يا سائرينَ إلى البيتِ العتيقِ لقَدْ سِرْتُم جُسُومًا وسِرْنَا نحنُ أروَاحَا
إنّا أقَمْنَا علَى عُذرٍ وعن قدرٍ ومن أقام على عذرٍ كَمَنْ رَاحَا
• متى فرض الحج:
فُرِضَ الحج على الصحيح سَنَة تسع من الهجرة، وهي سنة الوفود التي نزلت فيها سورة آل عمران وفيها قول الله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:٩٧)
• حُكم الحج:
الفرضية، وهو من أركان الدين، ودليله ما سبق من الآية الكريمة، وكذا جاء في السنة ما يدل عليه؛ فعن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». (رواه البخاري ومسلم).
• هل يجب الحج على الفور؟
نعم هو على الفور، ودليله ما سبق من الآية الكريمة، وهو الأصل في الأوامر الشرعية، ومن السنة ما يدل على هذا الحكم:
١ - عن ابن عباس - ﵄ - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ» (حسن رواه ابن ماجه).
• الحج يجب مرة واحدة في العمر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﵌ - فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ؛ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ». (رواه مسلم).
• فضل الحج:
قد جاء في فضل الحج أحاديث كثيرة، منها:
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (رواه البخاري ومسلم).
والحج المبرور معناه: أ- أن يكون من مالٍ حلال. ب-أن يبتعد عن الفسق والإثم والجدال فيه. جـ - أن يأتي بالمناسك وفق السنة النبوية. د - أن لا يرائي بحجه، بل يخلص فيه لربه. هـ- أن لا يعقبه بمعصية أو إثم.
٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﵌ - يقول: «مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». (رواه البخاري ومسلم).
٣ - عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﵌ - قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ». (رواه البخاري ومسلم).
٤ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - ﵂ - قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الْحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ -» (رواه البخاري).
٥ - قال رسول الله - ﵌ - لعمرو بن العاص - ﵁ -: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ». (رواه مسلم).
٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (صحيح رواه الترمذي).
٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - ﵌ - قَالَ: «الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللهِ، دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ». (حسن رواه ابن ماجه).
[ ١ / ٥٨٧ ]
• منافع الحج:
قال الله ﷿: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: ٢٨).
والمنافع: دنيوية ودينية.
أما الدينية: فلتحصيل رضوان الله تعالى، والعودة بمغفرة الذنوب جميعًا، وكذا الأجور العظيمة التي لا توجد إلا في تلك الأماكن، فمثلًا الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، ولا يوجد طواف ولا سعي إلا في تلك الأماكن.
ومن المنافع لقاء المسلمين، والوقوف على أحوالهم، ولقاء أهل العلم، والاستفادة منهم، وطرح المشكلات عليهم.
وأما المنافع الدنيوية فمنها التجارة، وسائر وجوه المكاسب الناشئة والمتعلقة بالحجّ.
• حِكَم الحج، وما فيه من آثار على النفس:
لأداء مناسك الحج فضائل متعددة وحِكَم بالغة من وُفِّق لفهمهما والعمل بها وفق لخير عظيم، ومنها:
١ - سفر الإنسان إلى الحج لأداء المناسك: يتذكر سفره إلى الله والدار الآخرة، وكما أن في السفر فراق الأحبة والأهل والأولاد والوطن؛ فإن السفر إلى الدار الآخرة كذلك.
قال - ﵌ -: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ» (رواه البخاري ومسلم).
(يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ) هَذَا يَقَع فِي الْأَغْلَب، وَرُبَّ مَيِّتٍ لَا يَتْبَعُهُ إِلَّا عَمَلُهُ فَقَطْ، وَالْمُرَادُ مَنْ يَتْبَعُ جِنَازَتَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَرُفْقَتِهِ وَدَوَابِّهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ، وَإِذَا اِنْقَضَى أَمْرُ الْحُزْنِ عَلَيْهِ رَجَعُوا، سَوَاءٌ أَقَامُوا بَعْدَ الدَّفْنِ أَمْ لَا.
٢ - وكما أن الذاهب في هذا السفر يتزود من الزاد الذي يبلِّغه إلى الديار المقدسة، فليتذكر أن سفره إلى ربه ينبغي أن يكون معه من الزاد ما يبلِّغه مأمنه، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة:١٩٧).
[ ١ / ٥٨٩ ]
تزوَّدْ مِن التقوَى فإنك لا تَدرِي إذا جَنّ ليلٌ هل تعيشُ الى الفجرِ
فكم مِن فتًى أمسَى وأصبحَ ضاحكًا وقد نُسِجَتْ أكفانُه وهو لا يدرِي
وكم مِن عروسٍ زينُوها لزوجِها وقد قُبضَتْ أرواحهمْ ليلةَ القدْرِ
ِوكم مِن صحيحٍ ماتَ مِن غيرِ عِلَّةٍ وكم مِن سَقيمٍ عاش حِينًا مِن الدهرِ
٣ - وكما أن السفر قطعة من العذاب فالسفر إلى الدار الآخرة كذلك وأعظم منه بمراحل، فأمام الإنسان النَزْعُ والموت والقبر والحشر والحساب والميزان والصراط ثم الجنة أو النار، والسعيد من نجَّاه الله تعالى.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «يَجْمَعُ اللهُ ﵎ النَّاسَ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمْ الْجَنَّةُ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: «وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ».
قَالَ: فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: «لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى ﵊ الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ تَكْلِيمًا».
فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵊ فَيَقُولُ: «لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللهِ وَرُوحِهِ»، فَيَقُولُ عِيسَى ﵊: «لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا - ﵌ - فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ.
وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ.
قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟
قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ.
ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: «رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ»،حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا.
قَالَ: وَفِي حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ».
وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا. (رواه مسلم).
(تُزْلَف لَهُمْ الْجَنَّة): تَقْرُب، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّة لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: قَرُبَتْ.
قَوْله - ﵌ - عَنْ إِبْرَاهِيم - ﵌ -: (إِنَّمَا كُنْت خَلِيلًا مِنْ وَرَاء وَرَاء) هَذِهِ كَلِمَة تُذْكَر عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع أَيْ: لَسْت بِتِلْكَ الدَّرَجَة الرَّفِيعَة.
قَوْله - ﵌ -: (وَتُرْسَل الْأَمَانَة وَالرَّحِم فَتَقُومَانِ جَنْبَتَيْ الصِّرَاط):
(جَنَبَتَا الصِّرَاط) جَانِبَاهُ. و(إِرْسَال الْأَمَانَة وَالرَّحِم) لِعِظَمِ أَمْرهمَا وَكِبَر مَوْقِعهمَا فَتُصَوَّرَانِ مُشَخَّصَتَيْنِ عَلَى الصِّفَة الَّتِي يُرِيدهَا اللهُ تَعَالَى.
(شَدّ الرِّجَال) عَدْوُهَا الْبَالِغ وَجَرْيُهَا. (تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالهمْ) مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي سُرْعَة الْمُرُور عَلَى حَسَب مَرَاتِبهمْ وَأَعْمَالهمْ.
٤ - وإذا لبس المُحْرم ثوبي إحرامه فلا يذكر إلا كفنه الذي سيكفن به، وهذا يدعوه إلى التخلص من المعاصي والذنوب، وكما تجرد من ثيابه فعليه أن يتجرد من الذنوب، وكما لبس ثوبين أبيضين نظيفين فكذا ينبغي أن يكون قلبه وأن تكون جوارحه بيضاء لا يشوبها سواد الإثم والمعصية.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵁ - قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ - ﵌ -:أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ».
قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ؛ فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ» (صحيح رواه ابن ماجه).
٥ - وإذا قال الحاجُّ في الميقات: «لبيك اللهم لبيك» فهو يعني أنه قد استجاب لربه تعالى، فما باله باقٍ على ذنوب وآثام لم يستجب لربّه في تركها ويقول بلسان الحال: «لبيك اللهم لبيك» يعني: استجبتُ لنَهْيِك لي عنها وهذا أوان تركها؟
قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال:٢٤)
يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه.
وقوله - ﷿ -: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام.
ثم حذر عن عدم الاستجابة لله وللرسول - ﵌ - فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فإياكم أن ترُدُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء.
فليكثر العبد من قول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك».
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه.
وقال - ﷿ -: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (الشورى:٤٧)
يأمر تعالى عباده بالاستجابة له، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وبالمبادرة بذلك وعدم التسويف، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْم﴾ القيامة الذي إذا جاء لا يمكن رده واستدراك الفائت، وليس للعبد في ذلك اليوم ملجأ يلجأ إليه، فيفوت ربه، ويهرب منه.
[ ١ / ٥٩٠ ]
بل قد أحاطت الملائكة بالخليقة من خلفهم، ونودوا ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾
(الرحمن:٣٣) وليس للعبد في ذلك اليوم نكير لما اقترفه وأجرمه، بل لو أنكر لشهدت عليه جوارحه.
وهذه الآية ونحوها، فيها ذم الأمل، والأمر بانتهاز الفرصة في كل عمل يعرض للعبد، فإن للتأخير آفات.
٦ - وترك الحاجّ للمحظورات أثناء إحرامه، واشتغاله بالتلبية والذكر يبين له حال المسلم الذي ينبغي أن يكون عليه، وفيه تربية له وتعويد للنفس على ذلك، فهو يرَُوِّضُ نفسه ويربيها على ترك مباحات في الأصل، لكن الله حرمها عليه ها هنا في الحج، فكيف يتعدى على محرمات حرمها الله عليه في كل زمان ومكان؟
٧ - ودخول الحاجّ لبيت الله الحرام الذي جعله الله أمنًا للناس يتذكر به العبد الأمن يوم القيامة، وأنه لا يحصله الإنسان إلا بكد وتعب، وأعظم ما يؤمن الإنسان يوم القيامة التوحيد وترك الشرك بالله، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢).
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ أي: يخلطوا ﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ الأمن من المخاوفِ والعذاب والشقاء، والهدايةُ إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقا، لا بشرك، ولا بمعاصٍ، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة.
وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها.
ومفهوم الآية الكريمة، أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية، ولا أمن، بل حظهم الضلال والشقاء.
[ ١ / ٥٩٣ ]
وقال - ﷿ -: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج:٢٦)
٨ - وتقبيل للحجر الأسود يربي الزائر على تعظيم السنة، وأن لا يتعدى على شرع الله بعقله القاصر، ويعلم أن ما شرع الله للناس فيه الحكمة والخير، ويربي نفسه على عبوديته لربه تعالى، فَعُمَرَ - ﵁ - جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» (رواه البخاري).
أَرَادَ عُمَر - ﵁ - أَنْ يُعَلِّم النَّاس أَنَّ اِسْتِلَامه اِتِّبَاعٌ لِفِعْلِ رَسُول اللهِ - ﵌ -، لَا لِأَنَّ الْحَجَر يَنْفَع وَيَضُرّ بِذَاتِهِ كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَعْتَقِدهُ فِي الْأَوْثَان، إنَّمَا شُرِعَ تَقْبِيله اِخْتِبَارًا لِيُعْلَم بِالْمُشَاهَدَةِ طَاعَة مَنْ يُطِيع، وَذَلِكَ شَبِيه بِقِصَّةِ إِبْلِيس حَيْثُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَم.
قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩).
وقال رسول الله - ﵌ -: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (صحيح رواه أبو داود، وروى مسلم لفظة: «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»).
«عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»: كناية عن شدة التمسك بها، و«النواجذ»: الأضراس.
وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم».
وقال الإمام مالك - ﵀ -: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا - ﵌ - خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣)، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا».
[ ١ / ٥٩٤ ]
وقال الإمام الزهري - ﵀ -: «الاعتصام بالسنة نجاة؛ لأن السنة - كما قال مالك - مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك».
٩ - وفي طواف الحاجّ يتذكر أباه إبراهيم - ﵇ -، وأنه بنى البيت ليكون مثابة للناس وأمنًا، وأنه دعاهم للحج لهذا البيت، فجاء نبينا محمدٌ - ﵌ - ودعا الناس لهذا البيت أيضًا، وكذا كان يحج إليه موسى ويونس وعيسى - ﵈ -، فكان هذا البيت شعارًا لهؤلاء الأنبياء وملتقىً لهم، وكيف لا وقد أمر الله تعالى إبراهيم - ﵇ - ببنائه وتعظيمه.
١٠ - وشرب الحاجّ لماء زمزم يذكره بنعمة الله تعالى على الناس بهذا الماء المبارك والذي شرب منه ملايين الناس على مدى دهور طويلة ولم ينضب، ويحثه على الدعاء عند شربه.
عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (صحيح رواه ابن ماجه).
وقال عنها رسول الله - ﵌ -: «خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأرْضِ مَاءُ زَمْزَم؛ فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُعْمِ وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقْمِ» (صحيح رواه الطبراني).
(فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُعْمِ) أي طعام إشباع أو طعام شبع من إضافة الشئ إلى صفته، والطُعم: الطعام (وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقْمِ) أي شفاء من الأمراض إذا شرب بنية صالحة.
وقال عنها رسول الله: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (رواه مسلم).
قَوْله - ﵌ - فِي زَمْزَم: «(إِنَّهَا طَعَام طُعْم» أَيْ تُشْبِعُ شَارِبهَا كَمَا يُشْبِعُهُ الطَّعَام.
وفي قصة أبي ذر أنه لما دخل مكة أقام بها شهرًا لا يتناول غير مائها وقال: «مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوع» (رواه مسلم).
(حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَن بَطْنِي) يَعْنِي اِنْثَنَتْ لِكَثْرَةِ السِّمَن وَانْطَوَتْ.
(سُخْفَة جُوع) أي رِقَّةُ الْجُوعِ وَضَعْفه وَهُزَاله.
[ ١ / ٥٩٥ ]
١١ - والسعي بين الصفا والمروة يذكّر الحاجَّ بما تحملته هاجر أم إسماعيل وزوجة الخليل ﵇ من الابتلاء، وكيف أنها كانت تتردد بين الصفا والمروة بحثًا عن مُغيث يخلصها مما هي فيه من محنة وخاصة في شربة ماء لولدها الصغير - إسماعيل ـ، فإذا صبرت هذه المرأة على هذا الابتلاء ولجأت لربها فيه فأنْ يفعل الرجل ذلك أولى وأحرى له، فالرجل يتذكر جهاد المرأة وصبرها فيخفف عليه ما هو فيه، والمرأة تتذكر من هو من بنات جنسها فتهون عليها مصائبها.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵁ -: «أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ.
ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: أَاللهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا».
ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم:٣٧).
وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى - أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ ـ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ،
[ ١ / ٥٩٦ ]
ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -:قَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا»، فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ: صَهٍ - تُرِيدُ نَفْسَهَا - ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ»، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ - أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ - حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﵌ -: «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا».
قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ وَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ». (رواه البخاري).
(الْمِنْطَق) هُوَ مَا يُشَدّ بِهِ الْوَسَط. (عِنْد دَوْحَة) الدوحة: الشَّجَرَة الْكَبِيرَة.
(فِي أَعْلَى الْمَسْجِد) أَيْ مَكَان الْمَسْجِد، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ بُنِيَ.
(وَسِقَاء فِيهِ مَاء) السِّقَاء قِرْبَة صَغِيرَة. (ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيم) أَيْ وَلَّى رَاجِعًا إِلَى الشَّام.
(يَتَلَوَّى - أَوْ قَالَ يَتَلَبَّط ـ) يَتَمَرَّغ وَيَضْرِب بِنَفْسِهِ الْأَرْض. (ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ) أَيْ الَّذِي أَصَابَهُ الْجَهْد وَهُوَ الْأَمْر الْمُشِقُّ.
(فَقَالَتْ: صَهٍ) كَأَنَّهَا خَاطَبَتْ نَفْسهَا فَقَالَتْ لَهَا: اُسْكُتِي. (إِنْ كَانَ عِنْدك غَوَاثٍ) أي إِنْ كَانَ عِنْدك غَوَاثٍ فَأَغِثْنِي. (فَجَعَلَتْ تُحَوِّضهُ) أَيْ تَجْعَلهُ مِثْل الْحَوْض. (وَتَقُول بِيَدِهَا هَكَذَا) هُوَ حِكَايَة فِعْلهَا. (عَيْنًا مَعِينًا) أَيْ ظَاهِرًا جَارِيًا عَلَى وَجْه الْأَرْض.
(لَا تَخَافُوا الضَّيْعَة) أَيْ الْهَلَاك. (يَبْنِي هَذَا الْغُلَام) أي يَبْنِيه هَذَا الْغُلَام.
١١ - والوقوف بعرفة يذكر الحاجَّ بازدحام الخلائق يوم المحشر، وأنه إن كان الحاج ينصب ويتعب من ازدحام آلاف فكيف بازدحام الخلائق حفاة عراة غرلا - غير مختونين - وقوفًا خمسين ألف سنة؟
[ ١ / ٥٩٧ ]
عن ابْنَ عَبَّاسٍ - ﵁ - قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﵌ - يَقُولُ: «إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا» (رواه البخاري).
(إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ) أَيْ فِي الْمَوْقِف بَعْدَ الْبَعْثِ.
(حُفَاةً) جَمْع حَافٍ أَيْ بِلَا خُفّ وَلَا نَعْل. (غُرْلًا) جَمْع أَغْرَلَ وَهُوَ الْأَقْلَفُ، وَهُوَ مَنْ بَقِيَتْ غُرْلَتُهُ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْخَاتِنُ مِنْ الذَّكَر.
وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا».
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟
قَالَ - ﵌ -: «يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» (رواه مسلم).
مَثِّلْ وقُوفَكَ يومَ العرضِ عُريانَا مُستوحشًا قَلِقَ الأحشاءِ حَيْراناَ
النارُ تَلْهَبُ مِن غيظٍ ومِن حَنَقٍ على العصاةِ وربُّ العرش غَضبانَا
اقرَأ كتابَك يا عبدُ على مَهَلٍ فهل ترى فيه حَرفًا غيْرَ مَا كانَا
فلما قرأتَ ولم تُنكِرْ قراءَتَه إقرارَ مَن عَرفَ الأشياءَ عِرفانَا
نادَى الجليلُ خُذوهُ يا ملائكَتَي وامْضُوا بعَبدٍ عَصَى - للنَّارِ - عطشَانَا
المشركونَ غدًا في النار تَلتهبُ والمؤمنونَ بدارِ الخلدِ سُكَانَا
١٢ - وفي رمي الجمار يعوِّد المسلم نفسه على الطاعة المجردة ولو لم يُدرك فائدة الرمي وحكمته، ولو لم يستطع ربط الأحكام بعللها، وفي هذا إظهار للعبودية المحضة لله تعالى.
١٣ - وأما ذبح الحاجُّ الهدْيَ فيذكّره بالحادثة العظيمة في تنفيذ أبينا إبراهيم لأمر الله تعالى بذبح ولده البكر إسماعيل بعد أن شبَّ وصار مُعينًا له، وأنه لا مكان للعاطفة التي تخالف أمر الله ونهيه، ويعلمه كذلك الاستجابة لما أمر الله - ﷿ -.قال الله - ﷿ -: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: ١٠٢).
[ ١ / ٥٩٨ ]
١٤ - فإذا ما تحلل من إحرامه وحلَّ له ما حرمه الله عليه: ربَّاه ذلك على عاقبة الصبر، وأن مع العسر يسرًا، وأن عاقبة المستجيب لأمر الله الفرح والسرور وهذه فرحة لا يشعر بها إلا من ذاق حلاوة الطاعة، كالفرحة التي يشعرها الصائم عند فطره، أو القائم في آخر الليل بعد صلاته.
١٥ - وإذا انتهى الحاجُّ من مناسك الحج وجاء به على ما شرع الله وأحب، وأكمل مناسكه رجا ربه أن يغفر له ذنوبه كلها كما وعد بذلك النبي - ﵌ - بقوله: «مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». (رواه البخاري ومسلم)، ودعاه ذلك ليفتح صفحة جديدة في حياته خالية من الآثام والذنوب.
١٦ - وإذا رجع الحاجُّ إلى أهله وبنيه وفرح بلقائهم ذكره ذلك بالفرح الأكبر بلقائهم في جنة الله تعالى، وعرَّفه ذلك بأن الخسارة هي خسارة النفس والأهل يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين﴾ (الزمر: ١٥).
إليكَ إلهِي قد أتيتُ مُلَبّيَا بارِكْ إلهِي حجّتِي ودُعائيَا
قصَدتُك مضطرًا وجئتُكَ باكيَا وحاشاك ربي أن تَرُدَّ بُكَائيَا
كفاني فخرًا أنني لك عابدٌ فيافرْحَتي إنْ صِرتُ عبدًا مُواليَا
إلهي فأنت اللهُ لا شيءَ مثلُه فأفْعِمْ فؤادِي حكمةً ومعانيَا
أتيتُ بلا زادٍ، وجودُك مَطْعَمِي وما خاب من يهْفُو لجُودِك ساعيَا
إليكَ إلهِي قد حضرتُ مؤمِّلًا خلاصَ فؤادِي مِن ذُنوبي مُلَبّيَا
وكيف يرَى الإنسانُ في الأرضِ متعةً وقد أصبحَ القدسُ الشريفُ مَلَاهِيَا
يَجُوسُ به الأنذالُ مِن كلّ جانبٍ وقد كانَ للأطهارِ قدسًا ونادِيَا
معالمَ إسراءٍ، ومهبِطَ حكمةٍ وروضةَ قرآنٍ تعطرُ وادِيَا
[ ١ / ٥٩٩ ]