عَنْ أَبي يَعْلَى شَدَّاد بنِ أوسٍ - ﵁ -، عَنْ رسولِ الله - ﵌ - قال: «إنَّ الله كَتَبَ الإحسّانَ على كُلِّ شيءٍ، فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (رواهُ مُسلم).
(الذِّبْحَةَ) بكسر الذال والهاء كالقتلةِ، وهي الهيئة، ويروى: «الذَّبْحَ» بفتح الذال بغير هاء.
• معنى الحديث:
قولُه - ﵌ -: «إنَّ الله كَتَبَ الإحسانَ على كُلِّ شيءٍ» ظاهرُهُ يقتضي أنَّه كتب على كلِّ مخلوق الإحسان، فيكون كُلُّ شيءٍ، أو كُلُّ مخلوق هو المكتوبَ عليه، والمكتوب هو الإحسّانُ.
وقيل: إنَّ المعنى: أنَّ الله كتب الإحسانَ إلى كلِّ شيء، أو في كلّ شيء، أو كتب الإحسانَ في الولاية على كُلِّ شيءٍ، فيكون المكتوبُ عليه غيرَ مذكور، وإنَّما المذكورُ المحسَن إليه.
ولفظ: «الكتابة» يقتضي الوجوب عندَ أكثرِ الفقهاء والأصوليين، وإنَّما يعرف استعمالُ لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتمٌ إمَّا شرعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء:١٠٣)، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة:١٨٣)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (البقرة:٢١٦)، أو فيما هو واقع قدرًا لا محالة، كقوله: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (المجادلة:٢١)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء:١٠٥)، وقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَان﴾ (المجادلة:٢٢).
وقال النَّبيُّ - ﵌ - في قيام شهر رمضانَ: «إنِّي خشيتُ أنْ يُكْتَبَ عَلَيكُمْ» (رواه البخاري ومسلم).
[ ١ / ٣٣١ ]
فهذا الحديث نصٌّ في وجوب الإحسان، وقد أمر الله تعالى به، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل:٩٠)، وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:١٩٥).
وهذا الأمرُ بالإحسّانِ تارةً يكونُ للوجوب كالإحسّان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البرُّ والصِّلَةُ، والإحسّانُ إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه.
وتارةً يكونُ للندب كصدقةِ التطوعِ ونحوها.
• دلالة الحديث:
وهذا الحديثُ يدلّ على وجوب الإحسانِ في كل شيء من الأعمال، لكن إحسانُ كُلِّ شيء بحسبه، فالإحسانُ في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنةِ: الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدرُ من الإحسان فيها واجب، وأمَّا الإحسانُ فيها بإكمالِ مستحباتها فليس بواجب.
والإحسانُ في ترك المحرَّمات: الانتهاءُ عنها، وتركُ ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (الأنعام:١٢٠).فهذا القدرُ من الإحسّان فيها واجب.
وأما الإحسانُ في الصبر على المقدورات، فأنْ يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تَسَخُّطٍ ولا جَزَع.
والإحسانُ الواجبُ في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيامُ بما أوجب الله من حقوق ذلك كلِّه، والإحسانُ الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كُلِّها، والقدرُ الزائد على الواجب في ذلك كلِّه إحسانٌ ليس بواجب.
والإحسانُ في قتل ما يجوزُ قتله من الناس والدواب: إزهاقُ نفسه على أسرعِ الوجوه وأسهلِها من غير زيادةٍ في التعذيب، فإنَّه إيلامٌ لا حاجة إليه.
وهذا النوعُ هو الذي ذكره النَّبيُّ - ﵌ - في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيلِ المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: «فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحْتُم
[ ١ / ٣٣٢ ]
فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» والقِتلة والذِّبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل.
وهذا يدلُّ على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يُباحُ إزهاقُها على أسهلِ الوجوه. وقد حكى ابنُ حَزمٍ الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة.
وأسهلُ وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حقِّ الكفار: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (محمد:٤)، وقال تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ (الأنفال:١٢) وقد قيل: إنَّه عين الموضع الذي يكونُ الضربُ فيه أسهلَ على المقتول وهو فوقَ العظام دونَ الدماغ، ووصى دريدُ بنُ الصِّمة قاتله أنْ يَقْتُلَهُ كذلك.
وكان النَّبيُّ - ﵌ - إذا بعث سريةً تغزوا في سبيل الله قال لهم: «لا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا» (رواه مسلم).
وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عمران بنِ حُصينٍ وسَمُرَة بنِ جُندبٍ: أنَّ النَّبيَّ - ﵌ - كان يَنْهَى عن المُثْلةِ». (صحيح).
ورواه البخاري من حديث عبد الله بن يزيد، عن النَّبيِّ - ﵌ - أنَّه: نَهى عن المُثْلَةِ.
• القتلَ المباحَ يقع على وجهين:
أحدُهما: أنْ يكون قصاصًا، فلا يجوزُ التمثيلُ فيه بالمقتص منه، بل يُقتَلُ كما قَتَلَ.
فإنْ كان قد مَثَّلَ بالمقتولِ، فهل يُمثَّلُ به كما فعل أمْ لا يُقتل إلا بالسيف؟
فيهِ قولان مشهوران للعلماء:
أحدُهما: لا قَوَدَ إلاَّ بالسيف.
والقول الثاني: أنَّه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، وفي «الصحيحين» عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سدد خطاكم قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ بِالْمَدِينَةِ قَالَ فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﵌ - وَبِهَا رَمَقٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله - ﵌ -: «فُلَانٌ قَتَلَكِ؟»، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا فَأَعَادَ
[ ١ / ٣٣٣ ]
عَلَيْهَا قَالَ: «فُلَانٌ قَتَلَكِ؟» فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا، فَقَالَ لَهَا فِي الثَّالِثَةِ: «فُلَانٌ قَتَلَكِ؟»، فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - فَقَتَلَهُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ.
وفي روايةٍ لهما: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: عَدَا يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله - ﵌ - عَلَى جَارِيَةٍ فَأَخَذَ أَوْضَاحًا كَانَتْ عَلَيْهَا، وَرَضَخَ رَأْسَهَا فَأَتَى بِهَا أَهْلُهَا رَسُولَ الله - ﵌ - وَهِيَ فِي آخِرِ رَمَقٍ وَقَدْ أُصْمِتَتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله - ﵌ -: «مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلَانٌ؟»، لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا.
قَالَ: فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ أَنْ لَا، فَقَالَ فَفُلَانٌ - لِقَاتِلِهَا - فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ الله - ﵁ - فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» (رواه البخاري ومسلم).
وفي روايةٍ لمسلم: عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ فَأُخِذَ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ الله - ﵌ - فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ».
(الْأَوْضَاح): قِطَع فِضَّة، (رَمَق): بَقِيَّة الْحَيَاة وَالرُّوح. وَالْقَلِيب: الْبِئْر.
(رَضَخَهُ بَيْن حَجَرَيْنِ وَرَضَّهُ بِالْحِجَارَةِ وَرَجَمَهُ بِالْحِجَارَةِ) هَذِهِ الْأَلْفَاظ مَعْنَاهَا وَاحِد؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَضَعَ رَأْسه عَلَى حَجَر وَرُمِيَ بِحَجَرٍ آخَر فَقَدْ رَجَمَ، وَقَدْ رَضَّ، وَقَدْ رَضَخَ. وَقَدْ يَحْتَمِل أَنَّهُ رَجَمَهَا الرَّجْم الْمعْرُوف مَعَ الرَّضْخ؛ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيب.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا: أَنَّ الْجَانِي عَمْدًا يُقْتَل قِصَاصًا عَلَى الصِّفَة الَّتِي قَتَلَ، فَإِنْ بِسَيْفٍ قُتِلَ هُوَ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ قُتِلَ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَب أَوْ نَحْوهمَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيّ رَضَخَهَا فَرُضِخَ هُوَ.
الوجه الثاني من وجهَي القتلَ المباحَ: أنْ يكون القتلُ للكفر، إما لكفر أصلي، أو لردَّة عن الإسلام، فأكثرُ العلماء على كراهة المُثلة فيه، وأنَّه يُقتل فيه بالسيف.
وكان النَّبيِّ - ﵌ - قد أَذِنَ في التحريق بالنار، ثم نهى عنه كما في (صحيح البخاري) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فِي بَعْثٍ وَقَالَ لَنَا إِنْ
[ ١ / ٣٣٤ ]
لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ» قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا».
وصحَّ عن عليٍّ - ﵁ - أنَّه حرَّق المرتدين، وأنكر ذلك ابنُ عباس - ﵁ - عليه فروى البخاري عن ابن عبَّاسٍ - ﵁ -:أنَّ النَّبيَّ - ﵌ - قال: «لا تُعَذّبُوا بِعَذَابِ اللهِ - ﷿ -».
وقيل: إنَّ عليًا - ﵁ - لم يُحرّقهم، وإنَّما دَخَّنَ عليهم حتى ماتوا. (ذكره البيهقي).
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنَّسائي من حديث ابن مسعودٍ - ﵁ - قال:
«كُنَّا مَعَ النَّبيِّ - ﵌ -، فمَرَرْنَا بِقَرْيَةِ نَمْلٍ قَدْ أُحْرِقَتْ، فغَضِبَ النَّبِيُّ - ﵌ - وقَالَ: إنَّه لَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللهِ - ﷿ -» (صحيح).
وأكثرُ العلماء على كراهةِ التحريق بالنار حتى للهوام، وقال إبراهيم النَّخعيُّ: تحريقُ العقرب بالنار مُثلةٌ.
ونهت أمُ الدرداء عن تحريق البرغوث بالنار.
وقال الإمام أحمد: لا يُشوى السمكُ في النار وهو حيٌّ.
• الرفق بالحيوان:
وقد ثبت عن النَّبيِّ - ﵌ - أنَّه نهى عن صَبْرِ البهائِمِ، وهو: أنْ تحبس البهيمة، ثُمَّ تُضرب بالنبل ونحوه حتَّى تموتَ.
ففي «الصحيحين» عن أنسٍ - ﵁ -:أنَّ النَّبيَّ - ﵌ - نَهَى أنْ تُصْبَرَ البَهَائِم.
وفيهما أيضًا عن ابن عمر: أنَّه مرَّ بقوم نصبوا دجاجةً يرمونها، فقال ابنُ عمر: «مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا».
وروى مسلم من حديث ابنِ عباس، عن النَّبيِّ - ﵌ - «أنَّه نَهَى أنْ يُتَخَّذَ شَيْءٌ فِيهِ الرُوحُ غَرَضًا»، والغرض: هو الذي يرمى فيه بالسهام.
وأمر النَّبيُّ - ﵌ - أنْ تُحَدَّ الشَّفْرةُ، وأنْ تُوَارَى عَنِ البَهَائِمِ. (رواه أحمد وإسناده صحيح)، فالذبح بالآلة الحادة يُرِيحُ الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وقال عمر - ﵁ -: «لا تَعْجلُوا الأنْفُسَ قَبْلَ أنْ تُزْهَقَ».
(رواه البيهقي وقال الألباني: إسناده يحتمل التحسين).
وروى الخلالُ والطبرانيُّ من حديث عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: «مَرَّ رَسُولُ الله - ﵌ - عَلَى رَجُلٍ وَاضِعٍ رِجْلَهُ عَلَى صَفْحَةِ شَاةٍ، وَهُوَ يَحُدُّ شَفْرَتَهُ، وَهِيَ تَلْحَظُ إِلَيْهِ بِبَصرِها، فقال: «أفَلَا قَبْلَ هَذَا؟ تُرِيدُ أنْ تُمِيتَهَا مَوْتَتَيْنِ؟» (صحيح).
وقال الإمام أحمد: تُقاد إلى الذبح قودًا رفيقًا، وتُوارى السكينُ عنها، ولا تُظهر السكين إلا عندَ الذبح، أمر رسولُ الله - ﵌ - بذلك: «أنْ تُوَارَى الشّفَارُ».وقال: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنَّها تعرف ربها، وتعرف أنَّها تموت.
وروى عبدُ الرزاق عن ابن سيرين: أنَّ عُمَرَ رأى رجلًا يسحب شاةً برجلها ليذبحها، فقال له: وَيْلَكَ قُدْها إلى الموت قودًا جميلًا.
وروى محمدُ بنُ زيادٍ: أنَّ ابن عمر رأى قصَّابًا يجُرُّ شاةً، فقال: سُقها إلى الموت سوقًا جميلًا، فأخرج القصابُ شفرة، فقال: ما أسوقها سوقا جميلًا وأنا أريد أنْ أذبحها الساعة، فقال: سقها سوقًا جميلًا.
وفي «مسند الإمام أحمد» عن معاوية بنِ قُرة، عن أبيه: أنَّ رجلًا قال للنَّبيِّ - ﵌ -:يا رسولَ اللهِ إني لأذبحُ الشاةَ وأنا أرحمها، فقال النَّبيُّ - ﵌ -: «والشَاةُ إنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ». (إسناده صحيح).
وقال مطرف بنُ عبد الله: إنَّ الله ليرحم برحمة العصفور.
وقد رُوي من غير وجه عن النَّبيِّ - ﵌ - أنَّه نهى أنْ تُولَّه والدة عن ولدها، (أي يفرق بينهما) وهو عام في بني آدم وغيرهم.
فروى البخاري في (الأدب المفرد) وأبو داود والحاكم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُفَرِّشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ - ﵌ - َ فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا، رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا».
[ ١ / ٣٣٦ ]
وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟»، قُلْنَا: «نَحْنُ»، قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» (سنده صحيح).
(الْحُمَّرَةُ):بضم الحاء وفتح الميم المشددة: طائر صغير كالعصفور أحمر اللون.
(تُفَرِّش):أي ترفرف بجناحيها وتقترب من الأرض.
وَسُئِلَ - ﵌ - عَنْ الْفَرَعِ قَالَ: «وَالْفَرَعُ حَقٌّ، وَأَنْ تَتْرُكُوهُ حَتَّى يَكُونَ بَكْرًا شُغْزُبًّا ابْنَ مَخَاضٍ أَوْ ابْنَ لَبُونٍ، فَتُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً، أَوْ تَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ فَيَلْزَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ، وَتَكْفَأَ إِنَاءَكَ، وَتُولِهُ نَاقَتَكَ». (حسن رواه أبو داود).
والمعنى: أنَّ ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عندَ ولادته لم يُنتفع بلحمه، وتضرَّر صاحبُه بانقطاع لبنِ ناقته، فتُكفِئ إناه وهُوَ المِحْلَبُ الذي تُحلَب فيه الناقة، وتولَّه الناقة على ولدها بفقدها إيَّاه.
وعن عبد الله بن جعفر - ﵄ - أن النبي - ﵌ - دَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ - ﵌ - حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - ﵌ - فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟» فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا؛ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» (صحيح رواه أبو داود).
(حَائِطًا): أَيْ بُسْتَانًا (فَإِذَا): لِلْمُفَاجَأَةِ (فَلَمَّا رَأَى): أَيْ الْجَمَل (النَّبِيّ - ﵌ -).
(حَنَّ): أَيْ رَجَّعَ صَوْته وَبَكَى (وَذَرَفَتْ): أَيْ جَرَتْ (عَيْنَاهُ): أَيْ عَيْنًا الْجَمَل.
(ذِفْرَاهُ): الذِّفْرَى مِنْ الْبَعِير مُؤَخِّر رَأْسه وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يُعْرَف مِنْ قَفَاهُ.
وقيل: ذِفْرَى الْبَعِير أَصْل أُذُنه. (وَتُدْئِبهُ): أَيْ تُكْرِههُ وَتُتْعِبهُ.
وعَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: «اتَّقُوا اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً».
(صحيح رواه أبو داود).
(قَدْ لَحِقَ ظَهْره بِبَطْنِهِ): أَيْ مِنْ الْجُوع.
(الْمُعْجَمَة): أَيْ الَّتِي لَا تَقْدِر عَلَى النُّطْق. وَالْمعْنَى: خَافُوا اللهُ فِي هَذِهِ الْبَهَائِم الَّتِي لَا تَتَكَلَّم فَتَسْأَل مَا بِهَا مِنْ الْجُوع وَالْعَطَش وَالتَّعَب وَالْمَشَقَّة.
وأصل الأعجم: الذي لا يفصح بالعربية ولا يجيد التكلم بها عجميًا كان أو عربيًا سمي به لعجمة لسانه، والتباس كلامه.
(وَكُلُوهَا صَالِحَة): أَيْ حَال كَوْنهَا صَالِحَة لِلْأَكْلِ أَيْ سَمِينَة.
قال الألباني: «قوله (كلوها) قيَّدُوها بضم الكاف من الأكل وعليه جرى المناوي في شرح هذه الكلمة، فإذا صحت الرواية بذلك فلا كلام، وإلا فالأقرب عندي أنها (كِلوها) بكسر الكاف من وكل يكل كل أي اتركوها، هذا هو المتبادر من سياق الحديث.
وروى البخاري في «الأدب المفرد» أن رسول الله - ﵌ - قال: «مَنْ رَحِمَ وَلَوْ ذَبِيحَةَ عُصْفُورٍ، ﵀ يَوْمَ القِيَامَةِ» (سنده حسن).
وقال - ﵌ -: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ». (رواه البخاري ومسلم).
(فِي هِرَّة) أَيْ بِسَبَبِ هِرَّة. (خَشَاشِ الْأَرْضِ): هَوَامّ الْأَرْض وَحَشَرَاتهَا.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﵌ - قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ: «لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي».
فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ؛ فَشَكَرَ الله لَهُ؛ فَغَفَرَ لَهُ».
قَالُوا: «يَا رَسُولَ الله، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟»
قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ». (رواه البخاري)
بَيْنَا: بَيْنَمَا. يَلْهَث: لَهَثَ الْكَلْبُ: أَخْرَجَ لِسَانه مِنْ الْعَطَش.
[ ١ / ٣٣٧ ]
الثَّرَى: الْأَرْض النَّدِيَّة. خُفّه: الخُفّ: ما يُلبَس في الرِّجْل من جِلْدٍ رقيق.
ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ: أَيْ أمسك أَحَد خُفَّيْهِ الَّذِي فِيهِ الْمَاء بفمه، وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعَالِج بِيَدَيْهِ لِيَصْعَد مِنْ الْبِئْر، وَهُوَ يدل على أَنَّ الصُّعُود مِنْهَا كَانَ عَسِرًا.
رَقِيَ: صَعِدَ. وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِم أَجْرًا: أَيْ فِي سَقْي الْبَهَائِم أَوْ الْإِحْسَان إِلَى الْبَهَائِم. فِي كُلّ كَبِد رَطْبَة أَجْر: أَيْ كُلّ كَبِد حَيَّة، وَالْمُرَاد رُطُوبَة الْحَيَاة، أَوْ لِأَنَّ الرُّطُوبَة لَازِمَة لِلْحَيَاةِ فَهُوَ كِنَايَة، أَيْ الْأَجْر ثَابِت فِي إِرْوَاء كُلّ كَبِد حَيَّة.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمَعْنَى: فِي كُلّ كَبِد حَيّ أَجْر، وَهُوَ عَامّ فِي جَمِيع الْحَيَوَان.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّ عُمُومه مَخْصُوص بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَم - وَهُوَ مَا لَمْ يُؤْمَر بِقَتْلِهِ - فَيَحْصُل الثَّوَاب بِسَقْيِهِ، وَيَلْتَحِق بِهِ إِطْعَامه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وُجُوه الْإِحْسَان إِلَيْهِ.
وَقَالَ اِبْن التِّين: لَا يَمْتَنِع إِجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومه، يَعْنِي: فَيُسْقَى ثُمَّ يُقْتَل لِأَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نُحْسِن الْقِتْلَة وَنُهِينَا عَنْ الْمُثْلَة.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - قَالَ: «غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ؛ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ». (رواه البخاري).
ولفظ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ -: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنْ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا» (رواه مسلم). الْبَغِيّ: الزَّانِيَة، وَالْبِغَاء هُوَ الزِّنَا. رَكِيٍّ: ِبِئْرٍ. يُطِيفُ بِبِئْرٍ: يَدُور حَوْلهَا.
أَدْلَعَ لِسَانه: أَيْ أَخْرَجَهُ لِشِدَّةِ الْعَطَش. الْمُوق: الْخُفّ: وهو ما يُلْبَس في الرِّجْل من جلد رقيق. نَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا: أي أخْرَجَتْ له الماءَ بِخُفِّها مِن البِئْرِ.
[ ١ / ٣٣٩ ]
• ومن الآثار في الرفق بالحيوان (ذكرها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة):
أ - عن المسيب بن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب ضرب جمّالا، وقال: لم تحمل على بعيرك مالا يطيق؟! (رواه ابن سعد في «الطبقات» وسنده صحيح).
ب - عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب - ﵁ -:
أن رجلًا حَدَّ شفرة وأخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر - ﵁ - بالدِّرّة وقال أتعذب الروح؟! ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها؟! (رواه البيهقي). (الدِّرَّة: السوط).
ج - عن محمد بن سيرين: أن عمر - ﵁ - رأى رجلًا يجر شاة ليذبحها فضربه بالدِّرَّة وقال: سُقْها - لا أمَّ لك - إلى الموت سوقًا جميلًا. (رواه البيهقي).
د - عن وهب بن كيسان: أن ابن عمر رأى راعي غنم في مكان قبيح، وقد رأى ابن عمر مكانا أمثل منه، فقال ابن عمر: ويحك يا راعي حوِّلْها، فإني سمعتُ النبي - ﵌ - يقول: «كُلُّ رَاعٍ مَسْؤُولٌ عَنْ َرِعَّيِتِهِ». (رواه أحمد وسنده حسن).
هـ - عن معاوية بن قرة قال: كان لأبي الدرداء جمل يقال له: (دمون)، فكان إذا استعاروه منه قال: لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا، فإنه لا يطيق أكثر من ذلك، فلما حضرته الوفاة قال: يا دمون لا تخاصمني غدًا عند ربي، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تطيق. (رواه أبو الحسن الأخميمي في «حديثه»).
قال الشيخ الألباني: تلك هي بعض الآثار، وهي تدل على مبلغ تأثر المسلمين الأولين بتوجيهات النبي - ﵌ - في الرفق بالحيوان، وهي في الحقيقة نقطة من بحر، وفي ذلك بيان واضح أن الإسلام هو الذى وضع للناس مبدأ (الرفق بالحيوان)، خلافا لما يظنه بعض الجهال بالإسلام أنه من وضع الكفار الأوربيين، بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين، ثم توسعوا فيها، ونظموها تنظيمًا دقيقًا، وتبنتها دولهم حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم، حتى توهم الجهال أنه من خصوصياتهم! وغرهم في ذلك أنه لايكاد يُرَى هذا النظام مطبقا في دولة من دول الإسلام، وكانوا هم أحق بها وأهلها!
[ ١ / ٣٤٠ ]