تفنى اللذاذةُ ممنْ ذاقَ صفْوتَها مِن الحرامِ ويبقَى الإثمُ والعارُ
تبقى عواقِبَ سوءٍ في مَغَبَّتِها لا خيرَ في لذَّةٍ بعدها النارُ
• نعم المال الصالح للمرء الصالح:
لقد جبل الله - ﷿ - الخلق على حب المال، ورَكَّب في الطباع الحرص على طلبه وتحصيله؛ لأن به قوام حياة الناس وانتظام أمر معايشهم وتمام مصالحهم.
ويجب على المسلم أن يطلب المال ويسعى في أسباب تحصيله مما أذن الله به وشرعه من طرق الكسب الحلال والعمل المباح؛ حتى يستغني المرء به عن ذل السؤال للغير والحاجة للخلق، فطلب الرزق وتحصيله شرف للمؤمن وعزة للمسلم، به تُصان الأعراض وتحفظ الكرامة، وبه يُستَعان على كثيرٍ من أعمال البر والطاعة، فنعم المال الصالح للمرء الصالح.
عن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ سدد خطاكم قال: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فَقَالَ: «خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ وَسِلَاحَكَ ثُمَّ ائْتِنِي»، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ ثُمَّ طَأْطَأَهُ فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُسَلِّمَكَ اللهُ وَيُغْنِمَكَ وَأَرْغَبُ لَكَ مِنْ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً».
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ وَأَنْ أَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -».
فَقَالَ: «يَا عَمْرُو، نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ» رواه الإمام أحمد وصححه الألباني).
• إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا:
الكسب الطيب والمال الحلال ينير القلب، ويشرح الصدر، ويورث الطمأنينة والسكينة والخشية من الله - ﷿ -، ويعين الجوارح على العبادة والطاعة، ومن أسباب قبول العمل الصالح وإجابة الدعاء.
[ ١ / ٤٣٩ ]
أما الكسب الخبيث فإنه شؤم وبلاء على صاحبه، بسببه يقسو القلب، وينطفئ نور الإيمان، ويحل غضب الجبار، ويمنع إجابة الدعاء.
عَنْ أبي هُرَيرة - ﵁ - قال: قال رسولُ الله - ﵌ -: «إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا، وإنَّ اللهَ تَعَالَى أمَرَ المُؤْمِنَينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (المؤمنون:٥١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة:١٧٢)، ثُمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ: أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يمُدُّ يدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبّ يَا رَبّ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بالحَرَامِ، فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟» (رواهُ مُسلمٌ).
قوله - ﵌ -: «إنَّ اللهَ طَيِّبٌ» المعنى: أنَّه تعالى مقدَّسٌ منَزَّه عن النقائص والعيوب كلها، وهذا كما في قوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُون﴾ (النور:٢٦)، والمراد: المنزهون من أدناس الفواحش.
وقوله - ﵌ -: «لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا» قد ورد معناه في قوله - ﵌ -: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (رواه البخاري).الفُلُوّ: الْمُهْرُ.
والمراد أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبًا حلالًا.
وقد قيل: إنَّ المراد بقوله: «لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا» أعمُّ مِنْ ذلك، وهو أنَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا طاهرًا من المفسدات كلِّها، كالرياء والعُجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبًا حلالًا، فإنَّ الطيب تُوصَفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ، فكلُّ هذه تنقسم إلى طيِّبٍ وخبيثٍ. وقد قيل: إنَّه يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (المائدة:١٠٠) هذا كلُّه.
• الكلام منه طيب وخبيث:
قد قسَّم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة﴾ (إبراهيم:٢٤)، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ (إبراهيم:٢٦)،
[ ١ / ٤٤٠ ]
وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (فاطر:١٠)، ووصف الرسول - ﵌ - بأنَّه يحلُّ الطيبات ويحرِّمُ الخبائث.
وقد قيل: إنَّه يدخل في ذلك الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ أيضًا.
• المؤمن كله طيِّبٌ:
ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ (النحل:٣٢) ولقد أخبرنا النبي - ﵌ - أنَّ «الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ» (صحيح رواه ابن ماجه) وإنَّ الملائكة تسلِّمُ عليهم عندَ دُخول الجنة، فيقولون لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (الزمر:٧٣).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللهِ، نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا» (صحيح رواه الترمذي وابن ماجه).
(مَنْ عَادَ مَرِيضًا) أَيْ مُحْتَسِبًا (أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ) أَيْ فِي الدِّينِ (فِي اللهِ) أَيْ لِوَجْهِ اللهِ لَا لِلدُّنْيَا (مُنَادٍ) أَيْ مَلَكٌ (أَنْ طِبْت) دُعَاءٌ لَهُ بِطِيبِ عَيْشِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى (وَطَابَ مَمْشَاك) كِنَايَةٌ عَنْ سَيْرِهِ وَسُلُوكِهِ طَرِيقَ الْآخِرَةِ بِالتَّعَرِّي عَنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّحَلِّي بِمَكَارِمِهَا (وَتَبَوَّأْت) أَيْ تَهَيَّأْت (مِنْ الْجَنَّةِ) أَيْ مِنْ مَنَازِلِهَا الْعَالِيَةِ (مَنْزِلًا) أَيْ مَنْزِلَةً عَظِيمَةً وَمَرْتَبَةً جَسِيمَةً بِمَا فَعَلْت. وَهذا دُعَاءٌ لَهُ بِطِيبِ الْعَيْشِ فِي الْأُخْرَى كَمَا أَنَّ طِبْت دُعَاءٌ لَهُ بِطِيبِ الْعَيْشِ فِي الدُّنْيَا.
فالمؤمن كله طيِّبٌ قلبُه ولسانُه وجسدُه بما سكن في قلبه من الإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان، وداخلة في اسمه، فهذه الطيباتِ كلُّها التي هي الإيمان والعمل الصالح يقبلها الله - ﷿ -.
ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمَال للمؤمن طيبُ مطعمه، وأنْ يكون من
حلال، فبذلك يزكو عملُه.
•
[ ١ / ٤٤١ ]
لا يُقبل العملُ ولا يزكو إلاَّ بأكل الحلال:
في هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يُقبلُ العملُ ولا يزكو إلاَّ بأكل الحلال، وإنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبولَه، فإنَّه بعد تقريره: «إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا» قال: وإنَّ اللهَ تَعَالَى أمَرَ الْمُؤْمِنَينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (المؤمنون:٥١) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة:١٧٢).
والمراد بهذا أنَّ الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما دام الأكل حلالًا، فالعملُ صالح مقبولٌ، فإذا كان الأكلُ غير حلالٍ، فكيف يكون العمل مقبولًا؟
وما ذكره بعد ذَلِكَ من الدعاء، وأنَّه كيف يتقبل مع الحرام، فهوَ مثالٌ لاستبعاد قَبُولِ الأعمال مع التغذية بالحرام.
ولقد كان الصحابة - ﵃ - يحرصون أشد الحرص على أن يأكلوا من الحلال ويبتعدوا عن الحرام، فعَنْ عَائِشَةَ - ﵁ - قَالَتْ: كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ - ﵁ - غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ (أي يأتيه بما يكسبه والخراج ما يقرره السيد على عبده من مال يحضره له من كسبه).وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ.
فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟
قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ».
فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ (أي أدخلها في حلقه) فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ». (رواه البخاري).
وفي رواية لأبي نُعيم في الحلية وأحمد في الزهد: «فقيل له: يرحمك الله كلُّ هذا من أجل هذه اللقمة؟ قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتُها، سمعت رسول الله - ﵌ -
[ ١ / ٤٤٢ ]
يقول: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أوْلَى بِهِ» فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة. (صحيح).
رُوحٌ تَغَذَّتْ بتقوَى اللهِ طيبةٌ قويةٌ ولها الرحمنُ حَرّاسُ
وجُثّةٌ نَبتَتْ مما يحِلّ لها مِنَ المآكِلِ ما في ضعفِها بَاسُ
اجعَلْ طعامَك مِنْ غيرِ الحرامِ علَى مقدارِ علمِك واترُكْ ما به الباسُ
وأبْشِرْ فإنك إنْ تحيَا مُنَاكَ تَنَلْ وإنْ تمَّتْ لكَ مِن مولاكَ إيناسُ
والحِلُّ يُنْبِتُ في الأعضَا موافقةً أمّا الحرامُ فعصيانٌ وأرجاسُ
الباس: البأس ومنه حديث عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ قَالَ: «أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ - وَأَنْتَ الشَّافِي - لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ - شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (رواه البخاري).
• من حجَّ بمالٍ حرام، ومن صلَّى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك؟
إذا حجَجْتَ بمال أصلُه دنَسٌ فما حجَجْتَ ولكن حجَّت العيرُ
ما يقبلُ اللهُ إلا كلّ طيِّبَةٍ ما كُلّ مَن حجّ بيتَ اللهِ مبرورُ
قد اختلفَ العلماءُ في حجِّ من حجَّ بمالٍ حرام، ومن صلَّى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك، وفيه عن الإمام أحمد روايتان، وهذه الأحاديث المذكورة تدلُّ على أنَّه لا يتقبل العملُ مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يُراد به الرضا بالعمل، ومدحُ فاعله، والثناءُ عليه بين الملائكة والمباهاةُ به، وقد يُراد به حصولُ الثواب والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة.
فإنْ كان المراد هاهنا القبولَ بالمعنى الأوَّل أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة، كما ورد في صحيح مسلم عن النبي - ﵌ - أنه قال: «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ
[ ١ / ٤٤٣ ]
تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ».وقال - ﵌ -: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (رواه مسلم) (١).
والمراد - والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأوَّل أو الثاني، وهو المراد - والله أعلم - من قوله - ﷿ -: ﴿إنَّما يَتقبَّلُ الله من المتَّقين﴾ (المائدة:٢٧).
_________________
(١) لا يجوز أن يذهب المريض إلى الكهنة والعرافين الذين يزعمون معرفة الغيب؛ ليعرف منهم مرضه، ولا يجوز له أن يصدقهم فيما يخبرونه به فإنهم يتكلمون رجمًا بالغيب أو يستحضرون الجن؛ ليستعينوا بهم على ما يريدون، وهؤلاء شأنهم الكذب، والاستعانة بالجن شرك أكبر، وقد قال النبي - ﵌ -: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (رواه مسلم). وقال النبي - ﵌ - قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (صحيح رواه ابن ماجه وغيره). والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل ويزعم أنه يعلم المغيبات أو يعلم ما في الضمير. والعراف: هو الذي يدعي معرفة تتعلق بعلم الغيب، فيدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على مكان المسروق والضالة ونحوها. والعراف قيل: هو الكاهن، وهو الذي يخبر عن المسقيل. وقيل: هو اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يستدل على معرفة الغيب بمقدمات يستعملها، وهذا المعنى أعم، ويدل عليه الاشتقاق، إذ هو مشتق من المعرفة، فيشمل كل من تعاطى هذه الأمور وادعى بها المعرفة. وأكثر ما يكون ذلك ممن ينظرون في النجوم لمعرفة الحوادث أو يستخدمون من يسترقون السمع من شياطين الجن، ومثل هؤلاء من يخط في الرمل وينظر في الفنجان أو في الكف ومن يفتح الكتاب زعمًا منهم أنهم يعرفون بذلك الغيب، وهم كفار لزعمهم أنهم شاركوا الله في صفة من صفاته الخاصة به وهي علم الغيب، ولتكذيبهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله﴾ (النمل: ٦٥) وبقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (الجن:٢٦، ٢٧) وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩) ومن أتاه وصدقه بما يقول من الكهانة فهو كان كافر أيضًا؛ لقول النبي - ﵌ - قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (صحيح رواه ابن ماجه وغيره) إلى غير ذلك من الأحاديث في كفر العرافين والكهان ومن صدقهم.
[ ١ / ٤٤٤ ]
ولهذا كانت هذه الآية يشتدُّ منها خوفُ السَّلف على نفوسهم، فخافوا أنْ لا يكونوا من المتَّقين الذين يُتقبل منهم.
وسُئل أحمد عن معنى (المتقين) فيها، فقال: يتقي الأشياء، فلا يقع فيما لا يَحِلُّ له.
قال أبو عبد الله الناجي الزاهد - ﵀ -: «خمسُ خصال بها تمامُ العمل: الإيمان بمعرفة الله - ﷿ - ومعرفةُ الحقِّ، وإخلاصُ العمل للهِ، والعمل على السُّنَّةِ، وأكلُ الحلالِ، فإن فُقدَتْ واحدةٌ، لم يرتفع العملُ، وذلك أنَّك إذا عرَفت الله - ﷿ -، ولم تَعرف الحقَّ، لم تنتفع، وإذا عرفتَ الحقَّ، ولم تَعْرِفِ الله، لم تنتفع، وإنْ عرفتَ الله، وعرفت الحقَّ، ولم تُخْلِصِ العمل، لم تنتفع، وإنْ عرفت الله، وعرفت الحقَّ، وأخلصت العمل، ولم يكن على السُّنة، لم تنتفع، وإنْ تمَّتِ الأربع، ولم يكن الأكلُ من حلال لم تنتفع».
وقال وُهيب بن الورد: «لو قمتَ مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أو حرام».
• الصدقة بالمال الحرام هل تُقبل؟
وأما الصدقة بالمال الحرام، فغيرُ مقبولةٍ كما في «صحيح مسلم» عن ابن عمر - ﵄ -، عن النَّبيِّ - ﵌ -: «لَا يَقبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ولَا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ».
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ - فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (رواه البخاري ومسلم).
(الفَلُوُّ: المُهْرُ).
وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﵌ - قال: «مَنْ كَسَبَ مَالًا حَرَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أجْرٌ، وَكَانَ إصْرُهُ عَلَيْهِ» (رواه ابن حبان في صحيحه، وإسناده جيد).
ورُوي عن أبي الدرداء، ويزيد بن مَيْسَرَة أنَّهما جعلا مثلَ من أصاب مالًا من غير حلِّه، فتصدَّق به مثلَ من أخذ مال يتيم، وكسَا بهِ أرملةً.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وسُئِلَ ابنُ عباس عمَّن كان على عمل، فكان يَظلِمُ ويأخُذُ الحرام، ثم تابَ، فهو يحجُّ ويعتِق ويتصدَّق منه، فقال: إنَّ الخبيث لا يُكَفِّرُ الخبيثَ.
وكذا قال ابن مسعود: إنَّ الخبيثَ لا يُكفِّر الخبيث، ولكن الطَّيِّبَ يُكفِّرُ الخبيث.
وقال الحسنُ: أيها المتصدِّق على المسكين يرحمُه، ارحم من قد ظَلَمْتَ.
الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين:
أحدهما: أنْ يتصدَّقَ به الخائنُ أو الغاصبُ ونحوهما عن نفسه، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يُتُقبَّلُ منه، بمعنى: أنَّه لا يُؤجَرُ عليه، بل يأثمُ بتصرفه في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصلُ للمالك بذلك أجرٌ؛ لعدم قصده ونيته، كذا قاله جماعةٌ من العلماء.
الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أنْ يتصدَّق به عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه أو إلى ورثته، فهذا جائزٌ عند أكثر العلماء، منهم: مالكٌ، وأبو حنيفة، وأحمد وغيرهم.
وروي عن مالك بن دينار، قال: سألتُ عطاء بن أبي رباح عمن عنده مالٌ
حرام، ولا يعرف أربابه، ويريدُ الخروج منه؟ قال: يتصدق به ولا أقول: إنَّ ذلك يُجزئ عنه. قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحبَّ إليَّ من وزنه ذهبًا.
وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئًا مغصوبًا: يردُّه إليهم، فإنْ لم يقدر
عليهم، تصدَّق به كلَّه، ولا يأخذ رأس ماله.
• آداب الدعاء:
قوله: «ثُمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ: أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يمُدُّ يدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبّ يَا رَبّ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بالحَرَامِ، فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟»
هذا الكلام أشار فيه - ﵌ - إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابَته، وإلى ما يمنع من إجابته، فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:
[ ١ / ٤٤٦ ]
أحدها: إطالةُ السفر: والسفر بمجرَّده يقتضي إجابةَ الدعاء، كما في حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﵌ -: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ» وفي رواية: «وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» (حسن رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي).
ومتى طال السفر، كان أقربَ إلى إجابةِ الدُّعاء؛ لأنَّه مَظنِّةُ حصول انكسار النفس بطول الغُربة عن الأوطان، وتحمُّل المشاق، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء.
الثاني: حصولُ التبذُّل في اللِّباس والهيئة بالشعث والإغبرار: وهو - أيضًا - من المقتضيات لإجابة الدُّعاء، كما في الحديث المشهور عن النَّبيِّ - ﵌ -: «رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ، مَدْفُوعٍ بِالأبْوَابِ، لُوْ أقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأبَرَّهُ» (رواه مسلم).
ولما خرج النَّبيُّ - ﵌ - للاستسقاء، خرج متبذِّلًا متواضعًا متضرِّعًا (رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي وإسناده حسن).
وكان مُطَرِّفُ بنُ عبد الله قد حُبِسَ له ابنُ أخٍ، فلبس خُلْقان ثيابه، وأخذ عكازًا بيده، فقيل له: ما هذا؟ قالَ: «أستكين لربي، لعلَّه أنْ يشفِّعني في ابن أخي».
الثالث: مدُّ يديه إلى السَّماء: وهو من آداب الدُّعاء التي يُرجى بسببها إجابته، وفي حديث سلمانَ عن النَّبيِّ - ﵌ -: «إنَّ اللهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إلَيْهِ يَدَيْهِ أنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْن»، (صحيح رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه).
وكان النَّبيُّ - ﵌ - يرفع يديه في الاستسقاء حتى يُرى بياضُ إبطيه (رواه البخاري ومسلم)، ورَفَعَ يديه يومَ بدرٍ يستنصرُ على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه (رواه مسلم).
وقد روي عن النَّبيِّ - ﵌ - في صفة رفع يديه في الدُّعاء أنواعٌ متعددة، فمنها:
[ ١ / ٤٤٧ ]
١ - أنَّه كان يُشير بأصبعه السَّبَّابةِ فقط (رواه مسلم)، وكان يفعل ذلك على المنبر فعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ سدد خطاكم قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا. وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ. (رواه مسلم).
(الْمُسَبِّحَةِ) يعني: السبابة التي تلي الإبهام.
وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - قَالَ: «مَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﵌ - وَأَنَا أَدْعُو بِأُصْبُعَيَّ فَقَالَ: «أَحِّدْ أَحِّدْ» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ». (رواه أبو داود، والنسائي وصححه الألباني).
«أَحِّدْ أَحِّدْ»: أَيْ أَشِرْ بِوَاحِدَةٍ لِيُوَافِقَ التَّوْحِيد الْمَطْلُوب بِالْإِشَارَةِ.
٢ - أنَّه - ﵌ - رفع يديه وجعل ظُهورَهما إلى جهةِ القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونَهما ممَّا يلي وجهَه. فقد روى ابن عباس - ﵁ - أن رسول الله - ﵌ - كان إذا دعا جعل باطن كفيه إلى وجهه. (رواه الطبراني وصححه الألباني).
وقد رُويت هذه الصَّفةُ عنِ النَّبيِّ - ﵌ - في دعاء الاستسقاء فعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنْ الزَّوْرَاءِ، قَائِمًا يَدْعُو يَسْتَسْقِي، رَافِعًا كَفَّيْهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ، مُقْبِلٌ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ إِلَى وَجْهِهِ». (رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه الألباني).
٣ - رفْع يديه، وجعْلُ كفَّيه إلى السَّماء وظهورهما إلى الأرض. قال رسول الله - ﵌ -، قال: «إِذَا سَأَلْتُمْ اللهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا». (رواه أبو داود وصححه الألباني).
٤ - عكسُ ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما مما يلي الأرض. وفي (صحيح مسلم) عن أنس - ﵁ - قال: «إِنَّ النَّبِيّ - ﵌ - اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء».
قال النووي: «قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ: السُّنَّة فِي كُلّ دُعَاء لِرَفْعِ بَلَاء كَالْقَحْطِ وَنَحْوه أَنْ يَرْفَع يَدَيْهِ وَيَجْعَل ظَهْر كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء، وَإِذَا دَعَا لِسُؤَالِ شَيْء وَتَحْصِيله جَعَلَ بَطْن كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء واحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيث».
[ ١ / ٤٤٨ ]
وعَنْ أَنَسٍ سدد خطاكم أَنَّ النَّبِىَّ - ﵌ - كَانَ يَسْتَسْقِى هَكَذَا - يَعْنِى وَمَدَّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِى الأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ. (رواه أبو داود وصححه الألباني).
الرابع من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته: وهو مِنْ أعظم ما يُطلب به إجابةُ الدعاء.
فعن عطاءٍ قال: ما قال عبدٌ يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ ثلاث مرات، إلاّ نظر الله إليه، فذُكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرءون القرآن؟ ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾. (آل عمران:١٩١ - ١٩٥).
ومن تأمَّل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبًا تفتتح باسم الرَّبِّ، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة:٢٠١).
ومثل هذا في القرآن كثير.
وسئل مالك وسفيان عمَّن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقالا: يقول: يا ربّ.
زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم.
• من موانع إجابة الدعاء:
١ - قد أشار - ﵌ - في هذا الحديث إلى أنّ منها التوسُّع في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذيةً.
وقيل لسعد بن أبي وقاص: تُستجابُ دعوتُك من بين أصحاب رسول الله - ﵌ -؟، فقال: «ما رفعتُ إلى فمي لقمةً إلا وأنا عالمٌ من أين مجيئُها، ومن أين خرجت».
وعن وهب بن مُنبِّه قال: من سرَّه أنْ يستجيب الله دعوته، فليُطِب طُعمته.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وقوله - ﵌ -: «فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟»، معناه: كيف يُستجاب له؟ فهوَ استفهامٌ وقع على وجه التَّعجُّب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فَيُؤْخَذُ من هذا أنَّ التوسُّع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يُوجد ما يمنعُ هذا المانع من منعه.
٢ - وقد يكونُ ارتكابُ المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث: أنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار، فعن حذيفة بن اليمان - ﵁ - عن النبي - ﵌ - قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
وفعل الطاعات يكون موجبًا لاستجابة الدعاء؛ ولهذا لمَّا توسَّل الذين دخلوا الغارَ، وانطبقت عليهمُ الصخرةُ بأعمالهم الصالحةِ التي أخلصوا فيها لله تعالى ودَعُوا الله بها، أجيبت دعوتهم. (القصة رواها البخاري ومسلم).
وقال وهب بن مُنبِّه: مَثَلُ الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وَتَر.
وعنه قال: العملُ الصالحُ يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ (فاطر:١٠).
وعن عمر - ﵁ - قال: بالورع عما حرَّم الله يقبلُ الله الدعاء والتسبيحَ.
وعن أبي ذر - ﵁ - قال: يكفي مع البرِّ من الدعاء مثلُ ما يكفي الطعامُ من الملح.
وقال محمد بن واسع: يكفي من الدعاء مع الورع اليسيرُ.
وقال بعض السَّلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سددتَ طُرُقها بالمعاصي.
وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
نحن نَدْعُو الإله في كُلِّ كَربٍ ثُمَّ نَنساهُ عِندَ كَشفِ الكُروبِ
كَيْفَ نَرجُو إجابةً لدُعاءٍ قَدْ سَدَدْنا طرِيقَها بالذُّنوب
[ ١ / ٤٥٠ ]