كان أستاذي، استفدت منه وقدّرت فضله ومدحته، ولكنْ كان آخر مسلم في آخر الأرض أقرب إليّ منه!
هذا الكلام لم أقله الآن ولكن صدعت به على المنبر من نحو ثلاثين سنة، فاستأذنني الأستاذ أحمد عسّة (وكان يومًا تلميذي) أن ينشره في جريدته فأذنت، فنشرَته الجريدة بالخطّ الكبير (المانشيت) بالقلم العريض. وكانت إحدى مرّات ثلاث ثارت فيها جرائد دمشق كلها عليّ وتبارت في ذمّي وشتمي وجرّب كل ذي قلم قلمه فيّ. أما ذنبي الذي لا يُغتفَر فهو أني «كفرت» بدين الوطنية ودعوت إلى الطائفية، وفرّقت بين المواطنين بسببٍ من اختلاف الدين، وهم يهتفون كل صباح:
بلاد العُربِ أوطاني منَ الشامِ لبغدانِ
ومنْ نجدٍ إلى يمَنٍ إلى مصرَ فتَطوانِ
فلا دينٌ يفرّقُنا
لا يفرّقنا الدين؟! أي أنهم يريدون أن نجعل الكافرين
[ ٢ / ٢٠٣ ]
كالمسلمين وأن ندعو بدعوة الجاهليّين، ندَع كلام ربّ العالمين: ﴿إنّما المُؤمنونَ إخوةٌ﴾ فننكر أُخوّة الإيمان ونتمسّك برابطة اللسان، فيكون أبو لهب وأبو جهل أقربَ إلينا من بلال وسلمان. كلاّ، ولا كرامة! قلتها من أول حياتي وأقولها الآن.
أفتدرون ماذا كان موقفي من هذه الحملة وماذا كان ردّي عليها؟ كان بياعو الصحف يعلّقونها على جدار القصر العدلي، وكنت أمرّ بها وأنا أدخل إلى المحكمة فأرى عناوينها وأنا ماشٍ: «الطنطاوي كذا والطنطاوي كذا»، فلا والله ما مددت يدي إلى واحدة منها ولا قرأتها ولم أعرف إلى هذه الساعة ما الذي كان فيها. حلفت لكم لتصدّقوني، وكنت أصل إلى محلّي وأباشر عملي وما حرّك هذا كله شعرةً في بدني، لأني تعوّدتُه فما عدت أشعر به!
أما الذي قلت عنه هذا الكلام، فأثار عليّ أصحاب الأقلام من المسلمين فرموني بكل جارحة من التهم وكل قارص من القول، وهو أستاذنا فارس الخوري، فقد قابلته في الطريق فحاولت أن أقول له شيئًا، فسبقني فقال لي (بالحرف الواحد): لا عليك؛ لقد جهرتَ بحكم دينك وهذا ما أُكْبره فيك، وجعلتَني أقرب النصارى إليكم وهذا ما أشكرك عليه!
وكان ممّن حضرت عليه في المدرسة وفي الجامعة أساتذة من النصارى، ودرست العبرية في دار العلوم في مصر على الأستاذ اليهودي ولفنسون، فكنت أقدّر علم العالِم منهم لا أنكر فضله ولا أبخسه حقّه، وأبرّ منهم من لم يقاتلنا قومُه في الدين ولم يخرجونا من ديارنا وأقسط إليهم، ولكنْ لا أجامل واحدًا منهم أو
[ ٢ / ٢٠٤ ]
مِن غيرهم في ديني إذا جاء حكم الدين بطلت المجاملات!
كذلك كانت صلتي بفارس الخوري؛ صلة تلميذ يقدّر أستاذه ويأخذ من علمه، وسترون أن ذلك كله لم يمنعني أن أعلن أن الإسلام لا يُجيز انتخاب غير المسلم نائبًا في مجلس يشرّع القوانين للمسلمين. ولم يسمع الناسُ مثلَ هذا الكلام جَهارًا من أحد قبلي، وسيأتي تفصيل هذا الإجمال في موضعه من سلسلة المقال.
كان فارس الخوري أحدَ عباقرة العرب في هذا العصر علمًا وفكرًا وبيانًا. ورُبّ عالِم واسع المعرفة كثير الاطّلاع لكنه غير مفكّر، ورُبّ مفكّر سديد الفكر بعيد الغور ولكنه ضيّق المعرفة، ورُبّ عالِم مفكّر لكنه ضعيف البيان عَيِيّ اللسان. أما فارس الخوري فقد جمع الله له الثلاثة، وكنت أعجب منه كيف يكون له هذا الاطّلاع على الإسلام وهذا العقل، ولا يهديه عقله إلى اتّباع دين الحقّ الذي لاحقّ في الأديان غيره! لا سيما أنه كان يتمسك بأوهى خيط من النصرانية، فقد كان بروتستنتيًا، بل كان أقرب إلى أن يكون بلا دين.
فلما مرض وطال مرضه رأيناه كلما عاده أحد من المسلمين حدّثه عن الإسلام، وكان يُكثر أن يطلب من شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار (ومن غيره) أن يقرأ عليه القرآن، وأوصى (ونُفّذت وصيته) أن يُتلى القرآن في مجلس التعزية به إذا مات. فكنت أحار في تفسير هذا كله، حتى نشر الأستاذ محمد الفرحاني كتابه عنه (وقد كان ملازمًا له في مرضه لا يفارقه أبدًا) فإذا هو يؤكّد أنه
[ ٢ / ٢٠٥ ]
مات على دين الإسلام، فرحمه الله ورحم الفرحاني الذي فرّحنا بهذا النبأ.
وكنت سنة ١٩٤٧ أقيم في مصر وأُشرفُ على تحرير «الرسالة» (راجع ما كتبه الزيات في العدد ٧٣٣ في البريد الأدبي)، وكان (أي فارس الخوري) مندوبَ سوريا في مجلس الأمن، وكانت إليه رئاسة المجلس حين عُرضت قضية مصر عليه. وخطب مندوبها النقراشي باشا مدافعًا عن حقها، وخطب فارس الخوري، فكانت خطبته "نقطة التحول في مجرى الرأي في مجلس الأمن" كما كتب الأستاذ الصاوي في «أخبار اليوم».
وحين كانت الجرائد تتحدث في مصر عن مجلس الأمن والنقراشي وعن فارس الخوري على التخصيص (الذي كان الناس يومئذٍ يزدحمون على الرادّ في المقاهي والشوارع ليستمعوا إلى خطبته وهو يلقيها بالإنكليزية والمذيع ينقلها إلى العربية) لم يكن يُعرف عنه في مصر إلاّ القليل، فكتبت في العدد ٧٤٠ من الرسالة، الصادر يوم ٢٣ شوّال (٨ سبتمبر ١٩٤٧) كتبت مقالة عنوانها: «ما أعرفه عن فارس الخوري»، تناقلَتها جرائد كثيرة وعلّق عليها كتّاب كبار منهم الأستاذ العقاد في العدد ٧٤١ من الرسالة بعنوان «الأستاذ فارس الخوري أو عبقرية البيان».
وكان ممّا قلته في مقالتي: أقيمت في ردهة المَجمع العلمي العربي في دمشق من نحو عشرين سنة (أي سنة ١٩٢٧) حفلة لتكريم حافظ إبراهيم لمّا زار دمشق حضرتُها أنا وأخي سعيد الأفغاني، وكنا يومئذ في ريق الشباب على أبواب العشرين من
[ ٢ / ٢٠٦ ]
العمر، نقصد هذه الحفلات لننقد الخطباء ونبتغي لهم المعايب، فمَن لم نَعِبْ فكرته عِبْنا أسلوبه ومن لم ننتقص إنشاءه انتقصنا إلقاءه! وخطب في هذه الحفلة كثير، وألقى فيها شاعر الشام شفيق جبري إحدى روائع قصائده، وكنا ننتظر من حافظ قصيدة مثل شاميته الأولى، فكأنه أُرْتِجَ عليه فاكتفى ببيتيه المشهورَين:
شكرتُ جميلَ صُنعِكمُ بدمعي ودمعُ العينِ مقياسُ الشعورِ
لأوّلِ مرّةٍ قدْ ذاقَ جَفني -على ما ذاقهُ- طعمَ السرورِ
ولم يأتِ فيهما بشيء! وكان فيمن خطب رجل قصير القامة كبير الهامة أبيض الشعر، ألقى قصيدة لا أزال أذكر أن مطلعها كان:
ليالي التّصابي قد جفاني حُبورُها ولُمّتيَ السوداءُ أشرقَ نورُها
ومَن لي بإنكارِ الحقيقةِ بعدَما تجلّى على وجهي وَفَودي نذيرُها
تذكّرتُ أيامَ السرورِ التي مضَتْ فيا ليتَ شِعري هل يعودُ سرورُها؟
أسِفْتُ على عهدِ الشبابِ ولم تعُدْ تُثيرُ فؤادي مقلةٌ، وفتورُها
وأدنَتنيَ الأيامُ من هُوّةِ الوَنى فأصبحَ منّي قابَ قوسٍ شَفيرُها
وكادَت صُروفُ الدهرِ تطوي صحائفي وهل بعدَ هذا الطيّ يُرجى نُشورُها
[ ٢ / ٢٠٧ ]
ومنها:
أَحافظُ حيّيتَ الشآمَ تحيّةً يفوقُ عبيرَ الوردِ منها عبيرُها
وألبستَها ثوبًا منَ الحمدِ دونَهُ حدائقُها في زَهوِها وزهورُها
وطوّقتَها بالحبِّ والعطفِ رِبقةً قلادةَ أسرٍ لا يُفادى أسيرُها
وهي طويلة. وأقول الآن: إنها موجودة في الكتاب القيّم الذي لم يصنع وفيٌّ لحافظ وشوقي مثلَه، هو كتاب «ذكرى الشاعرَين» للأستاذ أحمد عبيد الذي جمع فيه ما كُتب عنهما وما قيل فيهما، وكانت هذه السنة (أي سنة ١٩٨٢) وقت الحاجة إلى تجديد طبعه لمرور نصف قرن على وفاته.
أقول: إنها قصيدة جيدة، ألقاها بصوت كان قويًا على انخفاض، مدويًّا على وضوح كأن له عشرة أصداء تتكرر معه، فتحسّ به يأخذك من أطرافك ويأتي عليك من الأقطار الأربعة، فتسمعه بأذنيك وقلبك وجوارحك، بل تكاد يدك تلمس فيه شيئًا ضخمًا على صحّة في المخارج، وضبط في الأداء، وقوة في النبرات، وثبات في المحطّات. هذا الصوت الذي له هذا الدويّ كله يخرج من فم صاحبه باسترسال واسترخاء، لا يفتح له شدقه ولا يمُدّ نَفَسَه ولا يُجهد نَفْسَه، فأنسانا أن ننتقد القصيدة أو نجد لها العيوب، وملك بها قلوبنا وقلوب الحاضرين فصفّقنا حتى احمرّت منّا الأكفّ. وقلت لسعيد: من هذا؟ قال: هذا فارس الخوري.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وعلّق الأستاذ العقاد على مقالتي فقال: ومن أصغى إلى هذا الخطيب المطبوع وهو يتكلّم عَلِمَ أنّ أداة البيان قد تَمّت له لفظًا وحسًا كما تَمّت له بداهة ومعنى، فصوته من تلك الأصوات الغنيّة كما يقولون في اللغات الأوربية، لا تحسّ فيه جهدًا ولا حاجة إلى جهد لأنه يملأ عليك جوانب السمع، كأن له عشرة أصداء تتكرر معه كما قال الأستاذ الطنطاوي في وصفه.
* * *
وكنت قد سمعت باسم فارس الخوري قبل ذلك بزمان، من سنة ١٩١٩، وكنت تلميذًا في السنين الأواخر من المدرسة الابتدائية وكان هو علَمًا من أعلام السياسة وكان وزير المالية، وكان قبل ذلك (أي سنة ١٩١٢) نائبًا عن دمشق في مجلس المبعوثان (جمع فارسي لكلمة مبعوث)، أي مجلس النوّاب العثماني، وعُيّن بعد الحرب أستاذًا في معهد (أي كلية) الحقوق.
ومرّت الأيام، واشتغلت بالسياسة كما عرفتم، وصرت واحدًا من قادة الطلاّب، وكنت محرّرًا في «الأيام»، جريدة الكتلة الوطنية التي كان الطلاّب وكان الشباب يأتمرون بأمرها ويعملون بقيادتها، وكان في دار الأيام بهو يجتمع فيه (كما سبق القول) رجالها؛ هناك عرفت فارس الخوري كما عرفت هاشم الأتاسي وشكري القوّتلي وسعد الله الجابري ولطفي الحفار وجميل مردم وزكي الخطيب وعفيف الصلح وفخري البارودي وإخوانهم. وكنت إذا احتاجوا إليّ دعوني فحضرت طرفًا من مجالسهم التي
[ ٢ / ٢٠٩ ]
يبحثون فيها بعض شؤون الطلاّب أو يكلفونهم بشيء أحمله أنا إليهم لتنفيذه.
عرفت فارس الخوري من قرب فرأيت فيه رجلًا وديعًا ظريفًا حليمًا واسع الصدر، ولكنه كان -مع هذا كله- هائلًا مخيفًا؛ تراه أبدًا كالجبل الوقور على ظهر الفلاة، لا يهزّه شيء ولا يُغضبه ولا يخرج به إلى الحدّة والهياج. يدخل أعنف المناقشات بوجه طلق وأعصاب هادئة، فيسدّ على خصمه المسالك ويُقيم السدود، من المنطق المحكم والنكتة الحاضرة والسخرية النادرة والعلم الفيّاض والأمثال والحِكَم والشواهد، يرقب اللحظة المناسبة، حتى إذا وجدها ضرب الضربة الماحقة وهو ضاحك، ثم مدّ يده يصافح الخصم الذي سقط. لا يرفع صوته ولا يثور ولا يعبس ولا يغضب، ولكنه (أيضًا) لا يفرّ ولا يُغلَب. وما رأيته -على طول ما صحبته- يناقش أحدًا إلاّ شبّهته بأستاذ يناقش تلميذًا مدلَّلًا غبيًا، فأنت تلمس في لهجته ولحظته وكلمته وبسمته صبره عليه، وتملكه منه، وإشفاقه عليه!
ثم كنت تلميذه في كلية الحقوق، وكان يدرّس «علم المالية» و«أصول المحاكمات المدنية»، يلقي درسه إلقاء لا تدري أأنت تعجب وتطرب لفصاحة نطقه أم لغزارة علمه، إلقاء غير محتفَل به ولا متجمَّع له. وكانت له عادة (لازمة) هي أن يأخذ قلمًا رصاصيًا طويلًا (مَرسَمة) فيقيمه على قاعدته وهو يسقط وهو يداريه ويعاوده حتى يستقرّ ولا يكاد، كأنه يكره أن تبقى يده بلا عمل فهو يشغلها به، أو كأن هذا الدرس لا يستحقّ انتباهه كله ولا
[ ٢ / ٢١٠ ]
يملأ هذا الرأس الكبير، فيأخذه على أنه لهو وتسلية! على أن هذا (وإن فعله أستاذنا) ممّا لا يحسن بالمعلم لئلا يسرق انتباه الطلاّب بما يصنع عمّا يقول، كما لا يحسن به أن يكون في هيئته أو في لهجته شيء غريب يشغل به الطلاّب عن درسه.
وكنا نورد عليه في آخر الساعة أسئلة من كل فن ومشكلات في كل موضوع، فيجيب عنها كلها بتحقيق العالِم أو نكتة الأديب. ومن أجوبته الحاضرة ونكته السائرة أن طالبًا (ثقيلًا) سأله: ما فائدة هذه الحروف اللّثَوية، ولماذا نقول ثاء وظاء فنخرج ألسنتنا ونُضطرّ إلى هذه الغلاظة؟ فأجابه على الفور (وأنا أسمع)، بل لقد أجابه قبل أن يتمّ سؤاله: لا فائدة لها أبدًا، وسنتركها فنقول: «كسّر الله أمثالك». فسكت الثقيل خزيان.
ومن عجائب حلمه وسعة صدره ووقاره الذي لا يزلزله شيء أني أقبلت عليه مرة بعد الدرس (وكانت لي عليه جراءة) فقلت له أمام الطلاّب: يا أستاذ، ما هذا القرار السخيف الذي وضعَته البلديّة لتقسيم أرض الدرويشية؟ (وكانت الدرويشية حيًا من أبهى وأغنى أحياء دمشق هدمَته مدافع الفرنسيين وأحرقَته نارهم، وبقي أنقاضًا إلى ذلك اليوم. وفي كتابي «دمشق» قصّة عنوانها «في خرائب الدرويشية»). وقلت له: أليس من العار أن يصدر عن بلدية دمشق مثل هذا الجهل وهذا الظلم وهذا الـ في عشر مترادفات من هذا النمط ساق إليها نزق الشباب. فلما انتهيت منها قال لي والابتسامة لم تَمّحِ عن شفتيه: "أنا الذي وضع صيغة هذا القرار". وراح يشرح لي مزاياه، ولكني لخجلي لم أستطع أن
[ ٢ / ٢١١ ]
أستوعب ما قال.
وخرجت من الكلية، فكنت ألقاه في الترام أو ألمحه في الطريق، فأجد من إيناسه لي وسؤاله عني ما يملأ نفسي شكرًا. وهذه مزيّة من مزاياه، يشعر كل من يلقاه أنه صديقه الأوحد وأنه أقرب الناس إليه، وأنه لا يشتغل إلاّ بذكره ومعرفة أمره.
وكنت أزور أستاذنا محمد كرد علي في المجمع فألقاه مع من كنت ألقى فيه من أعضائه، وهو من أكبرهم، فأراه أحيانًا في مناقشات أدبية أو لغوية. فإذا هو في مجال العلم والحفظ كما كان في مجال الرأي والفكر، وإذا هو متسلط غالب في مصاولات اللغة والأدب كما كان المتسلط الغلاّب في مصاولات السياسة.
ومرّت الأيام وصار رئيس مجلس النواب، فكانت رياسته عجبًا من العجب. وكان الوافدون على دمشق إذا رأوا آثارها ووعوا مآثرها طلبوا أن يروه في المجلس ليحدّثوا قومهم إذا رجعوا إليهم بجليل ما رأوا. كان النوّاب بين يديه (ولا مؤاخذة يا سادتي النوّاب) كالتلاميذ، بل إن أكثرهم كانوا تلاميذه فعلًا، وكان يصرّفهم تصريفًا لا يوصَف ولا يثبت على الورق، وما هم بالذين يسيَّرون أو يُصرفون، وإن فيهم لَكلّ باقعة داهية ذرب اللسان حديد الجنان، آفة من الآفات يطيح بالحكومات وينسف الوزارات، ولكن الحدَأة تسطو على العصافير فإن قابلَت النسر المَضْرحيّ عادت هي عصفورًا.
وكانت تشتبك الآراء وتتداخل المقترحات وتشتدّ المنازعات وتثور الحزبيّات، فما هي إلاّ أن يتكلم ويلخّص الموقف ويفسّر
[ ٢ / ٢١٢ ]
الأقوال ويبيّن المقاصد حتى يقرّب البعيدَين ويجمع الشتيتَين، ويصبّ على جمرات الغضب سطل ماء، ويستلّ الرأي الموافق من بين الآراء المتشابكة سَلّ الشعرة من العجين ويعرضه للتصويت. وكان له في هذا العرض «فن» يستطيع به أن يجعل التصويت ينجلي عن الموافقة أو عن الرفض، تنبّهت إليه فكتبتُه، فلقيَني لمّا قرأه فقال لي وهو يضحك: يا عفريت! كيف أدركت هذا؟
وهذا الذي أدركتُه وكتبتُه قبل أن يتنبّه الناس إليه هو أن في النوّاب من لا يعمل شيئًا، حتى إنه لا يرفع يده عند «التصويت». وكان يعرفهم، كل عملهم حضور الجلسات صامتين وقبض الرواتب صامتين. فكان إذا أراد لمشروع أن يفوز قال: المخالف يرفع يده، فيكونون بذلك مع الموافقين، وإذا أراد له أن يخسر قال: الموافق يرفع يده، فيكونون مع المخالفين!
وغضب مني مرة سعد الله الجابري، وكان رئيس الوزراء، ونسب إليّ أني أحرّض عليه. وهو رجل حلبي لا يعرفني، فاضطُررت أن أستشهد بعضَ من يعرفني من رجال الكتلة، فما رأيت أقرب إليّ من فارس بك. وكان رئيس المجلس وقُطْب رحى السياسة كلها، وكان كثير المشاغل ضيّق الوقت، ولم يكن بُدّ من أن أسأله موعدًا، ولكني كنت في عجلة من أمري فذهبت إليه بعد العصر في ساعة ينام فيها أكثر الناس، فحاول الشرطي أن يردّني فنهرتُه ورفعت صوتي، فسمعني وخرج إليّ مبتسمًا بثياب التفضّل (أي ثياب البيت) وقال له: هذا الشيخ علي، ألا تعرفه؟ إنه دائمًا مشاغب!
[ ٢ / ٢١٣ ]
وكنت أُدعى الشيخ عليّ من يوم كنت في آخر الثانوية. وأدخلني فرأيت المنصب لم يبدّل منه شيئًا؛ إنما يبدّل المنصبُ من يكون أقلّ منه فيكثر به، لا من كان في نفسه أكبر من المناصب كلها. وقديما قيل: السنبلة المملوءة بالحَب تحني رأسها، أما الفارغة فترفعه.
ودخلت عليه مكتبه مرّات لا أحصيها وهو رئيس الوزراء، فما وجدت إلاّ أستاذنا فارس الخوري، الأستاذ العالِم الأديب الحاضر الجواب الصائد النكتة. وكنت أظنّ أني سأجد دولة الرئيس فارس بك الذي لا يُكلَّم إلاّ بعريضة ولا يخاطَب إلاّ بالمُصطلَح (أي البروتوكول الذي كان يُدعى المصطلح).
وهو واحد من أعضاء «مجلس الشيوخ». لا أعني المجلس الذي يكون حيال مجلس النواب، فليس عندنا في سوريا مجلس شيوخ أو مجلس أعيان كما يُدعى في بعض البلدان، بل هو مجلس غير رسمي كان يجتمع فيه بعض شيوخ السن الذين تعتزّ بهم دمشق، والذين إن فاخرت إنكلترا بتشرشل في السياسة وعمله مثل عمل الشباب وهو في سن الشيخوخة أو ببرنارد شو في الأدب فإن كل واحد من هؤلاء كان لنا تشرشل وشو؛ أكثرهم كان يحضر هذا المجلس وقلّة منهم لم تكُن تحضره، لا نفخر بأنهم لبثوا شبابًا وهم شيوخ، بل بما جمع الله لهم من العلم والعقل والفضل (وسأتكلم عنهم إن مدّ الله في الأجل وزاد في القوة).
لقد شهدَت صحف الدنيا سنة ١٩٤٧ بعبقرية فارس
[ ٢ / ٢١٤ ]
الخوري، ورأت فيه شخصية ضخمة لا توزَن بها الشخصيات؛ حمل أعباء رئاسة مجلس الأمن فكان من أفضل رؤسائه وأقواهم، هذا وليس وراءه جيش جاءت منه هيبته ولا قنبلة ذرية قامت عليها سطوته، ما وراءه إلاّ دولة صغيرة كبّرَتها عبقريته، ضعيفة قَوّتها شخصيته، حتى كان صوتها أعلى الأصوات وكلامُها أبلغَ الكلام.
ولقد عجب الذين لا يعرفونه لمّا قرؤوا في الأخبار أنه لم يقرأ خطبته من كتاب ولا تلاها من ورقة بل ارتجلها ارتجالًا، ولم يكن في يده إلاّ بطاقة نظروا فيها لمّا انتهى فإذا كل الذي فيها خرابيش بقلم الرصاص، قال النقراشي إنه رآه وهو يخطها فحسب أنها مذكّرات له في مسائل عادية من مسائل الحياة اليومية، فلما رأى أنها هي الخطبة العظيمة التي هزّت أكبر هيئة دولية في الأرض بلغ عجبه منه وإعجابه به أبعد المدى.
أما نحن فلم نَعجب لأن الشيء من معدنه لا يُستغرب، وهذا الرجل الذي بدأ يتعلم الإنكليزية وينبغ فيها قبل أن يُولَد أكثر أعضاء الوفد المصري في مجلس الأمن، والذي أعطاه الله هذا الذهن فجعله لغويًا أديبًا شاعرًا حقوقيًا مشاركًا في كل فروع العلم، وأمدّه بمنطق سديد وعقل نادر المثال، ورزقه ذكاء ما أعرف أحدّ منه ولا أمضى، وبديهة غريبة، وجعل له مع هذا كله هذا الرأسَ الكبير وهذه الشيبة المهيبة، وهذا الصوت المدوّي المليء بالعظمة والثقة بالنفس، وهذا الصدر الواسع، وهذا الحلم مع القوة، وهذا الحزم بلا عنف هذا الرجل لا يُستكثَر عليه أن يرتجل خطبته بالإنكليزية وأن يكون لهذه الخطبة أثرها في مندوبي
[ ٢ / ٢١٥ ]
أكبر دول الأرض. وهو يخطب مثلها أو أبلغ منها في التركية والفرنسية، أما العربية فقد كان من أساطينها.
* * *
وبعد، فلا يحسب القارئ أني غلوت أو بالغت، فما ذكرت إلاّ ما أعرفه حقًا. وما في الأمر مجال لرغبة تدفع للمدح ولا رهبة تمنع من القدح؛ فأنا لا أرهب الرجل ولا أخافه ولا أرغب في شيء منه ولا أطمع فيه، وربما لم يقرأ هذه المقالة ولم يطّلع على هذا العدد من الرسالة، ولكنْ حسبي أني شاركت في تاريخ واحد من نابغينا. وأقول الآن إنه إن انفرد فارس الخوري بهذه الصفات فإن مظاهر العظمة لم تجتمع كلها فيه، وإن عندنا في تاريخنا القريب كثيرًا من العظماء إن لم يكونوا مثله في بابَته (١) فليسوا دونه في منزلته ولكن في بابة أخرى، ولا يمنع نبوغُ الطبيب العبقري في طبه نبوغَ المهندس العظيم في هندسته، وتاريخنا القريب كتاريخنا البعيد، كالغابة المزدحمة بعمالقة الأشجار، تختلف في أنواعها ولكن تتفق في رسوخ أصلها وضخامة جذعها وامتداد فروعها وطول عمرها.
إنه أخصب تاريخ في الدنيا وأحفله بالعظماء، ولكن عيبنا أننا لا نعرف تاريخنا ولا نقدّر عظماءنا، ونتسابق إلى اقتناء الزجاج من عند غيرنا ونزهد بالألماس الذي تفيض به خزائننا. فيا أيها الشباب، لا يخدعْكم زجاج غيركم عن حُرّ جواهركم!
* * *
_________________
(١) يقول العرب: «هذا من بَابَة فلان» إذا كان من أشكاله ومن أمثاله.
[ ٢ / ٢١٦ ]
-٥٥ -