إن حب الناس للنبي - ﵌ - دفَعَهم لقبول ما يُرْوَى عنه دون تثبت، لاسيما إذا خاطب ما يروي عليهم عواطفهم ومشاعرهم، ورتب على قليل الفعل جزيل الأجر. وهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة قد تركَتْ آثارًا سيئة على الفرد والمجتمع كالتفرقة بين المسلمين، وإلغاء قواعد في أصول الفقه، وإيقاع المسلمين في الشرك، ورَدّ الحديث الصحيح، وغيرها من الآثار السيئة.
إن تفريطًا عظيمًا حصل من المسلمين بسُنّة رسول الله - ﵌ -، ومن هذا التفريط: التساهل في رواية الأحاديث التي تنسب إلى رسول الله - ﵌ - وقد يكون - ﵌ - منها براء، ولا يمكن أن يقول - ﵌ - مثل بعض الكلام الذي ينسبه بعض الجهلة إليه - ﵌ -، وقد يكون في أذهان البعض أن هذا الموضوع من البديهيات، ولكن المتأمل في أضرار هذه المسألة - وهي انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس - لَيُدْرِكُ بجلاء أن المسألة خطيرة.
كان الإمام عبد الرحمن بن مهدي - ﵀ - يقول: «لَأَنْ أعرف عِلَّة حديثٍ هو عندي أحَبُّ إليَّ مِن أن أكتب حديثًا ليس عندي»، ما الفائدة من الجمع فقط؟ لابد أن
_________________
(١) باختصار وتصرف يسيرين من محاضرة (الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة والموضوعة) للشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله.
[ ٢ / ٩ ]
أعرف هل الذي جمعت يحتج به أم لا؟ هل هو صحيح فيعمل به، أم هو ضعيف فيحذر الناس منه.
وقال سفيان الثوري - ﵀ -: «الملائكة حراس السماء وأصحاب الحديث حراس الأرض»، وقال يزيد بن زريع: «لكل دينٍ فرسان وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد».
ولذلك ذكر الحافظ الذهبي في الميزان أن هارون الرشيد - ﵀ - أتى بزنديق ليقتله، فقال الزنديق: «أين أنت من ألف حديثٍ وضَعْتُها على رسول الله - ﵌ -؟»، يعني: ماذا تستفيد من قتلي وقد وضعت ألف حديث وقد سَرَتْ بين الناس؟ فقال له هارون - ﵀ -: «وأين أنت من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا، يُبَيِّنَانِها للناس».
ولذلك كان للعلماء جهودٌ جبارة في كشف الكذب، وتعيين الأحاديث المكذوبة، وتبيين الضعيف للناس والمكذوب حتى يحذروا منه، ولذلك ألفوا مصنفاتٍ خاصة في تبيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وفي تبيان الأحاديث المشتهرة على الألسنة، وقعدوا القواعد في روايات أهل البدع، وشددوا في قبول الحديث، ودعوا الناس إلى تلقي الصحيح، والحث على التثبت في الرواية، وألفوا الكتب في أسماء الضعفاء والوضَّاعين، وبينوا الأحاديث المسروقة والمركبة وأحاديث القصاصين، وكانت لهم مواقف من الكذابين: بفَضْحهم، وتَرْك السلام عليهم، ووعظهم، والتشهير بهم، وتمزيق كتبهم بين أعينهم، والاستعداء عليهم من أهل الخير، ووصفهم بألقابٍ تناسبهم.