بدأنا اليوم الثالث من رحلتنا بأحسن مبتدأ، بذكر الله وبالصلاة وبوقوفنا جميعًا صفًا واحدًا بين يدي الله، بالاجتماع على التوبة وعلى الرجوع إليه، فالحمد لله. والمسلم يبدأ كل أمر مهمّ بحمد الله، لا الحمد من طرف اللسان بل من قرارة القلب الراضي عن الله.
وأفطرنا مبكّرين، ومشينا نسابق الشمس، نريد أن نخرج من هذه الأدغال قبل أن تخرج هي من خدرها وتُطِلّ على الدنيا بنورها وبخيرها، فرأينا على الرمل آثارًا جديدة لدواليب سيارات عسكرية جديدة تبدو واضحة تدور من حول المكان الذي كنّا فيه قبل أن ندخل الدغل، فقدّرنا أنهم رأوا أضواء سياراتنا من الأزرق فأقبلوا يفتّشون عنّا.
وأبصرنا أعرابيَين (بدويَّين) طلعا علينا من عُرْض البَرّ، فأشرنا إليهما فأقبلا. ومن مزايا الأعراب (البدو) أنك تدعو الواحد منهم فيأتي إليك من بُعد كيل أو كيلَين لتسأله عن الطريق أو
[ ٣ / ٤٩ ]
لتطلب منه شيئًا، لا يغضب ولا يتأفّف ولا يمنّ عليك ولا ينتظر منك أجرًا؛ خليقة اضطرّتهم إليها طبيعة أرضهم وطيبة قلوبهم.
سألناهما ففهمنا منهما أنهما هنا منذ الأمس، وقالا إن سيارات «أبو حنيك» مرّت من هنا تفتّش عن غرباء دخلوا المنطقة، فنظر بعضنا في وجوه بعض وابتسمنا. وقلنا: أين نحن الآن؟ قالا: على ماء «الهزيم»، وها هو ذا عند تلك الطّلحة.
والطلح شجر من شجر البادية لا يُثمِر. وكان الأعرابيان بثياب رثّة، أسمال بالية، يقودان جملًا هزيلًا. ففتحت حقيبة لي فيها مال، وفهم الشيخ ياسين أنني أريد إعطاءهما فأشار إليّ أن لا تفعل. ففهمت إشارته ولكني تجاهلتها لأني وجدتهما فقيرَين، واستخرجت شيئًا من المال مددت يدي به إليهما، فغضبا وقالا ما لم أفهمه، فندمت على أني لم أُطِع الشيخ ياسين. ما كنت أعلم أن البدويّ يحمل نَفْس أمير وإن ارتدى ثوب شحّاذ، ولم أعُد بعدها إلى مثلها.
وحوّلت مجرى الحديث، فقلت: وأنتما ما خطبكما؟ قالا: أضلَلْنا بعيرَين لنا فنحن في طلبهما منذ ثلاث. فأحسست أني دخلت البادية حقًا، بل لقد شعرت أنني دخلت التاريخ أعيش فيه. إن تاريخ العرب الاجتماعي والأدبي يعيش اليوم في باديتهم «حاضرًا» يُرى لا «ماضيًا» يُروى.
ومشينا إلى ماء الهزيم نرى ما هو، فلما رأيناه انهزمنا نحن منه إذ وجدناه ماء آسنًا منتنًا، فتركناه وسرنا.
* * *
[ ٣ / ٥٠ ]
كنت أعجب من سيارات أبي حنيك (وهو غْلوب، كنّوه أبا حنيك لأن رصاصة أصابت في الحرب حنكه فتركت فيه تشويهًا لا يزول)، كنت أعجب منها: لماذا لم تتعقّب سياراتنا وأثرُها ظاهر يراه كلّ ذي عينين، فكيف بالخبراء من رجال الجيش؟
وسرعان ما جاءني الجواب؛ لقد رأينا خطًا ممدودًا فيه السلك (١) الشائكة، وفي وسطه لوحة مكتوب عليها «المملكة العربية السعودية»، فعلمت أني قد وصلت إلى دار الأمان، إلى البلد الذي لم تدنّس ثراه أقدامُ مستعمر كافر ولم ترفرف فوقه راية لفاتح كافر، البلد الذي خُلق حُرًا وعاش حرًا وبقي حرًا، على حين ابتُلِيَت بلاد المسلمين حينًا بالاستعمار وغلب عليها يومًا الكفار.
لقد امّحت من وجوهنا سمات الخوف وكُتبت عليها سطور الفرح. أهو الفرح لأننا صرنا في السعودية، أم لأننا دنونا خطوة من بيت الله ومن مدينة رسوله ﷺ، أم لأننا نجونا ممّن كان يطاردنا، ويلاحقنا ليطردنا أو يثبّتنا ويحبسنا؟
وتجدّد نشاطنا وصُبّ الأمل في نفوسنا، فتقدمنا مطمئنّين على وعورة الأرض وكثرة الرمال، وجعلنا نعلو ناشزًا من الأرض ونهبط غائرًا، حتى بدت لنا تلّة عالية فوقها سواد تبين لنا أنه خباء من أخبية الشعر، فأنسنا به وأسرعنا المسير إليه، فلما دنونا منه رأيناه مخفرًا من مخافر الحدود فوقه علم مكتوب فيه «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله» وتحتها سيفان، كلمة الحقّ لمن أراد الحقّ
_________________
(١) السلك جمع سلكة.
[ ٣ / ٥١ ]
والسيف لمن أبى إلاّ العدوان.
ورأينا ثلاثة شُبّان كأنهم الرماح، بأثواب عربية فوقها رداء (جاكيت) عسكري، يهبطون من فوق التلّ لاستقبالنا بوجوه يشرق فيها الكرم، وجباه يسطع منها النبل، وملامح فيها القوّة وفيها الطِّيب، عليهم مناطق الرصاص، بأيديهم بنادق جديدة وعليها كتابة، لمّا قربوا منا قرأتها فوجدت فيها: «وقف لله تعالى، وقفه عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود».
ساروا أمامنا ونحن نتبعهم حتى بلغنا الخباء في أعلى التلّ، فإذا فيه البسُط والجلود ورحل جمل يتّكئ الجالس عليه، وفي وسط الخباء حفرة فيها نار موقَدة قد وُضعت حولها «دِلال» القهوة، فأجلسونا على أفضل ما عندهم من أثاث وبذلوا لنا أكثر ما يقدرون عليه من إكرام، وقدّموا القهوة، ولم ينقطع ترحيبهم بنا وسؤالهم إيانا عن سفرنا.
وقد شعرنا أنهم في مثل موقف المحرَج؛ فالواجب الرسمي عليهم أن يتحقّقوا من أسمائنا ويستقْرُوا (١) أحوالنا، وهم يعرفون الواجب الرسمي، والعرف العربي في البادية ألاّ يُسأل عن اسمه الضيف حتى يكون هو الذي يخبر به، وهم بين واجب الشرطي وكرم المضيف. وقد حلّ المشكلة الشيخ ياسين الرواف ﵀، وهو نجدي الأصل قصيمي، شامي المولد والنشأة دمشقي، فخبّرهم خبرنا وأعطاهم جوازات سفرنا، فوضعوا الخاتم عليها، ولمّا اطمأنّوا إلى أنهم أدّوا واجب الوظيفة الرسمية تفرّغوا لأداء
_________________
(١) يُقال استقرى يستقري استقراء، أما استقرأ فمعناها طلب القراءة.
[ ٣ / ٥٢ ]
واجب الضيافة العربية.
أكلنا طعامهم، وهو أفضل طعام وأخفّه على المعدة وأنفعه للجسم: الزبد والرز والتمر. وشربنا من ألبان النياق، وما ألذّه من شراب! حلبوه أمامنا وجاؤونا به تعلوه الرغوة، فوجدته مُحلّى وما مسّه سُكّر مصنوع، وما شربتُه قبل هذه المرّة. وحدّثونا حديثًا حلوًا كتمرهم سائغًا كلبنهم، ثم سألونا عن الطريق الذي نعتزم على سلوكه فأشرنا إلى الدليل، فحدّثوه فألْفَوه أجهل الناس ووجدوه فلاّحًا يضرب بنا في الصحراء المهلكة على غير هُدى، فاختاروا واحدًا منهم يمشي معنا إلى القريات يدلّنا ويهدينا. وكان فتى أسمر حلو الخُلق والخَلْق، ولكنه على جماله ورشاقته أمضى من السيف الباتر وأسرع من السهم الغائر، وكان اسمه «سلامة» فتفاءلنا باسمه خيرًا، وكان ﵊ يتفاءل بحسن الأسماء. قلت: "رافقَتنا إن شاء الله السلامة"، ونكّس الحاج غراب ذقنه وصمت لا يُبدي ولا يُعيد.
ما فعل الله بك الآن يا سلامة؟ وأنتم أيها الشبان هل أنتم أحياء؟ وأيّ سماء تُظِلّكم وأي أرض تُقِلّكم؟ وهل تذكرون هذا الركب الذي مرّ يومًا بكم أم أنسَتكم خبرَه الأيام؟ أم قد سبقتمونا إلى اللقاء الذي ما منه بدّ ولا مهرب: لقاء الله؟ جزاكم الله خيرًا وأحسن إليكم، وأجزل عنّا مكافأتكم أحياء لا تزالون أم أمواتًا. لقد أحسنتم إلينا، وكان لقاؤكم براعة الاستهلال في هذه الرحلة وكان بداءة خير لها.
* * *
[ ٣ / ٥٣ ]
وعدنا نخرق صدر البادية. والباديةُ كالبحر، داخلها مفقود والخارج منها مولود. لا يدري معنى هذا الكلام مَن يقطعها اليوم على طريق مزفَّت (١) يمشي عليه كما يمشي في شوارع المدينة، لا يخشى أن «تغرز» دواليب سيارته في الرمل ولا أن يضلّ في المفاوز ولا أن يتعرّض للمهالك، يقطعها على طريق مزفَّت يمتدّ متّصلًا بلا انقطاع من الدمّام على شطّ الخليج إلى جدّة على سِيف البحر، ومن مكّة إلى اليمن جنوبًا، أو إلى بغداد أو طهران امتدّت طرق ما كنت أتصوّرها تلك الأيام ولا بالمنام. بل يفهم هذا الكلام مَن أقدمَ -مثلنا- يمشي بسيارته على أرض باقية كما خلقها الله؛ يصعد مع الجبل ويهبط مع الوادي، ويخوض الرملة أو يدور من حولها، مسيرة لا يُدرِكها إلاّ من سارها.
ولكنّا كنّا هذه المرّة في أمان مع «سلامة» وقد أخذ مكانه جنب السائق يقول له: يمين، شمال، اصعد التلّ، تجنّب الرملة، دُر من حول الصخرة، أسرع، أبطئ والسائق يسمع ويطيع، ونحن نتغلغل بين هاتيك التلال التي لا يبلغها الحصر. حتى إذا كان الأصيل أبصرنا رملة بيضاء فسيحة، لها منظر البحر في سعته وتموّجه واستوائه أو سهل الزبداني وقد بسط الشتاءُ عليه بساطًا أبيض من ندف الثلج؛ منظر يملأ العينَ بالجمال والقلبَ -من سلوكه- بالخوف، يلوح من ورائها سواد قليل كأنه خيال البنيان أو بساتين النخيل، فقال سلامة: هذه هي القريات، قُرَيّات الملح.
_________________
(١) كلمة «المزفّت» فصيحة وردت في الحديث، أما كلمة «مسفلَت» فهي مسخ ما له نسب.
[ ٣ / ٥٤ ]
وقد علمت أنها ستّ قُرى صغيرة متقاربة أكبرها تُدعى «كاف». وفي تونس بلدة اسمها «كاف» منها شيخنا المعمّر الشيخ محمد الكافي الذي سأتحدث عنه إن شاء الله فيمن أثّر فيّ من الرجال. ولكن جميع هذه القرى لا يبلغ عددُ سكانها نصفَ سكان قرية من قُرى الشام، أو هكذا كانت لما زرناها من خمسين سنة كاملة، ولست أعرف ما وضعُها الآن.
وهي في منخفض من الأرض، كان أول ما استقبلَنا منها الحصنُ، وهو حصن كبير من الحجر الأبيض المسنون، علمت أن الأمير نواف بن النوري بن الشعلان بناه أيام تسلّطه على تلك الديار من نحو سبعين سنة، يوم كانت الجزيرة العربية إمارات ودولًا قبل أن يوحّدها الملك عبد العزيز. أما بيوت القرى الستّ فهي أكواخ، أو شيء يقارب الأكواخ من اللبِن والطين، قائمة على شاطئ الرملة البيضاء كالميناء على شاطئ البحر، يحفّ بها نخيل قليل وحقول صغيرة تزرع الخضر، وتُسقى من عين جارية وفيرة الماء تقوم برَيّ متّسع من الأرض لو كان هناك مال هذا ما قلته سنة ١٣٥٣هـ قبل أن يُخرِج الله لنا كنوز الأرض ذهبًا أسود نستطيع أن نشتري به الدنيا ونشتري الآخرة؛ فإن المال ثمن قصور الجنة لمن أرادها فأنفق ماله فيما يُرضي الله، مؤمنًا بالله طالبًا ثواب الله. وحول القرية وبساتينها صخور كالأهرامات الهائلة رهيبة المنظر، كأنها سور أحاط الله به هذه القرى. أما مورد رزق أهلها فأكثره من الملح الذي يستخرجونه من «السِّباخ» الكثيرة القريبة منهم، يبيعونه في حوران وشرقي الأردن.
والقريات «إمارة»، ومن مصطلَح السعوديين أنهم يسمّون
[ ٣ / ٥٥ ]
كل من يلي مدينة «أميرًا»، فأمير الشرائع مثلًا أمير وأمير المنطقة الغربية كلها أمير. ولو أنهم عدّدوا الألقاب بتعدّد منازل الولايات لكان في رأيي أحسن، وفي جدّة لقب من بقايا اصطلاحات الأتراك هو «قائم المقام».
* * *
وكان الأمير لمّا وصلنا غائبًا في مكّة لم يرجع -بعدُ- من موسم الحج، يقوم مقامه ابن أخٍ له، وكان في قرية أخرى من القُرى (أي القُرَيّات) فلم نرَه. ولقد كانت جدّتي إذا رضيَت عني تدعو لي أن أمسك التراب فيصير ذهبًا، وإن أبطأتُ عليها في حاجة لها قالت لي: «الله يطعَمَك حجّة والناس راجعة»! فاستُجيبَت الثانية؛ فأطعمني الله الرحلة إلى منزل الوحي ومكان الحجّ بعدما رجع الناس من الحجّ، ولم تُستجَب الأولى، وإن كنت (والحمد لله) راضيًا عنه شاكرًا له، بلغت هذا العمر ولم احتَج إلى سؤال أحد، قد أغناني الله بفضله عن الناس، لا أحتاج إلاّ إلى دعوة صادقة بظهر الغيب من أخ مؤمن له قلب حاضر، على ألاّ يخبرني بها لأقول له أشكرك فتصير «مجاملة»، بل يَدَعُها بينه وبين الله، وله من الله بكرمه مثلها.
وقد أدخلونا القصر بغياب الأمير ونائبه وأكرمونا، وأوقدوا النار بعيدان الغَضا (ولعلّ هذا من مظاهر الإكرام) فجدّد لي الغضا ما أحفظ فيه من الشعر. وإني لأحفظ إلى الآن كثيرًا ممّا قال الشعراء فيه، ومنهم من كنّى به عن نجد، مهوى الأفئدة منهم ومثوى الجمال ومثار الخيال. ولقد جمعت مرّة طائفة ممّا قيل
[ ٣ / ٥٦ ]
في نجد وجعلتها على صورة قصة، أخذها أحد أبنائنا الأفاضل في الرياض فطبعها في كتاب صغير (١)، وقد دفع لي أخي ناجي من أيام مجموعة أخرى من أشعار نجد، وما أحسب بقعة في الأرض قيل فيها من الشعر ما قيل في الحجاز ونجد، وحسبكم «حجازيات» سيد شعراء الغزل، الشريف الرضيّ.
رأيت شجر الغَضا، وهو كثير في البوادي، فوجدته كشجر المشمش غير أنه أجمل شكلًا وأدقّ ورقًا وأشدّ خضرة. وما رأيت في البادية شجرًا أكثر منه اخضرارًا، أمّا جَمْره فهو كالفحم الحجري بلا مبالغة، في شدّة حرّه وطول بقائه.
واستعاروا إحدى سياراتنا لتأتي بالأمير، ودعونا إلى دار قوراء واسعة أخلوها لنا، وكانت دار مفتّش الحدود عبد العزيز بن زيد، وأظنّه الذي صار من بعد سفير المملكة في سوريا أو لعلّه غيره، وكانت أكبر دار في القريات وأجملها لكنها خالية لا شيء فيها لغياب صاحبها، ففرشناها من القليل الذي كنّا نحمله معنا والكثير الذي حملوه هم إلينا.
* * *
_________________
(١) اسمه «حلم في نجد»، وهو كُتيّب صغير في نحو أربعين صفحة (مجاهد).
[ ٣ / ٥٧ ]
-٧٣ -
رحلة الحجاز (٤)