مهما ملك الخطيب من أسباب البيان، وبلاغة الخطاب، ومهما كانت قوة عباراته وجزالة أسلوبه، فلن يَصِلَ إلى درجة تأثير القرآن في القلوب، وقرعه للعقول، وأين كلام البشر من كلام الله تعالى؟!!
ولذا كان جديرًا بالخطيب أن يضمن خطبته الآيات القرآنية التي تزين خطبته، وتجلي حجته، وتجعله ينطق بالحق، فإن الاستشهاد بالآية، وتلاوتها في الوقت المناسب والموضع المناسب، إقامةٌ للحجة، وبيان وبرهان يأخذ بمجامع القلوب، ويشنف الأسماع، ويقرع العقول.
وقد كان رسول الله - ﵌ - في كثير من الأحيان يجعل خطبته أو جُلها تلاوة سورة من القرآن لما يشتمل عليه من ابتداء الخلق والبعث، والحساب، والجنة، والنار، والترغيب والترهيب.
أخرج مسلم في صحيحه عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُخْتٍ لها قَالَتْ: «أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ - ﵌ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ».
وعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ - ﵂ - قَالَتْ: «لَقَدْ كَانَ تَنّورُنَا وَتَنّورُ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَاحِدًا سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ» (رواه مسلم). (التنّور: الفُرن يُخبَزُ فيه).
وعَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ - ﵄ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﵌ - يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾» (رواه مسلم).
[ ١ / ١٣ ]
قال النووي - ﵀ - في شرحه: «فِيهِ الْقِرَاءَة فِي الْخُطْبَة وَهِيَ مَشْرُوعَة بِلَا خِلَاف، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبهَا وَالصَّحِيح عِنْدنَا (يقصد الشافعية) وُجُوبهَا وَأَقَلّهَا آيَة».
قال الشيخ عبد الله البسام في توضيح الأحكام (٢/ ٣٣٤).: «وفيه مشروعية قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وهي واجبة عند بعض العلماء، ومنهم الحنابلة، فلا بد من قراءة آية من كتاب الله، وفيه استحباب ترديد المواعظ لتذكير الناس في الخطبة، وأنفع ما يوعظ به العامة والعصاة هو ذكر الموت والبعث والجزاء».
ومما ينبغي التنبيه له عند الاستشهاد بالآيات القرآنية في الخطبة ونحوها ما يلي:
١ - الحذر من الخطأ في تلاوة الآية، فإن هذا مما يعيب الخطيب، ويفسد عليه جمال أفكاره، وأهمية موضوعه، ويصرف السامع عن التأثر بالخطبة إلى التصحيح والنقد، وتتبع الأخطاء، فينبغي على الخطيب حفظ الآيات التي يستشهد بها في الخطبة حفظًا دقيقًا وسليمًا، فإن لم يتيسر له ذلك فلتكن مكتوبة يرجع إليها عند الحاجة، حتى ولو كان مرتجلًا لخطبته ارتجالًا.
٢ - الحذر من قراءة الآية بقراءة غير معروفة ولا مشهورة لدى السامعين، وإن كانت قراءة سبعية، فهذا من شأنه أن يشوش أذهان السامعين، ويصرفهم عن تدبر المعنى إلى الوقوف عند اللفظ، ومن كان محَدِّثًا للناس فليحدثهم بما يعرفون، وليترك ما ينكرون.
٣ - الحذر من الاستشهاد بالآية في غير موضعها، وإنزالها على غير واقعها، والتكلف في حمل الآية على حادثة معينة، أو على جماعة معينة، أو واقع معين مما يعد من التحريف، وتحميل الألفاظ فوق ما تحتمل، وعلى ذلك فلا بد من الاطلاع على تفسير الآيات من كتب التفسير المعتمدة، فلا أقل من أن يطلع على تفسير واحد من هذه التفاسير حتى يكون على علم بفهم السلف للآيات وتأويلها، مما يقيه من التأويلات الباطلة، والأقوال الواهية في ذلك، وليحذر من الاعتماد على تفاسير المبتدعين، من الباطنية، والمعتزلة، والصوفية، والشيعة ونحوهم.
[ ١ / ١٤ ]
٤ - الحذر من إقحام الآيات في مجال المخترعات الحديثة أو الصناعات والوسائل العلمية المستجدة ما لم يكن ذلك نصًّا أو معنًى راجحًا مرْضِيًّا من العلماء الأخيار، فإن ولوج ذلك الباب لا يخلو من التكلف والتعسف في لَيِّ النصوص وتحميلها ما لا تحتمل من المعاني، وهذا باب يستهوي كثيرًا من الخطباء رغبةً في التميز، وإعجاب الناس بسعة علمه، وثقافته، ودقة نظره، واستنباطه للطائف المعرفة، وهو أمر محفوف بالمخاطر، ربما فتح الباب للتأويلات الفاسدة، والتجرؤ على الخوض في أمور من العلم لا يحسنها.
٥ - الحذر أيضًا من التكلف في تطويع الآيات للمناسبات المختلفة سواء أكانت مناسبات عامة أو خاصة.
ترتيل الآيات في الخطبة:
قال البعض بمشروعية ذلك واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل:٤) وبعموم قوله - ﵌ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» (رواه البخاري).
وقال الشيخ بكر أبو زيد - عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية سابقًا - - ﵀ -: «مما أحدث الوعاظ، وبعض الخطباء في عصرنا، مغايرة الصوت عند تلاوة الآيات من القرآن لنسق صوته في الوعظ أو الخطابة وهذا لم يُعرف عن السالفين، ولا الأئمة المتبوعين، ولا تجده لدى أجلاء العلماء في عصرنا، بل يتنكبونه، وكثير من السامعين لا يرتضونه، والأمزجة مختلفة ولا عبرة بالفاسد منها، كما أنه لا عبرة بالمخالف لطريقة صدر هذه الأمة وسلفها» (١).
قال الشيخ سعود الشريم: «بعض الخطباء حين استشهادهم في خطبهم ببعض الآيات، يقومون بترتيلها ولو كانت آيتين، فأقل بل إن بعضهم لا يكاد بمر بآية! إلا ويرتلها، ومحط السؤال هنا هو أنني لم أجد حسب بحثي القاصر ما يدل على هذا من سنة النبي - ﵌ - بل إنني وجدت أحاديث كثيرة يستشهد فيها النبي - ﵌ - بآية من القرآن
_________________
(١) بدع القُرَّاء القديمة والمعاصرة، ص٤٦.
[ ١ / ١٥ ]
ولم يأت فيها ما يدل على أنه كان يرتلها، ومعلوم أن الترتيل إنما يكون عند التلاوة ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل:٤).
ولذا فإنني لا زلتُ أبحث جاهدًا للوصول إلى نتيجة مقنعة تؤكد ما يذكره البعض من أن هذا بدعة في الخطب، إلا أن صعوبة التبديع تجعلني أتقاصر عن هذا البحث، ولكنني أقول: إن هذا خلاف سنة النبي - ﵌ - المعروفة عنه بالاستقراء سواء كانت في أثناء الخطبة أو في أثناء حديثه للصحابة - ﵃ -، لا أعلم بعد التتبع ما يدل على أنه - ﵌ - كان يرتل الآية الواحدة أو الآيتين في الاستشهاد. والعلم عند الله تعالى.