عَنْ مُعاذٍ - ﵁ - قال: قُلتُ: يا رَسولَ الله أَخبِرني بِعَمَلٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ ويُباعِدُني مِنَ النَّارِ، قال: «لقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ».
ثمَّ قَالَ: «ألا أَدُلُّكَ على أبوابِ الخير؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ الْمَاءُ النارَ، وصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتَّى بَلَغَ: ﴿يَعْمَلُوْنَ﴾ (السجدة:١٦ - ١٧).
ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُ برَأْسِ الأمْرِ وعَمودِهِ وذِرْوَةِ سِنَامِهِ؟» قُلتُ: بَلَى يا رَسولَ الله، قال: «رَأسُ الْأمْرِ الإسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الْجِهَادُ» تحية طيبة وبعد
ثم قال: «ألَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟»، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» تحية طيبة وبعد
قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ». (صَحيحٌ رواهُ الترمذيُّ).
• حرص معاذٍ - ﵁ - على الأعمال الصَّالحة:
قول معاذ - ﵁ -: «أَخبِرني بِعَمَلٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ ويُباعِدُني مِنَ النَّارِ» يدلُّ على شدَّةِ اهتمامِ معاذٍ - ﵁ - بالأعمال الصَّالحة، وفيه دليلٌ على أنَّ الأعمالَ سببٌ لدخول الجنَّة، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الزخرف:٧٢). وأما قولُه - ﵌ -: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِنْكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِه» (رواه البخاري ومسلم) فالمراد - والله أعلم - أنَّ العملَ بنفسه لا يستحقُّ به أحدٌ الجنَّة لولا أنَّ الله جعله - بفضله ورحمته - سببًا لذلك، والعملُ نفسُه من رحمة الله وفضله على عبده، فالجنَّةُ وأسبابُها كلٌّ من فضل الله ورحمته.
[ ١ / ٣٩٠ ]
• أمرٌ عظيم جدًا:
وقوله - ﵌ -: «لقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ» وذلك لأنَّ دخولَ الجنَّة والنَّجاةَ من النار أمرٌ عظيم جدًا، ولأجله أنزل الله الكتب، وأرسلَ الرُّسلَ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﵌ - لِرَجُلٍ: «مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟».
قَالَ: «أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَسْأَلُ الله الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ، أَمَا وَالله مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ». فَقَالَ - ﵌ -: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» (صحيح رواه ابن ماجه).
(مَا أَحْسَن دَنْدَنَتك) أَيْ كَلَامك الْخَفِيّ. يشير إلى كثرة دعائهما واجتهادهما في الدعاء.
(حَوْلهَا) وَفِي بَعْض النُّسَخ (حَوْلهمَا) بِالتَّثْنِيَةِ فَعَلَى الْأَوَّل مَعْنَاهُ حَوْل مَقَالَتك أَيْ كَلَامنَا قَرِيب مِنْ كَلَامك، وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَاهُ حَوْل الْجَنَّة وَالنَّار أَيْ كَلَامنَا أَيْضًا لِطَلَبِ الْجَنَّة وَالتَّعَوُّذ مِنْ النَّار.
• التَّوفيقَ كُلَّه بيد الله - ﷿ -:
وقوله - ﵌ -: «وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ» إشارةٌ إلى أنَّ التَّوفيقَ كُلَّه بيد الله - ﷿ -، فمن يسَّرَ الله عليه الهدى اهتدى، ومن لم يُيسره عليه، لم يتيسَّر له ذلك، قالَ الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (الليل:٥ - ١٠).
وقال - ﵌ -: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ».
قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ «أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ».
قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الْآيَةَ» (رواه البخاري ومسلم).
وكان النَّبيُّ - ﵌ - يقولُ في دعائه: «واهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي» (صحيح رواه أبو داود والترمذي).
وأخبر الله - ﷿ - عن نبيه موسى؛ أنَّه قال في دعائه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (طه:٢٥ - ٢٦).
وكان ابنُ عمر يدعو: «اللهمَّ يسرني لليُسرى، وجنِبني العُسرى».
• الطريق إلى الجنَّة:
قوله - ﵌ -: «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمضَانَ، وتَحُجُّ البَيتَ» دل على أن دخول الجنَّة مترتب على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التَّوحيدُ، والصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصِّيام، والحجُّ.
وقوله - ﵌ -: «ألا أدُلُّكَ عَلَى أبْوَابِ الخَيْرِ» لمَّا رتَّبَ دخولَ الجنَّة على واجبات الإسلام، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخيرِ مِنَ النَّوافِل، فإنَّ أفضلَ أولياءِ الله هُمُ المقرَّبون، الذين يتقرَّبون إليه بالنَّوافل بعدَ أداءِ الفرائض.
• الصومُ جُنَّة:
قوله: «الصَّوْمُ جُنَّة» هذا الكلام ثابتٌ عن النَّبيِّ - ﵌ - من وجُوهٍ كثيرةٍ، وخرَّجاه في «الصحيحين» ورواه الإمام أحمد بزيادة، وهي: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ وحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ» (صحيح)، ورواه عن النَّبيِّ - ﵌ -، قال: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، كَجُنَّة أحَدِكُمْ مِنَ القِتَالِ» (إسناده صحيح).
وقال - ﵌ -: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ؛ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (رواه البخاري ومسلم)
وقال بعضُ السَّلف: الغيبةُ تخرقُ الصِّيامَ، والاستغفارُ يرقَعُهُ، فمن استطاع منكم أنْ لا يأتي بصوم مخرَّقٍ فليفعل.
وقال ابنُ المنكدر: الصائمُ إذا اغتاب خرق، وإذا استغفر رقع.
فالجُنَّة: هي ما يستجنُّ بها العبد، كالمجنِّ الذي يقيه عندَ القتالِ من الضَّرب، فكذلك الصيام يقي صاحبه منَ المعاصي في الدُّنيا، كما قال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٨٣)، فإذا
[ ١ / ٣٩١ ]
كان له جُنَّةٌ من المعاصي، كان له في الآخرة جُنَّةٌ من النار، وإنْ لم يكن له جُنَّةٌ في الدنيا من المعاصي، لم يكن له جُنَّةٌ في الآخرة من النار.
وقال - ﵌ -: «إِنَّ اللهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا فَقَالَ عِيسَى: إِنَّ اللهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ وَإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ، فَقَالَ يَحْيَى: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ.
فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ وَتَعَدَّوْا عَلَى الشُّرَفِ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقَالَ: «هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ»، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ.
وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ.
وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.
وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَقَالَ: «أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ»، فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ.
وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ» (صحيح رواه الترمذي والنسائي).
• الصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ:
قوله - ﵌ -: «والصَّدَقةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ»:
قال - ﵌ -: «صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وصَدَقَةُ السِّرِ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمْرِ». (حسن رواه الطبراني).
ورُوي عن عليِّ بنِ الحسين - ﵁ -:أنَّه كان يحملُ الخبزَ على ظهرهِ باللَّيل يتَّبِعُ به المساكين في ظُلمة الليل، ويقول: إنَّ الصَّدقة في ظلامِ اللَّيلِ تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ - ﷿ -.
وقد قال الله - ﷿ -: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (البقرة:٢٧١)، فدلَّ على أنَّ الصدقة يُكفَّر بها من السيئات: إما مطلقًا، أو صدقة السر.
• الصلاة في جوف الليل:
وقوله - ﵌ -: «وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ»، يعني: أنَّها تُطفئ الخطيئة أيضًا كالصَّدقة، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﵌ -، قال: «أفضلُ الصَّلاةِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ قِيَامُ اللّيْلِ».
وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال قال رسول الله - ﵌ -: «تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ فَإِذَا صَلّيْتُمُ الصُبْحَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ فَإِذَا صَلّيْتُمُ الظُهْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ فَإِذَا صَلّيْتُمُ العَصْرَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ فَإِذَا صَلّيْتُمُ فَإِذَا صَلّيْتُمُ المَغْرِبَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ فَإِذَا صَلّيْتُمُ العِشَاءَ غَسَلَتْهَا، ثُمَّ تَنَامُونَ فَلَا يُكْتَبُ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَسْتَيْقِظُوا» (رواه الطبراني وإسناده حسن).
وكذلك قيامُ الليل يُكفر الخطايا؛ لأنَّه أفضلُ نوافل الصلاة.
عَنْ بِلَالٍ بْنِ رَبَاحٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ، وَمَنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْجَسَدِ» (صحيح رواه الترمذي).
(عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ) أَيْ التَّهَجُّدِ فِيهِ (فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ) أَيْ عَادَتُهُمْ وَشَأْنُهُمْ. (وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ) أَيْ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى (وَمَنْهَاةٌ) أَيْ نَاهِيَةٌ (عَنْ الْإِثْمِ) أَيْ عَنْ اِرْتِكَابِهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
[ ١ / ٣٩٣ ]
(وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ) أَيْ مُكَفِّرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَسَاتِرَةٌ لَهَا.
(وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْجَسَدِ) أَيْ طَارِدٌ وَمُبْعِدٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْبَدَنِ.
وقد تقدَّم أنَّ صدقة السِّرِّ تُطفئُ الخطيئة، وتُطفئ غضبَ الرَّبِّ، فكذلك صلاةُ الليل.
وقوله: «ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (السجدة:١٦ - ١٧)، يعني: أنَّ النَّبيَّ - ﵌ - تلا هاتين الآيتين عندَ ذكره فضلَ صلاة الليل، ليبيِّنَ بذلك فضل صلاة الليل، وقد رُويَ عن أنس أنَّ هذه الآية نزلت في انتظار صلاةِ العشاء، (رواه الترمذي وإسناده جيد).ورُوي عنه أنَّه قال في هذه الآية: كانوا يتنفلون بينَ المغرب والعشاء. (رواه أبو داود وإسناده صحيح).
وكلُّ هذا يدخل في عموم لفظ الآية، فإنَّ الله مدح الذين تتجافى جنوبُهم عن المضاجع لدعائه، فيشملُ ذلك كلَّ مَنْ ترك النَّومَ بالليل لذكر الله ودُعائه، فيدخلُ فيه مَنْ صلَّى بين العشاءين، ومن انتظرَ صلاة العشاءِ فلم يَنَمْ حتَّى يُصليها لاسيما مع حاجته إلى النوم، ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة، وقد قال النَّبيُّ - ﵌ - لمنِ انتظرَ صلاةَ العشاء: «إنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ» (رواه البخاري ومسلم).
ويدخلُ فيه مَنْ نامَ ثمَّ قام مِنْ نومه باللَّيل للتهجُّدِ، وهو أفضلُ أنواع التطوُّع بالصَّلاة مطلقًا.
وربما دخل فيه من ترك النَّوم عندَ طُلوع الفجر، وقام إلى أداء صلاةِ الصُّبح، لاسيما مع غَلَبَةِ النَّوم عليه، ولهذا يُشرع للمؤذِّن في أذان الفجر أنْ يقولَ في أذانه: الصَّلاة خَيرٌ مِن النوم.
وقوله - ﵌ -: «وصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ذكر أفضلَ أوقات التهجُّد بالليل، وهو جوفُ الليل.
[ ١ / ٣٩٥ ]
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ -، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» (صحيح رواه الترمذي).
(أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ) أَيْ أَوْفَقُ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ.
وعن عَمْرو بْنُ عَبَسَةَ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﵌ - يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» (صحيح رواه الترمذي).
وقد قيل: إنَّ جوف الليل إذا أطلق، فالمرادُ به وسطُه، وإنْ قيل: جوف الليل الآخر، فالمرادُ وسط النِّصف الثاني، وهو السدسُ الخامسُ من أسداس الليل، وهو الوقتُ الذي ورد فيه النزول الإلهي.
آدِمِ الصيامَ مع القيامِ تعبدًا فكلاهما عملانِ مقبولانِ
قُمْ في الدُجَى واتْلُ الكتابَ ولا تَنَمْ إلا كنَوْمةِ حائرٍ ولهَانِ
فلربما تأتِي المنِيَّةُ بغتَةً فَتُسَاقُ مِنْ فُرُشٍ إلى الأكفانِ
يا حبَّذا عَيْنانِ في غَسَقِ الدُجَى مِن خشيةِ الرحمنِ باكيتانِ
• رأسِ الأمر وعموده وذِروة سنامه:
ثُمَّ قالَ: «أَلا أُخْبِرُكُ برَأْسِ الأمْرِ وعَمُودِه وذِرْوَة سِنَامِهِ؟» قُلتُ: بَلَى يا رَسولَ الله، قال: «رَأسُ الأمْرِ الإسْلامُ، وعَمُودُه الصَّلاةُ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجهادُ»
فأخبر النَّبيُّ - ﵌ - عن ثلاثة أشياء: رأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه.
فأمَّا رأس الأمر، ويعني بالأمر: الدين الذي بعث به وهو الإسلام، وقد جاء تفسيرُه في رواية أخرى بالشهادتين، فمن لم يقرَّ بهما ظاهرًا وباطنًا، فليسَ من الإسلام في شيء. وأمَّا قِوام الدين الذي يقومُ به الدِّين كما يقومُ الفسطاطُ على عموده، فهو الصلاة.
وأمَّا ذِروة سنامه - وهو أعلى ما فيه وأرفعه - فهو الجهاد، وهذا يدلُّ على أنَّه أفضلُ الأعمال بعدَ الفرائض.
[ ١ / ٣٩٦ ]
ففي «الصحيحين» عن أبي ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ العمل أفضلُ؟ قال: «إيمَانٌ بِاللهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ».
وفيهما عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - ﵌ -، قال: «أفْضَلُ الأعْمَالِ إيمانٌ بِاللهِ، ثُمَّ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ».والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ جدًا.
ولستُ أبالي حين أُقتَلُ مسلماٌ على أي جنبٍ كان في اللهِ مصرعِي
وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأ يُبارِكْ علَى أوصالِ شِلوٍ مُمَزَّعِ
• أصلُ الخير كُلّه كفَّ اللسان وضبطه وحبسه:
وقوله: «ألا أُخْبِرُكَ بملَاكِ ذلِكَ كُلِّه» قلتُ: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه فقال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» إلى آخر الحديث. هذا يدلُّ على أنَّ كفَّ اللسان وضبطه وحبسه هو أصلُ الخير كُلِّه، وأنَّ من ملك لسانه، فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه، وقد قال - ﵌ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (رواه البخاري ومسلم).
• حصائد الألسنة:
والمرادُ بحصائد الألسنة: جزاءُ الكلام المحرَّم وعقوباته؛ فإنَّ الإنسانَ يزرع بقوله وعمله الحسنات والسَّيِّئات، ثم يَحصُدُ يومَ القيامة ما زرع، فمن زرع خيرًا من قولٍ أو عملٍ حَصَد الكرامةَ، ومن زرع شرًَّا مِنْ قولٍ أو عملٍ حصد غدًا النَّدامة.
لسانُك لا تذْكُرْ به عَوْرةَ امرِءٍ فكُلّكَ عوْراتُ وللناسِ ألسُنُ
وعينُك إنْ أبْدَتْ إليكَ مَعَائِبًا فَصُنْها وقُلْ يا عَيْنُ للناسِ أعيُنُ
وعاشِرْ بمعروفٍ وسامِحْ مَن اعتدَى وفارِق ولكنْ بالتي هيَ أحسنُ
وظاهرُ حديثِ معاذ يدلُّ على أنَّ أكثر ما يدخل النَّاسُ به النار النُّطقُ بألسنتهم، فإنَّ معصية النُّطق يدخل فيها الشِّركُ وهو أعظمُ الذنوب عندَ الله - ﷿ -، ويدخل فيها القولُ على الله بغير علم، وهو قرينُ الشِّركِ، ويدخلُ فيه شهادةُ الزُّور، ويدخلُ فيها السِّحر والقذفُ، وغيرُ ذلك مِنَ الكبائر كالكذب والغيبةِ والنَّميمة، وسائرُ المعاصي الفعلية لا يخلو غالبًا من قول يقترن بها يكون معينًا عليها.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وفي حديث أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - ﵌ -، قال: «أكْثَرُ مَا يُدخِلُ النَّاسَ النَارَ الأجْوَفَانِ: الفَمُ والفَرْجُ» (صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي).
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﵌ -، قال: «إنَّ الرَجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيها، يَزِلُّ بها في النَّارِ أبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والَمْغْرِبِ» ورواه الترمذي، ولفظه: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأسًا، يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ» (صحيح).
وقال ابن مسعود: «والله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض أحق بطول سجن من اللسان».وكان يقول: «يا لسان قُل خيرًا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم».
وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: «أنصف أذنيك من فِيكَ (فمك)، وإنما جُعل لك أذنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تتكلم».
وقال شميط بن عجلان: يا ابن آدم إنك ما سكت فأنت سالم، فإذا تكلمت فخذ حذرك إما لك وإما عليك».
وقال الحسن: «اللسان أميرُ البدن، فإذا جنَى على الأعضاء شيئًا جنَتْ، وإذا عفَّ عفَّتْ».
وقال يحيى بن أبي كثير: «ما صلح منطقُ رجل إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطقُ رجل قطُّ إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله».
وقال المبارك بن فضالة، عن يونس بن عبيد: «لا تجدُ شيئًا مِنَ البرِّ واحدًا يتَّبعه البِرُّ كلّه غيرَ اللسان، فإنَّك تَجِدُ الرجل يصومُ النهار، ويُفطر على حرام، ويقومُ الليل ويشهد بالزور بالنهار - وذكرَ أشياءَ نحو هذا - ولكن لا تجده لا يتكلَّم إلا بحقٍّ فَيُخالف ذلك عمله أبدًا».
احفَظْ لسانَكَ أيُّها الإنْسانُ لا يلْدَغَنَّكَ إنَّهُ ثعبانُ
كَمْ في المقابرِ مِن قتيلِ لسانهِ كانتْ تهابُ لقاءَه الشجعانُ
[ ١ / ٣٩٨ ]