تحدّثت عمّن أثّروا في فكري وفي سلوكي من أساتذة مكتب عنبر، ومن معلمي المدارس الابتدائية قبلهم، وعن بعض المشايخ الذين قرأت عليهم أو صحبتهم خارج المدرسة، وبقي بعضٌ سيأتي -إن شاء الله- الكلام عنهم.
وقلت لكم إن أساتذة مكتب عنبر كان أكثرهم من الضباط والقادة في الجيش العثماني: انهارت الدولة وانحلّ الجيش، فجاؤوا يعلّمون. وكان منهم ضابط صغير هو بالنسبة إليهم شابّ، ملازم اسمه «عِزّة الرفاعي» جعلوه مراقبًا للطلاب. وكان المراقب الأول عاصم البخاري، وهو أخو نصوحي بك البخاري الذي وُلّي وزارة المعارف غير مرة، وأبوهما العالِم السلفي الذي جعلوه رئيس العلماء الشيخ سليم البخاري. والغريب أن الطلاب كانوا يسمّونهما عاصم بك وعزة أفندي.
الأستاذ عزة الرفاعي لم يدخل علينا مدرّسًا ولم يُلقِ يومًا علينا درسًا، ولكنه من أوائل مَن تركوا في نفسي أعمق الآثار وأبقاها. كان مراقبًا للطلاب، يصفّهم، يُدخلهم ويُخرجهم. ثم
[ ١ / ٢٩١ ]
جعلوه مدرّس رياضة، فأسّس فيها أسسًا وخرّج الله به أبطالًا. ولهذا حديث آخر، والكلام عنه اليوم في أمر يتصل بي ويتصل بالثورة التي كان الكلام في الحلقتين السابقتين عنها.
أمضيت ست سنين في «مكتب عنبر» منفردًا، لا أخالط الطلاب ولا أشاركهم في جِدّ ولا لعب. فما الذي جعل الأستاذ الرفاعي يدعوني يومًا، وكانت الثورة في عنفوانها، وفي يده مجلة مصرية فيها «قصيدة شوقي»، فيسألني: هل أنا مستعد لإلقائها على الطلاب؟
مَن قال له أني أحسن إلقاء الشعر؟ من عرّفه بي وأنا ما كنت أعرف ذلك من نفسي معرفة يقين؟ وقلت: نعم. قال: خذها فاحفظها وغدًا تلقيها.
وكان الغد فجمع الطلاّبَ وجاء بعض الأساتذة، ووقفت أتلوها:
سلامٌ من صَبا بردى أرقُّ ودمعٌ لا يُكفكَفُ يا دمشقُ
ومضيت فيها، وأخذتني الحماسة فنسيت أن المدرسة حكومية وأن فيها مدرّسين فرنسيين، وأن الثورة قائمة وأننا نسمع أصوات الرصاص والرشّاشات ونحن في الفصول. وجهرت بها وأطلقت صوتي كله، وكنت (وأظن أنني لا أزال) أُسمِع الجامع الأموي كله بلا مكبّر.
وحضر المدير وهو أستاذنا جودة بك الهاشمي، وكانت له في نفوسنا هيبة تبلغ حدّ الرهبة، فأحسّ كأني تردّدت لمّا أبصرته فأشار إليّ أن أكمل، فأكملت القصيدة. وكان الطلاب، بل كان
[ ١ / ٢٩٢ ]
المدرّسون أيضًا، يصفّقون عند كل بيت ويستعيدونه ويهتفون، صفّقوا حتى احمرّت الأكفّ وهتفوا حتى بُحّت الحناجر. لا إعجابًا بإلقائي بل بشعر شوقي، بل إعجابًا بالموضوع العظيم الذي نظم فيه شوقي قصيدته، وهو الثورة السورية.
ثم وصلت بعد أسبوع قصيدة خير الدين الزركلي فأمرني بإلقائها، وتكرّر الاجتماع والحماسة مني والتصفيق والهتاف منهم.
وأنا لا أزال -إلى اليوم، بعد خمس وخمسين سنة- أحفظ أكثر أبيات القصيدتين. لقد كان شوقي «لسان العرب» الذي يُعرِب عن آلامها وآمالها ويصوّر أفراحها وأتراحها، فما مرّ بالعرب، بل بالمسلمين، حدث إلاّ كانت لشوقي قصيدة فيه، لذلك كان شعره ديوان العرب في هذا العصر.
* * *
هذه القصيدة ليست من أجود ما نظم شوقي وقافيتها من أصعب القوافي. وأنا أعرف ظروف نظمها، فقد نظمها على عجل، ولكن شاعريته محت آثار عجلته فجاءت فيها أبيات سارت في الناس مسير الأمثال، وخلدت خلود أبيات المتنبّي، وصارت مددًا لكل خطيب يخطب أو زعيم يقود. حوت معاني تبقى جديدة ولو مرّت عليها السنون:
فُتُوق المُلْكِ تَحدُثُ ثمّ تَمْضي ولا يَمْضي لِمختلفين فَتْقُ
فإن كنا متفقين رتقنا كلّ فَتْق وسددنا كل ثغر، أما إذا اختلفنا وتنازعنا فإنها تذهب ريحنا ويكون فشلنا. ولا تقولوا: ما له ينصحنا
[ ١ / ٢٩٣ ]
وما هو من أهل دارنا؟ فإن هموم الشرق تجمعنا:
نَصحْتُ ونحنُ مختلفون دارًا ولكنْ كُلّنا في الهمِّ شَرْقُ
ويجمَعُنا إذا اختلفَتْ بلادٌ بَيانٌ غيرُ مختلفٍ ونُطْقُ
على أن البيان لا يجمع ما لم يكُن معه الإيمان؛ فقد كان العرب قبل الإسلام أهلَ فصاحة وبيان وكان يجمعهم النسب واللسان، وما جعلهم أمة واحدة حتى نزل القرآن. ومن أبياتها السائرة:
وقَفتم بين موتٍ أو حياةٍ فإن رُمتُمْ نعيمَ الدهرِ فاشقوا
وللأوطانِ في دمِ كلِّ حُرٍّ يدٌ سلَفَتْ ودَيْنٌ مُستحقُّ
ومَنْ يُسقى ويَشربُ بالمنايا إذا الأحرارُ لمْ يُسقَوا ويَسقُوا؟
ولا يبني الممالِكَ كالضحايا ولا يُدني الحقوقَ ولا يُحِقُّ
ففي القتلى لأجيالٍ حياةٌ وفي الأسرى فدىً لَهُمُ وعِتقُ
ثم جاء البيت الذي صار -على ضَعف تأليفه- بيتَ القصيد في هذه الأبيات التي تصلح أن تكون نشيد النضال:
وللحرّيةِ الحمراءِ بابٌ بكلِّ يدٍ مُضرَّجةٍ يُدَقُّ
وقديمًا قالوا إن «براعة الاستهلال» من محسّنات المقال. وقد حيّا شوقي في مطلع القصيدة دمشق ووصف رقة نسيمها وصباها، ودمعه على ما حلّ بحماها. ولكن له مطالع أجود، كمطلع قصيدته في «الأزهر» الذي أنطقَ فيه أكبرَ ناطق وهو الدنيا، وأسمعَ أعظمَ سامع وهو الزمان:
[ ١ / ٢٩٤ ]
قُمْ في فَمِ الدّنيا وحيِّ الأزهرا وانثُرْ على سَمعِ الزّمانِ الجَوْهرا
ومطلع الشامية الأخرى:
قُمْ ناجِ جِلّقَ وانشُدْ رسمَ مَن بانوا مشَتْ على الرّسْمِ أحداثٌ وأزمانُ
ولقد أحسّ بهذا فقال:
ومعذرةُ اليراعةِ والقوافي جلالُ الرُّزءِ عن وَصفٍ يَدِقُّ
وما قصّر مع ذلك في الوصف، فلقد وصف نكبة دمشق التي لم يصدّق خبرها لهول ما سمع عنها:
رِباعُ الخُلدِ ويحك ما دهاها؟ أحقٌّ أنها درَسَتْ، أحَقُّ؟
وأينَ دُمى المَقاصرِ من حِجالٍ مهتَّكةٍ وأستارٍ تُشَقُّ
ثم يصف الحور التي كانت مقصورات في الحِجال حين هُدمَت عليهن الدار وهُتّكت الأستار، فخرجن ومِن حولهن النار، التي أضرمتها حضارة المتحضرين الذين انتدبوهم ليدلّونا على طريق المدنية وأولادهن تحوطهم الأخطار، ولا يدرين أيّ طريق يسلكن للفرار:
بَرزْنَ وفي نواحي الأَيْكِ نارٌ وخلفَ الأَيكِ أفراخٌ تَزُقُّ
إذا رُمنَ السّلامةَ من طريقٍ أتَتْ من دونِهِ للموتِ طُرْقُ
بِلَيلٍ للقذائفِ والمَنايا وراءَ سمائه خَطْفٌ وصَعْقُ
إذا عصَفَ الحديدُ احمرَّ أُفْقٌ على جَنباتِهِ واسودَّ أُفْقُ
سلي مَن راعَ غيدَك بعدَ وهنٍ (١) أبينَ فؤادِهِ والصّخرِ فرقُ؟
_________________
(١) أي بعد منتصف الليل.
[ ١ / ٢٩٥ ]
ثم جاء بيت فيه حقيقة ننساها دائمًا، وكان علينا أن نتذكّرها دائمًا:
وللمستعمِرينَ وإنْ ألانوا قلوبٌ كالحِجارةِ لا تَرِقُّ
رحمك الله يا شوقي، لَهُمْ والله قلوب كالحجارة، ولكنهم يُلبِسون الحجارةَ ثوبًا من ناعم الحرير فتخدعنا نعومة ظاهرها عن قسوة ما فيها.
* * *
أمّا صديقنا، بل أستاذنا خير الدين الزركلي، فليس من رجال شوقي ولا من طبقته، ولا أسلوبه من أسلوبه، على الرغم من أن شوقي آذاني بهذه القافية التي أحسّ كلما تلوت القصيدة كأنها مطارق تنزل على رأسي: دقّوا، دقّوا، دقّوا. ﵀، ما الذي جعله يختار حرف القاف من بين سائر الحروف؟
على أنه أحمد شوقي شاعر العرب، الذي لم يأتِ بعد أحمد المتنبي شاعر أشعر منه، ولا أحمد شيخ المعرّة صاحب اللزوميات. ولكني أفضّل هنا قصيدة الزركلي على قصيدته، لا أفضّل الزركلي ولا غيره عليه هو. الزركلي ابن الشام، ومهما كان البعيد فإنه لا يشعر بمأساة البلد شعور ابن البلد. وأسلوب الزركلي هنا أسلس وأليَن، وإن كان أسلوب شوقي أقوى وأمتن، وقافية شوقي كأنها الطريق الوعر فيه الحجارة والصخر، وقافية الزركلي كالسلسال الجاري والجادة المعبَّدة السهلة. والزركلي كان حينًا أشعر شعراء دمشق الأربعة، وإن كان قد انقطع عن الشعر من نصف قرن وانصرف إلى التأليف، فترك كتابًا من أعظم
[ ١ / ٢٩٦ ]
ما أُلِّف في هذا العصر وهو «الأعلام».
مطلع قصيدة الزركلي:
الأهْلُ أهلي والدّيارُ دياري وشِعارُ وادي النَّيْرَبينِ شعاري (١)
ما كان مِن ألمٍ بجِلّقَ نازِلٍ وارى الزّنادَ فزَندُهُ بي واري
إنّ الدّمَ المُهراقَ في جَنَباتِها لَدمي، وإنّ شِفارَها لَشِفاري
دَمعي لِما مُنيَتْ به جارٍ هُنا ودمي هناكَ على ثَراها جاري
كان الشاعر في مصر، فرّ إليها وأقام بها لمّا حكم عليه الفرنسيون بعد ميسلون، كما فرّ إليها الدكتور شهبندر والأستاذ محبّ الدين الخطيب، وفرّ إلى فلسطين الشيخ كامل القصاب.
والمدرّسون يعلّمون الطلاب أن الأسلوبَ العلمي يعتمد على الأفكار والأسلوبَ الأدبي على الصور، وأن الفكرة توصف بأنها صحيحة أو غير صحيحة أما الصورة فتوصف بأنها جميلة أو غير جميلة. وقصيدة الزركلي مملوءة بالصور، ولكنها ليست كالصورة في القصيدة العاطفية المَدار فيها على الجمال وحده، بل على الجمال والحقيقة، لأن هذه القصيدة وأمثالها تاريخ فنّيّ، أو فنّ تاريخي. أريد أن أقول إنها لا تكمل إلاّ إن جمعت بين الصدق وبين الجمال. الصدق لأنها تاريخ ليست خيالًا، والجمال لأنها أدب ليست مجرد وثيقة. وقد جمع الزركلي فيها الحسنتين: خبر موثوق في أسلوب جميل:
_________________
(١) النّيرب كانت قُبيل الرّبوة في موضع الدوّاسة، وقد أكلت الشوارع الحديثة والساحات هذا كله.
[ ١ / ٢٩٧ ]
يا وامضَ البَرقِ (١) اطمئنَّ وناجِني إنْ كُنتَ مطّلِعًا على الأسرارِ
ماذا هناكَ؟ فإنّ صوتًا راعَني والصوتُ فيهِ جفوةُ الأذْعارِ
وجاءه الجواب يبيّن ماذا هناك:
النارُ مُحدِقةٌ بجِلّقَ بعدَما تركَت «حماةَ» على شفيرٍ هاري
الطفلُ في يدِ أمّهِ غرَضُ الأذى يُرمى وليسَ بخائضٍ لِغِمارِ
والشيخُ متّكئًا على عكّازِهِ يُرمى وما للشيخِ من أوزارِ
لَهفي على المتخلّفينَ برَحبِها كيفَ القرارُ ولاتَ حينَ قرارِ
كيف يَقَرّون وهم يرون الظالمين يرصدونهم، يُعِدّون لهم كأس الموت وعدّة الهلاك، إنهم:
يترقّبونَ الموتَ في غَدَواتِهمْ وإذا نجَوا فالموتُ في الأسحارِ
والظلمُ منطلقُ اليدَينِ محكَّمٌ يا ليتَ كلَّ الخَطْبِ خَطْبُ النّارِ
ثم انطلق يرثي دمشق وحماة، وكل ما دمّر الآثمون وما قتلوا وما شرّدوا، يسائل الديارَ عن أهلها والقصورَ عن سكّانها والرياضَ عن قُطّانها:
أُمَّ القصورَ نواعمًا ربّاتُها ما للقصورِ دواثرَ الآثارِ؟
أُمَّ الجِنانَ الكاسياتِ رياضَها حُللُ السّنا ما للرّياضِ عَواري؟
أُمَّ الحياةَ ولِلحياةِ نَعيمُها هل في ديارِكِ بَعدُ مِن دَيّارِ؟
زهوُ الحضارةِ أنتِ مطلَعُ شمسِهِ أفتغتدينَ وأنتِ دارُ بوارِ؟
_________________
(١) البرق هنا أي الأخبار البرقية، ولم تكُن إذاعات.
[ ١ / ٢٩٨ ]
أكُلّ هذا يُرتكَب باسم الحضارة؟
ويحَ الحضارةِ كيفَ يَمتهنُ اسمَها متكالبونَ على الضِّعافِ ضواري
ولكن الضيم لا يدوم وربما ثار المظلوم، والإحراج يسبّب الإخراج، واللوم يومئذٍ على الظالمين:
هُم أحرجوكِ فأخرجوكِ مَهيجةً فصرختِ فيهِمْ صرخةَ الجبّارِ
وإذا الظّلامُ عتا تبلّجَ فجرُهُ ظُلمُ الحوادثِ مَطلَعُ الأنوارِ
فلا تيأسي إنْ دُمّرتِ، فإنّ ما هُدِم يُبنى وما ذهب يُعوَّض:
ما دمّروكِ هُمُ ولكنْ دمّروا ما كانَ فيكِ لهُمْ من استعمارِ
* * *
لقد رأيت في هذا القرن الذي عشت ثلاثة أرباعه مواقف كانت أسواقًا للشعر وميادين سباق للبلغاء، لا يبقى شاعر لا ينظم فيها قصيدة فتكون معارض للبيان. يوم مات سعد مثلًا، ويوم بويع شوقي بإمارة الشعر، ويوم مات شاعرا العربية شوقي وحافظ ومِن هذه المواسم الأدبية الثورة السورية.
لقد عرضت هذه المختارات من قصيدتَي شوقي والزركلي لأني ألقيتهما وحفظتهما، وعندي (في ذهني وتحت يدي) قصائد أُخَر مِمّا قيل في الثورة، أكثرها ضاع ولم يبقَ مِمّن يحفظه إلاّ القليل. فهل ترون أن أجعل حلقة أخرى من هذه الذكريات للإشارة إليها وإيراد مختارات منها؟
[ ١ / ٢٩٩ ]
إنها ليست من صلب موضوع الذكريات ولكنها تأتي على هامشه، ولعلّ فيها متعة لكم ومنفعة أكثر مِمّا في هذه الذكريات، فهل تحبون أن أتكلم عنها؟ إن قلتم نعم فموعدنا الحلقة القادمة إن شاء الله، وإن قلتم لا، فالأمر لكم.
* * *
[ ١ / ٣٠٠ ]
-٢٩ -