أبقى هذه الحلقة مع رفاقنا الشعراء، جمعني بهم أحد إخواننا من أساتذة الجامعة هنا، لقيني فحدّثني عن هذه الذكريات حديث الصديق الذي يراها بعين الرضا، فأثنى ثم قال لي مازحًا (ويقول أهلنا في الشام: «في المزاح تشتفي الأرواح»، أي أن الذي لا تجرؤ على قوله جادًا تقوله مازحًا)، قال: ولكنك تبالغ أحيانًا. قلت: فيمَ بالغت؟ قال: بقولك عن صديقك أنور العطار -﵀- إن قصيدته التي قالها وهو طالب في الثانوية لو قال مثلَها شاعرٌ كبير معروف لكانت من جيد شعره. ألا ترى في ذلك مبالغة؟
قلت: إني أحفظ أكثر هذه القصيدة، لأن ما حفظته في الصبا وفي الشباب بقي محفورًا في ذاكرتي، وأنا أعي الآن في ذهني أكثر من أربعة آلاف بيت من الشعر حفظتها تلك الأيام. وهذه القصيدة منشورة في الجزء السادس من «الحديقة» لخالي مُحِبّ الدين الخطيب، المطبوع سنة ١٣٤٦هـ لمّا كان عمر أنور وعمري تسع عشرة سنة، وقد نظمها وألقاها قبل ذلك. فهل تحب أن
[ ٢ / ٣٣٧ ]
تسمعها أو تسمع بعضها لتحكم لها أو عليها؟ وأنا راضٍ بحكمك لأنك أستاذ في علوم العربية ولأنك قارئ جيد وناقد ذوّاق. قال: هات.
فهل يسمح القرّاء أن أعرض عليهم ما عرضت عليه ليروا ماذا كان يقول الطلاّب يومئذ، ويقرنوه بما يقول الشعراء (أعني بعض الشعراء الأساتذة) الآن؟ عددت أبيات القصيدة فوجدتها ستة وخمسين، عنوانها «الشاعر»، مطلعها:
خَلِّياهُ يَنُحْ على عَذَباتِهْ ويَصُغْ مِن دُموعِهِ آياتِهْ
ويُرتّلْ ألحانَه بخشوعٍ مُستمِدًّا من العُلا نَغَماتِه
ومنها:
ورواها فمُ الزمانِ بشجوٍ فحسِبنا بُناتِهِ من رُواتِهْ
كتبَ البؤسُ فوقَ خدّيهِ سَطرًا تتراءى الأحزانُ في كلماتِهْ
للهوى قلبُهُ وللشّجوِ عينا هُ وللعالَمينَ كلُّ هِباتِه
أليس هذا وصف الشاعر: قلب عاشق، وعينان شجيّتان، وثمراتهما شعر يؤنس قلوب الناس؟
شاعرٌ صاغَهُ الإلهُ من البؤ سِ وأبدى الأسى على نظراتِهْ
وكذلك كان أنور لمّا قال هذه القصيدة. كان رقيق الجسد، حالم النظرات، حلو الحديث، يلبس حلّة قديمة ولكنها نظيفة، لا يبدلها لأنه لا يملك غيرها، قد حال لون حواشيها لكثرة ما تُنظَّف بالبنزين! مات أبوه وهو صغير، فتولّى أمرَه وأمرَ إخوته الصغار
[ ٢ / ٣٣٨ ]
أخوهم الكبير، وما كان لهم كما كنت (بحمد الله) لإخوتي، فلم يكن أنور يُرى إلاّ منفردًا متوحدًا.
وحباهُ السحْرَ الحلالَ فغنّى شاكرًا ربَّهُ على نَفَحاتِهْ
وسريُّ النظيمِ ما كانَ وحيًا فالهوى والشعورُ في طَيّاتِهْ
وسريُّ النظيمِ ما كانت الحِكـ ـمةُ فيّاضةً على جَنَباتِهْ
هذا هو الشعر: حكمة باقية وعاطفة سامية، لا شعر المواخير وبيوت الخَنا.
يسمَعُ الصخرُ شعرَهُ وشجاهُ فتلينُ الصّخورُ من أنّاتِهْ
يومُهُ مثلُ أمسِهِ في شقاءٍ ولعلَّ الرجاءَ طيُّ غداتِهْ
إنْ دجا الليلُ يرقُبُ النجمَ أسيا نَ ويُزجي إلى العُلا زَفَراتِه
لا الدجى نازحٌ ولا الفجرُ يَرثي لِشجيٍّ أدنى الرّدى خَطَواتِهْ
وختمها بقوله:
بينما الشاعرُ الحزينُ يناجي ربَّهُ والصّبَاحُ في بُشرياتِهْ
غابَ عن عالَمِ الشقاءِ وفاضَتْ رُوحُهُ وانطوى ببُردِ نَجاتِه
* * *
كان هذا مذهب شعراء الشباب أكثر شعرهم من هذا الباب، ذلك لأننا كنا جميعًا متأثرين بلامارتين وأصحابه «الرومانسيين» الذين دالت اليوم دولتهم أو كادت، وانصرف الناشئون عنها واستبدلوا بها ما ليس خيرًا منها.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
كان هذا المذهب مسيطرًا علينا، تجدون آثاره في أشعار الشعراء من رفاقي ورفاق أنور ﵀ ورحمهم: عبد الكريم الكرمي (أبي سلمى) وزكي المحاسني وجميل سلطان، وقد نبغوا جميعًا من صفّ (أي فصل) واحد في مكتب عنبر. ولم تكُن تخلو سنة من شاعر أو كاتب جديد ينبغ من بين الطلاّب، فمن إخواننا الذين هم أكبر منّا قليلًا سليم الزّركلي، وممّن جاء بعدنا بسنين أمجد الطرابلسي وعدنان مَرْدَم بك وناجي الطنطاوي، وممّن هم في مثل سني عمر أبو ريشة في حلب، وممّن هو أكبر سنًا بدر الدين الحامد وعمر يحيى في حماة.
ولعلّ أشعر مَن سَمّيت هنا عمر أبو ريشة وأنور العطار. عمر أبعد أُفقًا وأوسع مجالًا وأكثر تصرّفًا في فنون القول، وأنور أنعم ديباجة وأحلى أسلوبًا. هذا رأيي وكل رأي يحتمل الخطأ والصواب.
اجتمع في مكتب عنبر الشعراء الأربعة. وممّن انصرف إلى الأدب وعلومه، ولكن لم يُحسِن الشعر: أنا وسعيد الأفغاني. وكان معنا في المدرسة شاعر ليس من أقراننا ولا سنّه من أسناننا، هو بدر الدين الحامد (الأخ الأكبر لشيخ حماة الشيخ محمد الحامد). كان معلّمًا بلا شهادة فجاء يَدرس سنة في «التجهيز» و«دار المعلّمين» ليحصل على الشهادة. وكانت مدّة دار المعلّمين ثلاث سنوات تبدأ من بعد الابتدائية، أي أنها مدرسة متوسطة، ثم زادوا مدّتها سنة بعد سنة حتى صارت مثل المدرسة الثانوية، لذلك رأيتم في صورتنا -يوم نلنا الشهادة الابتدائية- معلّمين في مثل أعمارنا نحن التلاميذ.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وكانت مشكلة هؤلاء الطلاّب الأدباء هي علوم الرياضيات، أي الحساب والجبر والهندسة بأنواعها، وبينها وبين الأدب مثل الذي بين الإضافة والتنوين:
كأنيَ تنوينٌ وأنتَ إضافةٌ فحيثُ تراني لا تحُلُّ مكاني
وكل منهم حل المشكلة على طريقته: أمّا بدر الدين الحامد فقد نظمها كلها، كما نظم الكيمياء والفيزياء (وكنّا نسميها «الحكمة الطبيعية») أراجيزَ كأرجوزة ابن مالك في النحو، وحفظها كلها. وكان سريع النظم قوي الحافظة، فنجا من شرّها ونجح في الامتحان. وأما زكي المحاسني فكان يضع أمامه مسألة الجبر أو الهندسة ويحفظ الشكل كما هو، لا أدري كيف يرسمه على ذاكرته كأنه صورة شمسية ينقلها مع شرح الصورة: مثلت (ب ج د) وخط (ب ج) وخط (ج د) وزاوية كذا، تنطبع في ذهنه انطباعًا مدهشًا ثم يطبعها في ورقة الامتحان، فنجا بذلك أيضًا مع أنه لم يفهم منها شيئًا.
أما أنور فلم ينظمها نظم الحامد ولم يطبعها في ذهنه طبع المحاسني، وكان يسقط أبدًا في الامتحان. فجئنا وفدًا إلى أستاذنا مسلَّم بك عِنَاية فقلنا له: هذا شاعر نابغة ولا يحتاج إلى الرياضيات، ولا يستطيع أن يفهمها، فهل تتغاضى عنه حتى يتفرغ لأدبه وشعره، ولا تُعيقه عن السير بما لا يحتاج إليه ولا يقدر عليه؟ كنا نقول له هذا وهو ذاهب إلى غرفة الطعام ونحن معه، فلما وصل قال رافعًا صوته: انظروا كم شاعرًا حول هذه المائدة من الأساتذة؟ البِزِم شاعر، والجندي شاعر، والمبارك شاعر، والقوّاس شاعر وراح يعدّهم وهم ينظرون متعجّبين، قال:
[ ٢ / ٣٤١ ]
هل تظنون أننا نستكمل استقلالنا ونحمي بلدنا، ونستغني عن صناعة غيرنا بمصنوعاتنا وعن الاستعانة بعلومهم بعلومنا، ونكون مثل الأمم التي نسمّيها متحضرة، بالشعر وحده؟ لا يا أولادي! وطردنا، وسقط أنور في الامتحان.
وهذا الأستاذ الذي تسمعون باسمه أول مرة والذي نسيه أهل بلده كان من العباقرة، فيه سموّ عبقريتهم وفيه غرائب شذوذهم، وبين العبقرية والجنون جدار رقيق. الناس في مجتمعاتهم كقافلة تمشي، فقد ينفصل عنها رجل ضعيف لأنه لم يستطع أن يمشي معها، أو رجل قوي لا يريد أن يسير بسيرها ولا يحب أن يمشي على طريقها، بل يريد أن يشقّ لنفسه طريقًا جديدًا أو يجتازه مسرعًا، فيسبق من كان معه، وهذا هو العبقري.
إذا رأيت رجلًا يركض في الشارع في باريس وراء عربة يكتب على جدارها أرقامًا تقول إنه مجنون. ولكن أمبير صاحب المقياس المعروف في الكهرباء كان يحمل معه الحوّار (الطباشير)، فإن عرضَت في ذهنه مسألة وقف أمام جدار أسود ليحلّها، فوقف مرّة يحل مسألة على جانب عربة خيل، فلما سارت العربة عدا وراءها يكمل مسألته لا يحسّ بسيرها. وإن رأيت من يريد أن يسلق بيضة وينظر في الساعة، فوضع الساعة في الماء الذي يغلي ونظر في البيضة، ألا تقول إنه مجنون؟ إن نيوتن صنع هذا، وهو عبقري. وإن رأيت من تسأله امرأة في إسطنبول: أين دار وزير المعارف؟ فيقول (صادقًا): لا أدري، ولكن من هو وزير المعارف؟ فهل يخطر على بالك أن الذي قال هذا هو أمر الله أفندي العلامة التركي الذي كان هو وزير المعارف؟
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وإن قرأتم مقالتي «مجانين» في كتابي «صور وخواطر» رأيتم أمثال هذه الأخبار.
أستاذنا مسلّم بك عناية كان أحد هؤلاء. كان برتبة «كولونيل» في الجيش العثماني، فلما انحلّ الجيش جاءنا كأكثر زملائه العسكريين مدرّسًا في مكتب عنبر، ولكنه كان أكبر من أن يكون مدرّسًا للطلاّب فلم يستطع أن ينزل إليهم وما استطاع أن يرفعهم إليه، فكانت بينهما فجوة ملؤوها شغبًا وضحكًا وهزرًا حتى صار درسه مثلًا مضروبًا للفوضى. كان «أستاذًا» في الرياضيات، يضرب بذهنه رقمين في رقمين ويعطيك الجواب خلال ثوانٍ، والمسائل التي يعجز الأساتذة عن حلّها يحلّها على أهون سبيل، يُحسِن التركية ويُعَدّ أديبًا فيها، والفرنسية وكان يدرّسها في مدارس الشرطة، والألمانية، وكان أساتذة الكيمياء إذا لم يقدروا على إجراء تجرِبة رجعوا إليه فأجراها هو أمامهم وأمام الطلاّب. عالِم بالموسيقى وعازف ممتاز، أمّا ذكاؤه فلم أرَ من كان له مثله، لكن ذكاءه كان يجاوز الحدّ.
أضرب لكم مثلًا: رجلًا يريد أن يقفز حتى يصير على ظهر الفرس، إن كانت قفزته قصيرة وقع دونها، هذا هو الغبي، وإن كانت معتدلة جاء على ظهرها وهذا هو الذكي، وإن كانت طويلة وقع وراء الفرس، وهذا الذي يجاوز ذكاؤه الحدّ. كنا نقول له كلمة، فلا يزال يديرها في ذهنه ويستخلص منها المعاني حتى يصل إلى معنى لم يخطر لنا فيه إساءة إليه، فيغضب منّا. (ومثله في هذا خالي مُحبّ الدين الخطيب).
كان يدّعي أن الرياضيات فيها جواب كل مسألة. سمعَنا مرة
[ ٢ / ٣٤٣ ]
نتساءل عن قوله تعالى ﴿ليسَ كمثلِهِ شيءٌ﴾ لماذا جاء بأداتين من أدوات التشبيه: الكاف ومثل؟ فقال لنا: جوابها في علم الهندسة، في نظير النظير: مثلث (ب ج د) نظيره (د ج ب)، هذا ليس مثله، ولكن مثيله هو نظير النظير (ب ج د). وخذوها على أنها طرفة، أليست ظريفة؟
أما أنا وسعيد الأفغاني فلم تكُن لنا مع الرياضيات مشكلة، لأنني لم أنقطع إلى الأدب حتى ملأ ذهني كله، ولم أتنكّر للعلم؛ فكنت أحرز درجة الجيّد وأحيانًا الجيّد جدًا في العلوم. ونحن إذا قلنا في الشام «علوم» نقصد بها العلوم الطبيعية، إنه اصطلاح مدرسي. وكانت شهادتي (البكالوريا) علمية لا أدبية، لكنني وجدت في الرياضيات مصيبة تهون معها المصائب وتُستسهَل المصاعب، هي الجذر التكعيبي. ولقد مرضت بعد ذلك حتى أشرفت على الموت، وغرقت في البحر في بيروت وأنا لا أحسن السباحة حتى عاينت الهلاك، وذقت السجن (مدة يسيرة، يومًا واحدًا) في حاشِرة (زنزانة) لا أستطيع من ضيقها أن أضطجع فيها، وضللت مرة ليلة بطولها في أعالي جبال حلبون (من لبنان الشرقي) وما فوقي إلاّ سماء لا يطلّ منها نجم وفي الجبل دِبَبة رأينا آثار أنياب دُبّ منها في باب المدرسة، وظُلمت وأوذيت ومرّت بِيَ الأهوال، ولكني لم أجد أشدّ ولا أصعب من «الجذر التكعيبي» الذي يصل الآن التلميذ إلى جوابه بكبسة من إصبعه على زر في علبة!
وليس أصعب من الجذر التكعيبي هذا الذي أُبطِلَ من المدارس فلم أعُد أسمع له ذكرًا، لا أصعب منه إلاّ حل رموز
[ ٢ / ٣٤٤ ]
اللوحات التي وضعتها أمانة العاصمة المقدسة في شوارع مكّة لتدلّ الناس على الطرق، لم أقدر أنا ولا وجدت من قدر على حلها، حتى أخي شيخ أساتذة الرياضيات في سوريا الذي يدرّس الآن في جامعة أم القرى الدكتور عبد الغني: «شرق (أ)، (ب) شمال ق. ل. م. جنوب غرب، إلخ» ما معنى هذا؟ ولمن وُضعت هذه اللوحات إذا كان ما كُتب فيها لا يفهمه أحد؟
كان عندنا في الشام قديمًا كاتب عرائض (عرض حالجي) أسعاره مختلفة: عريضة رقم (١) بعشرة قروش وعريضة رقم (٢) بخمسة وعريضة رقم (٣) بقرش واحد. فسألوه فقال: عريضة (١) أقرؤها أنا ومن تُقدَّم إليه، وعريضة (٢) أقرؤها وحدي ولا يستطيع غيري أن يقرأها، وعريضة (٣) لا يقدر على قراءتها أحد، وأنا لا أستطيع قراءتها!
فهذه اللوحات كلها من زمرة العريضة (٣).
* * *
نعم، كان للشباب قبل سنة ١٩٣٣ أدب جيّد وكان لهم شعر ومقالات وكتب، فلقد صدر لي قبل هذه السنة كتاب «بشّار ابن برد» وكتاب «الهيثميات» و«قصص الهيثميات»، وكتبت مسرحيات وعشرات وعشرات وعشرات من المقالات، وصدر لجميل سلطان كتاب «صريع الغواني». ولكن الغالب على أدبهم المذهب الرومانسي، إلاّ قصائد وطنية لسليم الزركلي تأثّر فيها بابن عمّه الشاعر الكبير خير الدين، وقصائد لعمر يحيى ولغيرهما ممّن لا أذكر الآن.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
حملت على هذا المذهب بسلسلة من المقالات عنوانها «الأدب القومي». وأول من جَرَت كلمة القومية على قلمه -فيما أعلم- مُحبّ الدين الخطيب، وهو أول (أو من أوائل) مَن دعا إلى إحياء لغة العرب وتاريخها وأمجادها، ردًا لفتنة «التتريك» التي جاء بها الاتحاديون، كما أنه كان من أول (أو من أوائل) من دعا إلى تنظيم العمل الإسلامي في مصر، وأنشأ أول جريدة (أسبوعية) إسلامية هي «الفتح»، ولكن عزلته وابتعاده عن مجتمعات الأدباء وأصحاب الأقلام وأرباب السلطان جعلت الناس يهتمون بمَن هُم أقلّ منه شأنًا وأضعف أثرًا وينسونه، ولكنْ يعزّيه هو وأمثالَه أن الله لا يضيع عمل عامل، وأن ما عند الله خير وأبقى.
فمن هذه المقالات مقالة عنوانها «الأدب القومي أيضًا»، نُشرت في «ألف باء» يوم الجمعة ١٣/ ١٠/١٩٣٣، فُقدت فيما فُقد من كتاباتي لأن عدد الجريدة لم يُحفَظ ولأن المقالة (وكل ما كتبتُ في تلك الأيام) لم أودعه كتابًا من كتبي، ولكني وجدت نسخة عنها في دفتر كتبه أخي بخطه. قلت فيها:
كنت غائبًا عن دمشق أقيم في قرية من القرى، متعزّلًا الحركة الأدبية، فلم أرَ إلاّ اليوم كتاب الأستاذ أمين الريحاني «أنتم الشعراء»، ولم أتعرف الضجّة التي أثارها خطابه عن الأدب القوي والأدب الباكي. وقد وجدت الكتاب أقلّ ممّا وُصف به وما قيل عنه، ووجدته يوصي الشعراء بإكرام سيبويه ثم يخالف سيبويه ونفطويه والكسائي وإخوانهم جميعًا مخالفة ترتجف لها عظامهم في قبورهم! ولكن الكتاب -على هذا كله- صحيح الفكرة،
[ ٢ / ٣٤٦ ]
والدعوة إلى الأدب القوي التي بدأ يتولاّها مثل أحمد أمين في مصر وأمين الريحاني هنا، وأدعو إليها أنا (على ضعف قلمي) دعوة صالحة مباركة.
(إلى أن قلت): من الذي حجب عن عينيك أيها الشاعر ملذّات الحياة ومفارحها ولم يُرِك إلاّ آلامها وأحزانها؟ لماذا ترى سواد الليل ولا ترى بياض الضحى؟ لماذا تصف بكاء السماء بالمطر في الشتاء وتدَع ضحك الأرض بالزهر في الربيع؟ لماذا تصوّر حشود المآتم وتهمل حفلات الولادة؟ الدنيا ليل ونهار، وشتاء وربيع، وموت وولادة؛ إنها كالقمر، له جانب مظلم وجانب مضيء، فمَن ملأ قلبَه ظلامُ اليأس لم يرَ إلاّ الجانب المظلم، مع أنه خفيّ لا يُرى.
أحبَّ ولكن لا تنسَ دينك ولا رجولتك في حبك. ابقَ رجلًا، انتصب قائمًا على قدميك وشدّ عضلاتك وقُل لمن تحب (بالحلال): تعالي! لا أن تجيئها خاملًا متهافتًا ضعيفًا، تجثو على قدميها وتقول لها من خلال دموع الضعف في عينيك: أنا أحبك! إن المرأة لو خُيِّرت لما اختارت إلاّ الرجل القوي في جسده وفي روحه، الذي يعمل على تحقيق أمله في مستقبله. أمّا الرجل الأصفر النحيل البائس اليائس الميت من قبل الممات، فماذا تصنع به؟ هذا يحتاج إلى ممرضة لا إلى حبيبة!
(إلى أن قلت): ثم إن للشاعر مظهرًا لعاطفته غير نفسه وعواطفها ومسرّاتها ومواجعها، وأن ينادي: «يا لوعتي يا شقايا»، لماذا اللوعة ولماذا الشقاء؟ «ضاع الأمل من هوايا». طيّب، وأنا
[ ٢ / ٣٤٧ ]
ما لي؟ فتّش عن هوى آخر أو ابكِ هواك وحدك، لا تصدّع به رأسي من «الأسطوانات» طول النهار! لا تعِش لنفسك وحدها بل عِش لها ولأمتك، فكّر بعقلها، اشعر بشعورها، وأدِّ ما يجب عليك لها. أما أن تقول: هذا حبي وهذه عاطفتي فاشتغلوا بها معي، فلا. إن أدبك يكون إذن مخدّرًا للحسّ الوطني.
(إلى أن قلت): حسبنا بكاءً ويأسًا ورثاء للماضي وفزعًا ممّا يخبّئ لنا المستقبل، كفى تبرّمًا بالحياة وشكوى منها، ودعونا من أدب لامارتين وموسّه ومن عبد الوهاب ولوعته وشقائه وحبه الذي ضاع منه.
* * *
هذا ما جاء في المقالة المنشورة من خمسين سنة، وهؤلاء رفاقنا الذين كانوا طلاّبًا وكانوا شعراء، فما تعليق القرّاء على هذه المقالة لو أنها نُشرت اليوم؟
هل تستطيعون أن تقولوا: إن في الطلاّب والشباب من ينظم مثل هذا الشعر؟ من له مثل هذا الأدب؟ هل علونا وارتقينا أو انحططنا ونزلنا؟ هل صار أدبنا أبعد عن الانحراف وأقرب إلى الصواب، وأكثر شعورًا بآلام الأمة وآمالها، وأشدّ اهتمامًا بها وتعبيرًا بأدبه عن مشاعرها؟
إن من منافع نشر الذكريات أن نفاضل بين ما نحن اليوم فيه وما كنّا بالأمس عليه، فما الذي استفدناه وما الذي خسرناه؟ الجواب عندكم أنتم.
* * *
[ ٢ / ٣٤٨ ]
-٦٤ -