يا باغي الشر أقصر!!
غدًا يهِلُّ علينا البشْرُ والظَّفَرُ ويحتفي الحجْرُ بالصُّوَّام والحجَرُ
غدًا يهلُّ هِلالُ الصَّوم مؤتلقًا في موكبٍ مشرقٍ والليلُ يعتكرُ
رَنَتْ إليه قلوبٌ في قرارتها لحبِّه سكَنٌ حلوُ الرُّؤى نَضِرُ
غدًا تُؤَذِّن بالبُشرى منائرُنا تَسْري بأخباره الآياتُ والنذر
نغفو ونصحو على ذكرى شمائله نكادُ نشرق بالذكرى ونَنْفَطِرُ
رأيتُهُ قبلَ عامٍ في مساجدنا يضيء في راحَتيْهِ الشمسُ والقمرُ
يُهدي مكارمَه للناس تذْكرةً يُصغي لها السمعُ والإحساسُ والبصَرُ
• يا مستثقلًا رمضان أقصر!!
إن أول شر يرتكبه أهل الغفلة وبغاة الشر هو أنهم يستثقلونه، ويعدون أيامه ولياليه وساعاته، لأن رمضان يحجب عنهم الشهوات، ويمنعهم اللذات.
• يا متعمد الإفطار في نهار رمضان أقصر!
ومن بغاة الشر من لا يسثقلون رمضان أصلًا، لأنهم لا يصومون، بل يجاهرون بالفطر في الطرقات، دون حياء من الله، ولا من عباد الله. ومن شركاء هؤلاء في الوزر أصحاب المطاعم الذين يفتحون محالهم لترحب بالفاسقين المفطرين بغير عذر، ويعاونونهم على الإثم والعدوان ومعصية الله ورسوله - ﵌ -.
عن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «بَيْنَمَا أنَا نَائِمٌ إِذْ أتَانِي رَجُلَانِ، فَأخَذَا بِضَبْعَيَّ - عَضُدَيَّ - فأتَيَا بِي جَبَلًا وَعْرًا، فَقَالَا: اصْعَدْ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أطِيقُهُ، فَقَالَا: «َسُنَسهِّلُهُ لك»، فَصَعدْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي سَوَاءِ الجَبَلِ إذَا بِأصْوَاتٍ شَدِيدَةٍ، قُلْتُ: مَا هَذِهِ الأصْوَاتُ؟ قَالُوا: هَذَا عُوَاءُ أهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطلِقَ بِي، فَإِذَا أنَا
[ ١ / ٥٤٢ ]
بِقَوْمٍ مُعَلّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٌ أشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أشْدَاقُهُمْ دَمًا، قُلْتُ: «َمنْ هَؤُلَاءِ؟» قَالَا: هَؤُلَاءِ الذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلّةِ صَوْمِهِمْ» (صحيح رواه ابن خزيمة وابن حبان)
الضَّبْعُ: العَضُدُ، الوعْر: الصعب، والصلب، الشَّدْق: جانب الفم مما تحت الخد، قَبْلَ تَحِلّةِ صَوْمِهِمْ: أي يفطرون قبل وقت الإفطار.
فإذا كان هذا وعيد من يفطرون قبل غروب الشمس ولو بدقائق معدودات، فكيف بمن يفطر اليوم كله؟!
قال الحافظ الذهبي - ﵀ -: «وعند المؤمنين مقرر: أنَّ من ترك صوم رمضان بلا عذر أنه شر من الزاني ومدمن الخمر، بل يَشُكّون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال».
• يا تارك الصلاة أقصر!
وأعظم بغاة الشر في رمضان تارك الصلاة الذي لا يتوب من جريمة كبرى، قال الله سبحانه في شأن تاركها ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (المدثر٤٢:٤٣). وقال في شأنها رسول الله - ﵌ -: «الْعَهْدُ الذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (صحيح رواه أحمد والترمذي والنسائي)، وقال - ﵌ -: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ: تَرْكُ الصَلَاةِ» (رواه مسلم). وقال - ﵌ -: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالشِّرْكِ إلّا تَرْكُ الصّلَاةِ؛ فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أشْرَكَ». (صحيح رواه ابن ماجه).
وقال النَّبيُّ - ﵌ -: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يُدخِلَهُ الجَنَّةَ» (صحيح رواه أبو داود والنسائي).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» (حسن رواه أحمد).
[ ١ / ٥٤٣ ]
وقال الإمام المحقق ابن القيم - ﵀ -: «لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة».
وبعيدًا عن الخلاف الفقهي في كفر تارك الصلاة، هل هو كفر أكبر مُخرج من الملة أو هو كفر لا يخرج من الملة، فدعني أهمس في أذنك يا تارك الصلاة: هل تقبل أن يكون انتماؤك لدين الإسلام، وإيمانك بالله ورسوله وكتابه قضيةً محلّ خلاف، فعلماء يقولون: «أنت كافر مثل فرعون وقارون وأبي جهل وأبي لهب»، وفريق آخر يقول: «بل فاسق مجرم شرير أشد خبثًا من قاتل النفس، وسارق المال، وآكل الربا، والزاني، وشارب الخمر»؟!
يا تاركًا لصَلاتِهِ إنّ الصلاةَ لَتَشْتَكِي
وتقولُ في أوقاتِها: اللهُ يلعَنُ تارِكِي.
• يا أيتها المتبرجة أقصِري!
ومن بغاة الشر في هذا الشهر الكريم المتبرجات بالزينة اللائي لا ينوين التوبة من هذه الكبيرة، بل يبغين الفساد بالإصرار على إظهار الزينة للأجانب من الرجال، والخروج إلى الأسواق والطرقات والمجامع متعطرات متطيبات، كاسيات عاريات فاتق الله يا أمَةَ الله في نفسِكِ، وفي عباد الله الصائمين، ولا تكوني رسول الشيطان ِإليهم لتفسدي قلوبهم وتشوشي صيامهم، بل قَرِّيِ في بيتك، فإن خرجتِ ولابد فاستتري بالحجاب الكامل، وتأدبي بآداب الإسلام.
قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (رواه مسلم).
•
[ ١ / ٥٤٤ ]
يا أهل الفن والإعلام: أقصروا!
إن رمضان فرصة ثمينة للتوبة والإنابة إلى الله - ﷿ - وأنتم تحولونه إلى فرصة لنشر الفساد وإشاعة الفواحش، فانضموا إلى صفوف أولياء الله المتقين، وسخِّروا الإعلام في خدمة الدين، وإشاعة المعروف والنهي عن المنكر، وذكِّروهم بالقرآن والسُّنَّة، ولا تشغلوهم بالأغاني والمسلسلات، والفوازير، والرقصات، قبيح بكم أن تبارزوا ربكم بالحرب في شهره الكريم، وتكثفوا حربكم على الدين والأخلاق، كأنكم تشفقون من بوار تجارتكم الشيطانية في هذا الشهر المُبارك، فتضاعفون من مجهودكم لتصدوا الناس عن سبيل الله - ﷿ -، وتبغوها عوجًا.
إن المنادي يناديكم من أول ليلة في رمضان أقصروا يا بغاة الشر، فإن أصررتم فإن ربكم لبالمرصاد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (النور: ١٩).
ويا أيها المسلمون الصائمون: فِرُّوا من الفيديو والتلفاز والصحف الفاسدة فراركم من الأسد، إن الفنانين هم قطاع الطريق إلى الله، إنهم ممن قال الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة:٢٢١)، وقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: ٢٨)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى* فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (طه: ١٥ - ١٦)، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء ٢٨:٢٧).
فتذكر يا عبد الله الصائم قوله ﵎: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (الإسراء ٣٦)، وأهل الفن يدعونك إلى زنا العين، وزنا الأذن، فكبف تطاوعهم وأنت مسلم؟!
[ ١ / ٥٤٥ ]
وكيف تشاركهم وأنت صائم؟! وكيف لا تقول إذا دعاك الشياطين إلى هذه المعاصي: «إني صَائِم، إني صَائِم»؟! وإذا كنت في الصيام تحرم الحلال من الطعام والشراب والشهوة امتثالًا لأمر الله، فكيف تستبيح ما هو حرام قطعًا من إطلاق البصر إلى النساء الفاجرات، ألا ما أصدق قول الصادق المصدوق - ﵌ -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (رواه البخاري).
وقوله - ﵌ -: «رُبَّ قَائِمٍ حَظّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ، وَرُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الجُوعُ وَالعَطَشُ» (صحيح رواه أحمد والحاكم والبيهقي).
وقوله - ﵌ -: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (رواه البخاري).
فيا عاكفين أمام الممثلات والراقصات، أين أنتم من عباد الرحمن الذين: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (فرقان ٧٢)، و﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون ٣)، لقد بين الله - ﷾ - الحكمة من تشريع الصيام في قوله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة ١٨٣).
ولقد سأل أمير المؤمنين عمر - ﵁ - أُبَيَّ بن كعب - ﵁ -: ما التقوى؟، فقال أُبَيَّ:
«يا أمير المؤمنين أما سلكتَ طريقًا ذات شوك؟، قال: بلى، قال: فماذا صنعت؟، قال: شمَّرتُ واجتهدتُ، قال: فذلك التقوى».
وسئل أمير المؤمنين عليٌّ - ﵁ - عن معنى التقوى، فقال: «هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل».
خَلّ الذنوبَ صغيرَها وكبيرَها ذاكَ التّقَى
واصنع كماشٍ فوقَ أرضِ الشوكِ يحذَرُ ما يرَى
لا تَحْقِرَنَّ صغيرةً إنّ الجبالَ مِنَ الحَصَى
[ ١ / ٥٤٦ ]
ولقد قال رسول الله - ﵌ -: «الصِّيَامُ جُنَّة» أي وقاية نتَّقِي بها كل ما نخشاه، وننال به كل ما نتمناه، فالصوم وقاية للَّسان في نطقهِ، وللعين في بصرها، وللأذن في سماعها، وهكذا كل الجوارح تتقي ما نُهِي عنه، قال جابر بن عبد الله - ﵄ -: «إذا صُمْتَ فليصم سمعُك وبصرك ولسانُك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقارٌ وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم فطرك ويوَم صومِك سواءً».
• يا خائضًا في أعراض الناس أقصر!!
فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات ١٢)، وقال - ﵌ -: «الغِيبَةُ: ذِكْرُكَ أخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (رواه مسلم).
وقال القرطبي - ﵀ -: «لا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من اغتاب أحدًا عليه أن يتوب إلى الله - ﷿ -».
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟
قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ». (صحيح رواه أحمد وأبو داود).
(يَخْمِشُونَ) أَيْ يَخْدِشُونَ، خَمَشْت الْمَرْأَة كَضَرَبَ وَجْههَا بِظُفْرٍ جَرَحْت ظَاهِر الْبَشَرَة. (يَأْكُلُونَ لُحُوم النَّاس): أَيْ يَغْتَابُونَ الْمُسْلِمِينَ.
لَمَّا كَانَ خَمْش الْوَجْه وَالصَّدْر مِنْ صِفَات النِّسَاء النَّائِحَات جَعَلَهُمَا جَزَاء مَنْ يَغْتَاب وَيَفْرِي فِي أَعْرَاض الْمُسْلِمِينَ إِشْعَارًا بِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ صِفَات الرِّجَال بَلْ هُمَا مِنْ صِفَات النِّسَاء فِي أَقْبَح حَالَة وَأَشْوَه صُورَة.
وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعْ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» (صحيح رواه أحمد وأبو داود).
[ ١ / ٥٤٧ ]
وعن طليق بن قيس قال: قال أبو ذر - ﵁ -: «إذا صُمْتَ فتحفَّظْ ما استطعْتَ»
فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل، فلم يخرج إلا إلى صلاة.
وعن مجاهد قال: «من أحب أن يسلم له صومه؛ فليتجنب الغيبة والكذب».
وعن حفصة بنت سيرين قالت: «الصيام جُنَّة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة».
وعن ميمون بن مهران: «إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب».
وقال الشاعر:
إذا لم يكنْ في السمعِ مِنّي تَصَوُّنٌ وفي بصري غَضٌ، وفي منطقي صَمْتُ
فحَظّي إذًا مِن صومِي الجوعُ والظمأ وإن قُلتُ: «إني صُمْتُ يومًا» فما صُمْتُ
• وهذه وصايا لكل مسلم ومسلمة في هذا الشهر الكريم:
* ينبغي أن يقدم في شعبان قضاء ما فاته من صيام رمضان الماضي.
* من سُّنَّة المصطفى - ﵌ - صيام أغلب شهر شعبان لأنه لرمضان كنوافل للصلاة
* احرص على قيام أول ليلة من رمضان وهي ليلة الرؤيا، ولا تفوتها، كي تنال فضيلة قيام رمضان كله.
* اصبر على القيام خلف إمامك في التروايح إلى أن ينصرف كي يُكتب لك قيام ليلة كاملة.
* احرص على صلاة المغرب في جماعة المسجد، فإنه ينبغي تعمير المساجد بالجماعة في رمضان أكثر من غيره.
* لا تضيع سُّنَّة العشاء البعدية، وهما ركعتان بعد العشاء، وقبل القيام.
* لا تسهر سهرًا يضر بمواظبتك على حضور صلاة الفجر بالمسجد.
• احرص على تطبيق الأحاديث الشريفة التالية:
(١) عن أبي أُمامة - ﵁ - قال رسول الله - ﵌ -: «صَلَاةٌ فِي إثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا؛ كِتَابٌ فِي عِلّيّينَ» (حسن رواه أبو داود).
(صَلَاة فِي إِثْر صَلَاة): أَيْ صَلَاة تَتْبَع صَلَاة وَتَتَّصِل بِهَا فَرْضًا أَوْ سُنَّة.
[ ١ / ٥٤٨ ]
(لَا لَغْو بَيْنهمَا): أَيْ لَيْسَ بَيْنهمَا كَلَام بَاطِل وَلَا لَغَط وَاللَّغْو اِخْتِلَاط الْكَلَام.
(كِتَاب فِي عِلِّيِّينَ): أَيْ مَكْتُوب وَمَقْبُول تَصْعَد بِهِ الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ إِلَى عِلِيِّينَ لِكَرَامَةِ الْمُؤْمِن وَعَمَله الصَّالِح.
(٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ». (صحيح رواه الترمذي).
(الْغَدَاةَ):الصبح (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أَيْ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ تُسَمَّى صَلَاةَ الْإِشْرَاقِ وَهِيَ أَوَّلُ صَلَاةِ الضُّحَى.
(٣) عن أم حبيبة - ﵄ - قال رسول الله - ﵌ -: «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» (صحيح رواه الترمذي).
(٤) عن أنس - ﵁ - قال رسول الله - ﵌ -: «مَنْ صَلَّى للهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ» (حسن رواه الترمذي).
(٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -:
«مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا؟».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -: أَنَا.
قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -: أَنَا.
قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -:أَنَا.
[ ١ / ٥٤٩ ]
قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟».
قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -: أَنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم).
• عباد الله سيأتي الموت على الجميع:
كم من أخ نعرفه صام معنا وقام في رمضان الماضي وما قَبله، ثمّ صار إلى عالَمِ الدود واللحود، بعد أن استلّه هاذم اللذّات من بينِنَا، وسيأتي الموت على الجميع، إن عاجلًا وإن آجلًا.
تَمُرُّ بنا الأيامُ تَتْرَى وإنَّمَا نُسَاقُ إلى الآجالِ والعينُ تنظرُ
فليسَ عن لُقيا المنيّةِ صارفٌ وليس مَن يدرِي الأوانَ فيُنذِر
يا نفسُ فالتمِسِي النجاةَ بتوْبَةٍ فبِتَوْبَتِي نَحْوَ النجاةِ سأبْحِرُ
فهلّا اغتنمنا هذه الفرصة للتزوّد، فإنّ خير الزاد التقوى، وهي الغاية الكبرى من مشروعيّة الصيام قال تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة ١٨٣) فالصائم الصادق الصالح هو الذي يتّقي الله في صومه، فيصوم جوفه، وفرجه، وسائر جوارحه، صومًا يكفّه عن المعاصي، ويحجزه عن الحرمات، فلا يقول إلاّ خيرًا، ولا يسمع إلاّ خيرًا، ولا يفعل إلاّ خيرًا، ويُقلِع عن قول الزور والعمل به، فمن لم يكن كذلك فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، كما صحّ بذلك الخبر عن خير البَشَر فيما رواه الإمام البخاري في (صحيحه).
كيف لا، وللصيام منزلة رفيعة بين العبادات، ففي الحديث القدسي الذي رواه الشيخان يقول الله - ﷿ -: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، والحكمة في ذلك أنّ الصوم سرٌ بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه أحد سواه، وقيل: «فإنّهُ لِي» أي لم يُتَعَبَّد أحد بمثله إلا أنا، فالعباد يركعون لبعضهم ويسجدون، وينفقون تزلفًا وتملّقًا، ويقصد بعضهم بعضًا، إلى غير ذلك مما يصرفه بعضهم لبعضٍ من الأعمال، أمّا الصوم فلا يُعرَف أنّ أحدًا يصوم لأحدٍ غيرِ الله - ﷿ -.
[ ١ / ٥٥٠ ]
والمؤمن الرشيد - يا عباد الله - يقدّم بين يدي رمضان توبة تحجزه عن الملاهي والمنكرات، التي تكتظ بها وسائل الإعلام والإجرام، ويتزوّد بالتقوى والإنابة، قبل تزوده بالطعام والشراب والثمار المستطابة.
إن رمضان فرصة عظيمة وساحة واسعة للتفكير الصادق في العودة إلى الله - ﷿ -، وترك أكل الحرام وشهادة الزور، والتوبة الصادقة من الظلم والغيبة والنميمة، وقد قال الله - ﷿ -: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:٣١).
فإن لم نَتُبْ في رمضان فليت شعري متى نتوب؟ ولله - ﷿ - في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار.
مَضَى شعبانُ ما أحسنْتَ فيهِ وهذا شهرُ رمضانَ المباركْ
فيا مَن ضَيَّع الأوقاتَ جهلًا بقيمتِها أفِقْ واحْذَر بَوَارَكْ
فسوف تفارقُ اللذاتِ قهرًا ويُخْلى الموتُ يومًا منكَ دارَكْ
تدارَكْ ما استطعتَ مِن الخطايَا بتوبةِ مخلصٍ واجعلْ مدارَكْ
على طلبِ السلامةِ مِن جحيمٍ فخيرُ ذوي الجرائمِ مَن تدارَكْ
وعليكم في رمضان خاصة بكتاب ربّكم خيرًا، فإن القرآن ورمضان شفيعان مشفّعان يوم القيامة؛ قال - ﵌ -: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: «أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ»، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: «مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ»، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ». (صحيح رواه الإمام أحمد).
إِقْرَأْ كِتَابَ اللِه جُهْدَكَ وَاتْلُهُ فيمَنْ يَقومُ بِهِ هناكَ ويَنْصِبُ
بِتَّفَكُّرٍ وتخشُّعٍ وتَقَرُّبٍ إن المقَرَّبَ عِندهُ المُتَقَرَِّبُ
*************
مَنَعَ الكتابُ بوَعْدِه ووَعيدِهِ مُقَلَ العيونِ بليلِها لا تَهْجَعُ
فَهِمُوا عن الملِكِ العظيمِ كلامَه فهْمًا تَذِلّ له الرقابُ وتخضَعُ
[ ١ / ٥٥١ ]