يا باغي الخير أقبِل
قلتُ، والنّاسُ يرقبون هلالًا يشبه الخَيْطَ مِنْ نَحَافَةِ جِسْمِهْ:
«مَنْ يَكنْ صائمًا فذا رمضانٌ خطّ بالنّور للورَى أوّلَ اسمِهْ»
(خطّ بالنّور للورَى أوّلَ اسمِه: أي أن الهلال يشبه حرف الراء).
رمضانُ يا خيرَ الشهورِ تحيةً تُفْضِي عليكَ مِن الجلالِ جَلالَا
خُذْها يَفُوحُ عبيرُها مِن مُؤمِنٍ يبْغِي لك التعظيمَ والإجلالَا
رمضانُ عُدْتَّ وهذه أوطانُنا عَمّ الفسادُ بها وزادَ وطالَا
ضاعتْ مقاييسُ الفضيلةِ بيننا وتبدلَتْ أحوالُنا أوحَالَا
اللهُ أكبرُ إنّ عيني قد رأتْ نورًا بآفاقِ السمَا يتلَالَا
فلعله فجرُ العقيدةِ قد بَدَا يُحيِي النفوسَ ويبعثُ الآمالا
ويُميطٌ عن هذِي القلوبِ قِناعَها فتعودُ تُرْسِلُ نورهَا أرسَالَا
وتروحُ بالإسلامِ تكسِرُ قيدَها وتَفُكُ عن أعناقِها الأغْلَالَا
وتردُّ للدنيا عدالةَ أحمدِ وتُعيدُ للإسلامِ تلكَ الحالَا
إن حكمة الله - ﷿ - اقتضت أن يجعل هذه الدنيا مزرعةً للآخرة وميدانًا للتنافس وكان من فضله - ﷿ - على عباده وكرمه أن يجزي على القليل كثيرًا، ويضاعفَ الحساب ويجعلَ لعباده مواسم تعظم فيها هذه المضاعفة، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرَّب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات؛ عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات.
_________________
(١) «هذه الخطبة والتي بعدها مقتبسة بتصرف من رسالة (بين يدَيْ رمضان) للشيخ محمد إسماعيل المقدم.
[ ١ / ٥٢٩ ]
ومن أعظم هذه المواسم المباركة وأجَلّها شهرُ رمضان الذي أُنزل فيه القرآن المجيد، ولذا كان حريًا بالمؤمن أن يحسن الاستعداد لهذا القادم الكريم، ويتفقه في شروط ومستحبات، وآداب العبادات المرتبطة بهذا الموسم الحافل لئلا يفوته الخير العظيم ولا ينشغل بمفضول عن فاضل ولا بفاضل عما هو أفضل منه.
• أخي المسلم:
استحضر في قلبك الآن أحبَّ الناس إليك، وقد غاب عنك أحد عشر شهرًا وهَبْ أنك بُشِّرتَ بقدومه وعودته خلال أيام قلائل كيف تكون فرحتك بقدومه واستبشارك بقربه وبشاشتك للقائه؟
إن أول الآداب الشرعية بين يدي رمضان أن تتأهب لقدومه؛ إذ أن التأهب لشهر رمضان والاستعداد لقدومه من تعظيم شعائر الله ﵎ القائل: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:٣٢).
يفرح المؤمنون بقدوم شهر رمضان ويستبشرون ويحمدون الله أن بلَّغهم إياه ويعقدون العزم على تعميره بالطاعات وزيادة الحسنات وهجر السيئات وأولئك يبشَّرون بقول الله ﵎: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس:٥٨).
إنّ محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله - ﷿ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (التوبة:١٢٤) فترى المؤمنين متلهفين مشتاقين إلى رمضان، تحِنُّ قلوبهم إلى صوم نهاره، ومكابدة ليله بالقيام والتهجد بين يدي مولاهم، وتراهم يمهدون لاستقبال رمضان بصيام التطوع خاصة في شعبان.
باع قوم من السلف جارية لهم لأحد الناس، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال رمضان - كما يصنع كثير من الناس اليوم - فلما رأت الجارية ذلك منهم قالت: «لماذا تصنعون ذلك؟»، قالوا:
[ ١ / ٥٣٠ ]
«لاستقبال شهر رمضان»، فقالت: «وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟ والله لقد جئت من عند قوم السَّنَةُ عندهم كأنها كلَّها رمضان، لا حاجة لي فيكم، رُدُّوني إليهم»، ورجعت إلى سيدها الأول.
سمع المؤمنون قول رسول الله - ﵌ -: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللهُ ﷿ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» (رواه مسلم)، فعلموا أن الامتناع عن الشهوات لله - ﷿ - في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة؛ كما أشار إلى ذلك مفهوم قول رسول الله - ﵌ -: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ «(متفق عليه) وقوله - ﵌ -: «مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ» (متفق عليه)، وقوله - ﵌ -: «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَوَاضُعًا للهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ دَعَاهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الْإِيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» (حسن رواه الترمذي).
(مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ) أَيْ لُبْسَ الثِّيَابِ الْحَسَنَةِ الْمُرْتَفِعَةِ الْقِيمَةِ.
(تَوَاضُعًا للهِ) أَيْ لَا لِيُقَالَ إِنَّهُ مُتَوَاضِعٌ أَوْ زَاهِدٌ وَنَحْوُهُ.
(دَعَاهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ) أَيْ يُشَهِّرُهُ وَيُنَادِيهِ.
(مِنْ أَيِّ حُلَلِ الْإِيمَانِ) أَيْ مِنْ أَيِّ حُلَلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
وعن سهل بن سعد - ﵁ - عن النبي - ﵌ - قال: «فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ». (رواه البخاري).
وفي رواية في الصحيحين: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ»، (رواه البخاري ومسلم) «مَنْ دَخَلَ فِيهِ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا» (صحيح رواه النسائي).
وعن جابر بن سمرة - ﵁ - قال رسول الله - ﵌ -: «أتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أدْرَكَ أحَدَ وَالِدَيْهِ فَماَتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: يَا
[ ١ / ٥٣١ ]
مُحَمَّدُ، مَنْ أدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأدْخِلَ النَّارَ فَأبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَّلّ عَلَيْكَ فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأبْعَدَهُ اللهُ قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» (صحيح رواه الطبراني).
فهل تعجب أخي المؤمن أن جبريل ملك الوحي يقول في هذا الحديث وفيما رواه مسلم «مَنْ أدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ ولَمْ يُغْفَرْ لَهُ بَاعَدَهُ اللهُ فِي النَّارِ» ثم يؤمِّن خليل الرحمن الصادق المصدوق - ﵌ - على دعائه؟!
وأي عجب ورمضان فرصة نادرة ثمينة فيها الرحمة والمغفرة ودواعيها متيسرة والأعوان عليها كثيرون وعوامل الفساد محدودة ومردة الشياطين مصفَّدون ولله عتقاء في كل ليلة وأبواب الجنة مفتحة، وأبواب النيران مغلقة فمن لم تنله الرحمة مع كل ذلك فمتى تناله إذن؟! ومن لم يكن أهلًا للمغفرة في هذا الموسم ففي أي وقت يتأهل لها، ومن خاض البحر اللجاج ولم يَطَّهَّرْ فماذا يطهره؟!.
لقد بيَّن الصادق المصدوق - ﵌ - اختلاف سعى الناس في الاستعداد لرمضان فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «أَظَلَّكُمْ شَهْرُكُمْ هَذَا، بِمَحْلُوفِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - مَا مَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ شَهْرٌ قَطُّ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهُ، وَمَا مَرَّ بِالْمُنَافِقِينَ شَهْرٌ قَطُّ أَشَرُّ لَهُمْ مِنْهُ، بِمَحْلُوفِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - إِنَّ اللهَ لَيَكْتُبُ أَجْرَهُ وَنَوَافِلَهُ، وَيَكْتُبُ إِصْرَهُ وَشَقَاءَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُدْخِلَهُ، وَذَاكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يُعِدُّ فِيهِ الْقُوَّةَ مِنْ النَّفَقَةِ لِلْعِبَادَةِ، وَيُعِدُّ فِيهِ الْمُنَافِقُ ابْتِغَاءَ غَفَلَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَوْرَاتِهِمْ فَهُوَ غُنْمٌ لِلْمُؤْمِنِ يَغْتَنِمُهُ الْفَاجِرُ». (صحيح رواه الإمام أحمد).
قوله - ﵌ -: «وَذَاكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يُعِدُّ فِيهِ الْقُوَّةَ مِنْ النَّفَقَةِ لِلْعِبَادَةِ» أي ما يقويهم عليها في رمضان كادخار القوت وما ينفقه على عياله فيه؛ لأن اشتغالهم بالعبادة فيه يمنعهم من تحصيل المعاش أو يقلل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يُحصلِّون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله ليتفرغوا فيه للعبادة
[ ١ / ٥٣٢ ]
والإقبال على الله - ﷿ - واجتناء ثمرة هذا الموسم، فهو خير لهم لما اكتسبوه فيه من الأجر العظيم والغفران العميم.
وقوله - ﵌ -: «وَيُعِدُّ فِيهِ الْمُنَافِقُ ابْتِغَاءَ غَفَلَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَوْرَاتِهِمْ» يعني أن المنافقين يستعدون في شهر رمضان للإيذاء بالمسلمين في دنياهم وتتبع عوراتهم أثناء غفلتهم عن الدنيا وانقطاعهم إلى الله - ﷿ -، فكأن ذلك غنيمة اغتنموها في نظرهم ولكنها في الحقيقة شر لهم لو كانوا يعلمون ما أعده الله لهم في الآخرة من العذاب المقيم وحرمانهم من فضله العميم - نعوذ بالله من ذلك - وما أدق هذا الوصف في حق أهل الفن والإعلام الذين يغتنمون موسم الطاعة لصد الناس عن سبيل ربهم وفتنتهم عن طاعة الله - ﷿ -.
وقوله - ﵌ -: «فَهُوَ غُنْمٌ لِلْمُؤْمِنِ» أي هو فوز للمؤمنين بالأجر والثواب الجزيل من غير مشقة كبيرة وذلك لما ينزله الله سبحانه على عباده من الرحمات ويفيضه عليهم من النفحات ويوسع عليهم من الأرزاق والخيرات ويجنبهم فيه من الزلات حيث يفتح لهم أبواب الجنان ويغلق عنهم أبواب النيران ويصفد فيه مردة الجان فهو للأمة ربيعها وللعبادات موسمها وللخيرات سوقها فلا شهر أفضل للمؤمن منه ولا عمل يفضل عما فيه فهو بحق غنيمة المؤمنين.
وقوله - ﵌ -: «يَغْتَنِمُهُ الْفَاجِرُ» المعنى أن الله - ﷿ - ينتقم منه ويذيقه العذاب الأليم بسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه والانقطاع إلى الله - ﷿ - بالعبادة فيه.
• ماذا يحدث في أول ليلة من رمضان؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - قَالَ: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَللهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» (صحيح رواه ابن ماجه).
[ ١ / ٥٣٣ ]
إن خير الهدي هدي محمد - ﵌ - ومن هديه - ﵌ - في هذا الموضع المبادرة إلى تذكير الناس ببركات هذا الموسم العظيم فقد قال - ﵌ -: لأصحابه في أول ليلة من رمضان:
«أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللهُ ﷿ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ للهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» (حسن رواه النسائي).
• يا باغي الخير أقبل!!! كيف يستقبل باغي الخير رمضان؟
أولًا: بالمبادرة إلى التوبة الصادقة المستوفية لشروطها وكثرة الاستغفار قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (التحريم:٨).
وممّا ينبغي أن يُستقبَل به شهر الصيام والقيام أيضًا، المبادرة بالتوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها، والإكثار من الطاعات دُقِّها وجُلِّها، فهذا زمان التوبة.
يا ذَا الذي ما كَفَاهُ الذنبُ في رجبٍ حتى عصَى ربَّه في شهرِ شعبان
لقدْ أظَلّكَ شهرُ الصومِ بعدهُما فلا تُصًيِّرْه أيضًا شهرَ عصيان
واتْلُ القرآنَ وسبِّح فيه مجتهدًا فإنه شهرُ تسبيحٍ وقرآن
ثانيًا: بتعلم ما لابد منه من فقه الصيام أحكامه وآدابه والعبادات المرتبطة برمضان من اعتكاف وعمرة وزكاة فِطر وغيرها قال رسول - ﵌ -: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ». (صحيح رواه ابن ماجه).
ثالثًا: عقد العزم الصادق والهمة العالية على تعمير رمضان بالأعمال الصالحة قال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (محمد:٢١) وقال - ﷿ -: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً َ﴾ (التوبة:٤٦)، وتحري أفضل الأعمال فيه وأعظمها أجرًا.
رابعًا: استحضار أن رمضان كما وصفه الله - ﷿ - أيام معدودات، سرعان ما يولي، فهو موسم فاضل، ولكنه سريع الرحيل، واستحضار أن المشقة الناشئة عن الاجتهاد في العبادة تذهب أيضًا، ويبقى الأجر، وشَرْحُ الصدر، فإن فرط الإنسان ذهبت ساعات لهوه وغفلته، وبقيت تبعاتها وأوزارها.
[ ١ / ٥٣٤ ]
خامسًا: الاجتهاد في حفظ الأذكار والأدعية المطلقة منها والموظفة، خصوصًا الوظائف المتعلقة برمضان، استدعاءً للخشوع وحضور القلب، واغتنامًا لأوقات إجابة الدعاء في رمضان، والاستعانة على ذلك بدعاء: «اللهم أعِنِّي على ذكرِك، وشُكرِك، وحُسنِ عبادتِك».
سادسًا: الاستكثار من الأعمال الصالحات، فإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن ذلك:
(١) الإكثار من الصيام في شعبان: استعدادًا لرمضان، فعن أم المؤمنين عائشة - ﵄ - قالت: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» (رواه مسلم).
ويُنهى عن تخصيص النصف الثاني من شعبان بالصيام لحديث أبي هريرة - ﵁ -، أنّ رسول الله - ﵌ - قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حتى حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ» (رواه الإمام أحمد وغيره وصححه الألباني)، أمّا من صام في أوّل الشهر فلا جناح عليه أن يصوم نصفه الثاني بَعضَه أو كلّه، وكذلك من كانت له عادة صيام صامها، كيومي الاثنين والخميس من كلّ أسبوع، فيصومهما ولا حَرج.
ولا يجوز للصائم أن يتقدّم رمضان بصيام يومٍ أو يومَين لقوله - ﵌ -: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (رواه مسلم).
ولهذا النهي حِكَمٌ جليلةٌ منها: الاحتياط لرمضان لئلا يُزاد فيه ما ليس منه، ومنها الفصل بين صيام الفرض والنفل لأن جنس الفصل بين النوافل والفرائض مشروع، كما في النهي عن وصل صلاة مفروضة بصلاةِ نافلةٍ حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام، ومنها التقوي على صيام رمضان، فإن مواصلة الصوم قد تضعف عن صيام الفرض.
(٢) تلاوة القرآن الكريم: فإن رمضان هو شهر القرآن فينبغي أن يكثر العبد المسلم من تلاوته وحفظه، وتدبره، وعرضه على من أقرأ منه.
[ ١ / ٥٣٥ ]
كان جبريل يدارس النبي - ﵌ - القرآن في رمضان، وعارضه في عام وفاته مرتين (رواه البخاري ومسلم)، وقال - ﵌ -: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ ﴿الم﴾ حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ». (صحيح رواه الترمذي).
وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث، وكان الزهري إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على تلاوة المصحف.
وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على قراءة القرآن.
وقال الزهري: «إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام».
(٣) قيام رمضان: فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - يُرَغِّبُ فِى قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنٍْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
(٤) الصدقة: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ - ﵌ - أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» (رواه البخاري ومسلم).
ومن صور الصدقة إطعام الطعام، وتفطير الصُوّام، قال - ﵌ -: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» (صحيح رواه الترمذي)، فإن عجز عن عَشائه فطَّره على تمرة أو شربة ماء أو لبن، وقال - ﵌ -: «اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (رواه البخاري ومسلم).
وعن عليّ - ﵁ - قال رسول الله - ﵌ -: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا».
فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى للهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (حسن رواه أحمد والترمذي).
(غُرَفًا) جَمْعُ غُرْفَةٍ، أَيْ عَلَالِيَّ فِي غَايَةٍ مِنْ اللَّطَافَةِ وَنِهَايَةٍ مِنْ الصَّفَاءِ وَالنَّظَافَةِ (تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا) لِكَوْنِهَا شَفَّافَةً لَا تَحْجُبُ مَا وَرَاءَهَا.
(لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَام):الْمَعْنَى لِمَنْ لَهُ خُلُقٌ حَسَنٌ مَعَ الْأَنَامِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، فَيَكُونُ مِنْ عِبَادِ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا. الْمَوْصُوفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾.
(وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ) لِلْعِيَالِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْأَضْيَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
(وَأَدَامَ الصِّيَامَ) أَيْ أَكْثَرَ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ بِحَيْثُ تَابَعَ بَعْضَهَا بَعْضًا وَلَا يَقْطَعُهَا رَأْسًا، قَالَهُ اِبْنُ الْمَلَكِ. وَقِيلَ أَقَلُّهُ أَنْ يَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّوْمِ
(وَالنَّاسُ) أَيْ غَالِبُهُمْ (نِيَامٌ) جَمْعُ نَائِمٍ أَوْ غَافِلُونَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا رِيَاءَ يَشُوبُ عَمَلَهُ وَلَا شُهُودَ غَيْرُ اللهِ، إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ الْمُنْبِئُ وَصْفُهُمْ بِذَلِكَ عَنْ أَنَّهُمْ فِي غَايَةٍ مِنْ الْإِخْلَاصِ لله.
وقال - ﵌ -: «أَفْشِ السَّلَامَ، وَأَطِبْ الْكَلَامَ، وَصِلْ الْأَرْحَامَ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلْ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (صحيح رواه أحمد والحاكم).
وقال - ﵌ -: «صَنَائِعُ الَمعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِ تُطْفِيءُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فٍي العُمْرِ». (حسن رواه الطبراني).
وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم عبد الله بن عمر، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه، فلم يفطر في تلك الليلة.
[ ١ / ٥٣٦ ]
وكان من السلف من يطعهم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم، منهم الحسن وابن المبارك، وقال أبو السوار العدوي: «كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد ما أفطر أحد منهم على طعام قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد، فأكله مع الناس وأكل الناس معه».
قال الإمام الماوردي - ﵀ -: «ويستحب للرجل أن يوسع على عياله في شهر رمضان، وأن يحسن إلى أرحامه وجيرانه، لا سيما في العشر الأواخر منه».
وإذا دُعي المسلم الصائم عليه أن يجيب الدعوة، لأن من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم - ﵌ -، وينبغي عليه أن يعتقد جازمًا أن ذلك لا يضيع شيئًا من حسناته، ولا ينقص شيئًا من أجره.
(٥) المكث في المسجد بعد صلاة الفجر: فقد كان - ﵌ - إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس. (رواه مسلم).
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ». (صحيح رواه الترمذي).
(الْغَدَاةَ):الصبح (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أَيْ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ تُسَمَّى صَلَاةَ الْإِشْرَاقِ وَهِيَ أَوَّلُ صَلَاةِ الضُّحَى.
(كَانَتْ) أَيْ الْمَثُوبَةُ.
(قَالَ) أَيْ أَنَسٌسدد خطاكم.
(قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ») صِفَةٌ لِحَجَّةٍ وَعُمَرَةٍ كَرَّرَهَا ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: أَعَادَ الْقَوْلَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ التَّأْكِيدَ بِالتَّمَامِ وَتَكْرَارِهِ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ.
[ ١ / ٥٣٨ ]
فعلى المرء أن يجمع همته ليغتنم هذا الزمان الشريف، ولا يضيره انصراف أكثر الناس عن هذه السُّنَّة، بل الحازم ينظر في أمر الدين إلى من هو فوقه، ومن هو أنشط منه ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: ٢٦).
وقد يُحرم المرء من هذه السُّنَّة الجليلة لإفراطه في السهر أو السمر بعد العشاء.
(٦) الاعتكاف: فقد كان - ﵌ - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يومًا (رواه البخاري) ..
(٧) العمرة: فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟».
قَالَتْ: «نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ - زَوْجِهَا - حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا؟».
قَالَ: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً».
وفي رواية: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي». (رواه مسلم). (الناضح: الدابة يُسْتَقَى عليها).
ومما ثبت في فضائل العمرة: قوله - ﵌ -: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ بَيْنَهُمَا تَنْفِي الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ». (صحيح رواه ابن ماجه).
وقوله - ﵌ -: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا». (صحيح رواه الإمام أحمد).
وقال - ﵌ -: «مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، وَلَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللهُ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً». (صحيح رواه الترمذي). (أُسْبُوعًا: أي سبعة أشواط).
(٨) تحرِّي ليلة القدر: قال - ﷿ -: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر:١ - ٣).
[ ١ / ٥٣٩ ]
وقال - ﵌ -: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِر لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (رواه البخاري).
وكان - ﵌ - يتحرى ليلة القدر، ويأمر أصحابه بتحريها، وكان يعتكف لذلك، وكان يوقظ أهله في ليالي العشر رجاء أن يدركوها.
وعن أم المؤمنين عائشة - ﵄ - قالت: قلتُ: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: «قُولِي: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي». (صحيح رواه الترمذي وابن ماجه).
ويستحب أن يتحرى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، خصوصًا الليالي الوتر منها، لقوله - ﵌ -: «الْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ فِي الوِتْرِ» (رواه البخاري ومسلم)، ورجح بعض العلماء أنها ليلة السابع والعشرين.
(٩) الإكثار من النوافل بعد الفرائض: كالسُّنن القبلية والبعدية، وصلاة التسبيح، والضحى، والذكر والاستغفار، والدعاء خصوصًا في أوقات الإجابة، وعند الإفطار، وفي ثلث الليل الآخر، وفي الأسحار، وساعة الإجابة يوم الجمعة.
(١٠) المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد: والاجتهاد في تطبيق قول رسول الله - ﵌ - «مَنْ صَلَّى للهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ». (حسن رواه الترمذي).
واعلم أن النبيُّ - ﵌ - لم يأذن في آخر الأمر للأعمى الذي جاء يطلب الرخصة في ترك صلاة الجماعة فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ سدد خطاكمقَالَ: أَتَى النَّبِىَّ - ﵌ - رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ لَيْسَ لِى قَائِدٌ يَقُودُنِى إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ الله - ﵌ - أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّىَ فِى بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ؟».
فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَجِبْ». (رواه مسلم).
وعَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ سدد خطاكم أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِىَّ - ﵌ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّى رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، شَاسِعُ الدَّارِ، وَلِى قَائِدٌ لاَ يُلاَئِمُنِى، فَهَلْ لِى رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّىَ فِى بَيْتِى؟
[ ١ / ٥٤٠ ]
قَال: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «لاَ أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً».
(رواه أبو داود وصححه الألباني).
(ضَرِير الْبَصَر): أَيْ أَعْمَى. (شَاسِع الدَّار): أَيْ بَعِيد الدَّار.
(وَلِي قَائِد): الْقَائِد هُوَ الَّذِي يُمْسِك يَد الْأَعْمَى وَيَأْخُذهَا وَيَذْهَب بِهِ حَيْثُ شَاءَ وَيَجُرّهُ. (لَا يُلَائِمنِي):أَيْ لَا يُوَافِقنِي وَلَا يُسَاعِدنِي.
(هَلْ تَسْمَع النِّدَاء): أَيْ الْإِعْلَام وَالتَّأْذِين بِالصَّلَاةِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ حُضُور الْجَمَاعَة وَاجِب وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ نَدْبًا لَكَانَ أَوْلَى مَنْ يَسَعهُ التَّخَلُّف عَنْهَا أَهْل الضَّرَر وَالضَّعْف، وَمَنْ كَانَ فِي مِثْل حَال اِبْن أُمّ مَكْتُوم.
وَكَانَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح يَقُول: لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْق الله فِي الْحَضَر وَالْقَرْيَة رُخْصَة إِذَا سَمِعَ النِّدَاء فِي أَنْ يَدَع الصَّلَاة جَمَاعَة.
وَكَانَ أَبُو ثَوْر يُوجِب حُضُور الْجَمَاعَة: وَاحْتَجَّ هُوَ وَغَيْره بِأَنَّ الله - ﷿ - أَمَرَ رَسُول اللَّه - ﵌ - أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَة فِي صَلَاة الْخَوْف وَلَمْ يَعْذُر فِي تَرْكهَا فَعُقِلَ أَنَّهَا فِي حَال الْأَمْن أَوْجَب.
وقد عدّ بعض العلماء من الكبائر ترك الجماعة فيصلي وحده من غير عذر.
ويُخشَى والعياذ بالله من عدم قبول صلاة تارك الجماعة فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ». (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
قال السندي في حاشيته على (سنن ابن ماجه): «وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد الَّذِي سَمِعَ نِدَاءَهُ فَرْض لِصِحَّةِ الصَّلَاة حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلَاته».
وَذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن من قال من الأئمة إن صلاة الجماعة وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ تَنَازَعُوا فِيمَا إذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟
عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ. وَالثَّانِي تَصِحُّ مَعَ إثْمِهِ بِالتَّرْكِ.
[ ١ / ٥٤١ ]