• مرض النبي - ﵌ -:
بدأ المرض بالنبي - ﵌ - في مطلع شهر ربيع الأول، وقد نُقل إلينا بعض أخباره وأحواله - ﵌ - في مرضه:
من أحواله - ﵌ - قبل اشتداد المرض:
عن عُبَيْدُ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﵌ - وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﵌ - بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ.
قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ أَتَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الْآخَرُ؟
قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -.
وَكَانَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - قَالَ بَعْدَمَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ»، وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﵌ - ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ. (رواه البخاري ومسلم).
(ثَقُلَ) أَيْ: فِي الْمَرَض، اِشْتَدَّ مَرَضه. (فِي أَنْ يُمَرَّض) أَيْ: يُخْدَم فِي مَرَضه.
(فَأَذِنَّ) الْأَزْوَاج، (حَتَّى طَفِقَ) يُقَال طَفِقَ يَفْعَل كَذَا إِذَا شَرَعَ فِي فِعْل وَاسْتَمَرَّ فِيهِ.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» (رواه البخاري).
[ ١ / ٣٧١ ]
وقَالَتْ عَائِشَةَ - ﵂ -:لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَقِيلَ لَهُ: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ»، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ».
فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - فَصَلَّى فَوَجَدَ النَّبِيُّ - ﵌ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنْ الْوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﵌ -: «أَنْ مَكَانَكَ»، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ.
قِيلَ لِلْأَعْمَشِ: وَكَانَ النَّبِيُّ - ﵌ - يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَ بِرَأْسِهِ: نَعَمْ» (رواه البخاري ومسلم).
(أَسِيفٌ):رَقِيق الْقَلْب.
(إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ):الْمُرَاد أَنَّهُنَّ مِثْلُ صَوَاحِب يُوسُف فِي إِظْهَار خِلَاف مَا فِي الْبَاطِن. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْخَطَّاب وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجَمْع فَالْمُرَاد بِهِ وَاحِد وَهِيَ عَائِشَة فَقَطْ، كَمَا أَنَّ (صَوَاحِب) صِيغَة جَمْع وَالْمُرَاد زُلَيْخَا - امرأة العزيز - فَقَطْ.
وَوَجْه الْمُشَابَهَة بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّ زُلَيْخَا اِسْتَدْعَتْ النِّسْوَة وَأَظْهَرَتْ لَهُنَّ الْإِكْرَام بِالضِّيَافَةِ وَمُرَادُهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَى حُسْن يُوسُف وَيَعْذُرْنَهَا فِي مَحَبَّته، وَأَنَّ عَائِشَة أَظْهَرَتْ أَنَّ سَبَب إِرَادَتهَا صَرْف الْإِمَامَة عَنْ أَبِيهَا كَوْنه لَا يُسْمِعُ الْمَأْمُومِينَ الْقِرَاءَة لِبُكَائِهِ، وَمُرَادهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ ما صَرَّحَتْ هِيَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ: «لَقَدْ رَاجَعْته وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَة مُرَاجَعَته إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاس بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا».
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: لَمْ يَخْرُجْ النَّبِيُّ - ﵌ - ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﵌ - بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ.
فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ - ﵌ - مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ - ﵌ - حِينَ وَضَحَ لَنَا فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ - ﵌ - بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَأَرْخَى النَّبِيُّ - ﵌ - الْحِجَابَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ» (رواه البخاري ومسلم).
(فَقَالَ نَبِيُّ اللهُ - ﵌ - بِالْحِجَابِ) هُوَ مِنْ إِجْرَاءِ قَالَ مَجْرَى فَعَلَ.
وقالت عَائِشَةَ ﵂: «إن رَسُولَ اللهِ - ﵌ - كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْتُ أَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ - ﵌ - عَنْهُ» (رواه البخاري ومسلم).
• شدة وجعه - ﵌ -:
عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: «إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا»، قَالَ: «أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ»، قُلْتُ: «ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟» قَالَ: «أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﵌ - جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ - ﵍ -: «وَاكَرْبَ أَبَاهُ»، فَقَالَ لَهَا: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ» (رواه البخاري).
• مدة مرضه - ﵌ -:
قال ابن حجر - ﵀ - في (فتح الباري): «وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّة مَرَضه، فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَة عَشَر يَوْمًا، وَقِيلَ بِزِيَادَةِ يَوْم وَقِيلَ بِنَقْصِهِ وَقِيلَ عَشَرَة أَيَّام وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ فِي (مَغَازِيه) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح».
• اليوم الأخير من حياته - ﵌ -:
عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ - ﵁ - - وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ - ﵌ - وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ - أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ - ﵌ - الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ - ﵌ - سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ
[ ١ / ٣٧٢ ]
وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنْ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ - ﵌ -، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ - ﵌ - أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ» (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية أخرى: « وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ». (رواه البخاري).
قال ابن كثير: «وهذا الحديث في الصحيح، وهو يدل على أن الوفاة وقعت بعد الزوال».
وكَانَتْ عَائِشَةَ - ﵂ - تَقُولُ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَأَنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ.
دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ: «آخُذُهُ لَكَ»، فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ.
فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: «أُلَيِّنُهُ لَكَ»، فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ - يَشُكُّ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ - أحد رواة الحديث - فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ» (رواه البخاري ومسلم).
وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ اللهَ - ﷿ - تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى» (رواه البخاري ومسلم والترمذي).
قال النووي: الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ الْمُرَاد بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى الْأَنْبِيَاء السَّاكِنُونَ أَعْلَى عَلِيِّينَ.
[ ١ / ٣٧٤ ]
قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ - قَوْلَهُ: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» (رواه البخاري ومسلم).
وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف من ربيع الأول، والجمهور أنها في الثاني عشر منه.
• عُمْر النبي - ﵌ - حين مات:
عن عائشة - ﵄ - أن النبي - ﵌ - توفي وهو ابن ثلاث وستين. (رواه البخاري ومسلم).وصح مثله عن ابن عباس - ﵁ -. (رواه البخاري)
وفي رواية أخرى عن ابن عباس: توفي رسول الله - ﵌ - وهو ابن خمس وستين. (رواه مسلم) وصح عن أنس - ﵁ - أنها ستون سنة. (رواه البخاري)
وجمع النووي بين الأقوال، فقال: «توفي - ﵌ - وله ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون سنة، وقيل: ستون سنة، والأول أصح وأشهر، وقد جاءت الأقوال الثلاثة في الصحيح.
قال العلماء: الجمع بين الروايات أن من روى ستين لم يعد معها الكسور، ومن روى خمسًا وستين عد سنتي المولد والوفاة، ومن روى ثلاثًا وستين لم يعدهما، والصحيح ثلاث وستون».
• حزن الصحابة على فقد حبيبهم وحبيبنا - ﵌ -:
ولما توفي - ﵌ - اضطرب المسلمون، فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية.
عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْح ِـ يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ - فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: «وَاللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -».
قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ»، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - فَقَبَّلَهُ قَالَ: «بِأَبِي
[ ١ / ٣٧٥ ]
أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا»، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: «أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ»، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ فَحَمِدَ اللهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: «أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا - ﵌ - فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ».
وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.
وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ.
قَالَتْ عَائِشَةَ - ﵂ -: «فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللهُ بِهَا، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمْ اللهُ بِذَلِكَ ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى وَعَرَّفَهُمْ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إِلَى الشَّاكِرِينَ﴾. (رواه البخاري).
وعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﵌ - جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ - ﵂ -: وَاكَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ»، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: «يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ»، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ - ﵂ -: «يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - التُّرَابَ» (رواه البخاري).
أَشَارَتْ - ﵂ - بِذَلِكَ إِلَى عِتَابهمْ عَلَى إِقْدَامهمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى خِلَاف مَا عَرَفَتْهُ مِنْهُمْ مِنْ رِقَّة قُلُوبهمْ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّتهمْ لَهُ، وَسَكَتَ أَنَس عَنْ جَوَابهَا رِعَايَة لَهَا وَلِسَان حَاله يَقُول: لَمْ تَطِبْ أَنْفُسنَا بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّا قَهَرْنَاهَا عَلَى فِعْله اِمْتِثَالًا لِأَمْرِهِ.
قَالَ الْمُثَنَّي سَمِعْتُ أَنَسًا - ﵁ - يَقُولُ: «قَلّ لَيْلَةٌ تَأْتِي عَلَيَّ إِلَّا وَأَنَا أَرَى فِيهَا خَلِيلِي - ﵌ -»، وَأَنَسٌ يَقُولُ ذَلِكَ وَتَدْمَعُ عَيْنَاهُ. (رواه أحمد وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي سعيد فمن رجال البخاري).
[ ١ / ٣٧٦ ]
وعَنْ أَبِي ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ قَالَ: قَدِمْت الْمَدِينَة وَلِأَهْلِهَا ضَجِيج بِالْبُكَاءِ كَضَجِيجِ الْحَجِيج، فَقُلْت مَهْ؟ فَقَالُوا. قُبِضَ رَسُول الله - ﵌ -. (فتح الباري ٨/ ٥٨٠).
وقال عثمان - ﵁ -:توفي رسول الله - ﵌ - فحزن عليه رجال من أصحابه حتى كان بعضهم يوسوس، فكنت ممن حزن عليه، فبينما أنا جالس في أطم من آطام المدينة - وقد بويع أبو بكر - إذ مر بي عمر فسلم عَلَيَّ، فلم أشعر به لِمَا بي من الحزن. (الطبقات الكبرى ٢/ ٨٤).
لكن حزن الصحابة وعظيم المصاب لم يخرجهم عن الصبر والتصبر إلى النواح والجزع، قال قيس بن عاصم: «لا تنُوحوا عَلَيَّ، فإن رسول الله - ﵌ - لم يُنَحْ عليه». (رواه النسائي وإسناده صحيح).
• غسل النبي - ﵌ - وتكفينه ودفنه:
عن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - تَقُولُ: لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ - ﵌ - قَالُوا: «وَاللهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ».
فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمْ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ أَنْ اغْسِلُوا النَّبِيَّ - ﵌ - وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ».
وَكَانَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - تَقُولُ: «لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَلَهُ إِلَّا نِسَاؤُهُ» (حسن رواه أبو داود).
وعَنْها - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» (رواه البخاري).
[ ١ / ٣٧٧ ]
وعَنْهَا - ﵂ - قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - (أي في مرض موته) فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ - ﵌ -؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. (رواه البخاري)
سحولية: نسبة إلى قرية يقال لها سحول باليمن، والكرسف القطن.
قال ابن كثير في (البداية والنهاية): «والمشهور عن الجمهور أنه - ﵌ - توفي يوم الإثنين ودفن ليلة الأربعاء».
وقَالَ أَبُو عَسِيبٍ - وكَانَ قَدْ شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - ـ: « َكَانُوا يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْ الْبَابِ الْآخَرِ». (رواه الإمام أحمد وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم).
وعن سعيد بن المسيب قال: «لما توفي رسول الله وضع على سريره، فكان الناس يدخلون زمرًا زمرًا يصلون عليه ويخرجون ولم يؤُمُّهم أحد». (مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٤٣٠).
قال ابن كثير في (البداية والنهاية): «وهذا الصنيع - وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه - أمر مجمع عليه لا خلاف فيه».
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - ﵌ - كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَلْحَدُ وَآخَرُ يَضْرَحُ فَقَالُوا: «نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا فَأَيُّهُمَا سُبِقَ تَرَكْنَاهُ»، فَأرْسِلَ إِلَيْهِمَا فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ فَلَحَدُوا لِلنَّبِيِّ - ﵌ -» (حسن صحيح رواه ابن ماجه).
(يَضْرَح) ضَرَحَ لِلْمَيِّتِ كَمَنَعَ حَفَرَ لَهُ ضَرِيحًا، وَالضَّرِيح: الشِّقّ.
ورُوِيَ عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: «وَنَزَلَ فِى حُفْرَتِهِ - أي قبره - ﵌ - - عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ ابْنَا الْعَبَّاسِ وَشُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ -» (رواه ابن ماجه، وضعفه الألباني).
[ ١ / ٣٧٨ ]
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَلَمَّا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - الْأَيْدِي - وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ - حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا» (صحيح رواه الترمذي وابن ماجه).
(وَمَا نَفَضْنَا) أَيْ مَا خَلَصْنَا مِنْ دَفْنه، مِنْ النَّفْضِ وَهُوَ تَحْرِيكُ الشَّيْءِ لِيَزُولَ مَا عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ وَالْغُبَارِ وَنَحْوِهِمَا (وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ) أَيْ مَشْغُولُونَ بَعْدُ.
(حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا) يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا قُلُوبَهُمْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الصَّفَاءِ وَالْأُلْفَةِ لِانْقِطَاعِ مَادَّةِ الْوَحْيِ وَفِقْدَانِ مَا كَانَ يَمُدُّهُمْ مِنْ الرَّسُولِ - ﵌ - مِنْ التَّأْيِيدِ وَالتَّعْلِيمِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّصْدِيقِ.
وقيل: لَمْ يُرِدْ عَدَمَ التَّصْدِيقِ الْإِيمَانِيِّ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ وِجْدَانِ النّورَانِيَّةِ وَالصَّفَاءِ الَّذِي كَانَ حَاصِلًا مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَحُضُورِهِ - ﵌ - لِتَفَاوُتِ حَالِ الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ.
• موتوا على ما مات عليه رسول الله - ﵌ -:
إن كان نبينا محمد - ﵌ - قد مات فقد ترك لنا دين الحق دين الإسلام؛ فلْنَمُتْ على ما مات عليه - ﵌ - بلا تبديل ولا تغيير، ولْنُضَحّ في سبيل نصرة هذا الدين.
هذا أنس بن النضر - ﵁ - قال عنه ابن أخيه أنس بن مالك - ﵁ -: «غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ؛ لَئِنْ اللهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصْنَعُ».
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي أَصْحَابَهُ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ»، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: «يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ».
قَالَ سَعْدٌ: «فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ».
قَالَ أَنَسٌ بن مالك: «فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ»، قَالَ أَنَسٌ: «كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾. (رواه البخاري ومسلم).
إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ: مَحْمُول عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّ اللهُ تَعَالَى أَوْجَدَهُ رِيحهَا مِنْ مَوْضِع الْمَعْرَكَة، وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث أَنَّ رِيحهَا تُوجَد مِنْ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام.
وذكر ابن إسحاق أن أنس بن النضر - عم أنس بن مالك - انتهى يوم أحد إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم فقال: فما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله - ﵌ -.
قال: فما تصنعون بالحياة بعده! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - ﵌ -.
ثم استقبل فقاتل حتى قتل، وبه سمى أنس بن مالك».
ولكن الحقيقة أن رسول الله لم يقتل، وخلص المشركون إلى رسول الله، وثبت في وجه العدو وقاتلهم قتالًا شديدًا فظل يرمي بالنبل حتى فني نبله وانكسر قوسه، ثم ظل يرمي بالحجارة حتى دفعهم عنه.
أيها المسلمون موتوا على ما مات عليه رسول الله - ﵌ -، اتبعوا سنته ولا تبتدعوا فقد كُفيتم، ولا تشغلنكم الدنيا عن نصرة دينه؛ إن حال بعضنا ينطبق عليه قول من قال:
تكدّرَ مِن بعدِ النبيِّ محمدِ عليه سلامُ اللهِ ما كان صافيَا
فكم مِن منارٍ كان أوضحَه لنَا ومِن علمٍ أمسى وأصبح عافيَا
ركنَّا إلى الدنيا الدّنِيَّةِ بعدهُ وكَشَفَتِ الأطماعُ مِنا المساوِيَا
وإنا لنَمُرّ في كل يومٍ بنكبةٍ نراها فما نزدادُ إلا تَعامِيَا
لقد ساد الصحابة والتابعون يوم أن كانوا أسودًا للإسلام وحماة للدين وسياجًا واقيًا قويًا للعقيدة وذُلِلنا يوم أن اتخذنا العزة بالدنيا والدرهم، وهُنَّا على الله - ﷿ - وعلى
[ ١ / ٣٧٩ ]
الناس يوم أن اتخذنا الدنيا وطنًا وسكنًا، ووالينا لأجلها وعادينا لأجلها، فلأجلها نرضى ولأجلها نغضب؛ فها نحن لنا في كل موضع من جسدنا ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، أو وكزة بعصا. فها نحن نسمع بين حين وآخر نواحِ الثكالى وبكاء اليتامى ولا مجيب.
أَحَلَّ الْكُفْرُ بِالْإِسْلَامِ ضَيْمًا يَقُولُ بِهِ عَلَى الدِّينِ النَّحِيبُ
فَحَقٌّ ضَائِعٌ وَحِمًى مُبَاحٌ وَسَيْفٌ قَاطِعٌ وَدَمٌ صَبِيبُ
وَكَمْ مِنْ مُسْلِمٍ أَضْحَى سَلِيبًا وَمُسْلِمَةٍ لَهَا حَرَمٌ سَلِيبُ
وَكَمْ مِنْ مَسْجِدٍ جَعَلُوهُ دِيرًا عَلَى مِحْرَابِهِ نُصِبَ الصَّلِيبُ
دَمُ الْخِنْزِيرِ فِيهِ لَهُمْ خُلُوفٌ وَتَحْرِيقُ الْمَصَاحِفِ فِيهِ طِيبُ
أُمُورٌ لَوْ تَأَمَّلَهُنَّ طِفْلٌ لَطَفِلَ فِي عَوَارِضِهِ الْمَشِيبُ
أَتُسْبَى الْمُسْلِمَاتُ بِكُلِّ ثَغْرٍ وَعَيْشُ الْمُسْلِمِينَ إِذًا يَطِيبُ
أَمَا لِلهِ وَالْإِسْلَامِ حَقٌّ يُدَافِعُ عَنْهُ شُبَّانٌ وَشِيبُ
فَقُلْ لِذَوِي الْكَرَامَةِ حَيْثُ كَانُوا أَجِيبُوا اللهَ وَيْحَكُمُوا أَجِيبُوا
إنه لا عزة للأمة الإسلامية ولا مكانة لها ما دامت لا تضحي لدينها، ولا تثأر لعقيدتها. ولن تنال العزة والقوة والتمكين في يوم من الأيام، بالمال والجاه، أو الانهزامية، والخذلان، لقد كانت المبادئ عند الصحابة والتابعين، والغايات التي يسعون لتحقيقها هي رفعة الدين، ونصرة الدعوة وحماية العقيدة فبذلوا لتحقيقها كل غاية ووسيلة صغرت أم كبرت.
أيها المسلمون: اربؤوا بأنفسكم أن تكونوا أذلاء صاغرين لا قيمة لكم ولا عزة لكم، وارفعوا أنفسكم عن سفاسف الأمور، وتطلعوا إلى معاليها، وإياكم والمعاصي والاستسلام للمحرمات صغُرَت أم كبُرَت، وإن الخلق لا يهونون عند الله إلا حينما يخالفون أمره، كما قال أبو الدرداء: «ما أهون الخلق على الله إذا هم خالفوا أمره». وإذا كتب الله علينا الهون فمن يكرمنا، ومن يهن الله فما له من مكرم.
[ ١ / ٣٨١ ]