يقول لي ناس: لماذا تُكثِر الحديث عن نفسك؟ أتحدّث عن نفسي لأني أديب، وهذا أسلوب من أساليب الأدباء ومذهب من مذاهبهم. ولقد قلت في مقالة لي منشورة في الرسالة سنة ١٩٣٧: "إني حين أتحدث عن نفسي أتحدث عن كل نفس، وحين أصف شعوري وعواطفي أصف عواطف كل من كان في مثل حالي وشعوره، كأستاذ التشريح لا يشقّ صدر كل حيوان من حيوانات المختبَر بل يشقّ الصدر والصدرَين ليري الطلاّب مكان القلب وحركته ويشرح لهم عمله، لأن القلوب التي لم يروها لا تختلف عن القلب الذي شقّ عنه فرأوه. وهذا من عجائب قدرة الله ونظامه العجيب في خلقه، إذ جعل الناس مختلفين وهم متشابهون ومتشابهين وهم مختلفون. بَرَأهم على الوحدة في الوضع والتنوّع في الجمال، كلّ عين ككلّ عين في تركيبها وصفتها، وما عين مثل عين في شكلها ومعناها وجمالها" (١).
_________________
(١) من مقالة «أنا والنجوم»، وهي في أول كتاب «من حديث النفس» (مجاهد).
[ ٢ / ٩٣ ]
بدأت حلقة اليوم من الذكريات بهذه الفقرة من مقالة لي نُشرت من أكثر من خمس وأربعين سنة لئلا يقول قارئ من القراء إني من حبي لنفسي أشغل الناس بحديثها، ولما لهم هم ولحديثها؟ حديثي عن نفسي حديث عنكم ولكم وليس لي أنا وحدي.
إني أكتب اليوم عن أمي، ولكن كل واحد منكم سيقرأ فيه الحديث عن أمه هو. ألم يقُل سبنسر إن الجميع يبكون في المآتم، ولكنّ كلًاّ يبكي على ميّته؟ فمن قعد يقرأ هذه الحلقة وله أم فليتدارك ما بقي من أيامها، لئلا يصبح يومًا فلا يجدها ولا يجد ما يعوّضه عنها. وإن كانت عجوزًا أو كانت مريضة أو كانت مزعجة بكثرة طلباتها، فاذكر أنها إن احتاجت إليك اليوم فلقد كنت يومًا أحوجَ إليها، وإن طالبَتك أن تقدم لها من مالك فقد قدّمَت لك من نفسها ومن جسدها، وأنها حملتك في بطنها فكنت عضوًا من أعضائها يتغذى من دمها، ثم وضعتك كرهًا عنها، انتُزِعتَ منها انتزاع روحها. أما أبصرت يومًا حاملًا في شهرها التاسع، بطنها إلى حلقها لا تستطيع أن تمشي من ثقل حملها ولا تستطيع أن تنام؟ وإن لم ترَ بعينك امرأة تلد أفما سمعت صراخها من ألمها؟ ألم يبلغك ما تقاسي وما تتعذّب؟ لو سبّب لك إنسان عُشْر هذا العذاب لأعرضت عنه ولهجرتَه، هذا إن أنت رفقت به فما انتقمت منه ولا آذيتَه، ولكن الأم تنسى بعد لحظات من خروج الولد ألَمَها، ثم تضمّه إلى صدرها فتحسّ كأن روحها التي كادت تفارقها قد رُدّت إليها، وتُلقِمُه ثديها ليمتصّ حياتها، فيقوى بضعفها ويسمن بهزالها، أو يمدّها الله بقوّة من عنده فلا
[ ٢ / ٩٤ ]
تضعف ولا تهزل ويقوى هو ويسمن.
وإن ضقت بطول حياة أمك، تخفي ذلك في أعماق نفسك وتنكره بلسانك، فقد كانت ترى فيك حياتها، إن تبسّمتَ أحسّتْ أن الدنيا تَبْسمُ لها والأماني قد واتتها، وإن بكيتَ بكى قلبها واسودّ نهارها، وإن مرضتَ هجرَتْ منامها ونسيَتْ طعامها، ترعاك ساهرة حتى تصبح، فإن أصبحت ظلّت ترعاك حتى تمسي. إنك لو أحببتها بقلبك كله لم توفّها إلا واحدًا من المئة ممّا أولتك هي من حبها.
وإن كان لك أب شيخ كبير محتاج إليك، فاذكر أنه طالما تعب لتستريح أنت وشقي لتسعد، ما جمع المال إلا لك وما خسر ماضيه إلا ليضمن مستقبلك، وأنه كان يعود من عمله محطَّمًا مكدودًا فتَثِب إلى حِجره وتقول له: بابا، وتمدّ يديك الصغيرتين لتعانقه، فينسى بك التعب والنصَب، ويرى المسرّات كلها قد جُمعَت له والمتاعب كلها قد نأت عنه. واذكر أنه ما زاد من عمرك يوم حتى نقص من عمريهما مثله، ولا بلغت شبابك حتى ذهب شبابُهما، ولا نلت هذه القوة حتى نالهما الضعف. أفئن بلغت مبلغ الرجال كان جزاءَهما منك الصدودُ والنكران؟
إن الإنسان يربّي كلبًا فيفي له، وحمارًا فلا يرفسه، ويُطعم القطّ فلا يَعَضّه، بل إن من الناس من يتألّف صغارَ الأسود والنمور وأنواع الوحش فتأنس به وتأوي إليه وتلحس -علامةَ الشكر- يده. ويُفني الوالدان نفسيهما في الولد فينسى فضلَهما ويجحد يدهما؟ يا عجبًا! أيكون الكلب والحمار والقط والنمر أوفى من الإنسان؟!
[ ٢ / ٩٥ ]
وقد تجد في الناس من يُظهر لك من حبّه أكثر ممّا تُظهِر الأم ويُظهِر الأب، ولكن منهم من يحبك لمالك أو لجمالك أو لجاهك وصلاح حالك، فإن ساءت الحال أو ذهب الجمال أو قلّ المال أعرض عنك ولم يعُد يعرفك. أمّا الذي يحبّك لذاتك ويبقى على حبّك مهما تبدّلَت الحال بك فهو أمك وأبوك، لا تجد مثلهما حتى في الزوجات. ومن الزوجاتِ الوفيّاتُ الصالحاتُ الصابراتُ الراضيات، لا يتخلّين عن الرجل ولو مرض وذهبَت صحّته، ولو افتقر وضاع ماله، ولو سقطت منزلته في الناس فهجروه. ولكن هذا في بعض الزوجات، أما الأمهات فهو فيهن جميعًا بلا استثناء.
فمن كانت له أم أو كان له أب فقد فُتح له باب الجنّة، فمن الذي يمرّ بباب الجنّة مفتوحًا فلا يدخلها؟! إني أكتب اليوم عن موت أمي، وقد كتبت من قبل عن موت أبي، وإن كنت أتمنى أن أخسر تسعة أعشار ما أملك من مال أقتنيه وكُتُب ألّفتها، و«شهرة» نلتها ومناصب تقلّدتها، وأن تكون قد بقيت لي أمي وبقي أبي.
* * *
إني لا أزال في ذكريات سنة ١٩٣١. في هذه السنة رأيت أشدّ يوم مرّ عليّ في عمري، وهو يوم ١٤/ ٧/١٩٣١ (٢٥ صفر ١٣٥٠) الذي بقيَت مرارته في نفسي حتى جاء يوم أشد منه وأقسى هو يوم ١٧/ ٣/١٩٨١، الأول ماتت فيه أمي في مستشفى كلية الطبّ في دمشق بإهمال جرّاح أخذناها إلى عيادته، وفي الثاني قُتِلت بنتي وهي وحيدة في بيتها في آخن في ألمانيا برصاص
[ ٢ / ٩٦ ]
مجرم معتدٍ اقتحم عليها بيتها، لم نعرفه فنثأر منه لكن الذي يعرفه ويعرف مَن أرسله لن يهمله.
أستطيع أن أتحدّث عن اليوم الأول لأن مرور نصف قرن جعل الجرح يندمل وإن لم يلتئم، والألم يخفّ وإن لم يذهب، والقلم يتحرك في الكتابة عنه وإن لم ينطلق. أما الثاني فلا لا أستطيع؛ فالجرح فيه أعمق والألم أقوى، حتى إنه ليكاد يهوّن عليّ الأول. ومَن قال لكم إن الإنسان يحب أمه وأباه مثلما تحبه أمه ويحبه أبوه فلا تصدقوه. وكيف أكتب عنها وأنا كثيرًا ما أغفل عن نفسي فأوغل -من حيث لا أشعر- في سبحات الخيال، فأتوقع أن أسمع الهاتف يرنّ فيُعلِمني أن خبر موتها لم يصحّ، أو أن آخذ جرائد الصباح فأجد فيها تكذيبه؟ بل ربما توهمت أني سأكلمها كما كلمتها قبل الحادث بساعات، فلما علمتُ أنها وحدها في الدار خفت عليها فراحت تطمئنني، بنفسيتها المتفائلة دائمًا ولهجتها السريعة المتحمّسة دائمًا، تخبرني أنها في أمان وأنّ الباب لا يُفتَح إلا إن سمعَت صوت الطارق وعرفَت شخصه. ما ظنت أن المجرم سيُرغِم جارتها على أن تطرق هي الباب ليدخل منه هو.
بطل يحتمي بامرأة هذه هي بطولة المجرمين!
* * *
أعود إلى حديث أمي، أعود إلى المُرّ فرارًا ممّا هو أمَرّ. أمّا حدث بنتي فما أحسب أني سأفتحه يومًا لأني لن أعيش حتى يندمل الجرح وينطلق القلم، فليبقَ المُصاب لي وحدي أتجرّع
[ ٢ / ٩٧ ]
عذابه وأرجو ثوابه (١). أعود إلى ذكر أمي، وما نسيتُها ولا غاب عني يومها. إني أرى تفاصيل الفاجعة كأنها «فِلم» يمرّ أمامي، بالعرض البطيء الذي يوضّح دقائق حركات الممثّلين وملامح وجهوههم، ولكنه لا يكشف خلجات نفوسهم لأن هذا شيء ما وصلت إليه صناعة الأفلام.
لقد حدّثتكم عن موت أبي وكيف هبطنا فجأة من شارع في سفح الجبل إلى حارة من أفقر حارات البلد، ومن حياة رخاء وسَعة في الدار الكبيرة إلى دُويرة لا تكاد تصلح لسُكْنى الناس، وكيف كنا ننام على الأرض وكيف كان السقف يَكِفُ (٢) من فوقنا في ليالي الشتاء. حملت أمي العبء كله، كانت أمًا وكانت أبًا، لم تجد ما تُدفئ به الدار فأدفأتها بعاطفتها، بحنانها. ألا يذكر كلٌّ منا دفء حنان الأم حين كانت تضمّه إليها في الليالي الباردة؟ ما كانت تملك إلا هذه العاطفة وهذا الحنان، ما ترك أبي مالًا في صندوق ولا وديعة في مصرف، وما كنا نعرف المصارف وأسلوب معاملتها. وكنت أنا أكبر إخوتي لم أكمل السابعة عشرة، وكنت لا أزال في الثانوية لا مورد لي ولا مهنة في يدي، وكان أخي ناجي لم يتمّ الحادية عشرة، وعبد الغني ابن ستّ، وسعيد ابن ثلاثة أشهر.
_________________
(١) من شاء من القراء فليقفز من هنا إلى حديث الشيخ الباكي المُبكي عن فاجعته في ابنته في الحلقة ١٦٥ من هذه الذكريات، وعنوانها: «إن الشجى يبعث الشجى» (مجاهد).
(٢) وَكَفَ يَكِفُ، أي نزل منه الماء، على وزن وَعَدَ يَعِد.
[ ٢ / ٩٨ ]
وقد عرفتم أن أبي كان من صدور الفقهاء ومن الطبقة الأولى من المربّين والمعلّمين، ولكنه كان كأكثر المدرّسين والدعاة: ربما شغلته مدرسته ومسجده عن الإشراف الدائم على أولاده. كان يترك ذلك لأمي، فكانت تؤدّي الحقّ الذي تركه لها وائتمنها عليه أداءً كاملًا. وكان بيتنا -كأكثر بيوت الشام في تِلْكُم الأيام- لا يخلو من خصومات ومنازعات، وكان فيه حزبان: حزب جدّتي وعمّتي التي لم تتزوّج، والتي كان لها في حياتي أعمق الأثر وفي قلبي أكبر الحبّ، وكانت أكبر من أبي سنًا، تحمل شهادة المدرسة الرشدية (أي المتوسطة) تاريخها سنة ١٣٠٠هـ، وكانت مع أول فوج من المتخرجات في مدارس البنات التي أنشأتها الحكومة العثمانية في دمشق بمسعى من مربّي الجيل الماضي الشيخ طاهر الجزائري، وكانت هذه الشهادة عندي ثم ضاعت مني. وحزب أمي وأولادها، وكنت أنا -بالطبع- في حزب أمي. وكان الحزبان يتنازعان على كل شيء. وما كان شيء بحمد الله ناقصًا، وكان الخير كثيرًا، ولكن أمي تدّخر منه لأولادها وهما تدّخران للضيوف، فيقع النزاع. وكنا نخوض المعارك فنظفر حينًا ونُغلَب حينًا، ولكنا في الحالين لا ننام حتى يأكل الفلق (١) والخيزران من أقدامنا!
وقد نالني من تربية أبي ومن توجيهه الحظّ الأكبر، وما مات حتى قاربت النضوج. وكنت في فكري وثقافتي أكبر من سني؛ ذلك لأني لم أعاشر الصغار ولم أعرف ما يعرفه الناس
_________________
(١) الفلق أي الفلقة، من العامّي الفصيح.
[ ٢ / ٩٩ ]
من حياة الطفولة. لقد دلّلوني أولًا لأن أبي كان الباقي لجدّي من عشرة من الولد ماتوا جميعًا، ولأني كنت بِكر أبي، ففرح بي جدي وأولاني -على قسوته وشدته- من اللين والعطف ما لم ينَلْ مثلَه أحدٌ. ثم مات جدّي عند إعلان الحرب الأولى، وكنت في بداية المدرسة، فانتهى عهد الدلال وعشت حياة أقرب إلى الجِدّ الخالص؛ لم أعرف طريق اللهو ولا اتخذت لي (كما قلت من قبل) صديقًا من غير رفاق المدرسة وداخل أسوار المدرسة وفي وقت المدرسة، فكان مَن ألقاهم وأستمع منهم وأقتبس من سِيَرهم هم أبي وأصدقاء أبي وتلاميذ أبي، فكان صحبي كلهم من الكبار، فألِفت مجالسهم وأحاديثهم، أستمع إليها ولا أشارك فيها، ثم أقضي بقية وقتي (كما عرفتم) في القراءة.
كنت أنا الكبير من إخوتي، لذلك كان عليّ بعد وفاة أبي أن أشارك أمي في حمل هذا العبء، فحملت القليل القليل منه وحملَت هي الأكثر، لكنها تركَت لي -رحمها الله- أمرَ دراسة إخوتي وتوجيههم. وما كنت أخرج في الجملة عن رأيها، ولا كانت تغيّر في التفاصيل من رأيي.
أما ناجي فاشتركَت في تكوينه تربية أبيه وآثار مدرسته وما عملتُه أنا، وأمّا عبد الغني فتوجيهي أنا وأثر المدرسة أقوى فيه من أثر أبي ﵀، وأما سعيد فكنت أنا العامل الوحيد في تربيته الدينية والسلوكية والثقافية، صنعت له (والفضل لله لا لي) أكثر ممّا صنع لي أبي ﵀. كان أبي مشغولًا أحيانًا عني وكنت أنا دائمًا معه، وسيّرني أبي في طريق العلم فقط وسيّرتُه في طريق
[ ٢ / ١٠٠ ]
العلم وطريق الأدب معًا، حتى صار في يوم من الأيام كأنه صورة مني ونسخة عني، حتى الشواهد التي يستشهد بها من الأشعار ومن الأخبار والنكت التي يرويها، ثم إن اللهجة التي يُلقي بها لهجتي أنا كما كنت أدرّب تلاميذي عليها. وقد مرضت مرة، ولم يكن هذا الشريط المسجّل، فنزل إلى الإذاعة فقرأ حديثي عني، فما شكّ أكثر السامعين أنه أنا، وإن أنكروا منه بعض الرقّة في الصوت وبعض الرخاوة في الإلقاء. ولما عرض له تعثّر في النطق جرّأ عليه رفقاءَه في المدرسة استخرت الله وأخرجته منها، وخفت أن ينقطع عن المطالعة ثم يبتعد عن العلم، فهداني الله فاشتريت له قصة عنترة في ثماني مجلدات. وهي موضوعة وأشعارها مصنوعة، ولكن فيه أخبار الجاهلية كلها وفيها أسماء أبطالها وأنباء رجالها، وكان ذكيًا من أذكى الناس فحفظ أخبارها وأشعارها. ثم جئته بفتوح الشام المنسوب إلى الواقدي، ثم خلّيت بينه وبين المكتبة فقرأ وقرأ، لا يطالَب بامتحان ولا يُكلَّف اتباع منهاج، ثم أعدّ نفسه لامتحان الكفاية فدخله ولحق رفاق المدرسة فما ضاع عليه شيء.
* * *
وكان عليّ أن أتكسّب قبل الأوان، فجربت أن أعمل محاسبًا، وأن أكون تاجرًا، وأن أكون معلمًا، وأن أعمل صحفيًا. كنت كالطفل الذي درج ليتعلم المشي، فأنا أقوم وأقع وأخطو وأتراجع، وأقول شكرًا لله (لا فخرًا بنفسي ولا منًا على أحد) أني لم أكلّف إخوتي مشاركتي في شيء من هذا (ولو فعلت لما لامني أحد) بل تركتُهم لدراستهم، فوفّق الله فصار ناجي مدرّسًا وصار
[ ٢ / ١٠١ ]
قاضيًا وشاعرًا أديبًا، وكان عبد الغني أول من حمل الدكتوراه في الرياضيات في سوريا، أرسلوه إلى باريس ليُعدّ لها فأقام سنتين، فقامت الحرب سنة ١٩٣٩ فخفت فأقنعته ألاّ يعود إليها، لذلك تأخر نيله الدكتوراه إلى ما بعد الحرب، وكان في باريس مثلًا مضروبًا للطالب المسلم وفي التدريس نموذجًا للمدرّس المبدع. وظلاّ ذاكرَين ما قدمتُه إليهما شاكرَين عليه أكثر ممّا أستحق من الشكر. وفي الناس الذاكر والناكر، ومَن يحفظ الجميل ومن يجحد المعروف، ومن يصل ما أمر الله به أن يوصل ومن يقطعه هذه سُنّة الله في خلقه، ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم واختلاف أخلاقكم وطباعكم، ولَرُبّ شقيقَين يكونان مختلفَين، ولَرُبّما وُجد النكران حيث يقدر أن يوجد العرفان، ولئن ضاع جهدي وتعبي عند بعض الناس فأرجو ألاّ يضيع عند الله.
* * *
عاشت أمي بعد أبي سبع سنوات، ما استمتعَت فيها يومًا بمتعة ولا وجدَت تسلية ولا راحة. كانت تعيش لأولادها، تدبّر أمر البيت وتدبّر النفقات وتخيط هي الثياب. وكنّا نذهب إلى المدرسة أحيانًا بما تخيطه الأمهات، وأول مرة لبست فيها بذلة خاطها خياط كنت فيها في السنة الثانوية الأولى، وكان الخياط هو ابن خالتي وكانت البذلة مصنوعة من جبّة كانت لأبي. ما كان الطلاّب يعرفون الأناقة ولا الوقوف أمام المرايا لتسريح الشعر وعقد العقدة، لأنهم كانوا يعلمون أنهم يقصدون مدارس لتحصيل العلم لا نوادي لعرض الأزياء. بل إني لم أرَ أمي ترشّ
[ ٢ / ١٠٢ ]
على وجهها ذرورًا (بودرة) أو تعمد إلى زينة، لا في هذه السنوات السبع العجاف ولا في أعوام الرخاء التي كانت قبلها. وكانت زينة النساء بالكحل، كحل الإثْمِد بالميل المعروف، وشيء من الذرور، وربما وضعَت الواحدة على خدّيها شيئًا من الأحمر، ولا يضع ذلك إلا القليل، ولا يعرفن كيف يضعنه فكانت المرأة تطبع على خدّها دائرة حمراء. أما صبغ الشفاه والأظافر فما كان يعرفه مَن حولَنا من النساء. والغريب أن الحواجب كانت تُعرّض وتُسوّد بما يسمّى «الخطوط»، فصار النساء اليوم ينتفنها ويُذْهِبْنها إلاّ خطًا دقيقًا لا يُرى إلاّ بالمجهر.
كان للنساء شاغل عن الخروج من سَلْق القمح وطَحْنه «برغلًا» وعجن العجين وتقريصه أقراصًا. وقد كانت في مكّة عادة ما سمعت بمثلها في غيرها من البلدان، هي أن المرأة تضع هذه الأقراص أمام باب الدار فكلّ من رآها من المارّة حملها إلى الفرن! وكانت المرأة تجفّف «الخُضَر» وتحفظها للشتاء، وتصنع «المَكْدوس» (وهو باذنجان يُحشى جَوزًا وثومًا ما أكلته في عمري كله إلاّ مرّة) وأنواع المخلَّلات والفواكه المعقودة بالسكّر (١)، وتغسل ثيابها بيديها. ما كنا ندري ما الثلاّجات ولا الغسّالات ولا الجلاّيات، كل هذا لم نسمع به ولم نعلم بوجوده، فضلًا عن أن نتخذه في بيوتنا، بل إنها لم تكُن عندنا مياه جارية في الحنفيات ولا مدافئ في الشتاء، ما عند أكثر الناس إلا «المَنقل»
_________________
(١) أي المربَّيات. وفي الشام يسمّون المربّى «المَعقود»، ويلفظها العامة بعين مشدَّدة بغير قاف (مَعّود) (مجاهد).
[ ٢ / ١٠٣ ]
يُملأ رمادًا وفوق الرماد جمرات النار، ولا مراوح في الصيف إلاّ في بيوت الموسرين. وكانت المرأة تصنع ألوان الحلويّات من الكنافة والقطائف والكلاّج، وأشياء كثيرة لم تعرفها واحدة من نساء اليوم.
وما كان عندنا خادمات، وإنما تعمل المرأة كل شيء بنفسها ثم تكون راضية. فما لنسائنا اليوم عندهن آلات تغسل الثياب وآلات تنظف الأواني ولكل شيء آلات، ثم يطلبن الخادمات ويشتكين ثقل التبعات؟ فما الذي تبدّل؟ أَضَعُفَت الأجسام أم كلّت الهمم، أم هو الدلال والدلع؟
* * *
[ ٢ / ١٠٤ ]
-٤٧ -