخرجها من حد الخطابة إلى حد المقالة.
٨ - عدم إيفاء الموضوع حقه: وذلك بأن لا يتناول جميع عناصره، أو أن يستطرد ويفرع حتى يخرج عن الموضوع الذي يخطب من أجله، أو أن يشتت الموضوع ويبعثر الأفكار ولا يربط بينها.
٩ - خلوها من الإرشاد والتوجيه الفوري: وذلك بأن يغض الطرف عمن يتخطى رقاب الناس، فلا ينهاه عن ذلك، ويسكت عمن جلس دون أن يركع ركعتين فلا يأمره بهما، ويحصل بين يديه منكر فلا ينهى عنه.
١١ - اشتمالها على ألفاظ ثابتة لا تتغير، يفتتح بها ويختم بها وكأنها سنة ماضية:
وذلك كقولهم: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم »، وقولهم: «بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم » وقولهم: «فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له » وقولهم: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة لله»، وقولهم: «فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾»، وغيرها من العبارات التي يلتزم بها بعض الخطباء كأنها ركن من أركان الخطبة، وواجب من واجباتها، حتى صار عند الناس كالفرض ينكرون على تاركه.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن المداومة على ذلك من البدع.
ولكن لا بأس إن قاله الخطيب في بعض الأحيان لا على أنه سنة يقوم بتطبيقها.
[ ١ / ٩٠ ]
١٢ - غلبة الترخيص عليها:
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وَفِي الْحَدِيث (أي حديث صلاة الاستسقاء) تَرْجِيح التَّخْوِيف فِي الْخُطْبَة عَلَى التَّوَسُّع فِي التَّرْخِيص لِمَا فِي ذِكْر الرُّخَص مِنْ مُلَاءَمَة النُّفُوس لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّهْوَة، وَالطَّبِيب الْحَاذِق يُقَابِل الْعِلَّة بِمَا يُضَادّهَا لَا بِمَا يَزِيدهَا» (١).
١٣ - عدم الاهتمام بالخطبة الثانية:
بعض الخطباء الخطبة الثانية لديه كلمات معدودة تتكرر كل جمعة، وأصبح يحفظها الصغير والكبير ممن يؤم مسجده.
وينبغي على الخطيب الاهتمام بالخطبة الثانية مثلما يهتم بالخطبة الأولى، فلا يقتصر على شيء معين لا يزيد فيه ولا ينقص منه؛ فإن ذلك مدعاة للملل، وله أن يجعل الثانية امتدادًا لموضوع الأولى كما أن له أن يجعل الأولى تهتم بموضوع معين والثانية يجعلها علاجًا لمشكلة معينة أو توضيحًا لمسألة فقهية أو حديثًا عن أحوال المسلمين وما يتجدد في المجتمع الإسلامي مما هو بحاجة إلى طرق وبيان وتوضيح.
ومن المستحسن أن يغير الخطيب في نمط الخطبة الثانية فتارة يجعل الثانية مكملة للأولى، وتارة يتحدث في الثانية عن مسألة فقهية، أو يتحدث عن بعض أحوال المسلمين مما يحتاج إلى معالجة ونحو ذلك؛ لأن التغيير ضمن الحدود الشرعية أدعى لتقبل الناس وارتياحهم وشعورهم بأن خطيبهم حريص على إفادتهم فوائد متنوعة.