وحين أشرق نور الإسلام على العالمين، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وقد رفق الله بالناس فتدرج في تحريمها، فأنزل الله في الخمر ثلاث آيات الأولى قوله تعالى:" يسألونك عن الخمر والميسر، قل: فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما" (سورة البقرة من آية ٢١٩) فكان من المسلمين من شربها، ومنهم من تركها إلى أن شرب رجل فدخل في الصلاة فهجر فنزل قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ سورة النساء من الآية ٤٣)، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران، وكان عمر ﵁ كلما قرئت عليه الآيتان السابقتان كان يقول: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا حتى نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾
[ ١٤١ ]
فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبفضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون" (سورة المائدة-الآيتان ٩٠-٩١) فلما نزلت هذه الآية ودعي عمر فقرئت عليه قال: انتهينا انتهينا.
ومن الأخبار المتفق عليها في تحريمها قول رسول الله ﷺ: "لا يدخل الحنة مدمن خمر" وقوله ﷺ:" أول ما نهاني ربي بعد عبادة الأوثان، عن شرب الخمر وملاحاة الرجال".
فكف عنها من كف ممن صدق الله في إيمانه، وصدق الله وسنة رسوله ﷺ.
لقد تكون من صادقي المؤمنين ذلك المجتمع الإسلامي الفذ النادر المثال في تاريخ البشرية، واشتغل ذلك المجتمع القوي بعبادة الله، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، فاشتغل بمعالي الأمور وجلائل الأعمال عن صغائر الحياة وتوافهها، ونسي المؤمون – في غمرة لذاتهم بانتصار الحق وخذلان الباطل – ما كانت تألفه الأجسام من لذائذ الطعام والشراب. وما كانت قد تعودته بعض النفوس من شهوة البطش والانتقام، وفارق المسلمون ما ألفوه في جاهليتهم من المتع الرخيصة، واللذات الحسية الفانية.
ولكن بسقي بينهم – وهذا شيء طبيعي – من ضعفت نفسه عن مقاومة شهواته، ومغالبة عاداته، وهؤلاء- وأيا كانوا كثرة أو قلة في هذا المجتمع الطاهر النظيف، وجدوا من سلطان الدولة، ومن سطوة العقاب الصارم لمرتكبي الموبقات المهلكات لقوة الفرد والجماعة ما زجرهم عن الإعلان بمعاصيهم، والمجاهرة بآثامهم، فاستتروا عن أعين الناس خوفا من عقاب الدنيا، وإن لم يفلتوا من عذاب الله في الآخرة.
[ ١٤٢ ]