• الغنى والفقر ابتلاء:
إن الله - ﷿ - قد خلق الغنى والفقر مَطِيَّتَيْنِ للابتلاء والامتحان ولم ينزل المال لمجرد الاستمتاع به فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نَأْتِي النَّبِيَّ - ﵌ - إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَيُحَدِّثُنَا، فَقَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: «إِنَّ اللهَ - ﷿ - قَالَ: «إِنَّا أَنْزَلْنَا الْمَالَ لِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ ثَانٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وَادِيَانِ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» (صحيح رواه الإمام أحمد). (وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ) أي لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره.
والمراد بابن آدم الجنس باعتبار طبعه وإلا فكثير منهم يَقْنَعُ بما أعطِي ولا يطلب زيادة، لكن ذلك عارضٌ له من الهداية إلى التوبة كما يومئ إليه قوله - ﷿ - (ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ) أي يقبل التوبة من الحرص المذموم ومن غيره، أو (تَابَ) بمعنى وُفِّق، يقال تاب الله عليه أي وفقه، ىيعني: جُبِل الآدمي على حب الحرص إلا من وفق اللهُ وعصمه.
وفي ذكر ابن آدم دون الإنسان إيماء إلى أنه خلق من تراب طبعه القبض واليُبْس، وإزالته ممكنة بأن يمطر الله عليه من غمام توفيقه.
فأخبر - ﵌ - في هذا الحديث أن الله - ﷿ - أنزل المال ليُستَعَانَ به على إقامة حقه بالصلاة وإقامة حق عباده بالزكاة لا للاستمتاع والتلذذ كما تأكل الأنعام. فإذا خرج المال عن هذين المقصودين فإن الغرض والحكمة التي أنزِل لها كان التراب أولى به.
دَعِ الحرْصَ على الدنيَا وفي العَيْشِ فلا تَطْمَعْ
ولا تَجْمَعْ من المالِ فلا تَدْري لمن تَجْمَعْ
• ما هي الزكاة:
الزكاة اسم لما يخرجه الانسان من حق الله تعالى إلى الفقراء، وسميت زكاة لما يكون فيها من رجاء البركة، وتزكية النفس وتنميتها بالخيرات.
فإنها مأخوذة من الزكاة، وهو النماء والطهارة والبركة، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة:١٠٣). أي خذ - أيها الرسول - من أموال المؤمنين صدقة معينة كالزكاة المفروضة، أو غير معينة، وهي التطوع، تطهرهم بها من دنس البخل والطمع، والدناءة والقسوة على الفقراء والبائسين، وما يتصل بذلك من الرذائل، وتزكي أنفسهم بها، أي تنميها وترفعها بالخيرات والبركات الخلقية والعملية، حتى تكون بها أهلا للسعادة الدنيوية والأخروية.
• حكمة الزكاة: المسلم الغنى ينظر إلى ثروته وأمواله كأمانة استأمنه الله عليها ينبغي عليه أن يؤدى حقها ويستعملها فيما يُرضي الله تعالى، ويحث الله
_________________
(١) إذا ثبت لرجل أو لامرأة الصحبة فلا يمكن أن يقبل لمزة بالنفاق إلا بإسناد صحيح، ولهذا لا يصح قول من قال: إن ثعلبة بن حاطب الأنصاري - ﵁ - - وهو ممن شهد غزوة بدر - هو المقصود بقوله - ﷿ -: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (التوبة: ٧٥). وهذه القصة - التي يذكرها كثير من الخطباء في أثناء حديثهم عن الزكاة - لا تصح سندًا ولا مَتْنًا، أما سندًا فهى من طريق معان بن رفاعة عن على بن يزيد، وكلاهما لا يصح حديثه. وأما متنًا فالنبى - ﵌ - قرر أن مانع الزكاة تؤخذ منه قسرًا، وحارب أبو بكر الصديق سدد خطاكم مانعي الزكاة، فكيف يرفض أخذها رسول الله - ﵌ - وأبو بكر وعمر - ﵄ -؟
[ ١ / ٤٩١ ]
تعالى المسلمين على الإنفاق من أموالهم ليسدوا حاجات الفقراء والمحتاجين، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (البقرة ٢ - آية ٢٤٥).
والزكاة في الإسلام هى أول نظام عرفته البشرية لتحقيق الرعاية للمحتاجين والعدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع حيث يعاد توزيع جزء من ثروات الأغنياء على الطبقات الفقيرة والمحتاجين.
والزكاة طهرة لأموال المزكيَ وطهرة لنفسه من الأنانية والطمع والحرص وعدم المبالاة بمعاناة الغير، وهى كذلك طهرة لنفس الفقير أو المحتاج من الغيرة والحسد والكراهية لأصحاب الثروات، وتؤدى الزكاة إلى زيادة تماسك المجتمع وتكافل أفراده والقضاء على الفقر وما يرتبط به من مشاكل اجتماعية واقتصادية وأخلاقية إذا أحسن استغلال أموال الزكاة وصرفها لمستحقيها.
يا جامعَ المالِ في الدنيا لوارثهِ هل أنتَ بالمالِ قبل الموتِ منتفعُ؟
قدِّمْ لنفسِكَ قبلَ الموتِ في مَهَلٍ فإِن حظكَ بعد الموتِ منقطعُ
• أسماء الزكاة:
منها: الزكاة قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة:٤٣).
ومنها: الحق، قال تعالى: ﴿آَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام:١٢٤١).
ومنها: النفقة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة (٣٤:.ومنها: الصدقة قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة:١٠٣).
والزكاة هي أحد أركان الإسلام الخمسة، وقرنت بالصلاة في اثنتين وثمانين آية، وقد فرضها الله تعالى بكتابه، وسنة رسوله - ﵌ -، وإجماع أمته فمن جحدها فقد كفر.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - بَعَثَ مُعَاذًا - ﵁ - إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ
[ ١ / ٤٩٣ ]
افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ».
(رواه البخاري ومسلم).
وكانت فريضة الزكاة بمكة في أول الإسلام مطلقة، لم يحدد فيها المال الذي تجب فيه، ولا مقدار ما ينفق منه، وإنما ترك ذلك لشعور المسلمين وكرمهم. وفي السنة الثانية من الهجرة - على المشهور - فرض مقدارها من كل نوع من أنواع المال، وبُيِّنَتْ بيانًا مُفَصَّلًا.
• حكم مانعها:
الزكاة من الفرائض التي أجمعت عليها الأمة واشتهرت شهرة جعلتها من ضروريات الدين، بحيث لو أنكر وجوبها أحد خرج عن الإسلام، وقتل كفرًا، إلا إذا كان حديث عهد بالإسلام، فإنه يعذر لجهله بأحكامه.
أما من امتنع عن أدائها - مع اعتقاده وجوبها - فإنه يكون بامتناعه قد ارتكب كبيرة من الكبائر، دون أن يخرجه ذلك عن الإسلام، وعلى الحاكم أن يأخذها منه قهرا ويعزِّره، ويأخذ نصف ماله، عقوبة له.
قَالَ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - عن الزكاة: « وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ﷿» (حسن رواه أبو داود).
(مِنْ عَزْمَاتِ رَبِّنَا): أَيْ حُقُوقِهِ وَوَاجِبَاتِهِ.
ولو امتنع قوم عن أدائها - مع اعتقادهم وجوبها ـ، وكانت لهم قوة ومنعة فإنهم يقاتَلون عليها حتى يعطوها؛ قال - ﵌ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ
[ ١ / ٤٩٤ ]
رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ».
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﵌ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ».
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ» (رواه مسلم).
العِقال: حَبْلٌ تُثْنى به يد البعير إِلى ركبته فتُشَدُّ به.
نَاظَرَ عُمَر أَبَا بَكْر - ﵁ - وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيّ - ﵌ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ نَفْسه وَمَاله»، وَكَانَ هَذَا مِنْ عُمَر - ﵁ - تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ الْكَلَام قَبْل أَنْ يَنْظُر فِي آخِره وَيَتَأَمَّل شَرَائِطه.
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر - ﵁ -: إِنَّ الزَّكَاة حَقّ الْمَال، يُرِيد أَنَّ الْقَضِيَّة قَدْ تَضَمَّنَتْ عِصْمَة دَم وَمَال مُعَلَّقَة بِإِيفَاءِ شَرَائِطهَا. وَالْحُكْم الْمُعَلَّق بِشَرْطَيْنِ لَا يَحْصُل بِأَحَدِهِمَا وَالْآخَر مَعْدُوم. ثُمَّ قَايَسَهُ بِالصَّلَاةِ وَرَدّ الزَّكَاة إِلَيْهَا، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْله دَلِيل عَلَى أَنَّ قِتَال الْمُمْتَنِع مِنْ الصَّلَاة كَانَ إِجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَة، فَلَمَّا اِسْتَقَرَّ عِنْد عُمَر صِحَّة رَأْي أَبِي بَكْر - ﵄ - وَبَانَ لَهُ صَوَابه تَابَعَهُ عَلَى قِتَال الْقَوْم.
عَجَبْتُ لمعشرٍ صَلُّوا وصاموا ظواهرَ خشيةٍ وتُقًى كِذابَا
وتلْفِيهِم حيالَ المالِ صُمّا إِذا داعي الزكاةِ بهِم أهَابا
لقد كتَموا نصيبَ اللهِ مِْنه كأنَّ اللهَ لم يُحْصِ النِّصابَا
ومَنْ يَعْدِلْ بِحُبِّ اللهِ شيئًا كحُبِّ المالِ ضَلَّ هوىً وخابَا
• فضائل الزكاة: * الزكاة هى أرفع عبادة مالية والصلاة أرفع عبادة بدنية فلذلك يقرن ربنا - ﷿ - بينهما دائمًا في الكتاب الكريم: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة:١١٠)
[ ١ / ٤٩٥ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:٢٧٧).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة:٥٥).
* وجعل الله - ﷿ - أخص صفات الأبرار الإحسان، ومظهر إحسانهم يتجلى في القيام من الليل، والاستغفار في السحر تعبدا لله وتقربا إليه، كما يتجلى في إعطاء الفقير حقه، رحمةً وحُنُوًا عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
(الذاريات:١٥ - ١٩).
* والجماعة التي يباركها الله ويشملها برحمته، هي الجماعة التي تؤمن بالله، ويتولى بعضها بعضا بالنصر والحب، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتصل ما بينها وبين الله بالصلاة، وتقوي صلاتها ببعضها، بإيتاء الزكاة. قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١).
* وجعل الله - ﷿ - إيتاء الزكاة غاية من غايات التمكين في الأرض، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:٤١).
* ولقد جعلها الله هى والصلاة فقط سببًا للأخوة في الدين، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:١١).
[ ١ / ٤٩٦ ]
* وهى من أوجب الواجبات بعد الصلاة قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور:٥٦).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة:٥).
• التحذير من منع الزكاة:
* بيَّن الله - ﷿ - أن تركها من سبيل الكافرين، قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (فصلت:٦ - ٧).
* وحَذَّر ربُنا - ﷿ - الذين يكنزون ولا يزكُون؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة (٣٤:.
*وتوعَّدهم بالعذاب الشديد؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة:٣٥)
وعن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: فَالْإِبِلُ؟
قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا
[ ١ / ٤٩٧ ]
مَرَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟
قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (رواه مسلم)
(بُطِحَ) قَالَ جَمَاعَة: مَعْنَاهُ: أُلْقِيَ عَلَى وَجْهه، قَالَ الْقَاضِي: قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ «يُخْبَط وَجْهُهُ بِأَخْفَافِهَا»، قَالَ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْط الْبَطْح كَوْنه عَلَى الْوَجْه، وَإِنَّمَا هُوَ فِي اللُّغَة بِمَعْنَى الْبَسْط وَالْمَدّ، فَقَدْ يَكُون عَلَى وَجْهه، وَقَدْ يَكُون عَلَى ظَهْرِهِ. الْقَاع: الْمُسْتَوِي الْوَاسِع مِنْ الْأَرْض. وَالْقَرْقَر: الْمُسْتَوِي الْوَاسِع مِنْ الْأَرْض. الْعَقْصَاء: مُلْتَوِيَة الْقَرْنَيْنِ، وَالْجَلْحَاء: الَّتِي لَا قَرْن لَهَا، وَالْعَضْبَاء: الَّتِي اِنْكَسَرَ قَرْنهَا الدَّاخِل. (أَوْفَرَ مَا كَانَتْ): أَعْظَم مَا كَانَتْ، هَذَا لِلزِّيَادَةِ فِي عُقُوبَته بِكَثْرَتِهَا وَقُوَّتهَا وَكَمَال خَلْقهَا، فَتَكُون أَثْقَل فِي وَطْئِهَا، كَمَا أَنَّ ذَوَات الْقُرُون تَكُون بِقُرُونِهَا لِيَكُونَ أَنْكَى وَأَصْوَبَ لِطَعْنِهَا وَنَطْحهَا. (لَا يَفْقِد مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا):الفصيل: ولد الناقة أو البقرة بعد فطامه وفصله عن أمه. (وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا) الظِّلْف لِلْبَقَرِ وَالْغَنَم وَالظِّبَاء، وَهُوَ الْمُنْشَقّ مِنْ الْقَوَائِم، وَالْخُفّ لِلْبَعِيرِ، وَالْقَدَم لِلْآدَمِيِّ، وَالْحَافِر لِلْفَرَسِ وَالْبَغْل وَالْحِمَار.
أهلكتَ نفسكَ يا ظلومُ بما ادَّخَرْتَ مِن المظالمْ
أظَنَنْتَ أنّ المالَ لا يفْنَى، وأنَّ المُلكَ دائِمْ
هيهاتَ، أنتَ وما جمَعْتَ كِلاكُما أحلامُ نائمْ
تَفْنَى، ويَفْنَى، والذِي يَبْقَى الخَطايَا والمآثِمْ
[ ١ / ٤٩٨ ]
* وقال - ﷿ -: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران:١٨٠).
* وبيَّن حبيبنا - ﵌ - معنى هذه الآية؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلَا ﴿لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الْآيَةَ». (رواه البخاري).
(مُثَّلَ لَهُ) أَيْ صَوَّرَ. قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: خَصَّ الْجَنْب وَالْجَبِين وَالظَّهْر لِأَنَّهُ جَمَعَ الْمَال، وَلَمْ يَصْرِفهُ فِي حَقّه، لِتَحْصِيلِ الْجَاه وَالتَّنَعُّم بِالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِس، أَوْ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ الْفَقِير وَوَلَّاهُ ظَهْره، أَوْ لِأَنَّهَا أَشْرَف الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَعْضَاء الرَّئِيسَة. وَقِيلَ: الْمُرَاد بِهَا الْجِهَات الْأَرْبَع الَّتِي هِيَ مُقَدَّم الْبَدَن وَمُؤَخَّره وَجَنْبَاهُ، نَسْأَل اللهَ السَّلَامَة.
وَالْمُرَاد بِالشُّجَاعِ: الْحَيَّة الذَّكَر، وَقِيلَ الَّذِي يَقُوم عَلَى ذَنَبه وَيُوَاثِب الْفَارِس. والْأَقْرَع مِنْ الْحَيَّات الَّذِي اِبْيَضَّ رَأْسه مِنْ السُّمّ.
(لَهُ زَبِيبَتَانِ) هُمَا النُّكْتَتَانِ السَّوْدَاوَانِ فَوْق عَيْنَيْهِ، وَقِيلَ: نُقْطَتَانِ يَكْتَنِفَانِ فَاهُ، وَقِيلَ: لَحْمَتَانِ عَلَى رَأْسه مِثْل الْقَرْنَيْنِ، وَقِيلَ: نَابَانِ يَخْرُجَانِ مِنْ فِيهِ.
(يُطَوَّقهُ) أَيْ يَصِير لَهُ ذَلِكَ الثُّعْبَان طَوْقًا.
(ثُمَّ يَأْخُذ بِلِهْزِمَتَيْهِ) فَاعِل يَأْخُذ هُوَ الشُّجَاع، وَالْمَأْخُوذ يَد صَاحِب الْمَال كَمَا ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، فَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ» قَالَ: «وَاللهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ». (رواه البخاري).
قَوْله: (بِلِهْزِمَتَيْهِ): الشِّدْقَيْنِ، وقيل: هُمَا الْعَظْمَانِ الْفَائِتَانِ فِي اللَّحْيَيْنِ تَحْت الْأُذُنَيْنِ. وقيل: هُمَا لَحْم الْخَدَّيْنِ الَّذِي يَتَحَرَّك إِذَا أَكَلَ الْإِنْسَان.
(ثُمَّ يَقُول: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ) فَائِدَة هَذَا الْقَوْل الْحَسْرَة وَالزِّيَادَة فِي التَّعْذِيب حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم، وَفِيهِ نَوْع مِنْ التَّهَكُّم.
* والرسول الحبيب - ﵌ - بيَّن مكانة الزكاة في الإسلام فعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (رواه البخاري ومسلم)
* وكان الصحابة يبايعونه - ﵌ - عليها؛ فعن جَرِير - ﵁ - قال: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» (رواه البخاري)
* وعَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَالَ: «ثَلَاثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ: لَا يَجْعَلُ اللهُ ﷿ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، فَأَسْهُمُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ: الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ، وَلَا يَتَوَلَّى اللهُ ﷿ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْمًا إِلَّا جَعَلَهُ اللهُ - ﷿ - مَعَهُمْ، وَالرَّابِعَةُ لَوْ حَلَفْتُ عَلَيْهَا رَجَوْتُ أَنْ لَا آثَمَ: لَا يَسْتُرُ اللهُ ﷿ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح رواه الإمام أحمد).
* وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فَقَالَ:
«يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ - وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ـ:
لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ إِلَّا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» (حسن رواه ابن ماجه).
(الْفَاحِشَةُ) أي الزنا. (الْأَوْجَاعُ) أي الأمراض. (السِّنِين) أي الفقر. (الْقَطْرَ) أي المطر. (بَأْسَهُمْ) أي حربهم.
[ ١ / ٤٩٩ ]
* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (رواه البخاري). (خَلَفًا):أَيْ: عِوَضًا. وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالتَّلَفِ فَيَحْتَمِلُ تَلَفَ ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَلَفَ نَفْسِ صَاحِبِ الْمَالِ.
• تصدق وأخرج الزكاة قبل أن تُرَدَّ عليك:
عن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالْأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا» (رواه البخاري).
(يَقُولُ الرَّجُل) أَيْ الَّذِي يُرِيدُ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا.
• فضائل الصدقة:
عن عَبْد اللهِ بن مسعود - ﵁ - أن النَّبِيُّ - ﵌ - قَالَ: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ.
قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ». (رواه البخاري)
قَوْله - ﵌ - (أَيّكُمْ مَال وَارِثه أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ مَاله) أَيْ أَنَّ الَّذِي يَخْلُفهُ الْإِنْسَان مِنْ الْمَال وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي الْحَال مَنْسُوبًا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ اِنْتِقَاله إِلَى وَارِثه يَكُون مَنْسُوبًا لِلْوَارِثِ، فَنِسْبَته لِلْمَالِكِ فِي حَيَاته حَقِيقِيَّة وَنِسْبَته لِلْوَارِثِ فِي حَيَاة الْمُوَرِّث مَجَازِيَّة وَمِنْ بَعْد مَوْته حَقِيقِيَّة.
قَوْله (فَإِنَّ مَاله مَا قَدَّمَ) أَيْ هُوَ الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ فِي الْحَيَاة وَبَعْد الْمَوْت بِخِلَافِ الْمَال الَّذِي يَخْلُفهُ.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ - فَإِنَّ َ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (رواه البخاري ومسلم).
(بِعَدْل تَمْرَة) أَيْ بِقِيمَتِهَا (فَلُوَّهُ) الفَلُوّ: هُوَ الْمُهْرُ.
[ ١ / ٥٠١ ]
وقال - ﵌ -: «صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمْرِ». (حسن رواه الطبراني).
ولم أرَ مِثْلَ جَمْعِ المالِ دَاءً ولا مِثْلَ البخيلِ به مُصابَا
فلا تقتلْكَ شهوتُهُ وزِنْها كما تَزِنُ الطعامَ أو الشَّرابَا
وخذْ لبَنِيكَ والأيامِ ذُخْرًا وأعطِ اللهَ حِصَّتَه احْتِسَابَا
وقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَا يُخْرِجُ رَجُلٌ شَيْئًا مِنْ الصَّدَقَةِ حَتَّى يَفُكَّ عَنْهَا لَحْيَيْ سَبْعِينَ شَيْطَانًا». (صحيح رواه الإمام أحمد).
فإن الصدقة على وجهها إنما يقصد بها ابتغاء مرضاة الله والشياطين بصدد منع الإنسان من نيل هذه الدرجة العظمى فلا يزالون يأبون في صده عن ذلك، والنفس لهم على الإنسان ظهيرة؛ لأن المال شقيق الروح، فإذا بذله في سبيل الله فإنما يكون برغمهم جميعًا، ولهذا كان ذلك أقوى دليلًا على استقامته وصدق نيته ونصوح طويته.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (رواه مسلم).
(مَا نَقَصَتْ صَدَقَة مِنْ مَال) ذَكَرُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدهمَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُبَارَك فِيهِ، وَيَدْفَع عَنْهُ الْمَضَرَّات، فَيَنْجَبِر نَقْص الصُّورَة بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّة، وَهَذَا مُدْرَك بِالْحِسِّ وَالْعَادَة.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ نَقَصَتْ صُورَته كَانَ فِي الثَّوَاب الْمُرَتَّب عَلَيْهِ جَبْر لِنَقْصِهِ، وَزِيَادَة إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة.
(وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا) فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ:
أَحَدهمَا: أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْح سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوب، وَزَادَ عِزّه وَإِكْرَامه.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَاد أَجْره فِي الْآخِرَة وَعِزّه هُنَاكَ.
(وَمَا تَوَاضَعَ أَحَد للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ). فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ:
[ ١ / ٥٠٢ ]
أَحَدهمَا: يَرْفَعهُ فِي الدُّنْيَا، وَيُثْبِتُ لَهُ بِتَوَاضُعِهِ فِي الْقُلُوب مَنْزِلَة، وَيَرْفَعهُ اللهُ عِنْد النَّاس، وَيُجِلّ مَكَانه.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَاد ثَوَابه فِي الْآخِرَة، وَرَفْعه فِيهَا بِتَوَاضُعِهِ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَهَذِهِ الْأَوْجُه فِي الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مَوْجُودَة فِي الْعَادَة مَعْرُوفَة، وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد الْوَجْهَيْنِ مَعًا فِي جَمِيعهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
• أفضل الصدقة:
عن أبى أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﵌ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟
قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» (رواه البخاري ومسلم).
مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الشُّحّ غَالِب فِي حَال الصِّحَّة، فَإِذَا شَحّ فِيهَا وَتَصَدَّقَ كَانَ أَصْدَقَ فِي نِيَّته وَأَعْظَم لِأَجْرِهِ، بِخِلَافِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْت وَآيَسَ مِنْ الْحَيَاة وَرَأَى مَصِير الْمَال لِغَيْرِهِ فَإِنَّ صَدَقَته حِينَئِذٍ نَاقِصَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الصِّحَّة، وَالشُّحّ رَجَاء الْبَقَاء وَخَوْف الْفَقْر.
(وَتَأْمُل الْغِنَى). بِضَمِّ الْمِيم أَيْ تَطْمَع بِهِ.
وَمَعْنَى (بَلَغَتْ الْحُلْقُوم): بَلَغَتْ الرُّوح، وَالْمُرَاد قَارَبَتْ بُلُوغ الْحُلْقُوم إِذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً لَمْ تَصِحّ وَصِيَّته وَلَا صَدَقَته وَلَا شَيْء مِنْ تَصَرُّفَاته بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاء.
وَقَوْله - ﵌ -: (لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِهِ الْوَارِث، وَقَالَ غَيْره: الْمُرَاد بِهِ سَبَقَ الْقَضَاء بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ تَصَرُّفه وَكَمَال مِلْكِهِ وَاسْتِقْلَاله بِمَا شَاءَ مِنْ التَّصَرُّف فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّته كَبِير ثَوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَة الصَّحِيح الشَّحِيح.
[ ١ / ٥٠٣ ]