عندما ترون في كتب التراجم أن فلانًا من العلماء له مئة مصنّف ومئتان وأكثر، تذكّروا أنهم كانوا يَعدّون الرسالة الصغيرة التي تكون في ورقات مع الكتاب الذي يبلغ ألفًا وآلافًا من الصفحات، يجمعون ذلك كله في رقم واحد. فإن أنا قِست ما صدر لي بهذا المقياس جاوزَت مصنّفاتي (جاوزَت كثيرًا) المئة الكتب منها (التي تُسمّى كتبًا لا رسائل) أكثر من ثلاثين.
أول هذه المصنّفات صدورًا «رسائل الإصلاح»، من يقرؤها الآن لا يستطيع أن يدرك الأثر الذي كان لها يوم صدورها. إنها كانت حَجَرًا، أو قُل «حصاة» أُلقِيَت في بركة ساكنة. ألا ترون الحصاة على صِغَرها ترسم على وجه البركة دائرة بعدها دائرة أوسع منها، ثم تتعاقب الدوائر حتى تبلغ حَفافي البركة كلها؟
كان مجتمعنا يوم صدورها (سنة ١٣٤٨هـ) مضطربًا هائجًا في جانبه النضالي والسياسي، ولكنه كان هادئًا في جانبه الفكري.
كان فيه مشايخ عاكفون على كتبهم في حلقاتهم، يكرّرون
[ ١ / ٤٠٣ ]
(غالبًا) قراءة الكتب التي قرؤوها (١) على مشايخهم يعيدون إقراءها تلامذتَهم، فما كانوا يزيدون عليها أو يَزِنون ما جدّ في عصرهم بميزانها. ولقد جدّت أفكار ومذاهب، وجدّت معاملات مالية وأوضاع اجتماعية لو كانت على أيام مؤلّفي تلك الكتب لبيّنوا حكم الله فيها، أيام كان العلماء يذكرون أن الإسلام لكل زمان ومكان وأن هذه الكرات التي ركّبها الله بين أكتافهم جعل فيها دماغًا هو أداة التفكير، لم يجعلها صندوقًا لشريط تسجيل يدوَّن فيه ما يسجَّل عليه، فإن أردنا إعادته أعاده، فإذا مللناه محوناه أو تولّى محوَه مرّ الزمان. ما قصّروا هم ولكن نحن المقصّرون.
و«أفندية» من المدرّسين والطلاّب في مدارسهم أو في جامعتهم، لا يعرضون للمشايخ ولا يكاد يعرض المشايخ لهم. وما حملوا (أي المشايخ) على المدارس الرسمية ودعوا إلى مقاطعتها إلاّ عندما يئسوا من إصلاحها (من غير أن يحاولوا إصلاحها!) وذلك عندما قامت نهضة المشايخ.
كان المشايخ والأفندية كالخطّين المتوازيَين كما قلت من قبل، فانعطف هذا قليلًا (أعني خطّ طلاّب المدارس) وذاك قليلًا
_________________
(١) كلمة قرؤوها كنا نكتب همزتها على الألف، ولكن ما أثبته هنا هو الصواب لأن الكسر أقوى الحركات؛ فإن كانت الهمزة مكسورة أو كان ما قبلها مكسورًا وُضِعت على نَبِرة (على سنّ أي على ياء غير منقوطة)، فإن لم يكن كسرٌ وكانت هي مضمومة أو ما قبلَها مضمومًا فعلى واو، وإن كانت مفتوحة فعلى ألف، إلاّ إن كان ما قبلها ياء ساكنة مثل «هيئة». كتبتُ هذه الحاشية لفائدة بعض القرّاء ولفشوّ الخطأ في قواعد الإملاء.
[ ١ / ٤٠٤ ]
(أعني تلاميذ المشايخ)، فتقاربا. وأنا أقرّر (للتاريخ لا للفخر) أن أول من ظهر في الشام من تلاميذ المدارس جامعًا مع دراسته القراءة على المشايخ هو علي الطنطاوي، وأول من انتسب إلى المدارس بعد قراءته على المشايخ هو أخي ورفيقي في كلية الحقوق الشيخ مصطفى الزرقا، أخذ البكالوريا سنة ١٩٢٩ بعدي بسنة، مع أنه (وهذا سر بيني وبين القرّاء) أسنّ مني بسنتين أو ثلاث، ولكني شخت وبقي هو (أو ظن أنه بقي، أو أراد أن يبقى) شابًا. وكان نيله البكالوريا أمرًا عجيبًا تحدث به الناس. وجاء بعدي محمد المبارك ﵀، وأحمد مظهر العظمة شفاه الله، ومحمد كمال الخطيب، ومحمود مهدي الإسطنبولي ومن لست أحصي الآن. وجاء بعده الشيخ صبحي الصباغ، والشيخ (الدكتور) معروف الدواليبي، وكثيرون، حتى عظم -بحمد الله- الفريقان وصار منهما معًا جمهرة الدعاة إلى الله والعاملون في ميدان الدعوة الآن (١).
هذه القافلة كان أولها أنا والشيخ مصطفى، سبقت أنا سبق زمان لا سبق علم وفضل.
_________________
(١) انظر أول مقالة «الحلقة المفقودة» في كتاب «فكَر ومباحث»، وفي محاضرة «موقفنا من الحضارة الغربية» المنشورة في «فصول إسلامية» تفصيل لهذا الإجمال. راجع ص٢٨١ - ٢٨٦ من طبعة دار المنارة الجديدة، وفيها: "كانت الطبقتان تمشيان كأنهما الخطان المتوازيان، ولكن اتفق في أوائل عَشر الثلاثين أنه انعطف الخط الأيمن إلى هنا والأيسر إلى هناك، والتقيا فكان خط ثالث وامتد هذا الخط -بحمد الله- حتى صار منه سلسلة ثالثة ذهبية الحلقات تُعَدّ حلقاتها بالمئات" (مجاهد).
[ ١ / ٤٠٥ ]
كانت هذه الرسائل التي كتبتها وكانت «حركة العقال» التي قمت بها (وسأتكلم عنها) ممّا شغل الناس في دمشق في تلك الأيام وملأ بذكري مجالسهم، ذكري بالخير تارة وبالشرّ تارات، حملا إليّ كثيرًا من القدح وقليلًا من المدح. وكان أحبَّ إليّ لو أن غيري ممّن شهد أيامهما وعرف آثارهما هو الذي كتب عنهما لا أنا، لأني إن ذكرت المزايا أمدح نفسي وإن عددت العيوب آذيتُها.
وما أعني أني صرت بهما وبما سيأتي من أمثالهما (وما أكثر أمثالهما في حياتي) ما صرت «مالئ الدنيا وشاغل الناس»، فذلك المتنبي. وما أدري هل تنبّأ حقًا أم هو لقب لبسه، أما أنا فما تنبأت وما لي شيء من عبقرية المتنبي ولا من وصفه وحكمته، ولا أملك مثل روعة شعره ولا أطمع بمثل بقاء ذكره. وماذا ينفع الميّتَ إن ذكره الناس أو نسوه أو مدحوه أو ذمّوه؟ إنما ينفعه ما قدّم من عمل وما يرجو من غفران.
* * *
كانت رسائل أربعًا لم أجد عندي إلاّ الأولى منها، وهاكم صورة جلدتها مكتوبًا عليها إنها بقلم محمد علي الطنطاوي، بكالوريوس في الآداب وفي الفلسفة، مطبعة الترقّي في دمشق سنة ١٣٤٨هـ. ومعنى هذا بالاصطلاح المصري أني محمد وأن أبي هو علي، أما نحن في الشام فنضيف اسم محمد إلى اسم الرجل تبرّكًا وتشرّفًا، واسمي هو علي.
حاولت أن أجد الرسائل الثلاث الأخرى فلم أستطع،
[ ١ / ٤٠٦ ]
وسألت إخواني، أعني من بقي منهم فإن أكثرهم مضى إلى لقاء ربه، وسألت مَن قدّرت أن أجدها عنده فما وجدت لها أثرًا. فاعجبوا معي من تحوّل الأحوال: رسائل أثارت يومًا بلدًا، ثم جاء يومٌ يفتّش مؤلّفها عن نسخة منها فلا يجدها!
قرأت هذه الرسالة فَرِحًا لأني وجدت فيها صورة عن تفكيري ونسخة من أسلوب كتابتي قبل أربع وخمسين سنة. والذي سرّني أني وجدت الأفكار التي اشتملت عليها هي نفسها أفكاري الآن، وما دعوت إليه يومئذٍ هو الذي أدعو إليه اليوم، ما بدّله مرور أكثر من نصف قرن. ومن الكتّاب من يبدّل أفكاره كما يبدّل قمصانه! أما أسلوبها فليس هو الذي أكتب به الآن، ولكنه (وسترون ممّا أنقله من فقرات الرسالة) أسلوب جزل صحيح، وعفوكم فأنا هنا في مقام المؤرّخ أقول الحقّ الذي هو لي كما أقول الذي هو عليّ.
وكنت لما كتبتها حديثَ عهد بدراسة الفلسفة، فكان في القسم الأول من هذه الرسالة جذور ما كتبتُه في كتابي «تعريف عام بدين الإسلام». وقد درسنا الميتافيزيك (أي ما وراء المادة) والمنطق، منطق أرسطو الذي كان يقرؤه المشايخ والمنطق العلمي الحديث، وعلم الأخلاق، وعلم النفس، وكنا ندرس ذلك كله في الكتب ذاتها التي كان يدرسها الطلاّب في باريس، هذا ما أرادونا عليه وكلّفونا به. وعلم النفس الفرنسي يعتمد على النظريات لا كالذي يُدرَس الآن، فقد درسنا نظريات ومذاهب في اللذّة والألم -مثلًا- وتحقيق ماهيتهما لم يعُد الطلاّب يهتمّون بها في غير فرنسا، ودرسنا علم الجمال وعلم الاجتماع. وبعضُ ما
[ ١ / ٤٠٧ ]
ذكرت لا تنطبق عليه شرائط العلم، ولكن أقول ما يطلقه عليها الناس.
والذين كانوا معي في شعبة الفلسفة كثيرون، ولكن أثر ما درسته فيها كان عميقًا في نفسي وفي تفكيري وهو منطبع في نفسي وطالما استفدت منه في كتبي وفي محاضراتي، على حين أن أكثر إخواني درسوه ونسوه. كما أن ما درست من العلوم (في الفيزياء والفسيولوجيا، أي وظائف الأعضاء، وغيرها) لا تزال أصوله ولا يزال كثير من فروعه في ذهني. وما جاء في الفصول الأولى من كتابي «تعريف عام بدين الإسلام» لم أنقله نقلًا عن الكتب التي قال أحدُ مَن كتب عنه إنني نقلته منها، وكيف وقد ذكرت أسسه في هذه الرسالة وهي مطبوعة سنة ١٣٤٨، وسمعه مني الطلاّب على مدى عقود من السنين، وطبع في المذكّرات الجامعية في أعوام كثيرة متعاقبة، ونشرت بعضه في «الرسالة» من أكثر من خمس وأربعين سنة، والكتب التي ظن الأخ الناقد أنني نقلت منها طُبعت بعد ذلك التاريخ بزمن طويل.
* * *
أقرأ الرسالة الآن فأعجب والله كيف كتبتها وأنا ابن إحدى وعشرين سنة فقط! لقد نضجت مبكرًا، وما بعد نضج الطعام إلا احتراقه، فهل ترونني لهذا احترقت مبكرًا؟ ولكن من قال إنني احترقت؟ أأنكر نعمة ربي وقد أمرني أن أذكرها وأن أحدّث بها؟ أليس في هذا التواضع السخيف مني جحود لما أكرمني به ربي؟ اللهم إنني معترف بفضلك مؤمن بأن القوّة منك، لا حول ولا قوة
[ ١ / ٤٠٨ ]
إلاّ بك، فأَدِم عليّ نعمتك وارزقني الشكر عليها.
وسأنقل فقرات من هذه الرسالة ليرى مَن هو في هذه السن من شباب اليوم كيف كان سَنينهم (١) من شباب الأمس، وسيعجبون حين أروي لهم قصة كتابتها فيرون أني كتبتها كلها في جلسة واحدة أمام شاهدَين عدلَين. لكني لا أستطيع استشهادهما، فقد ماتا، ولست أكذب عليهما وقد مضيا للقاء ربهما، وأنا -عمّا قليل- لاحق بهما؛ هما الشيخ محمد زاهد الكوثري والأستاذ حسام الدين القدسي.
قلت في أولها بعد البَسملة والحَمدلة (٢): اللهم إن هذا دينك الذي بَعثت به نبيك، وهذا كتابك الذي أنزلت به وحيك، وهؤلاء عبادك الذين أمرتهم باتباعه وأوجبت عليهم العمل به. اللهم إنهم قد ضلوا (أو ضل أكثرهم) سبيلك واختلفوا في دينك وتفرقوا شيعًا، فأضاعوا عزّهم وودّعوا مجدهم، وعاشوا وهم أكثرُ ما كانوا عددًا أشدَّ ما كانوا ضعفًا. اللهم هيّئ لهم وليًا من أوليائك
_________________
(١) سَنينك: من كان في مثل سنك.
(٢) كما قالوا «البَسْملة» و«الحَمْدلة» قالوا: «الدّمْعَزة» أي أدام الله عزك، و«الطّبْلَقة» أي أطال الله بقاءك، وهي وأمثالها مولَّدة ليست من الفصيح. قلت: ومثلها: «السّبْحَلة» وهي قول سبحان الله، و«الهَيْلَلة» وهي قول لا إله إلا الله، و«الحَوْقلة» وهي قول لا حول ولا قوة إلا بالله، و«الحَيْعَلة» وهي قول المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح، و«الجَلْعَفة» أي جُعلت فداءك. انظر «فقه اللغة» للثعالبي ص١٣٦ (مجاهد).
[ ١ / ٤٠٩ ]
يرشدهم إلى طريق الهدى ويدلّهم على سبيل السداد، ويبدّلهم بالشتات اتحادًا، وبالضعف قوة، وبالذلة عزًا، وبالجهل علمًا، وما ذلك على الله بعزيز.
وقلت في آخر المقدمة: هذه الرسائل لا أقصد بها الدلالة على علم عندي، فما فيها إلاّ ما يعلمه كل واحد فينا، ولا أرجو أن يتحقق اليوم أملي منها، فإن ذلك أصعب من أن يتحقق في مثلها، ولكنني أرمي إلى تنبيه الأمّة إلى ما هي واقعة فيه، ولَعَلّي بالغٌ من ذلك بعضَ ما أريد. دمشق: غرة رجب ١٣٤٨هـ.
* * *
بدأت الرسالة ببيان أن لهذا الكون إلهًا، وأن «فكرة الإله» فطرة مغروزة في كل نفس، وأن الإنسان لا يعيش ويموت من غير إيمان، ولكنه قد يصل على ضوء الوحي إلى معرفة الإله الحقّ، وقد يضلّ فيؤلّه حجرًا أو بشرًا أو شجرًا أو النار التي أوقدها أو الأصنام التي نحتها. وأشرت إلى بعض ما قاله دوركايم الذي كان كتابه من كتب المطالعة الفلسفية التي كانت مقرّرة علينا (وهو أحد الذين أفسدوا عقول الشباب عن معرفة وعن قصد لا عن جهل ولا عن خطأ: فرويد ودارون وكارل ماركس، وهو شرّهم) كما أشرت إلى بعض ما قاله كانط (وقد كان كتاباه في نقد العقل من كتب المطالعة الفلسفية، على جفاف أسلوبه وصعوبة فهمه، لا سيما ونحن نقرؤه في الترجمة الفرنسية)، وعرضت لقانون الحالات الثلاث لأوغست كونت، وقد تبيّن الآن بطلانه، وحدّدت الصلة بين الدين والعلم.
[ ١ / ٤١٠ ]
ثم تكلمت عن الإسلام، وأنه لا يمكن أن يكون بين الثابت من أحكامه وبين المحقَّق في العلم تنافٍ ولا تناقض؛ لأن العقلَ منحةٌ من الله والدينَ وحيٌ من عند الله، وأن أقرب مثال له الساعتان اللتان تخيّلهما لَيْبِنس، ولم أكن قد اطلعت (والله) على ما قاله ابن تيمية في كتابه القيم. وأنّ الدين الإسلامي صالح لكلّ زمان؛ لأن فيه أصولًا ثابتة لا يؤثّر فيها تبدّل الأزمنة والأمكنة، وفروعًا يمكن أن تتبدّل بتبدل الأزمان.
ثم تكلمت عن بُعد أكثر المشايخ عن علوم العصر وعن اختلافهم، ونزلت على أتباع الطرق الصوفية أو أكثرها فقلت: وتمرّ على زاوية فترى قومًا يرقصون ويقفزون ويصيحون بأفظع الأصوات وأنكرها، فتسألهم مُنكِرًا: ما يفعلون؟ فينبئونك أن هذا هو ذكر الله! وتجتاز في ليالي الوداع من رمضان على مسجد بني أمية، فترى في وسطه أناسًا قد لبسوا قلانس طِوالًا وأثوابًا كأنها المخاريط الناقصة يدورون على أنفسهم، فتحسبهم ذوي جِنّة، ولكنهم يزعمون (ويُقِرّ بعضُ الناس زعمَهم) أن هذا من الدين وأن أبا بكر فعله! لا والله أيها القوم، ما كان الدين هُزُوًا ولا لعبًا، ولا كان أبو بكر معتوهًا ولا مجنونًا، ولكنكم
وتكلمت عمّن يدّعي أنه سلفي فيحارب المذاهب. ولا أدري والله كيف يدّعون الأخذ بالحديث وهم لا يعرفون صحيحَه من ضعيفه وموضوعَه من مرفوعه، وعمّن يدّعون أنهم مقلّدون وأن المقلّد لا صلة بينه وبين كتاب ربه وسنّة نبيه إلاّ هؤلاء الأئمة، ويرون أنهم أضعف من أن يفهموا حديثًا صحيحًا واضح
[ ١ / ٤١١ ]
اللفظ بيّن المعنى كأن الحق ضاع بين الفريقين وهنالك من يرى التقرّب إلى الله باللجوء إلى قبر ولي من الأولياء، يطوف به ويقبّل أعتابه!
ثم تكلمت عن خطبة الجمعة ولماذا شرعها الله، وعن الخطباء الذين كانوا يقرؤون ما في دواوين الخطب يلقونه أسوأ إلقاء وأقبحه، فمن متغنٍّ بخطبته ومن متشدّق بها، وكلهم يستقرّ في نبرات صوته حيث الاستفهام ويستفهم حيث الوقف والاستقرار، وهو حزين حيث الغضب وغضبان حيث الوعظ، وكلهم يلزم السجع البارد المستثقَل والمحسّنات البديعية المستهجَنة.
ثم غلبَتْ حماسة الشباب واندفاعه فقلت: إن أمة بتاريخها وعظمتها لا يُقضى عليها من أجل طائفة من المشايخ أبت إلاّ الجمود على مواريثها والوقوف في مكانها ومقاومة كل جديد نافع. إن الدين ليشكو إلى الله قومًا أضاعوه، والمنابرَ لَتبكي من أناس علوها وما هم من فرسانها!
ثم كانت الهجمة على «الأوقاف» التي كانت الموكلة بالمساجد وخطبائها، ونقدت خطبة الجامع الأموي التي كانت تُورّث كما تُورّث الأموال، أي أن ابن الخطيب أو الإمام يرث إمامته وخطبته كما يرث عمامته وجبّته! وكانت خطبة الأموي مقسّمة بالقراريط بين أسر ثلاث، أسرة الخطيب (وأمّي من أسرة الخطيب) والأسطواني والمَنيني، وقلت عن المنيني ﵀ وسامحَني: وفيهم من له الصوت الأجشّ الخشن الذي لا يسمعه مَن حوله.
[ ١ / ٤١٢ ]
وكان أعجب ما في القصة أني أردت أن أضرب المثل على دفع الرواتب لمن لا يعمل فقلت (ص٣٨): كان لوالدي ﵀ جزاء على جزء من القرآن يقرؤه في جامع السّنانيّة، ثم تُوفّي فعُيّنت مكانه، ولقد مضى عليّ خمسة أعوام ولم أقرأه مرة واحدة والمعاش يأتيني، وأمثالي في هذا كثير، والأوقاف لاهية لاعبة لم تسألني يومًا عن عملي. ولولا أن انتدبَت جدة لي نفسها لقراءته لأخذت المال حرامًا، ولكنه حرام على هذه الدائرة الـ لا عليّ أنا وحدي. والأنكى من هذا أنني لم أسمع أن لهذه الإدارة مفتّشين يدورون على المساجد فيرون ما يحدث فيها.
وبيّنت أن من أيسر ما يحدث أن الإمام يغيب ويوكل عنه وكيلًا، وقد يوكل هذا ثالثًا لا يحسن الصلاة ولا يجيد القراءة.
وكان الجواب المرتقَب هو عزلي وقطع الراتب عني. كان هذا في الوقت الذي كنت أحتاج فيه إلى الليرة الواحدة! ولم أندم -مع ذلك- على ما كتبت.
* * *
[ ١ / ٤١٣ ]
إلى القرّاء الكرام
لقد بذلتُ في تصحيح هذا الكتاب غايةَ ما استطعت من الجهد، لكنّي لا آمَنُ أن يكون فيه خطأ سهوتُ عنه، لأن الكمال ليس لأحد من البشر، إنما هو من صفات خالق البشر. فأرجو أن يَمُنّ عليّ قارئه (وقارئ سائر كتب جدّي التي صحّحتُها وأعدت إخراجها من قريب) فينبّهني إلى أي خطأ سهوت عنه لكي أتداركه في الطبعات الآتيات، وأنا أشكره وأدعو له اللهَ بأن يجزل له الأجر والثواب.
مجاهد مأمون ديرانية
mujahed@al-ajyal.com
[ ١ / ٤١٤ ]
المحتويات
بين يدَي الذكريات ٥
المقدمة ١٣
الحلقة (١) ذكريات لا مذكّرات ١٧
الحلقة (٢) من ذكرياتي عن دمشق ٢٧
الحلقة (٣) من الكُتّاب إلى المدرسة التجارية ٣٧
الحلقة (٤) من ذكريات الطفولة ٤٩
الحلقة (٥) من ذكريات الطفولة أيضًا ٥٩
الحلقة (٦) من المدرسة التجارية إلى المدرسة السلطانية ٦٩
الحلقة (٧) في المدرسة السلطانية ٧٩
الحلقة (٨) منعطف خطير في تاريخ سوريا ٨٩
الحلقة (٩) عهد جديد في حياتي ٩٩
الحلقة (١٠) من جوار الأموي إلى سفح جبل قاسيون ١٠٩
الحلقة (١١) فصل جديد في تاريخ الشام ١١٩
الحلقة (١٢) خطبتي الأولى وتهجّمي على الفرنسيين ١٢٧
الحلقة (١٣) مرحلة خصبة في حياتي ١٣٧
الحلقة (١٤) في مكتب عنبر ١٤٥
الحلقة (١٥) أساتذتي في مكتب عنبر ١٥٣
الحلقة (١٦) أساتذتي في مكتب عنبر أيضًا ١٦٣
الحلقة (١٧) من مصر إلى الشام ١٧٣
[ ١ / ٤١٥ ]
الحلقة (١٨) جدي الشيخ أحمد الطنطاوي ١٨٥
الحلقة (١٩) عود للحديث عن مكتب عنبر ١٩٥
الحلقة (٢٠) شغلي الدائم المطالعة ٢٠٧
الحلقة (٢١) ثورة في المدرسة ٢١٧
الحلقة (٢٢) صفحة جديدة في سِفْر حياتي ٢٢٧
الحلقة (٢٣) لمّا صرت تاجرًا ٢٣٧
الحلقة (٢٤) مشايخي خارج المدرسة ٢٤٧
الحلقة (٢٥) أسرة الخطيب والأسر العلمية في دمشق ٢٥٧
الحلقة (٢٦) الثورة على الفرنسيين ٢٦٩
الحلقة (٢٧) كيف انطلقت الثورة ٢٨١
الحلقة (٢٨) شعر الثورة في مكتب عنبر ٢٩١
الحلقة (٢٩) من شعر الثورة ٣٠١
الحلقة (٣٠) النجاح في البكالوريا والسّفر إلى مصر ٣١١
الحلقة (٣١) اليوم الأوّل في مصر ٣٢١
الحلقة (٣٢) ظهور الدّعوة الإسلامية في مصر ٣٣١
الحلقة (٣٣) العودة إلى دمشق وإنشاء جمعية الهداية ٣٤٣
الحلقة (٣٤) تقلّبات على الطريق ٣٥٥
الحلقة (٣٥) احتراف الصّحافة ٣٦٧
الحلقة (٣٦) في جريدة «فتى العرب» ٣٧٩
الحلقة (٣٧) الكتّاب والأدباء والصحفيّون ٣٩١
الحلقة (٣٨) صدور «رسائل الإصلاح» ٤٠٣
[ ١ / ٤١٦ ]
ذكريات
علي الطنطاوي