الطلاّب درجات: فمنهم فئة يُعطَون رواتب، أي أنهم يتعلمون ويكسبون، كطلاب المملكة العربية السعودية؛ يأخذ الواحد منهم ألف ريال في الشهر، وأنا أُحلت على التقاعد بعدما بلغت ذروة سلّم الوظائف وأُعطيت في الشام مثل مرتّب وكيل الوزارة، وما وصلت إلى ما يعدل ألف ريال! ومنهم من يدرس مجّانًا، ومنهم من كان مثلي لا ينال العلم حتى يدفع الثمن «أقساطًا». وهؤلاء منهم من له الأب الغني يعطيه ما يطلب ولا يُشعِره الحاجة إلى شيء، فكان يُفرّغ نفسه لدراسته، ينفق فيها وقته كله ويضع فيها جهده كله، وأنا قد دخلت الجامعة (كما عرفتم) وما لي مال أمدّ يدي إليه ولا أب ولا قريب أعتمد عليه، وكان عليّ فوق أداء «ثمن العلم» أن أعول نفسي وأهلي. فكنت طالبًا في الجامعة، ومعلّمًا في المدارس الأهلية، ومدرّسًا حينًا في الكلية العلمية الوطنية، وأعمل محترفًا في الصحافة، أكتب المقالات وأصحّح «البروفات» وارتّب الأخبار وأعلّق عليها التعليقات، على حين كنت أخطب في الحفلات وفي المظاهرات وأعمل مع لجنة الطلبة في إعداد الإضرابات، وأحضر -مع هذا-
[ ٢ / ١٨٩ ]
مجالس العلماء وأقعد في حلقات المشايخ، وأشارك في أعمال الجمعيات الإسلامية من غير أن أنتسب رسميًا إليها أو أدخل فيها، وأخطب خطبة الجمعة، وأُلقي دروسًا خصوصية.
ومن أصعب ما مرّ بي من تجارِب في مجال الدروس الخصوصية تجرِبة كنت ناسيَها فما حدّثتكم حديثها، هي أنه كان في «بوّابة الصالحية» مؤسسة أهلية لأستاذ لبناني اسمه (كما أذكر) سليمان سعد، تُدعى (كما أظن) الجامعة العربية، سمع بأني أحسن العربية وأحتاج إلى المال، فعرض عليّ أن ألقي عنده درسًا خاصًا لطالب واحد بأجر كان يُعتبر كبيرًا جدًا، فقبلت. وكانت المفاجأة الكبيرة يوم الدرس أن هذا الطالب جاء يحمل معه تاء التأنيث، لم يكن طالبًا ولكن طالبة شابة تتفجّر شبابًا وتفيض حسنًا، تنشر حولها ساحة من الفتنة مثل الساحة المغنطيسية، لم أقدر أن أمكّن نظري منها لأصف وجهها وعينيها، ولكن اللحظة التي لقيت عيناي فيها عينيها كَفَت لتقول لي وأقول لها. ولعلّي بالغت في تصوّري، ولعلّ شبابي وكوني لم أجتمع قبلها بفتاة من غير أهلي وأن في نفسي من العواطف والرغبات ما يكون في نفوس أمثالي من الشبان، لعل هذا هو الذي خَيّل إليّ أني أرى فيها ما رأيت.
والخلاصة أني أُصِبت منها بمثل ما يصيب من يمسّه السلك مشحونًا بتيار الكهرباء. ووقفت ألتقط أنفاسي وأرقب أن أفيق من دهشتي، يتقاذفني ميل نفسي إلى تدريس هذه الفتاة مع حاجتي إلى الأجر الكبير الذي عُرض عليّ، وخوفي من الله الذي أسأله أن يبعدني عن طريق الحرام ومزلاّت الأقدام، وتردّدت هل أقول:
[ ٢ / ١٩٠ ]
لا، فأحرم نفسي متعة الجمال والمال، أم أقول: نعم، فأسلك سبيل الضلال؟ وتمنيت أن أقوى على الرفض فلم أستطِعه، ومنعني ديني أن أعلن القبول. وكانت هذه الخواطر تمرّ في نفسي مرّ «الفِلم» الذي يكرّ مسرعًا، وهما يرقبان الجواب وهو يستحثّني عليه يشجّعني على القبول، فقلت: ولكني لا أستطيع أن أدرّس الآنسة وحدها. وقد نسيت أن أقول لكم إنها كانت سافرة يتهدّل شعرها على كتفَيها وتبدو ذراعاها، قالا: ولِمَه (١)؟ قلت: لأن ديني يحرّم هذا عليّ. قالت: آتي بأخي معي يحضر الدرس. وليتها ما نطقَت! فقد كان صوتها فتنة أخرى كامنة فيها، ومن الأصوات ما يفتن ولو نطقَت صاحبته بالموعظة والتذكير.
وحضر أخوها، ودرّستها. والدرس (تصوّروا) موضوعه منهاج تاريخ الأدب في البكالوريا الذي يجيء في أوله شعر بشّار وأبي نواس، ولو درّس الشابّ مثلَ هذه الفتاة أحاديثَ البخاري لوجد الشيطانُ مدخلًا إلى مجلسهما، فكيف والدرس في غزل بشّار المكشوف المفضوح وشعر أبي نواس؟! درّستها أربع حصص أو خمسًا، اللهُ أعلم كيف كنت فيها، وإن لم أدرِ (صدّقوني) ما لون عينيها، فأنا كنت الخجلان لا هي؛ فكنت أتحاشى النظر إليهما، على رغبة نفسي فيما أتحاشاه. ثم رأيت أن استمرار الدرس مع غضّ البصر ولزوم الاحتشام ومع ما في النفس من الرغبة الطاغية نوعٌ من عذاب الدنيا، ونظري إليها ورفع الكلفة معها وتوثيق الصلة بها تعريض نفسي لما هو أشدّ منه من عذاب الآخرة. فتركت لها ما بقي لي من الأجرة معها، وهربت
_________________
(١) هذه هاء السكت.
[ ٢ / ١٩١ ]
منها وقلبي عندها! ولو وضعت في هذه الحالة قصة لكانت من أروع القصص. وأنا قادر على كتابتها، ولكني أُكرم شيبتي أن أعود الآن إلى هذا الهراء، وأرحم الشباب من القرّاء.
* * *
وكانوا يُلزموننا بالدوام، أي بحضور عدد معيّن من دروس الأساتذة، فإن لم نستكمله لم يمكّنونا من دخول الامتحان. وما ينبغي لطلاب الجامعة أن يُكرَهوا على استماع دروسها، بل إنّ مردّ ذلك إلى مقدرة المدرّس وتقدير الطالب. فمَن كان من الأساتذة ذا علم يشعر الطالب بالحاجة إليه ويحسّ بالاستفادة منه، وكان ذا بيان يعرض به علمه: بحسن إلقائه وجمال تعبيره، ولم يكن فظًا غليظ الطبع ولا مدّعيًا ولا مستكبرًا ولا جاهلًا، مثل هذا المدرّس يُقبِل الطلاّب على درسه من غير أن تسوقهم عصا أو يضطرّهم إكراه، كما يُقبِلون على سماع الدروس النافعة في المسجد والمحاضرات المفيدة في النادي، يتسابقون إليها وما أجبرهم أحد عليها.
فلماذا لا تكون محاضرات الجامعة مفتوحًا بابها للطلاّب جميعًا، من حضر فأهلًا به وسهلًا، ومن غاب فلا لوم عليه ما دام النجاح بالامتحان، وعند الامتحان يُكرَم الطالب أو يُهان؟ وليس لك أن تسأله من أين حصلت العلم: مِن درس المدرّس أم من الكتب أم من أفواه العلماء من غير المدرسين، المهم أن يلمّ بالمطلوب منه في المنهج وأن يجيب على السؤال الذي ألقي عليه يوم الامتحان. أليست هذه هي سُنّة طلاّب الأزهر قديمًا وأخوات
[ ٢ / ١٩٢ ]
الأزهر: مدرسة القرويين، والزيتونة، ودار الحديث في دمشق، وحلقات العلم في المساجد كلها؟ لقد أخذنا هذه الطريقة أخيرًا، ولكنا لم نأخذها صافية من العين بل أخذناها من الساقية بعدما قطعَت الساقيةُ شوطًا بعيدًا، فمرّت بأميركا ثم عادت إلينا، وقد غيّرت اسمها فصار اسمها «نظام الساعات المعتمَدة».
أنا أدرّس من سنة ١٣٤٥، ولم أنقطع عن التدريس إلى السنة التي نعيش فيها سنة ١٤٠٣. وكنت أسمع من الناس أنني من الأذكياء، فلما طال ذلك صدّقتُه وحسبت -غرورًا مني- أني ذكي حقيقة، فلما جاءنا نظام الساعات رأيت أني من كبار الأغبياء لأني لم أقدر أن أفهمه! ولا أدري لماذا لا نعود به إلى أصله الذي أُخذ منه وهو أسلوب الدراسة في الأزهر وأمثاله، على أن نهذّب حواشيه ونعدّله حتى يكون صالحًا لهذه الأيام؟ أو نعود إلى نظام السنوات الذي كان على أيامنا: تُوزَّع العلوم على السنين، فكلما أحاط الطالب بمنهج سنة منها وأتقنه فهمًا انتقل إلى السنة التي تليها. أو لعلّي أقول هذا لأني لم أدرك حسنات نظام الساعات، أو لأني صرت «عجوزًا» يلتفت دومًا إلى الوراء، يحبّ القديم ويحنّ إليه ويكره الجديد وينفر منه لست أدري!
* * *
كانت المشكلة الكبرى لي ولأكثر الطلاّب معي هي «الميمات»، حتى تَحدّث بها الركبان -كما يقولون- ونقل خبرَها السلَفُ من الطلاّب إلى الخلَف، ورُكّبت عليها النكت والنوادر ونُظمت فيها الأشعار. هذا الأستاذ أديب التقي البغدادي (أستاذ
[ ٢ / ١٩٣ ]
العربية في ثانوية البنات) وقد كان من طلبة الحقوق قبلنا يقول لفارس بك الخوري:
يا ليتَ شعريَ والأيامُ ظالمةٌ (١) وأنتمُ عَضُدُ المظلومِ إنْ ضيما
ماذا تقولونَ في محتاجِ ميمِكُمُ إنْ جاءَ يطلُبُ منكم ذلكَ «الميما»؟
يأخذها بالنكتة البليغة من غير أن يعمل لها عملها، كما كان الشعراء المدّاحون يأخذون أموال الأمّة بالقول الجميل الذي كان أكثره كذبًا أموال يدفعها العاملون الكادحون فيتلقّفها الكاذبون المنافقون (أعني أكثر المادحين لا كلّهم).
وما «الميمات»؟ إن الأساتذة كانوا يقرؤون أسماء الطلاّب في أول كل درس (أي حصة) ليعرفوا مَن حضره ممّن غاب عنه، لأن باب الكلية مفتوح ليس عليه بوّاب يُحصي الداخلين ويمنع الخارجين. لذلك كان هذا «التفقّد» في أول كل درس، يضعون أمام اسم الحاضر ميمًا (أي موجود)، ثم تُعَدّ الميمات قُبَيل الامتحان، فمن حاز منها القدر المطلوب قُبِل فيه ومن لم يَحُزه أُقصِيَ عنه ومُنع منه. هذه هي «الميمات». ومن الأساتذة من كان يقرأ الأسماء كلها، ومنهم من يضنّ بوقته ووقت الطلاّب عن أن يُهدِرَه في أمر ليس من شأن الأساتذة ولا من عملهم، وإنما هو عمل إداري تتولاّه الإدارة، ومنهم من يوكّل طالبًا يثق
_________________
(١) تعبير شائع ولكن الشرع يحرّمه لأن الذي يضرّ وينفع هو الله، ومنه حديث «لا تسبّوا الدهر».
[ ٢ / ١٩٤ ]
به ليشير في الجدول إلى الحاضرين والغائبين، ثم يعدّ الطلاّب من بعيد يُحصيهم بنظره، فإن وجد الميمات في الجدول أكثر من الحاضرين في المكان علم أن من ائتمنه قد خان. ومنهم من لا يعد الأسماء ولا ينظر في الحاضرين ولا يقيم للأمر وزنًا، ويوقّع الجدول ناسيًا أنها أمانة وأنّ الله يسألنا عن كل ما اؤتُمنّا عليه.
وكنت أنغمس فيما أمارس من أعمال يكاد يضيق عنها وقتي، وأختلس من بينها ساعات أروغ فيها إلى الكلية أسرع الخُطا لآخذ «الميم» وأنسلّ هاربًا، إلاّ إن كان الدرس لمثل أبياليسر عابدين أو فارس الخوري أو سعيد المحاسني أو ستيف، فلا أقدر على الهرب. ومَن يقدر على الهرب من المائدة الحافلة وهو جوعان؟ أبقى على ذلك السنة إلاّ أقلها، وربما نسيت في غمرة أعمالي الكلّية وما فيها، حتى إذا لم يبقَ بيني وبين الامتحان إلاّ شهر واحد تركت كل ما في يدي واختفيت فلا يراني أحد ولا يعرف مكاني، وعكفت على كتب الكلية ومذكّراتها ومراجعها لا أفكر إلاّ فيها ولا أشغل ذهني بغيرها، وكان اختفائي (أكثره) في دار عمّي الشيخ عبد الوهاب، والدار بجوار الجامع الأموي عند المدرسة البادرائية وحمّام سامه، في زقاق عرضه أربعة أذرع تتفرع منه حارة عرضها أقلّ من باع، تدخل فيها أربعين ذراعًا ثم تلتوي بك فتمشي أربعين أخرى، قد ركبَتها البيوت فهي مظلمة في وضح النهار، تدخل من بابها إلى دهليز صغير فيه «قاعة» الضيوف ومرافقهم ثم إلى صحن واسع فيه شجرات و«دالية» صاعدة إلى «المَشْرَقة» تحمل كل عام أكثر من مئتي (كيلوغرام) من العنب البلدي الذي يزيد حجم حبّته على حجم إبهام الرجل
[ ٢ / ١٩٥ ]
الضخم، كأنه «مقامع البلّور» كما وصفه ابن الرومي، وفي صدر الدار الإيوان تطل عليه غرفة كبيرة، كان فيها مقامي في هذا الشهر ومنامي.
وكنت أشعر من اللحظة التي ألِجُ فيها الدار أنني خرجت من الدنيا وخلّفتها وراء ظهري، فلا أرى منها شيئًا ولا أسمع فيها صوتًا. وماذا أسمع؟ وما كانت يومئذ هذه الأصوات التي تلحقك اليوم وأنت في قرارة دارك، تقضّ عليك مضجعك وتُفسِد عليك عملك وتكرّه إليك عيشك، فتفزع إلى طبيب الأعصاب وإلى الفاليوم والنوربيوم والتريبتيزول والأنسيدون وأسرتها الكثيرة العَدَد القليلة المَدَد، التي يصطفّ أمامي الآن على الرفّ اثنا عشر واحدًا منها، لا بورك فيها!
لم يكن هذا الرادّ (الراديو) الذي نسمعه الآن من كل مكان وفي كل آن، لا يستريح ولا يريح، يطلع من قبل أن تطلع الشمس ولا ينزل ولو نزل ميزان الليل ودنا السحَر، إن سكتت محطة نطقت أخرى! ولو أن من أراد أن يسمع سمع وحده لما كان لي عليه سبيل لأن له أن يسمع ما يحب، لكن لماذا يجبرني أنا أن أسمع ما لا أحب؟ (١) إن الذي اخترع هذه «الإذاعة» لو علم أنها ستكون أداة إزعاج ووسيلة إجرام يضعها في يد الرجل الجاهل والمرأة الحمقاء لانتحر، فبلع حبة سيانور البوتاسيوم أو رمى نفسه
_________________
(١) اقرؤوا في كتاب «فصول اجتماعية» مقالة «ارحمونا من هذا الضجيج» والتي بعدها: «صيحة شكوى»، ومقالة «من حديث المزعجات» في كتاب «مع الناس» (مجاهد).
[ ٢ / ١٩٦ ]
من الشبّاك أو أطلق على نفسه الرصاص، أو انتحر بما هو شرّ من ذلك بأن تكون له «معاملة» في بلد يدين موظفوه بدين «الروتين» مضافًا إليه إهمال الموظفين و: "تعالَ بكره، مشغولين"!
ما كان عندنا يومئذ (سنة ١٩٣١) إلاّ جهازان للرادّ، أحدهما عند محمد علي بك العابد رئيس الجمهورية والآخر عند الأمير سعيد الجزائري، وكان الجهاز بحجم الثلاّجة، ما كانت قد وُجدت هذه الروادّ الصغيرة التي تحملها باليد كما يحمل المريض جراثيم مرضه المعدي ينشرها (مجّانًا) في الناس.
* * *
لقد كنت آخذ «الميمات» بمثل وسيلة الأستاذ التقي وبأمثالها، وبالحيلة وبالتهديد. وأستغفر الله الآن من هذا الذي كان، وليس الذنب فيه عليّ وحدي بل على من وضع هذا القانون.
حتى إذا انقضى الشهر وكمل إعداد سلاح المعركة برزت شاكي السلاح ودخلت الامتحان. ولقد أدّيته في السنة الأولى وأنا بالعباءة والعقال، فوفّق الله وكنت الأوّل بين رفاق منهم من هو أقرب إلى فضل الأساتذة منه إلى حال الطلاّب. ترون ذلك في صورة صفحة السجل (١)، أما الشطب على كلمة «الأوّل» مع إبقائها ظاهرة فسببه أنهم أبطلوا نظام ترتيب الطلاّب واكتفوا بدرجات ثلاث: جيد وحسن وضعيف.
_________________
(١) وهي في جزء الصور والفهارس (مجاهد).
[ ٢ / ١٩٧ ]
ولست أنصح الطلاّب أن يعملوا مثلي فهذا شيء عملته مضطرًا إليه، والطالب العاقل يُعِدّ للامتحان من أول يوم، يمشي على مهل خطوة خطوة مثل سلحفاة لافونتين، فهذا أسلم من أن يقلد (كما قلدت أنا) الأرنب، وكما أصنع دائمًا. إن هذا من عيوبي، وعلى الكاتب أن يجنّب قرّاءه عيوبه. إني أؤخر كل عمل إلى آخر وقته ثم أقوم مسرعًا أعدو كالمجنون؛ لقد تركت الحكمة العربية الصحيحة «لا تؤخّر عمل اليوم إلى الغد» وأخذت الكلمة الحمقاء للكاتب الفاسق أوسكار وايلد «لا تؤخر إلى غد ما تستطيع عمله بعد غد»! لقد أضاع عليّ التسويف خيرًا كثيرًا في الدنيا وأسأل الله -ضارعًا إليه- ألاّ يضيع عليّ خير الآخرة (١). لقد حاسب الغزالي نفسه مرة فقال لها: يا نفس، ألا تؤمنين بأن الله مطّلع عليك ناظر إليك؟ قالت: بلى. قال: ألا تعلمين أن كل ما تعملينه يُقيَّد لك أو عليك، وأنك واقفة غدًا بين يدَي الله فمحاسَبة عليه ومَجزيّة به؟ قالت: بلى. قال: ألا تعلمين أنه غفور رحيم وأنه سريع الحساب شديد العقاب؟ قالت: بلى. قال: فكيف إذن تعصينه؟
فتبيّن له أن العلّة ليست من ضعف الإيمان ولكن من التسويف وفقد العزم. لقد قلت من قبل إن كل واحد منا يريد أن يستقيم وأن يتجهز للسفر ويتزود للرحيل، ولكنه يؤجل ويسوّف. إنه يؤمّل دائمًا أن يتوب، ولا يزال في التسويف والأمل حتى يسبقه الأجل. فيا ربّ قوّةً منك أصحّح بها العزم على العودة
_________________
(١) من شاء فليقرأ المقالة الظريفة المفيدة «لا تؤجّل» في كتاب «مع الناس» (مجاهد).
[ ٢ / ١٩٨ ]
إليك، فإنه لا حول ولا قوة إلاّ بك.
كنت في السنة الثانية من كلية الحقوق لمّا عُيّنت معلّمًا (وسيأتي الحديث عن ذلك)، وكان قد بقي للامتحان أقلّ من شهرين، فتسلمت عملي وواظبت عليه، واضطُررت إلى تأجيل امتحان الحقوق إلى الدورة الثانية ووُفّقت والحمد لله فيه.
وممّا اعترض دراستي في الجامعة أنه مُنع الجمع بين الوظيفة والدراسة الجامعية، وكان كثير من الطلاّب موظفين. وكانت أزمة استغلها المعارضون وكَثُر فيها الجدل، على نحو ما نقرأ الآن في الصحف عن حكومة المغرب التي مارست الآن مثل هذا المنع. وخاب كل مسعى وأصرّت الحكومة على قرارها، ولكن لكل قاعدة شواذّ، وكنت من الشواذّ، فقد غَضّوا الطرف عن بسّام كرد علي لأن عمّه أستاذنا محمد كرد علي هو الوزير، وعني لأني لأني ماذا؟ هل أعترف بالحقيقة فأقول: لأني حديد القلم طويل اللسان محاط بجيش من الطلاّب؟
وسمحوا لي أن أوكّل وكيلًا عني يدرّس في مكاني. وكان من أصدقائي رجلٌ عصامي، طالب علم من أصحاب الشيخ هاشم الخطيب، وكان نجارًا في «القَباقبيّة»، نجّارًا بارعًا يأكل من كسب يديه مالًا حلالًا كما كان شأن بعض كبار الصحابة وكبار العلماء. وكان يغدو إلى درس الشيخ هاشم في المسجد ثم يؤمّ دكانه في السوق، يُحسِن عمله وينصح من يعامله ويقنع بالقليل الحلال، لم يكن غشاشًا ولا طماعًا ولا مدّعيًا في صناعته، وكان -إلى ذلك- من أرباب الفتوّة، لاعب سيف. وكانت لعبة السيف
[ ٢ / ١٩٩ ]
والترس ممّا يفخر به الرجال، وكان البطل فيها يمسك بيديه سيفَين وينازل خصمَين، وكذلك كان هذا الصديق، وكان يحطّ على الأرض قاعدًا القرفصاء ثم يثب من قعدته في الهواء كما يفعل أهل القوقاز. وهو اليوم أحد الشيوخ المعروفين في الشام، انقطع إلى العلم وخرّج علماء وأفاد المسلمين. ذلكم هو الشيخ صالح فرفور، وهو أسنّ مني مدّ الله في عمره وقوّاه.
وكان من مشاقّ طريق الدراسة هذه الأقساط، وهي تعدل بسعر اليوم ستّة ريالات، وكدت من أجلها أخرج من الجامعة وأضيع دراستي! لقد كان صباح يوم ٢٩ نيسان سنة ١٩٣٢، تاريخ أذكره دائمًا لأنه كان آخر أجل لدفع القسط، فذهبت إلى عمّي أطلب منه المبلغ قرضًا، فوجدته في الطريق، وكلمته فتجاهل طلبي وقال: السلام عليكم، ومشى. ولم يكن بقي من وقت الدفع إلاّ ساعتان، فأكرهت نفسي على تجرّع كأس المذلّة وأعدت السؤال، فقال: ما معي، السلام عليكم. فكدت أنفجر من الغضب وكاد لساني، بل وكادت يدي يفلتان مني، ولكني كظمت غيظي وقلت: اقترضها لي من المكتبة. وكان قد وصل إلى باب المكتبة الهاشمية، وأنا أعلم أن له فيها مالًا وأنهم لا يردّون له طلبًا. ولم يدرِ كيف يتخلص مني فقال لهم: هل عندكم عشر ورَقات (وكنا نقول عن الليرة ورقة)؟ قالوا: نعم، بكل ممنونية. فرأيته أشار إليهم بحاجبه ألاّ يعطوني، فاستدركوا وقالوا: ولكن بعد يومين. فلم أقُل شيئًا، ووجدت من أقرضَني فدفعت المبلغ الكبير الذي كاد يقطع عليّ دراستي ويضيّع مستقبلي وهو عشر ليرات، أي ستّة ريالات! ثم جاءت المصيبة الكبرى وهي رسم
[ ٢ / ٢٠٠ ]
الشهادة، وكنت قد أكملت الدراسة في الكلية، ولكن الشهادة لا تُسلّم إليّ حتى أدفع الرسم القانوني وهو أربعون ليرة. دفعها الشيخ عبد القادر العاني قرضًا، ثم علمت بعد سنين طوال أنه جمعها من التجّار من غير أن يذكر لهم اسمي؛ أي أنني دفعت ثمن الشهادة «شحادة»!
* * *
وهاكم صورة للأساتذة وللطلاّب المُجازين معي سنة ١٩٣٣ (١)، منهم اثنا عشر من دمشق، واثنان من حلب، وأربعة من حماة، وواحد من حمص، وواحد من جبلة، وواحد من القريتين (جنب تَدمُر)، ومنهم ستّة من لبنان، وأربعة من الأردن، وخمسة من بغداد (إذ لم يكن فيها جامعة في تلك الأيام) منهم يونس السبعاوي الذي شارك في حركة رشيد عالي وصار وزيرًا ثم قُتل شهيدًا، ومنهم الزعيم المعروف صدّيق شنْشَل. ومن زملائنا الأستاذ الفقيه الوزير الشيخ مصطفى الزرقا، والزميل القاضي الشهيد الشيخ عادل العلواني، والقاضي المستشار الأستاذ بدر الدين الكاتب، والأستاذ فؤاد شباط وكيل وزارة الداخلية وعميد الكلية فيما بعد. ولست أعدّ أسماءهم جميعًا، وهذه صورهم أمامكم وأسماؤهم تحتها، فاذكروا من تعرفون منهم، قوّى الله من بقى منهم على شيخوخته ورحم من ذهب إلى لقاء ربه.
* * *
_________________
(١) الصورة في جزء الصور والفهارس (مجاهد).
[ ٢ / ٢٠١ ]
-٥٤ -