أمتنا من أطيب الأمم وأصفاها عنصرًا وأغلاها جوهرًا، فلماذا نجدها تُدعى أحيانًا إلى البذل فتُحجِم ولا تُقدِم، وتمسك أيديها ولا تبسطها؟ ألِبُخل فيها وهي أمة الكرم؟ لا، ولكن لفقد الثقة أو لنقصها، فالمؤمن لا يُلدَغ من جُحر مرتين، والذي تعضّه الحية يخاف من الحبل. ولقد جربتُ هذه الأمة عشرات المرّات فوجدت من يدعو إلى مشروع خيريّ: إلى إسعاف فقراء أو إنجاد محتاجين أو بناء مسجد أو إقامة مستشفى (١) أو معونة مجاهدين، فإذا صار المال في يده وجد جيبه أو كيسه أقرب إليه، فوضعه أو وضع بعضه فيه. من هنا صار الناس يشكّون في كثير ممّن يجمع التبرعات للخيرات وللمبرّات. وأخرى نجدها هنا وفي أقطار الخليج التي منّ الله عليها بالمال: يقوم في المسجد بعد الصلاة رجل طلق اللسان بارع البيان حافظ للشواهد والآثار، فيتكلم فيهزّ من القلوب حبّاتها ويحرّك من النفوس أعماقها، ويبكي أسىً على حال المسلمين وإشفاقًا على هذا الدين، ويستبكي السامعين.
_________________
(١) لا أدري لماذا يؤنّث بعض الناس كلمة مستشفى كما يؤنّثون الرأس، وكلاهما مذكَّر.
[ ٢ / ٦٧ ]
فإذا بلغ منهم ما أراد شكا سوء حاله وكثرة عياله وقلّة ماله، وإذا هو «شحّاد»، وإذا هذه الموعظة وهذه الدموع «لوازم» الصنعة وأدوات «الشحادة»!
فأزمة أمّتنا (كما قلت غير مرّة) ليست أزمة شحّ ولكنها أزمة ثقة، فإنِ الناسُ اطمأنوا إلى طهارة المشروع وأمانة الداعي، أخذوا الحلوى من أفواه أولادهم ونزعوا القلائد من أعناق نسائهم وبذلوها. ولا يزال في أمّة محمد ‘ أناس يؤثرون على أنفسهم، ويعرفون للسائل والمحروم حقّه في أموالهم، ويُعطُون لله لا يريدون جزاء ولا ثناء، ما انقطعوا ولا ينقطعون إلى يوم القيامة. وقد عرف النكدي (وهو الـ «عارف») هذه الحقيقة، فعالج كفّ المحسنين أيديَهم بإعادة الثقة إلى نفوسهم في مشروع «إسعاف أطفال الصحراء».
وما مشروع أطفال الصحراء؟
عرفتم أن الثورة السورية كانت واسطة العقد، وكانت بيت القصيد في مرحلة النضال التي قطعَتها البلاد العربية فيما بين الحربين، وكان فيها «الصمود» أمام الاستعمار و«التصدّي» لردّ عدوانه؛ كان فعلًا لا قولًا، لم يكن خُطَبًا تُصاغ وبيانات تُسطَر، بل دمًا يُراق وأرواحًا تُزهَق، ونصرًا على أعداء الله أو شهادة في سبيل الله.
ولكن الثورة خبَتْ نارُها لمّا كثر أعداؤها وقلّ أنصارها وتكالبت عليها جِلاد (١) المستعمرين ومن أعانهم من المسلمين،
_________________
(١) أي أهل القوة والجلَد منهم.
[ ٢ / ٦٨ ]
ولست أنسى فِرَق السنغال وما فعلت من أفعال وما أتت من أهوال، ولا فرسان الجزائريين إذ يُغِيرون من فوق خيولهم على جموع المتظاهرين لا يدرون مَن يدعسون (١)، وسيوفهم مسلولة بأيديهم يضربون بها ذات الشمال وذات اليمين لا يُبصرون مَن يصيبون، وقد انتفخت برانسهم الحمراء وانتشرت وراءهم كأنها أعلام مغموسة بالدم.
على أن الذي قضى على الثورة لا الفرنسيون ولا الجنود السنغال والجزائريون، بل المتطوعون من الشركس والأرمن. أما الجزائريون والسنغاليون المسلمون فقد خالطناهم -من بَعدُ- ودانيناهم فرأينا أن أكثرهم من المؤمنين المصلّين الصائمين، ولكن المستعمرين خدعوهم وأوهموهم أننا غير مسلمين وأفهموهم أن قتالنا جهاد يُثابون عليه، ثم إنهم مُكرَهون على القتال ما لهم فيه خيار.
وأما الشركس، وإن كان أكثرهم مسلمين، فإن ذنبهم أدهى وعذرهم أوهى، لأنهم قاتلونا مختارين؛ هم تطوّعوا للقتال ما أجبرهم عليه أحد، قاتلونا طلبًا للدنيا وإيثارًا لمنفعة عاجلة فيها على ما عند الله من ثواب للمؤمنين المتمسكين بأخوّة الإيمان ورابطة القرآن. أما الأرمن فلا عذر لهم أبدًا، وهم كانوا أخسّ وألأَمَ لأنهم جاؤونا مطرّدين فآويناهم، وجائعين فأكرمناهم وقَرَيناهم، وفتحنا لهم أبواب بلدنا ومداخل أسواقنا فصاروا بفضلنا من الأغنياء، ثم كان جزاءَنا منهم أن أعانوا عدوّنا علينا
_________________
(١) الدعس كلمة فصيحة، أمّا الدهس فما لها في العربية أصل.
[ ٢ / ٦٩ ]
وجرّدوا سلاحهم في وجوهنا، أكلوا خبزَنا ونصروا خصمنا عمدًا وقصدًا ولؤمًا وكيدًا.
* * *
قُضِي على الثورة، ولكن الثوار ما ألقَوْا سلاحهم ولا استسلموا لعدوّهم، نظروا في البلاد حولهم فما وجدوا ملجأ يُلجِئُهم ولا دولة تحميهم، فعادوا إلى الصحراء. "والصحراء عرين أسود لا حظيرة أغنام، فلا يعيش فيها إلا الآساد والجمال ومَن له قوّة الأسد وصبر الجمَل. لذلك انبثق الإسلام من هذه الصحراء، لا من جنّات الشام ولا من سواد العراق، ولا من تحت قباب القسطنطينية ولا بجنب إيوان كسرى، ولا في أوربا التي كانت يومئذٍ غابة وحوش على صورة بني آدم" (١)
إنّما الإسلامُ في الصحرا امتَهَدْ ليجيءَ كلُّ مسلم أَسَدْ
ورحم الله الرافعي (٢).
دخلوا الصحراء ونزلوا وادي سرحان، عاشوا فيه سنوات على الضيق والضَّنْك واحتملوا. ولكن هل يحتمل أطفالُهم مثل ما يحتملون؟ هنالك فتح النكدي في «الأيام» باب التبرّع لمساعدتهم ودعاهم «أطفال الصحراء»، وصار ينشر كل يوم أسماء المتبرّعين ومبلغ ما تبرّعوا به، ويعلن في كل يوم (أي في كل عدد) أن من دفع قرشًا ولم يجده مذكورًا معلَنًا فليراجعه، وصار كلّما اجتمع
_________________
(١) الفقرة من كتابي «من نفحات الحرم».
(٢) البيت له، وهو من نشيد مشهور من أناشيده التي تمشي على الألسنة (مجاهد).
[ ٢ / ٧٠ ]
لديه مبلغ من المال أرسله إلى اللجنة التي كان رئيسها سلطان الأطرش وأخذ منه إقرارًا بـ «إيصال» المبلغ إليه ثم نشر صورة «الإيصال». فَطمْأَن بذلك المتبرّعين وسدّ الثقوب التي تمتدّ منها أصابع السارقين، وكانت سنّة حسنة عملَت بها بعده جمعيات وهيئات، سيأتي الحديث عنها في موضعه من هذه الذكريات إن أراد الله.
* * *
ولئن كان «أطفال الصحراء» يومئذٍ مئات أو عشرات المئات، وكانت مشكلتهم نقص الغذاء مع شدة الجوع أو فقد الكساء مع لذعة البرد، فإن أمامنا اليوم مشكلة أكبر، ليست الجوع ولا العري ولكن ما هو أشدّ من ذلك وهو الكفر، وهي مشكلة مئات الآلاف أو أكثر من ذلك، ممّن أخرجَتهم أحداث لبنان وغير لبنان من بيوتهم، ثم هَدمت بيوتهم أو نسفتها فلم تَبقَ لهم بيوت، وأودَت بأهليهم وأُسَرهم فلم تَبقَ لهم دار يسكنون فيها ولا قريب يسكنون إليه. لم تصنع ذلك «الأيدي الآثمة» للمجرمَين القذرَين بيغن وشارون فقط، بل صنع مثلَ هذا وأشنعَ وأبشع من هذا غيرُ بيغن وشارون، ناس أكفَر منهما كفرًا وأعظم منهما جرمًا. وما كل ما يُعلَم يُقال، وما كل ما يُكتَم لا يُعلَم، والمدار على من يفهم!
هؤلاء الأطفال وهم مئات الألوف، ما أحصيتهم ولكني ما بالغت في عدّهم، بل لعلّي نقصت لأنهم أكثر ممّا ذكرت، هؤلاء الأطفال مَن المسؤول عنهم؟ مَن يتولاّهم؟ لقد امتدّت الأيدي إلى انتشالهم، ولكنها أيدي المبشّرين وأيدي الشيوعيين وأيدي أمثالهم من المُلحِدين، أخذتهم لتبدّل أسماءهم وعقائدهم
[ ٢ / ٧١ ]
وأفكارهم، فيصيروا وهم أبناؤنا كفّارًا بديننا أعداء لنا أصدقاء لعدوّنا! لقد خبّروني أن «سيدتي» (لا سيدتي أنا فما لي سيدة، أنا سيد نفسي، بل هي مجلّة تصدر هنا ولكن لا تُرسل إليّ ولم أرَها اسمها «سيدتي») دعت الأسر السعودية إلى تَبنّي هؤلاء الأطفال، خُبّرت بذلك إثر حلقة من حديثي الإذاعي اليومي كان موضوعها مشكلة هؤلاء الأطفال. وهذه دعوة لا شك أن فيها خيرًا إذ تنقذهم من أن يكونوا -إذا كبروا- أنصار التبشير والاستعمار ثم يكون مصيرهم إلى النار، والمجلة تُشكَر على اهتمامها بهم، ولكن هذه الدعوة تعترضها عوارض يمكن أن نجد لها إن اجتمعنا وفكّرنا علاجًا. منها الاسم الذي نسمي به من لا نعرف له من الأطفال أمًا ولا أبًا، لمن ننسبه؟ أيتبنّاه الذي يأخذه ويرعاه؟ إن التبنّي محظور في الإسلام. وإذا ضمّته أسرة إليها فكيف تكشف أمامه إذا كبر نساؤها وهو أجنبي عنها؟ وإن كانت بنتًا فكيف تخالط إذا كبرَت رجال الأسرة وهي أجنبية شرعًا عنهم تحلّ بالزواج لهم؟ إن كان الطفل رضيعًا لم يَزِدْ عمره عن سنتين وأرضعَته المرأة صارت أمًا له من الرضاع، وصار أولادها كلهم من زوجها أو من زوج لها غيره، قبله أو بعده، وأولاد زوجها منها أو من غيرها صاروا كلهم إخوة لهذا الطفل الذي رضع. هذه سهلة، ولكن ما العمل إن أخذوه وعمره فوق السنتين؟ هذه مسألة جاءت استطرادًا، ولكنها مشكلة قائمة، إن لم تجتمع على حلّها عقول المفكّرين وأيدي القادرين كان منها بلاء مستطير وداء خطير لا نبرأ من عقابيله بعد قرنين من الزمان، فتداركوه من الآن.
* * *
[ ٢ / ٧٢ ]
خلال اشتغالي في جريدة الأيام (١٩٣١ - ١٩٣٢) كانت انتخابات ٢٠/ ١٢/١٩٣١. وقد عرفَت دمشق قبلها ثلاثة انتخابات أو أربعة، ولكن بعضها لم أدركه وبعضها أدركتُه ولكن ما شاركت فيه، وهذه أول انتخابات أخوض غمارها وأصلى نارها. وأنا هنا أدوّن ما بقي لديّ من ذكريات، لا أسجّل تاريخًا، ولكن حديث هذه الانتخابات لا يُفهَم إلا بعرضٍ تاريخي سريع؛ «فلِم» قصير فيه الرمز والإشارة، ليس فيه الشرح ولا التفصيل.
إن بين أوراقي مقالات كثيرة نُشرت في سنين متعاقبة في ذكرى «٨ آذار»، وسوريا الرسمية تحتفل اليوم بيوم ٨ آذار (١)، ولكن الحادثة التي كنا نحتفل بذكراها غير التي يُحتفَل بها اليوم، ففي يوم ٨ آذار سنة ١٩٢٠ أعلن استقلالَ سوريا المؤتمرُ السوري الذي مُثّلت فيه سوريا كلها بحدودها الطبيعية، أي بلاد الشام كما كانت تُعرف في سوالف الأيام، وكان فيه مندوبون عن لبنان وفلسطين والأردن، وكان رئيسه السيد محمد رشيد رضا صاحب «المنار».
وقد قلت لكم إني كنت ممّن دُعي إليه ولكن من تحت، وقد حضرته ولكن من «برّا»؛ ذلك أن المدعوّين كانوا فريقَين، فريق كانوا فوق، في «السراي» (أي في قصر الحكومة الذي انعقد فيه المؤتمر)، وكانوا قاعدين مستريحين يتكلمون ويقرّرون ويشربون الحارّ والبارد، وفريق كانوا تحت: في الشارع، مصفوفين أمام السراي ظهورهم إلى بردى، وكانوا واقفين على أقدامهم طول
_________________
(١) آذار هو مارس، وهو اسمه المتعارَف عليه في الشام والعراق، ووردَت فيه الأشعار وجاء في الآثار.
[ ٢ / ٧٣ ]
مدّة انعقاد المؤتمر لا يتكلمون ولا يأكلون ولا يشربون، ولا يُسمح لهم أن يذهبوا إلى «الحمّام» إن احتاجوا أن يعملوا «زيّ الناس» (١) كما يقول أهل مصر. وهذا هو الفريق الذي كان فيه تلاميذ المدارس، وكنت أنا معهم.
هذا أول مجلس نيابي عرفته، أو كان كالمجلس النيابي. أما الكلام في انتخاب أعضائه، كيف تم وكيف كان اختيارهم، فلا أعرف عنه شيئًا. وقد كان قبله انتخاب رجال من دمشق ليكونوا نوّابًا عنها في «مجلس المبعوثان» (٢)، ولا أعرف إلا شطر بيت فيه أسماؤهم، ومن حروفه يُعرَف تاريخ إرسالهم على طريقة حساب الجُمّل الذي كان الناس يعتنون به في تلك الأيام، وهو:
سليمانُ رشدي والشفيقُ محمد
والتاريخ هو سنة ١٣٢٤ التي توافق عام ١٩٠٦ (٣). وسليمان هو سليمان الجوخَدار العالِم المعمَّر، الذي كان مفتي الشام قبل الحرب الأولى وكان رئيس محكمة التمييز وكان وزير العدل، وسيأتي الكلام عنه وعن غيره ممّن ذكرت اسمه وأرجأت حديثه. ورشدي هو (على ما أظن) رشدي بك الشمعة، وشفيق هو شفيق باشا المؤيّد العظم، وكان ممّن شنقهم جمال باشا،
_________________
(١) كلمة «زي» أصلها «سِيّ»، ومنها جاء قولهم «لا سيما»، وهي عربية بمعنى «مثل».
(٢) جمع مبعوث، ولعله فارسي الأصل، ومعناه «مجلس المبعوثين».
(٣) ممّا ذكروا من الفروق بين سنة وعام أن الأولى للسنة القمرية والعام للسنة الشمسية.
[ ٢ / ٧٤ ]
ومحمد هو محمد فوزي باشا العظم، والد خالد بك رئيس وزراء سوريا مرّات. وفي ذهني أن شيخ مشايخنا الشيخ عبد المحسن الأسطواني كان من النوّاب في المجلس العثماني، ولست أحقّق ذلك ولا أدري متى كان، وللشيخ عبد المحسن حديث طويل يجيء -إن شاء الله- عندما أتكلم عمّن عرفت من أعلام الرجال.
وفي أوائل حكم الفرنسيين ألّفوا مجلسًا أظنّ أنهم سمّوه المجلس التشريعي، لا أذكر عنه إلا أنه كان في البهو الغربي من سراي المرجة وأن الناس قاطعوه وقاطعوا من دخله. وفي ذاكرتي صورة واضحة هي أن إمام الشافعية في الأموي، الشيخ عبد الحميد العطار، كان قد رضي أن يكون عضوًا فيه، فترك الناس الصلاة خلفه وانقطع هو عن الإمامة، ثم عاد فجأة، فلما سمع الناس صوته وهو يكبّر تكبير الإحرام لصلاة العشاء سلّموا وتركوه. وأستغفر الله لهم من هذا العمل، فإنه لا يجوز!
ثمّ كان أول انتخاب لأول مجلس، هو المجلس التأسيسي الذي وضع الدستور. وقد حدثتكم من قبل عمّا صنع الجنرال غورو، وهو ما يصنعه جَهارًا كلّ غاصب مستعمر وما يصنعه سرًا كل عدوّ أو عون للعدوّ، وهو تفريق جماعتنا وإيقاع الفُرقة بيننا، والكيد لأخُوّة الإيمان بإحياء العصبيات الجاهلية التي تجعل العرب عَرَبَيْن (كما يقول المثل) بل ثلاثة أو أربعة واللهُ ما أراد إلا أن يكون العرب المسلمون فرعًا واحدًا من دوحة الأمة المسلمة الواحدة. قسّم غورو البلاد التي عرفتها أيام طفولتي ولاية عثمانية (أو بعض ولاية) قسمها فجعل منها خمس حكومات:
[ ٢ / ٧٥ ]
حكومة دمشق، وحكومة حلب، ولبنان الكبير، والعلوييين، والدروز.
وما لبنان الكبير؟
إنه جبل لبنان وما ضُمّ إليه من مدن الساحل ومنها بيروت، والأقضية الأربعة التي أُخذت من سوريا، ومنها طرابلس والبقاع. ولطالما صرخنا في المظاهرات وكتبنا في الصحف والمنشورات نطالب بالأقضية الأربعة، ثم طال الأمد فنسيناها. ولما وهب الفرنسيون قطعة من أرض الشام للحكومة التركية (الكمالية)، هي لواء الإسكندرون، طالبنا بها وصِحنا وكتبنا ونظمنا القصائد والأغاني، ثم نسيناها. كما صِحنا وطالبنا وشكونا إلى مجلس الأمن لمّا عدا اللصوص العادون على حيفا ويافا وعكّا، ثم نسينا عكّا ويافا وحيفا وجعلنا أكبر همّنا وأقصى مطالبنا بعد نكبة ١٩٦٧ المطالبة بإزالة آثار العدوان، المطالبة باللسان لا بالسيف والسّنان، أي إبقاء ما كان على ما كان. ثم كانت فتنة الدعوة إلى السلام؛ أي أن يصطلح صاحب البيت مع الحرامي، فيترك له ما سرقه أولًا ليردّ إليه ما سرقه ثانيًا، فأمسك اللص بالسرقتين وزاد عليهما سرقة بعض أرض لبنان! وما السبب في هذا كله؟ السبب أن المرء إنْ طرقه اللص طلب شرطة النجدة، والشرطي هنا حليف الحرامي يمدّه بالمال وبالسلاح ليحمي أمنه. أي أن من حقّ اللص إن دخل دارًا غير داره وسرق ما فيها وطرد أهلها، من حقّه بمنطق هذا الشرطي أن ينام آمنًا فلا يزعجه صاحب الدار عن منامه بحركته أو بكلامه!
[ ٢ / ٧٦ ]
أعود إلى حديثي: لم يسكت أهل الشام على احتلال أرضهم وتقطيع أوصال بلادهم، وما ناموا على الضيم ولا رضوا بالهوان، وإنْ هم هدؤوا قليلًا فإنه هدوء البركان، ما انطفأت في قلبه النار ولكن وقفت لتعود فتنطلق، ولا يطمئنّ إلى البركان إذا هدأ إلاّ الأحمق المغرور. ما استراحوا يومًا ولا أراحوا المستعمرين حتى اضطروهم إلى إنشاء «الاتحاد السوري» الذي يضمّ حكومات (!) دمشق وحلب والعلويين، ثم اقتصر على دمشق وحلب. وكانت «الدولة السورية» التي وُلدت في ١٥/ ١٢/ ١٩٢٤ ولم يرضَ بها أحد. واستمرّ النضال وقامت الثورة، ثم جاء المسيو دو جوفنيل مفوضًا ساميًا، وأعلن أن السّلم لمن أراد السّلم والحرب لمن أراد الحرب، وما عرض السّلام إلا مضطرًا، ولو قدر أن يُخمِد الثورة حربًا ما طلب ذلك سلامًا.
وكانت الانتخابات، وجاءت «الجمعية التأسيسية» في نيسان (إبريل) سنة ١٩٢٨ لوضع دستور للبلاد وللحديث بقايا.
* * *
[ ٢ / ٧٧ ]
-٤٥ -