وقد حفلت كتب الأدب والتاريخ والتراجم بالنصوص الأدبية في العصر الإسلامي التي تصور يقظة الضمير المسلم، وتصور ماربى عليه المجتمع الإسلامي من كراهة الخمر والنفور منها، وتصور خطرها وتحذر منها.
ولعل من أوضح النماذج الأدبية التي تصور هذه اليقظة الإيمانية تلك القصة القصيرة في ألفاظها، القوية في دلالتها ومعزاها والتي تمثل للمسلم سبب تسمية الخمر بأم الخبائث.
وهي قصة مبتدعة لهدف إيماني خلاصتها أنه أتي برجل فقيل له:
إما أن تخرق هذا الكتاب، وإما أن تقتل هذا الصبي، وإما أن تسجد لهذا الوثن، وإما أن تشرب هذه الكأس، وإما أن تقع على هذه المرأة، فلم ير شيئا -كما ظن- أهون عليه من شرب الكأس، فشرب فوقع على المرأة وقتل الصبي، وخرق الكتاب، وسجد للصليب".
وحرص كتب الأدب على إبراز موقف الشعراء المؤمنين من الخمر كان إحدى الوسائل وأقواها على تربية الضمير الإسلامي وغرس كراهية الخمر والنفور منها، فقد روي أن الشاعر ابن أبي أوفى حين سمع نهي الله الناس عن الخمر، فقال ينهى قومه عنها:
ألا يا لقومي ليس في الخمر رفعة فلا تقربوا منها فلست بفاعل
فإني رأيت الخمر شينا ولم يزل أخو الخمر دخالا لشر المنازل
[ ١٤٧ ]
وروي أن عثمان بن مظعون كان قد حرم الخمر في جاهليته. وقال في ذلك: "لا أشرب شرابا يذهب بعقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، وأزوج كريمتي من لا أريد، فبينما هو بالعوالي إذ أتاه آت، فقال: "أشعرت أن الخمر حرمت وتلا عليه الآية من سورة المائدة فقال: تبا لها، لقد كان بصري فيها نافذا".
والقصص الأدبية المروية عن الخمر تبرز شعور المجتمع الإسلامي بالنفور منها لأنها تفقد شاربيها الغيرة والنخوة، وفقدان الإحساس بنقاء العرض والشرف، ومن ذلك ما ترويه بعض كتب الأدب أن أعرابية سقوها مسكرا فلما أفاقت، سألت: أيشرب هذا نساؤكم؟ قالوا: نعم، قالت: لئن كنتم صدقتم لا يدري أحدكم من أبوه".
وكان العباس بن مرداس السلمي ممن حرم الخمر في جاهليته. قبل إسلامه وسئل: لم تركت الشراب وهو يزيد في سماحتك أو جرأتك.؟ فقال: أكره أن أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي.
[ ١٤٨ ]