عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا» - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» (رواه مسلم).
• لا يبِعْ بعضُكم على بيع بعض:
قوله - ﵌ -: «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» قد تكاثرَ النَّهي عَنْ ذلك، فعن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﵌ - قال: «وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ»، (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية لمسلم: «لَا يَسُمْ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ».
معنى السَّوْم عَلَى سَوْم أَخِيهِ: أَنْ يَكُون قَدْ اِتَّفَقَ مَالِكُ السِّلْعَةِ وَالرَّاغِبُ فِيهَا عَلَى الْبَيْع وَلَمْ يَعْقِدَاهُ، فَيَقُول الْآخَر لِلْبَائِعِ: أَنَا أَشْتَرِيه وَهَذَا حَرَام بَعْد اِسْتِقْرَار الثَّمَن.
وَأَمَّا السَّوْم فِي السِّلْعَة الَّتِي تُبَاع فِيمَنْ يَزِيد فَلَيْسَ بِحَرَامٍ.
عن ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - كَانَ يَقُولُ: «نَهَى النَّبِيُّ - ﵌ - أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ» (رواه البخاري ومسلم).
هلِ النَّهيُ للتَّحريم، أو للتَّنزيه؟
الصَّحيحُ الذي عليه جمهورُ العلماء: أنَّه للتَّحريمِ.
ومعنى البيع على بيع أخيه: أنْ يكونَ قد باع منه شيئًا، فيبذُل للمشتري سلعتَه ليشتريها، ويفسخ بيعَ الأوَّلِ.
[ ١ / ٤٥٨ ]
• كونوا عباد الله إخوانًا:
قوله - ﵌ -: «وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»:هذا ذكره النَّبيُّ - ﵌ - كالتَّعليل لِما تقدَّم، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم إذا تركُوا التَّحاسُدَ، والتَّناجُشَ، والتَّباغُضَ، والتدابرَ، وبيعَ بعضِهم على بيعِ بعضٍ، كانوا إخوانًا.
وفيه أمرٌ باكتساب ما يصيرُ المسلمون به إخوانًا على الإطلاق، وذلك يدخلُ فيه أداءُ حقوقِ المسلم على المسلم مِنْ رَدِّ السلامِ، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإجابةِ الدَّعوة، والابتداء بالسَّلام عندَ اللِّقاء، والنُّصح بالغيب.
قال - ﵌ -: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» (حسن رواه أبو يعلى).
وقال الحسن: المصافحةُ تزيد في الودِّ.
• المسلمُ أخو المسلم:
وقوله - ﵌ -: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ» هذا مأخوذ من قوله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات:١٠)، فإذا كان المؤمنون إخوةً، أُمِروا فيما بينهم بما يُوجب تآلُفَ القلوب واجتماعَها، ونُهوا عمَّا يوجبُ تنافرَ القلوب واختلافَها، وهذا من ذلك.
وأيضًا، فإنَّ الأخ مِنْ شأنه أنْ يوصِلَ إلى أخيه النَّفع، ويكفَّ عنه الضَّرر، ومن أعظم الضرِّ الذي يجبُ كفُّه عَنِ الأَخِ المسلم الظُّلم، وهذا لا يختصُّ بالمسلم، بل هو محرَّمٌ في حقِّ كلِّ أحَدٍ، فعَنْ أبي ذَرٍّ - ﵁ -، عَنِ النَّبيِّ - ﵌ - فيما يَروي عَنْ ربِّه - ﷿ - أنَّه قالَ: «يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظّالَمُوا» (رواه مسلم).
ومِنْ ذلك: خِذلانُ المسلم لأخيه، فإنَّ المؤمن مأمورٌ أنْ يَنصُرَ أخاه، فعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا».
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟
قَالَ: «تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (رواه البخاري وغيره).
[ ١ / ٤٥٩ ]
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرًَا مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ» (حسن رواه أبو داود).
ومن ذلك: كذِبُ المسلم لأخيه، فلا يَحِلُّ له أن يُحدِّثه فيكذبه، بل لا يُحدِّثه إلاَّ صدقًا.
ومن ذلك: احتقارُ المسلم لأخيه المسلم، وهو ناشئٌ عن الكِبْرِ، كما قال النَّبيُّ - ﵌ -: «الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ» (رواه مسلم)، وغمط النَّاس: الطَّعنُ عليهم وازدراؤهم، وقال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنّ﴾ (الحجرات:١١)، فالمتكبر ينظرُ إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين النَّقصِ، فيحتقرهم ويزدريهم، ولا يراهم أهلًا لأنْ يقومَ بحقُوقهم، ولا أن يقبلَ مِنْ أحد منهم الحقَّ إذا أورده عليه.
• التَّقوى أصلُها في القلب:
وقوله - ﵌ -: «التَّقْوَى هَا هُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»:فيه إشارةٌ إلى أنَّ كرم الخَلْق عند الله بالتَّقوى، فربَّ من يحقِرُه الناس لضعفه، وقلَّةِ حظِّه من الدُّنيا، وهو أعظمُ قدرًا عند الله تعالى ممَّن له قدرٌ في الدُّنيا، فإنَّ الناسَ إنّما يتفاوتُون بحسب التَّقوى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:١٣)، وسئل النَّبيُّ - ﵌ -:مَنْ أكرمُ النّاسِ؟ قال: «أتْقَاهُمْ للهِ - ﷿ -» (رواه البخاري ومسلم).
والتَّقوى أصلُها في القلب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:٣٢).
وإذا كان أصلُ التَّقوى في القُلوب، فلا يطَّلعُ أحدٌ على حقيقتها إلا الله - ﷿ - كما قال - ﵌ -: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (رواه مسلم).
[ ١ / ٤٦٠ ]
وحينئذ، فقد يكونُ كثيرٌ ممَّن له صورةٌ حسنةٌ، أو مالٌ، أو جاهٌ، أو رياسةٌ في الدنيا، قلبه خرابًا من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبُه مملوءًا مِنَ التَّقوى، فيكون أكرمَ عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعًا، كما في (الصحيحين) عن حارثةَ بن وهبٍ، عن النَّبيِّ - ﵌ - قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ: كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ: كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ».
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ»، قَالَ اللهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي».
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟».
فَقَالَ: «رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ».
قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟»، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ».
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» (رواه البخاري).
وقال محمد بنُ كعب القُرَظيُّ في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ (الواقعة:١ـ٣)، قال: تَخفِضُ رجالًا كانوا في الدُّنيا مرتفعين، وترْفَعُ رجالًا كانوا في الدُّنيا مخفوضين.
قوله - ﵌ -: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» يعني: يكفيه مِنَ الشرِّ احتقارُ أخيه المسلم، فإنَّه إنَّما يحتقرُ أخاه المسلم لتكبُّره عليه، والكِبْرُ من أعظمِ
[ ١ / ٤٦١ ]
خِصالِ الشَّرِّ، وفي «صحيح مسلم» عن النَّبيِّ - ﵌ - أنَّه قال: «لا يدخلُ الجنَّة من في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبْرٍ».
يا مُظْهِرَ الكبرِ إعجابًا بصورتِه أبْصِرْ خَلاءَك إنّ الميْن تثريبُ
لو فكّر النّاس فيما في بطونِهِم ما استشعرَ الكِبْرَ شُبّانٌ ولا شِيبُ
(المين: الكذب، التَّثْرِيبُ: الإِفْسادُ).
وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - ﵌ - قال: «مَنْ قَالَ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أهْلَكُهُمْ» (أي أشدهم هلاكًا) قال مالك: إذا قال ذلك تحزُّنًا لما يرى في الناس، يعني في دينهم فلا أرى به بأسًا، وإذا قال ذلك عُجبًا بنفسه، وتصاغُرًا للناس، فهو المكروهُ الذي نُهي عنه.
• كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ:
قوله - ﵌ -: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»» هذا ممَّا كان النَّبيُّ - ﵌ - يخطب به في المجامع العظيمةِ، فإنَّه خطب به في حَجَّة الوداع يومَ النَّحر، ويومَ عرفةَ، ويوم الثاني من أيَّام التَّشريق، وقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (رواه البخاري ومسلم).
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﵌ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﵌ -، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» (صحيح رواه أبو داود).
وعن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ لَاعِبًا أَوْ جَادًّا، فَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ» (حسن رواه الترمذي).
قال أبو عبيد: يعني أن يأخذ شيئًا لا يريد سرقتَه، إنَّما يريدُ إدخالَ الغيظِ عليه، فهو لاعبٌ في مذهب السرقة، جادٌ في إدخال الأذى والروع عليه.
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ» (رواه البخاري ومسلم، ولفظه لمسلم).
[ ١ / ٤٦٢ ]
وفي لفظ لمسلم: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ».
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ».
وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: «مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ مِنْكِ» (صحيح رواه الترمذي).
(صَعِدَ) أَيْ طَلَعَ (فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ) أَيْ عَالٍ (يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ) يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ (وَلَمْ يُفْضِ) أَيْ لَمْ يَصِلْ (الْإِيمَانُ) أَيْ أَصْلُهُ وَكَمَالُهُ (إِلَى قَلْبِهِ) (لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ) أَيْ الْكَامِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ وَهُمْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بِلِسَانِهِمْ وَآمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ (وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ) مِنْ التَّعْيِيرِ وَهُوَ التَّوْبِيخُ وَالتَّعْيِيبُ عَلَى ذَنْبٍ سَبَقَ لَهُمْ مِنْ قَدِيمِ الْعَهْدِ، سَوَاءٌ عُلِمَ تَوْبَتُهُمْ مِنْهُ أَمْ لَا.
وَأَمَّا التَّعْيِيرُ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ أَوْ بُعَيْدَهُ قَبْلَ ظُهُورِ التَّوْبَةِ فَوَاجِبٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ. وَرُبَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ أَوْ التَّعْزِيرُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ (وَلَا تَتَّبِعُوا) أَيْ لَا تَجَسَّسُوا (عَوْرَاتِهِمْ) فِيمَا تَجْهَلُونَهَا وَلَا تَكْشِفُوهَا فِيمَا تَعْرِفُونَهَا.
(مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ) أَيْ ظُهُورَ عَيْبِ أَخِيهِ (الْمُسْلِمِ) أَيْ الْكَامِلِ بِخِلَافِ الْفَاسِقِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ عَنْهُ.
(تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ) أَيْ كَشَفَ عُيُوبَهُ وَمِنْ أَقْبَحِهَا تَتَبُّعُ عَوْرَةِ الْأَخِ الْمُسْلِمِ.
(وَمَنْ يَتَّبِعْ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ) أَيْ يَكْشِفُ مَسَاوِيهِ.
(وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ فِي وَسَطِ مَنْزِلِهِ مُخْفِيًا مِنْ النَّاسِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور:١٩).
[ ١ / ٤٦٣ ]
فتضمَّنت هذه النُّصوص كلُّها أنَّ المسلمَ لا يحِلُّ إيصالُ الأذى إليه بوجهٍ مِنَ الوجوهِ من قولٍ أو فعلٍ بغير حقٍّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب:٥٨).
وإنَّما جعلَ اللهُ المؤمنين إخوةً ليتعاطفوا ويتراحموا، وفي «الصحيحين» عن النعمان بن بشير، عن النَّبيِّ - ﵌ - قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
وفي رواية لمسلم: «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ».
وفي رواية له أيضا: «الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» وفيهما عن أبي موسى سدد خطاكم عن النَّبيِّ - ﵌ -، قال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».
وما المرءُ إلا بإخْوانِه كما يقبضُ الكفّ بالمِعْصَمِ
ولَا خَيرَ في الكفِّ مقطوعةً ولا خيرَ في الساعدِ الأجذَمِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ» (حسن رواه أبو داود).
(الْمُؤْمِن مِرْآة الْمُؤْمِن) أَيْ آلَة لِإِرَاءَةِ مَحَاسِن أَخِيهِ وَمَعَائِبِهِ لَكِنْ بَيْنه وَبَيْنه، فَإِنَّ النَّصِيحَة فِي الْمَلَأ فَضِيحَة، وَأَيْضًا هُوَ يَرَى مِنْ أَخِيهِ مَا لَا يَرَاهُ مِنْ نَفْسه، كَمَا يَرْسُم فِي الْمِرْآة مَا هُوَ مُخْتَفٍ عَنْ صَاحِبه فَيَرَاهُ فِيهَا، أَيْ إِنَّمَا يَعْلَم الشَّخْص عَيْب نَفْسه بِإِعْلَامِ أَخِيهِ كَمَا يَعْلَم خَلَل وَجْهه بِالنَّظَرِ فِي الْمِرْآة.
(يَكُفّ عَلَيْهِ ضَيْعَته) أَيْ يَمْنَع تَلَفه وَخُسْرَانه، فَهُوَ مَرَّة مِنْ الضَّيَاع، وَقَالَ فِي النِّهَايَة: وَضَيْعَة الرَّجُل مَا يَكُون مِنْ مَعَاشه كَالصَّنْعَةِ وَالتِّجَارَة وَالزِّرَاعَة وَغَيْر ذَلِكَ أَيْ يَجْمَع إِلَيْهِ مَعِيشَته وَيَضُمّهَا لَهُ.
(وَيَحُوطهُ مِنْ وَرَائِهِ): أَيْ يَحْفَظهُ وَيَصُونَهُ وَيَذُبّ عَنْهُ بِقَدْرِ الطَّاقَة.
[ ١ / ٤٦٤ ]
قال رجل لعمر بن عبد العزيز: «اجعل كبيرَ المسلمين عندَك أبًا، وصغيرهم ابنًا، وأوسَطَهم أخًا، فأيُّ أولئك تُحبُّ أنْ تُسيء إليه؟».
ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي: «ليكن حظُّ المؤمن منك ثلاثة: إنْ لم تنفعه، فلا تضرَّه، وإنْ لم تُفرحه، فلا تَغُمَّه، وإنْ لم تمدحه فلا تَذُمَّه».
• ثمرات الأخوة:
لو صحت لنا الأخوة الإيمانية المرجوة، لو سعينا في زرع بساتينها في قلوبنا لأثمرت فينا حياة أخرى غير تلك التي نحياها، فإنَّ القلوب تحيا وتترابط وتتآلف فيورثها الله من النعيم ما لا يستشعره إلا من ذاقه، فمن ذلك:
(١) أن يتذوق حلاوة الإيمان فيحيا حياة السعداء:
قال - ﵌ -: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ ﷿، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» (رواه البخاري ومسلم).
(٢) أن يحيطه الله تعالى برحمته، ويقيه عاديات وشدائد يوم القيامة:
قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (رواه مسلم).
(٣) أن الله - ﷿ - يظله بظله يوم القيامة:
فمن السبعة الذين يظلهم الله بظله، يوم لا ظله إلا ظله: «رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ» (رواه البخاري ومسلم).
(٤) أن يرزق العبد محبة الله:
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ» (صحيح رواه الإمام أحمد وغيره).
[ ١ / ٤٦٥ ]