وإنشاء جمعية الهداية الإسلامية
لقد عدت من مصر ومعي شيء جديد، في نفسيّتي وفي تفكيري وفي تجارِب حياتي.
أولها: إلْف أعواد المنابر والتمكّن من أسباب الخطابة. ولقد كنت أخطب من قبل سفري إلى مصر، بل لقد ألّفت مسرحيات للطلاب وكنت أساعد على إخراجها، وكانت تُمثَّل ليالي متتابعات يُقبِل الناس عليها لا يملّونها. بل لقد اخترعت فنًا جديدًا في إلقاء الشعر، أعلّم الطلاب إلقاء كلّ قصيدة كأني ألحّنها لهم ليغنّوها، هنا يُمَدّ الصوت وهنا يُشَدّ، وهنا يعلو وهنا ينخفض وقسمت الإلقاء إلى إلقاء تعبيري، وإلقاء حماسي، وإلقاء عاطفي، وإلقاء تمثيلي. وربما جاء تفصيل هذا الإجمال فيما يأتي من المقال.
وثانيها: أني ذقت لذة العمل في الصحافة، لا كاتبًا فيها أو «مراسلًا» لها من خارجها، بل عاملًا فيها من داخلها. وبدأت من فوق، من مجلة الزهراء التي كانت يومئذٍ المجلة الأدبية الأولى.
[ ١ / ٣٤٣ ]
والثالثة: أني شهدت مولد الجمعيات الإسلامية فحملت خبرها إلى دمشق. وكان في دمشق جماعة من كرام التجار وبعض طلبة العلم يتلاقون -على عادة الشاميين- في «دَوْر» بينهم. والدور أن يجتمعوا أيامًا معدودات عند واحد منهم، اجتماعًا فيه تسلية وليس فيه معصية، فإذا كان اليوم الأخير في دور الرجل صنع لهم صنيعًا: صدر كنافة أو صينية قوزي، أو الصفيحة والشعيبيّات، وهي أكلات لا يغني سماع وصفها عن ذوق طعمها، ولا يعرف مذاقها إلاّ من ذاقها.
والذي عرّفني بهم وأخذني إليهم رجل كان أحد الذين أثّروا في حياتي وأفضلوا عليّ، رجل عاش عمره كله من غلّة ضيعةٍ له في حرستا قرب دوما، فلم يكُن يعمل ليكسب مالًا بل ليكسب أجرًا: لا يقع منكر إلاّ كان أول من يسرع إلى إنكاره، ولا يسمع بمحتاج إلاّ كان أول من يجمع له ما يسدّ حاجته، لا يبالي في سبيل ما يراه الحقَّ بعُرْف مجتمَع ولا بمداراة إنسان، لا يفرّق عندما ينطق بالحقّ إن كان الذي أمامه بوّاب المدرسة أو وزير المعارف. كان الشيخ تاج الدين الحسني قريبَه (١) (ابن ابن عمته) فكان ينصحه وقد يُغلظ له القول، وإن رأى منه انحرافًا ردّه إلى الصواب. وكان موقفه من كل رئيس أو وزير يلقاه كموقفه من الشيخ تاج، رئيس الدولة ثم رئيس الجمهورية، ذلك لأنه كان مؤمنًا معتمدًا على الله ولأنه كان مستغنيًا بضيعته عن مال الحكّام،
_________________
(١) الشيخ تاج الدين هو ابن الشيخ بدر الدين محدّث الشام الأكبر، وهو خال جدّتي لأمّي. كان رئيسًا للوزارة مرتين ثم رئيسًا للجمهورية في عهد الفرنسيين، وكان مسايرًا لهم ماشيًا في ركابهم (مجاهد).
[ ١ / ٣٤٤ ]
أعني مال الله الذي جعله تحت أيدي الحكّام. والعالِم لا يذلّ إلاّ إذا مدّ يده بطلب أو تشوّف قلبه إليه، فإما أن يكون العالِم غنيًا بماله، وإما أن يكون غنيًا بالقناعة بما قسم الله له من رزق والعزّة بما أكرمه الله به من إيمان.
وكان عالي الصوت شديدًا في الجدال، خطته الهجوم أبدًا حتى في الدفاع، ولكنه كان رجّاعًا إذا بدا له الحق يُقِرّ به ويدع غضبه إليه. كان من أصفى الناس قلبًا، ينسى إساءة الناس إليه كما ينسى إحسانه إليهم، وهذه -لَعَمري- ذروة النبل. صحبته خمسين سنة كما صحبت شيخنا الشيخ بهجة البيطار، فكنت أحسّ معهما كأنّي أمام والد أحبُّه حب الولد لأبيه وأنطلقُ معه على سجيّتي. وكنت أجد هذا الحس مع الشيخ محمد نصيف في جدة، وسأعود إلى الحديث عنهما إن شاء الله، ولكن ذكّرني بهما مشابه من صلتنا بهذا الرجل الذي كنّا نجيئه متى شئنا، فنجد بابه ونجد قلبه مفتوحَين لنا، إن جعنا أكلنا، وإن نعسنا نمنا، وإن شغلنا أو مللنا انصرفنا. وكذلك كانت الحال مع الشيخ بهجة والشيخ نصيف. فرحم الله هذا الرجل ورحمهما، ورحم أمثال أولئك الناس. لم نجد والله بعدهم مثلهم ولم يسدّ أحدٌ مسدّهم، فاللهُمّ ارحمهم وأحسن جزاءهم.
أمّا هذا الرجل فهو الشيخ عبد القادر العاني، الذي تُوفّي في دمشق من أقل من سنتين عن أكثر من تسعين عامًا.
أخذني إليهم وما سنّي من سنّهم ولا تفكيري من تفكيرهم، فأنا شابّ وهم كهول، وأكثرهم من التجار. وأنا -كما عرفتم من سالف حديثي- أجهلُ خلقِ الله بالتجارة وأبعدهم عنها، ولكني
[ ١ / ٣٤٥ ]
لما عرفتهم ألفتهم وأنست بهم. كانوا مخلصين وكانوا ظِرافًا.
وأنا إنما يصعب عليّ دخول المجلس؛ هنا العقبة الكؤود، فإذا تخطيتها وصرت في المجلس وجدت عندي من طرائف الأخبار ونوادر السّيَر، ومن النكات والمضحكات، ما أمسك به أطراف الحديث فأشدها وأرخيها كما أشاء.
حدّثتهم -فيما حدّثت به- عن إنشاء الجمعيات في مصر، وأوجزت لهم قانون الشبان المسلمين والهداية الإسلامية، وقلت: لماذا لا تحوّلون هذا «الدور» إلى جمعية، تنفعون بها الناس وتُرضون الله، ويكون لكم حظّ من ميراث النبوّة وهو الدعوة إلى الله.
واختاروا قانون «جمعية الهداية الإسلامية» واسمها، وأعدّوا الأوراق لأخذ الرخصة الرسمية. ولم يكُن يحتاج إصدار مجلّة غير سياسية أو تأليف جمعية غير سياسية إلاّ إلى إخبار (مجرد إخبار) يُقدَّم إلى وزارة الداخلية.
ومن ظرف هؤلاء الإخوان ومزاحهم أننا كنا نفكر فيمن يكونون أعضاء في الجمعية، فقلت لواحد منهم: ما رأيك بفلان (وكان حاضرًا معنا) هل تراه يصلح عضوًا؟ قال: هو «عضو» عزيز علينا لا نستغني عنه، لكن يجب ستره!
وأُلّفت الجمعية وأعلنّا عنها في ردهة المجمع العلمي العربي (في المدرسة العادلية الأثرية)، سمح لنا بذلك رئيس المجمع أستاذنا محمد كرد علي. وكنت أنا الذي تَشرّف بالإعلان عنها في محاضرة دُعيَ الناس إليها، وأعلنت -أيضًا- عنها وذكرت قصة
[ ١ / ٣٤٦ ]
إنشائها وخلاصة قانونها في مقالة (عندي نسخة منها) نُشرت في «القبس» عند صديقنا الأستاذ نجيب الريّس في عدد ٢٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٣٠.
* * *
وجاءت ذكرى المولد، وأرادوا الاحتفاء به -على عادة المسلمين الآن في جميع البلدان- بقراءة قصة المولد، وكان الخاصّة من الرجال يقرؤون «مولد البرزنجي» والنساء «مولد العروس». والعجيب أن سِيَر الرجال تبدأ من الولادة، والناس إذا وصلوا في «المولد» إلى خبر ولادته ﷺ وقفوا وصلّوا عليه الصلاة الإبراهيمية وأكلوا السكر (الملبَّس) وتفرقوا.
وفي الموالد كلها ما ليس بصحيح، بل ما هو مخالف للقرآن وللصحيح من الحديث، وأنا أكتب في إنكاره من مطلع شبابي؛ منه: أن جدّه عرف يوم مولده أنه هو النبي المنتظَر، وأمه عرفت وناداها منادٍ لمّا حملت به يخبرها بأنه النبي المنتظَر ويأمرها أن تسمّيه محمّدًا، وأن بَحيرا وغيره من النصارى عرفوا أنه هو النبي واليهود عرفوه، بل إن «مولد البرزنجي» يؤكّد أن «وحوش المشارق والمغارب» عرفت خبره وتباشرت به، وأنها غاضت بحيرة ساوة وفاض وادي سماوة وتهاوت الشرفات من إيوان كسرى
ثم أقلبُ الصفحة فأجد مقابل هذا كله الحديث الصحيح بأن محمّدًا ﷺ جاءه الوحي وقال له: «اقرأ» وهو لم يعرف تمامًا أنه النبي المنتظَر، وأنه ذهب إلى خديجة مرعوبًا فأخذته إلى ابن
[ ١ / ٣٤٧ ]
عمّها ورقة بن نوفل، أي أنه صار نبيًا فعلًا وهو لم يعلم بذلك تمامًا، والله يقول له: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ﴾. فكيف عرف أولئك كلهم؟ حتى الوحوش عرفت أنه هو نفسه النبي؟!
والأناشيد التي تصحب المولد (والتي أنكرتها من مطلع شبابي) أكثرها غزل بجمال الرسول أو كلام عنه لا يصلح لأن يكون مدحًا له.
قلت لهم: بدلًا من تلاوة هذه القصة والمشاركة في الكذب على رسول الله وإساءة الأدب معه، أُعِدّ أنا محاضرة ألقيها، وتطبعها الجمعية وتوزّعها بدلًا من «الملبّس». قالوا: فكيف بالقيام عند ذكر الولادة؟ قلت: سبحان الله! ومن قال إن هذا القيام من فرائض الإسلام؟ إنه بدعة لا أصل لها. قالوا: كيف يكون مولد بلا قيام؟ قلت: أنا أقيمهم لكم إن شئتم. قالوا: كيف؟ قلت: إن الخطيب المتمكن يحرّك السامعين كما يريد، يقودهم بلسانه وبحركات يده ولو كان فيهم من هو أعلم منه وأجلّ وأكبر، هذا سحر المنبر.
وألقيت المحاضرة في ربيع الأول سنة ١٣٥٠، وكانت أول احتفاء بالمولد ليس فيه كذب ولا غناء ولا طرب؛ كانت نوعًا جديدًا من الموالد، وإن كانت الموالد كلها جديدة، أي مبتدَعة لم تعرفها القرون الأولى التي كانت أفضل القرون.
* * *
لقد مرّ على هذه المحاضرة اثنتان وخمسون سنة (١)،
_________________
(١) يوم نشر هذه الحلقة سنة ١٤٠٢هـ.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وألقيت بعدها محاضرات الله أعلم بعددها، ولكن الناس نسوا ونسيت أنا ما قلت فيها، وهذه طُبعت فبقيَت فيا ليتني طبعت كل محاضراتي! وهل تنفع شيئًا «ليت»؟
هل تصدّقون أني لمّا قرأتها كنت أحس كأني أقرأ شيئًا كتبه غيري. قلت لكم في مطلع هذه الذكريات إن الإنسان في تبدّل دائم: خلايا جسده، ميول نفسه، كثير من أفكاره وممّا يتبدّل في الكاتب أسلوبه. وإن كان في كل ما يكتب أمارة تدل عليه؛ شيء في المقالة تحسّه ولا تلمسه يخبرك أن كاتبها فلان وإن لم يكُن في ذيلها اسم فلان، وهذا الشيء هو الأسلوب. لقد حاول النقّاد تعريف الأسلوب تعريفًا منطقيًا بعد أن عرّفوه معرفة حسّية فلم يقدروا له على تعريف، فكأن أسلوب الرجل في خصائصه هو الرجل نفسه كما قال «بوفون». إنك تميز زيدًا من عمرو من شكله من صوته، من مشيته، لكنك لا تستطيع أن تقول كيف ميّزتَه. وتعرف أن ليلى جميلة وأن المتنبي عبقري، ولكنك تعجز عن تحديد سرّ الجمال في ليلى: هل هو في عينيها أم في بسمة شفتيها؟ وعن حصر عبقرية المتنبي: هل هي في تركيب ألفاظه، أو في اختراع معانيه، أو في حكمه وأمثاله التي سارت كل مسار؟
* * *
فرحت بهذه المحاضرة إذ وجدتها مطبوعة، وأحسست كأنها صورة التُقطت لي في مرحلة من عمري ليس عندي نسخة منها، وقد مضى زمانها وتبدّلت أنا حتى كأني غير صاحبها. صورة لي في المراحل الأولى من سفرتي الطويلة على طريق الأدب. إنها
[ ١ / ٣٤٩ ]
ليست كصورتي اليوم عند قرّاء «المسلمون»، ولا كصورتي في «المدينة» و«رابطة العالَم الإسلامي»، ولا كصورتي في «الرسالة» و«الثقافة»، أو صورتي قبل ذلك في «الأيام» و«النصر» و«فتى العرب» و«ألف باء»، الصحف الشامية التي ماتت كلها.
وأنا أقرأ كتاباتي الأولى فلا أرتضيها الآن، ولكن ما قيمة حكم الإنسان على عمله ومدى صحة تقويمه إياه؟ إن محمد عبدالوهاب يظن أن أغانيه الأولى («يا جارة الوادي» وأخواتها) دون ما جاء به بعد وما يجيء به الآن، مع أن كثيرًا من الناس (وأنا منهم) يرون أن أجمل ما غنّاه أغانيه الأولى من أخوات «جارة الوادي».
هذه المحاضرة ممّا لا أرتضيه الآن، ولكني أنقل فقرات منها هنا ليرى القرّاء كيف كنت أكتب في تلك الأيام، ولأن هذه المحاضرة لم تدخل في كتاب من كتبي المطبوعة، بل طبعتها «جمعية الهداية الإسلامية» في ورقات ووزعتها على من حضر المحاضرة لمّا أُلقِيَت من اثنتين وخمسين سنة، فكم من القرّاء كان موجودًا لمّا وُزّعت؟ وكم ممّن كان موجودًا قد احتفظ بها؟
وصفت في المحاضرة حال العالَم قبل مولد الرسول ‘، وكيف انقطع وحي السماء وشاخت دول الأرض، وانزاحت الحضارة العادلة عن أكثر بقاعها، واقتسم العالَمَ الدولتان الكبريان: فارس والروم كما يقتسمه اليوم الروس والأميركان، وقلت: إنه كان يعرض لكسرى الفرس أو قيصر الروم خاطر من الطمع أو يحس من نفسه فضلًا في القوة، فينهض ليقاتل الآخر. يصطرع الملِكان ويغرق الألوف من الناس في دمائهم وتزهق
[ ١ / ٣٥٠ ]
أرواحهم. في سبيل مَن؟ في سبيل الشيطان، لا في سبيل الحق ولا في سبيل الرحمن. فسدت من قبل الأخلاق في روما حتى اجتمع على العُري الكامل الرجال والنساء في الحمّامات، حتى تزوّجَت ابنة شيشرون أبي الوطن بأربعة رجال في وقت معًا. عمّ الجهل والظلام وسادت الدعارة والفسوق
إلى أن قلت: لم يعُد في بلاد الحضارة أمل ببزوغ الفجر المرتقب، فهل يبزغ من وراء الرمال، من بوادي الجزيرة؟ ووصفتُ حال العرب وكيف كانوا منشقّين على أنفسهم، متباينين في قبائلهم، لا راية تجمعهم ولا حكومة تُخضِعهم، حكمهم إلى سيوفهم، آلهتهم شتى وأربابهم أصنام، يخشون كسرى ويرجون قيصر، قبعوا في باديتهم وقنعوا بجزيرتهم.
إلى أن قلت: ثم كان أمر، وكانت عشيّة أو ضحاها فإذا الافتراق اتحاد، وإذا الضعف قوة، وإذا هذا الشعب الجاهل يحمل مشعل العلم، وهذه الجزيرة القاحلة تعنو لها أرض الجنان والأنهار وينهار أمام أهلها عرش كل ظالم جبار.
ماذا حدث؟ مَن هزّ هذه الصحراء الجدباء ومَن نفخ في هذا الشعب الجاهل فأخرج منهما أمة عالمة قوية كانت المثل الكامل للأمة الفاضلة؟ من الذي أزاح الله به الظلام عن الكون وأطلع به شمس الهداية والخير على الدنيا؟ قفوا، طأطئوا الرؤوس شكرًا لله الذي أرسله رحمة للعالمين.
وقرنت كلمة «قفوا» بإشارة اليد الممدودة إلى القيام،
[ ١ / ٣٥١ ]
فنهضوا جميعًا. ولما قلت: «صلوا عليه وسلموا تسليمًا» قرؤوا الصلاة الإبراهيمية على عادتهم في المولد، لا على أنها واجبة هنا أو أنه لا بدّ من قراءتها.
وكان ممّا قلت: إننا قد اجتمعنا هنا في ذكرى مولده ‘ لنفيض على العالَم من أنوار سيرته السامية وتاريخه الجليل، إننا قد اجتمعنا هنا لنثبت للدنيا كلها أن الإسلام دين الله، وأن القرآن كتابه الذي جعله المنهاج لنا فلا يقبل منهاجًا غيره منا. إننا قد اجتمعنا هنا لنُطمْئن إخواننا المسلمين فوق كل أرض وتحت كل نجم بأنّ دين الله لن يُغلَب ولن يزول، وأن العاقبة لأهلها ولو مسّهم القرح ونالهم الأذى. إننا قد اجتمعنا هنا لنصرة الفضيلة ونشر العدل، وإيصال الخير الذي بُعث به محمّد إلى الدنيا كلها. كان ميلاده نعمة وسلوكه قدوة، ومبعثه هدى ورحمة، ودينه شمسًا ساطعة اهتدى الناس بهديها وساروا على ضوئها، فتبارك الله، وبورك الرسول، ونعمت الذكرى.
ولد والعالم في ظلام، والناس في ضلال، والحضارة في تقهقر، فعمّ النور واهتدى الناس وازدهرت الحضارة. كان الباطل ظافرًا والجهل فاشيًا والظلم محكمًا، فلما وُلد ظهر الحقّ وساد العلم وظفر العدل، فكان مولده رحمة للعالمين وهدى للناس أجمعين
إلى آخر المحاضرة فهي طويلة. وكانت خاتمتها: ألا فلنجدّد في هذا اليوم إيماننا ولنتعاهد على الرجوع إلى ديننا. لنتصافح ولنتناصح، ولنكُنْ يدًا في الحقّ واحدة علّ الله يمنّ علينا بنصر
[ ١ / ٣٥٢ ]
من عنده، وما النصر إلاّ من عند الله. لنتيقظ لتلك الفئة التي تزعم أنها منّا، وتؤْثر على ديننا وكتاب ربنا ضلالات الملحدين وبدع المبتدعين، ومَن في تلك الفئة؟ إن فيها أبناءنا وإخواننا أفسدتهم علينا هذه المدارس وهذه المجتمعات، أخذَتهم منا مؤمنين وردّتهم إلينا كافرين بدينهم، مزدرين لفضائلهم، أعداء لآبائهم وعترتهم. ونحن؟ نحن غافلون نائمون، لا نواجه عدوًا ولا ندرأ خطرًا ولا نُنكِر منكرًا. إننا راجعون إلى ربنا، وسيسألنا عن دين أضعفناه ومجد أضعناه، فبماذا نجيب؟ لقد نزلَت فينا المصائب وتوالت النكبات، حتى صرنا إذا أصابتنا السهام تكسرت النصال على النصال، فلم نعد نشعر بآلامها.
لقد طفح الكيل وتكاثف الظلام، فإلى النور، إلى الحياة. قوموا اليوم بين يدي ربكم وأقبلوا عليه بقلوب مخلصة وحّدها الدين، ثم اسألوه أن يفرّج عن المسلمين وأن يمدكم بنصره ومعونته. ادعوا، فقد دعا الرسول ‘ يوم بدر وألحّ في الدعاء، ولكنْ بعد أن أعدّ الجيش وصفّ الجند واتخذ الأسباب كلها التي يقدر عليها، ثم سأل الله ما لا يقدر عليه إلاّ الله، وهو تحقيق النصر. فاعملوا وتوكلوا، أعدّوا وادعوا، اسعوا وسَلوا، وإذن يجيب الله دعاءكم ويعطيكم سؤالكم.
هذا ما قلته في ربيع الأول سنة ١٣٥٠هـ في يوم إعلان تأليف أول جمعية إسلامية في سوريا.
* * *
[ ١ / ٣٥٣ ]
-٣٤ -