ومما يلفت النظر في استنكار الأوائل للخمر واستهجانهم لشاربيها أن واضعي اللغة العربية قد سموا مشارب الرجل على الخمر نديما وما ذاك إلا لما رأوا في شربها من الندم، لأن شاربها إذا سكر تكلم بما يندم عليه، وفعل ما يندم علينه، فقيل لمن شاربه: نادمه، لأنه فعل مثل ما فعله فهو نديم له أي مشارك له في الندامة التي تدركه بعد صحوه، وسمي المعاقر لها مدمنا لأنه٩ لزم عقر الشيء أي فناءه، وسمي عصير العنب إذا ترك حتى يخمر نبيذا لأنه ينبذ أي يترك حتى يدركه التعفن، وسميت الخمر بهذا الإسم لأنها تصيب العقل بالخمار وهو الغطاء الذي يستره، فلا عجب أن يترن الموصوف بها بكل النقائص
[ ١٤٠ ]
والعيوب لأنها جماع الرذائل، وأم الكبائر، وليس غريبا بعد ذلك أن يأنف معاقروها من وصفهم بالسكر والإدمان، ومن أدلة ذلك أن شاعرا يدعى السرادق الدهلي، وكان مدمنا للشراب يعجز عن الإقلاع عنها قد مر بمجلس الأزد، وقد شرب فاختلفت رجلاه فقال شاب منهم: إنها لمشية سكران فأقبل عليه السرادق يقول:
معاذ إلهى، لست سكران يا فتى وما اختلفت رجلاي إلا من الكبر
ومن يك رهنا لليالي ومرها تدعه كليل القلب والسمع والبصر
[ ١٤١ ]