لقد كانت أيامي في سلمية قليلة ولكنها جميلة؛ كانت كأنها حلم قصير تصحو وفي قلبك حلاوته، ولكنك إذا جئت تحدّث به وجدته قد تَفلّت منك كأنه كرة مدهونة بالزيت أو كأنك كنت قابضًا على الماء. ولا تحسبوا أني عشت فيها في مثل نعيم الجنّة، فما كانت سلمية جنة ولا كانت قطعة من لبنان أو من الزّبَداني وبْلودان، ما كان فيها الينابيع الصافية والسواقي الجارية والقمم العالية تشرف على الأودية المسحورة التي تتلوّى: تبين وتخفى، تجري في قرارتها الجداول والأنهار وتقوم على حفافيها الأشجار، فيها الثمار أو الزروع الحالية بالأزهار. ما كانت سلمية إلا قرية في صحراء تقوم على طرف بادية الشام، التي تبدأ من حيث تنتهي هذه القرية ولا تنتهي إلا حيث تبدأ أرض العراق ويبدو «السواد» في الطريق إلى بغداد، فما الذي جعلني إذا ذكرتُها حننت إلى أيامي فيها وأنست بذكراها؟
أنا اليوم -بحمد الله- أحسن حالًا وأكثر مالًا وأروَح بالًا، وأوسع ذكرًا وأعلى اسمًا، فلماذا لا أستمتع بما أنا فيه من نِعَم
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وأرى تلك الأيام كأنها من بهجتها الحلم؟
ذلك لأني أرى اليوم الدنيا بعين الشيخ المودّع وقد كنت أراها بعين الشابّ القادم، وكم بين لقاء القدوم واجتماع الوداع! الشابّ يحيا بالأمل وهو في غمرة الألم، لا يرى الشجرة العارية في قلب الشتاء بل يبصر البراعم والزهور التي سوف يكسوها بها الربيع، والشيخ يبصرها في الصيف لابسة ثوبها الأخضر متوّجة رأسها بزهرها الأصفر والأحمر، فلا يرى فيها إلا خشبها وحطبها حين يحلّ بها الشتاء فيجرّدها من ثوبها.
لقد أدركني شتاء العمر الذي لا ربيع بعده إلا ربيعًا دائمًا لا أستحقّه بعملي وأطمع فيه برحمة ربي.
* * *
لقد تركتكم على باب الفندق، وليس فندق شيراتون أو الهيلتون اللذين سمعت بهما ولا أحبّ والله أن أُضطرّ إلى دخولهما، بل كان شيئًا يشبه الفنادق، غرفًا فيها أَسرّة وكراسي وفيها شيء من الطعام والشراب. وقد قلت إني لا أحب دخول الفنادق وأحسّ فيها كأني ضائع، لأن أكثر هذه الفنادق الكبار تقوم في بلادنا وكأنّ الداخل إليها قد خرج من بلادنا، فلا العادات فيها عاداتنا ولا طعامها طعامنا، بل إن لسان أكثر أهلها غير لساننا (١). وأنا أكره الفنادق من شبابي ولكني صرت الآن أشدّ كرهًا لها، بل إني صرت إذا بتّ عند بنتي لم أنَم ليلتي الأولى؛ لم أعُد أستطيع
_________________
(١) انظر مقالة «في الفندق» في كتاب «مع الناس» (مجاهد).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
أن أبدّل عاداتي في شرابي وطعامي ومنامي وقيامي، لأنها كانت مثل الغصن الليّن تلويه فيلتوي فصارت مثل الحطبة اليابسة إن حاولت ليّها (أي لوْيها) كسرتَها.
لقد قضيت ليلتي الأولى في سلمية (كما أقضي مثلها في كل مكان خارج بيتي) ساهرًا، لم أنَم إلا غفوات تُتعِب ولا تُريح، وقمت مصدّع الرأس. ولكن تحمّل الشباب، والبلد الجديد الذي جئته في سواد الليل وأحبّ رؤيته في بياض النهار، والعمل الجديد، كل ذلك أنساني تعبي وجدّد لي نشاطي.
وجاء المدير. وقد قلت لكم إنه كان أستاذنا في المدرسة الابتدائية، لم يعلّمني ولكنْ علّم الطلاّب الذين كانوا أصغر مني، وهو الرجل الصالح الفاضل حقًا بكر الأورفلي. وكنا على طريقة الأتراك ننطقها «باكير»، و«الأورفة لي» نسبة إلى «أورفا»، وهي التي كانت تُسمّى قديمًا «الرُّها» ولها ذكر في الفلسفة. أما اللام (أورفلي) فهي لام النسب في التركية، وإنْ نسبوا إلى الصناعات جعلوا مكانها جيمًا.
وكانت المدرسة في ظاهر البلد قائمة وحدها في خلاء من الأرض. ووجدنا المعلّمين واقفين لاستقبالنا، والتلاميذ يزيدون على الثلاثمئة مصطفّين ليروا المعلّم الجديد الذي جاءهم في آخر العام الدراسي بدلًا من «فلان أفندي» الذي كانوا يشكون من قسوته وضعف مقدرته وما يزعمون من سوء سيرته. فلما وصلنا إليهم هتفوا مرحّبين، ثم أنشدوا «نشيد الاستقبال» كأني قائد عاد من المعركة بالنصر!
[ ٢ / ٢٤٧ ]
ستتصورون أني زهيت بهذا الاستقبال ونفشت ريشي ونفخت صدري. أنا (لا أكذبكم) أُسَرّ بمثله، ولكن ضيقي به وخجلي منه يغلب مسرّتي به. إنه -والله- من أصعب الأشياء عليّ، وطالما فررت من مثله وارتكبت حماقات لا يسيغها العرف ولا يرى لها الناس تبريرًا، بل إني أعجز أنا عن تبريرها ولكني لا أستطيع تركها.
ودخلنا المدرسة، وعرض عليّ الإخوان المعلمون ما أشاء من المواد لينزلوا لي عنها، كأنها كلية في جامعة وليست مدرسة ابتدائية في بُلَيدة هي أقرب إلى القرية! فاخترت أقرب المواد إلى الأدب: الكتابة والخطابة والتاريخ. وكنت من حماستي وممّا وجدت من ذكاء التلاميذ وحُسن استجابتهم ورغبتهم في الاستفادة والتحصيل، كنت أريد أن أجعل منهم كتّابًا وخطباء. وجعلت من دروس التاريخ محاضرات وطنية لا مجرد معرفة بأحداث الماضي وتحليل لها وبحث عن أسبابها واستفادة من نتائجها، وكانوا في الواقع أذكياء جدًا، لكن التاريخ تاريخ فرنسا لا تاريخ الإسلام ولا تاريخ العرب.
وهذه سُنّة المستعمرين في كل زمان وكل مكان؛ يعمدون إلى الصغار الذين لا تزال عظامهم طريّة وسرائرهم نقية، وهم مستعدّون لقبول كل ما يُلقى إليهم، فيربّونهم على ما يريدون هم لا على ما يريد لهم دينهم ومصلحة بلدهم، يأخذونهم عجينة فيشكّلونها على الشكل الذي يعجبهم ثم يخبزونها في أفرانهم! وقد جروا على هذا لما جاؤونا «مبشّرين» (أي مكفّرين ومنصّرين)
[ ٢ / ٢٤٨ ]
فأنشؤوا في قرى الجبل المدارس التي صارت من بعد الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، وفتحوا المستشفيات يداوون فيها الأجساد ويُمرِضون الأرواح، فلما دخلوا علينا بعد «ميسلون» وصاروا هم المتحكمين فينا وصار إليهم أمرنا أعلنوا خُطّتهم، فبدؤوا بعلوم الدين وهي: التوحيد والتجويد والفقه والأصول والحديث والمصطلح، فجعلوها مادة واحدة سَمّوها درس الدين، وأعطوها من الوقت كالذي يُعطى للرياضة أو الموسيقى أو الرسم!
ثم ربطوا الدروس كلها في السنوات الأولى التي يكون فيها التأسيس والتي تُغرَس فيها في نفوس التلاميذ بذور الكفر أو الإيمان، والصلاح أو الفساد، والفصاحة والبلاغة أو العي والركاكة، فإذا لم يدرس التلميذ فيها قواعد لغته لم يتعلمها أبدًا ربطوها كلها بمعلم واحد، ربما كان نصرانيًا أو كان ملحدًا أو كان مسلمًا بالاسم مهملًا للواجبات مرتكبًا المحرّمات، ومن جملة هذه الدروس درس الدين. وجعلوا الطفل في مدرسة الحضانة يتعلم (ABC) مع (ألف باء تاء)، حتى صار منهم من يُتقن الفرنسية أكثر ممّا يُتقن العربية، وجعلوا الحديث بين الطلاّب في «الفسحة» بالفرنسية، فمن تَكَلّم العربية أُعطي «السينيال»، وهي قطعة من الخشب أو النحاس على مَن يُعطاها أن يراقب التلاميذ حتى إذا رأى متكلمًا بالعربية دفعها إليه، ومتى قُرع جرس الدرس وهي معه ناله العقاب.
وكنا نحن التلاميذ الكبار في أوائل العشرينيات نأبى الحديث إلا بالعربية ونرى ذلك من الوطنية، لذلك كبرت وأنا لا أحسن
[ ٢ / ٢٤٩ ]
التحدّث بالفرنسية، مع أني أفهمها إذا قرأتها وأني درست أدبها مثلما درست أدب العرب.
ومما صنعوه أنهم رفعوا من المنهج تاريخَ العرب والمسلمين إلا ما خافوا من رفعه، وهو كلام موجَز شديد الإيجاز في السيرة وكلام أوجَزُ منه عن الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، أما الشرح والتفصيل والعرض المغري الجميل فلتاريخ فرنسا من عهد الملوك الأوّلين إلى الثورة إلى ما بعدها، حتى صار الطلاّب يعرفون من سيرة لويس الرابع عشر ونابليون أكثر ممّا يعرفون عن عُمَر وخالد! بل إنني أعرف أنا اليوم من ذلك وممّا قبله وما بعده مثل الذي أعرفه من تاريخنا.
* * *
لو كنت أعلَم وأنا معلّم في مدرسة سلمية سنة ١٩٣٢ أني سأُكلَّف الكتابة عنها سنة ١٩٨٣ لقيّدت في دفتري أحداثها وسجّلت مناظرها ولما تركتها تهرب، فماذا أصنع وقد هربَت؟
لم يبقَ لديّ من سلمية إلاّ مشاهد معدودة قد ارتبطت بحادثة أو بمكان أو بنغمة. نعم، إن من الذكريات ما يرتبط ببعض النغمات. كنت أسمع وأنا في الفندق أغنية لأم كلثوم لا أحفظ منها إلاّ كلمات «مين بحبه شاف هنا زيي أنا» من تلحين زكريا أحمد. وقد لحّن لأم كلثوم كثير ولكن أطرب ما غنّته ما لحّنه الشيخ زكريا. والفنّ غير الطرب، قد يكون معه وقد يفارقه، والطرب ذكريات قديمة مدفونة في أعماق العقل الباطن، لذلك يكذب من يدّعي أنه يطرب للغناء الإفرنجي بمجرد أنه أقام سنوات هناك. قد
[ ٢ / ٢٥٠ ]
يُعجَب به ولكن لا يطرب، أو تذكّره الأغنية المكان الذي سمعها فيه والناس الذين كان معهم والشعور الذي كان يشعر به، وهذا كله غير الطرب. نحن نطرب للأغنية «الفولكلورية»، أي التي صارت ملكًا للناس كلهم ونُسي واضعُ لحنها، كالعتابا في الشام، ونخلتين بالعلالي في مصر، والأبوذية في العراق ومن الأغاني ما ينتشر ويأتي على كل لسان وما هو من «الفولكلور» كأغنية «يا مال الشام يا الله يا مالي»، فهي لأبي خليل القباني.
لم يبقَ في ذهني من أغنية أم كلثوم إلا هذه الكلمات، ولم أحب أن أبحث عنها وأعرف مطلعها لئلاّ أفسد هذه الصورة الحلوة التي بقيت لها في ذاكرتي. أما النغمة فإن لي أذنًا واعية، ما سمعت نغمة مرتين إلا حفظتها. قد لا أستطيع أن أؤدّيها ولكني أميزها، لذلك قلت وأصرّ الآن على ما قلت: إن لحن «بلادي بلادي منار الهدى» الذي يقول «فلان» إنه له، هذا اللحن بذاته أحفظه من أكثر من نصف قرن، وكثير من المصريين يحفظونه، وكلماته معارضة لأنشودة مصطفى صادق الرافعي، وهو غير نشيد «بلادي» المعروف الذي وضع لحنَه سيد درويش. قلت هذا لكن ما أَحَبّ أحدٌ أن يصدّق ما قلت، وجاؤوا بشهود (عدول!) فشهدوا أن اللحن الذي أحفظه من خمسين سنة هو لهذا الملحّن الشاب إلا أن الملحن الأول سرقه منه من قبل أن يولَد!
* * *
وارتجّت البلدة يومًا وازدادت فيها الحركة، وظهر فيها الاستعداد ليوم لا تشبهه الأيام، حرّك الساكن وأظهرَ الكامن
[ ٢ / ٢٥١ ]
وبعث الروحَ في بلدة كادت من الركود تفقد الروح، فزُيّنت دار الحكومة ورُفعت على المنازل والدكاكين الأعلام، ودرّبوا الطلاّب والشباب على التحية والسلام.
قلت: ما هذا؟ قالوا: إن مؤتمر العشائر (أو اجتماع رؤساء العشائر، نسيت ماذا كان اسمه) سيُعقد هنا.
وكان الفرنسيون (على عادة كل مستعمر وكلّ عدوّ، والإسرائيليين الأشرار الآن في لبنان) يفرّقون الناس، يجعلون الأمة الواحدة أممًا والدولة دُويلات، لذلك جعلوا للعشائر من بدو الشام قانونًا خاصًا يمتازون به عن الشعب المحكوم بالقانون العامّ، أحيوا فيه أعرافهم وثبّتوا عاداتهم وجعلوا لهم حُكّامًا من أنفسهم. لا حبًا بهم ولكن فصمًا لهم عن جسم أمتهم وإقامة كيان لهم خاصّ بهم.
وكانت أكبر القبائل عندنا «الرولة» (١)، وهم فرع من عنزة، وعنزة بن أسد من ربيعة (ومنهم آل سعود الكرام)، وكان شيخ مشايخ الرولة نوري الشعلان. ولما كانت الجزيرة مقسّمة «في كل ناحية ملك وسلطان»، وكان ابن سعود في نجد (بعد توحيد نجد) وابن الرشيد في حائل، كان النوريّ في «القُرَيّات» وكانت له فيها شبه دولة. ولا يعرف مبلغ ما وفق الله إليه عبد العزيز من توحيد الجزيرة وإقامة هذه المملكة، التي أكرمها الله فجعل لها بين الدول وزنًا راجحًا ورفعها مكانة عالية، ومنّ عليها بالمال وبنوابغ
_________________
(١) ويدعونها «رْوَلَة» بتسكين الراء وفتح الواو، مع أن العرب الأولين ما كانوا يبدؤون بساكن ولا يقفون على متحرك.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
الرجال حتى طرق أبوابها زعماء الشرق والغرب، لا يعرف هذا إلا من عرف كيف كانت الجزيرة يوم كانت في الرياض دولة، وكان في منفوحة دولة أخرى، وكان بينهما خلاف في المعتقَد ونزاع بالسلاح!
كان نوري الشعلان يومئذ في القريات، ثم استقرّ في عَدْرا (عذراء) وراء الغوطة وبنى في طرف دمشق في بساتينها دارًا واسعة له ومسجدًا ومنازل، وسُمّي ذلك «حيّ الشعلان». ولما توسّعَت دمشق صار في وسطها بعد أن كان في طرفها، ولطالما خطبت في مسجده (أي في جامع الشعلان) ورأيته وسلّمت عليه، وكان داهية مهيبًا، ويقولون إنه كان في شبابه جبّارًا بطّاشًا مخيفًا، عاش مئة سنة إلا سنتين.
وكان يليه من كبار مشايخ العشائر مجحم بن مهيد، وكانت منازله في شرقي البادية ممّا يلي العراق.
اجتمع المشايخ كلهم، وحضر المسيو سولومياك مندوب المفوَّض السامي. والذي يهمني ذكره أن المندوب أو وكيله (نسيت) أعلن أنه سيزور المدرسة، فخرج المدير والأساتذة كلهم وصفّوا التلاميذ لاستقباله من أمام الباب، وظهر هنا شموس طبعي وعنادي فأبيت أن أخرج معهم، ونصحني المدير، وهو أستاذي وصديقي، والإخوان المعلمون وخافوا عليّ، فلم أخرج ولم أدَعْ تلاميذي يخرجون. وكان من تلاميذ الصف الخامس تلميذ ذكيّ جدًا، صار كاتبًا وصار وزيرًا وصار نائب رئيس الوزراء وألّف كتبًا، هو سامي الجندي، ولست أدري أيذكر ذلك اليوم أم نسيه
[ ٢ / ٢٥٣ ]
لأني لم ألقَه بعد تلك الأيام.
بقيت مع التلاميذ في «الصفّ»، فدخل عليّ هو وقائم المقام ومن معه من كبار الموظفين، فهممت بالسلام عليه فأشار إليّ أن أكمل الدرس، ففرّج الله بذلك عني. وكان الدرس (أو جعلته أنا) عن أسباب الثورة الفرنسية، فتكلمت عن حقوق الشعب وعن حرّيته، وعمّن تعدّى على حقوقه واستلب منه حرّيته، وأن الثورة كانت هي الجواب الطبيعي لهذا الظلم وهذا العدوان. وقلت كلامًا لا يختلف إلا قليلًا عمّا كنا نقوله في المظاهرات، ولكنْ لم أخرج فيه عن المنهج المقرّر. وكانوا يترجمون له همسًا ما كنت أقول، وطال وقوفه ولكنه لم يقُل شيئًا، وأشار إليّ أن أستمرّ وخرج.
وكان لهذا الموقف أثر في البلد تحدّث به الناس وبالغوا فيه، وجاؤوا بما لم أقُله يترجمون به عمّا تُكِنّه نفوسهم من حب الحرّية وكره الاستعمار، ونسبوا إليّ بطولة ما كنت صاحبها وبلاغة ما نطقت بها. وخاف إخواني أن ينالني مكروه فلم يكن عليّ شيء والحمد لله.
* * *
ولما رأى المدير أن نزولي الفندق يُتعِبني وأني أبَيت أن أنزل بضيافته في داره اقترح (أو اقترحت أنا، لم أعُد أذكر) أن أنام في المدرسة، فأعدّ لي سريرًا ونضدًا وما أصنع به الشاي، وبتّ فيها، وكان البوّاب ينام فيها في غرفة عند الباب.
لمّا سكن الليل وأحسست بالصمت الكامل جلت حول المدرسة، وكانت ليلة حلوة لا حَرّ فيها ولا برد، وكانت السماء
[ ٢ / ٢٥٤ ]
صافية تتلألأ نجومها كما تتلألأ أضواء الأعراب الذين نصبوا خيامهم حِيال الأكَمة المواجهة للمدرسة، التي تبدو كأنها سفينة أو كأنها موجة في بحر هادئ. أذكر أنها مرّت على نفسي مشاعر ودارت في رأسي أفكار لو أني دوّنتها لو، وما نفع لو؟ إن «لو» تفتح عمل الشيطان.
أذكر أني لمّا تلقيت أمر تعييني في سلمية تألمت وبتّ بليلة نابغية لم يغتمض لي فيها جفن، أفكّر فيما أنا مُقدِم عليه، كيف أُلقي بنفسي في قرية على شاطئ الصحراء لست أدري ماذا ألقى فيها من الآلام ومن سأعاشر من اللئام، فما وجدت إلا مسرّةً وكرمًا من كل مَن قابلت، ولكنّ منبع هذه المسرات هو الأستاذ بكر (باكير) الأورفلي، فإذا قرأ هذه المقالة أحدٌ يعرفه فليخبره أن السنين الطوال لم تُنسِني كرمه وأني لا أزال شاكرًا فضله داعيًا له، وإن كان قد سبقنا إلى لقاء ربه فأسألُ الله أن يرحمه وأن يُسكِنه جنّته، وأن يغفر لي ذنبي لأكون في جواره (١).
لقد كنت أستحي من كثرة ما كان يوليني من الإكرام؛ أخبرتُه عرَضًا أني إن لم أشرب الشاي بعد الطعام فكأني ما أكلت وأن أكلتنا الشامية، أكلة الفقراء (الزيت والزعتر) مع الشاي أفضل عندي من خروف محشوّ بلا شاي. وما كدت أنتهي من كلامي حتى قُرع جرس الدرس فدخلتُ، فلم تمرّ عشر دقائق حتى جاءني فقال: إن زائرًا ينتظرك في غرفتي، فاذهب وأنا أقوم
_________________
(١) قدم مكةَ ولدُه ولكني لم أستطع أن أقوم بحقّه، وترك لي رسالة من مجموعة الرسائل التي بعثت بها إلى أبيه. رحم الله أباه وبارك فيه.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
مقامك. فذهبت فإذا «إبريق» الشاي الأخضر ينتظرني مع كلمات أحلى من سكّر الشاي.
ما كان يؤلمني شيء مثل ألمي لإضاعة سنتي في كلية الحقوق، فقال لي يومًا: إن السيارة مُعَدّة لتحملك إلى حمص، فأِعدّ حقيبتك فستذهب إن شئت إلى دمشق. قلت: وماذا أصنع في حمص؟ قال: إن المفتّش يطلبك.
وكان في دمشق الوزارة وفي حلب دائرة للمعارف، أمّا حمص وحماة فمَردّ أمر مدارسهما كلها إلى مفتّش واحد مقرّه حمص. فكاد العناد يعصف برأسي وأقول: ماذا يريد مني؟ وهل أنا جندي عنده يستدعيني فأذهب ويعيدني فأعود؟ وكدت أرفض، ولكن طيب المدير ولطفه وإخلاصه عقد لساني. وأنا لا أُغلَب إلا باللطف، فإن هوجمتُ وجدت الفرج لأن المقاتلة أهون عليّ من المجاملة. غلبني فقلت: نعم.
وركبت معه إلى حمص، وأنا أسأل طول الطريق عن هذا المفتّش الذي لا أفتأ أسمع من المعلمين ذكره وألمس من حديثهم عنه خوفهم منه، وجعلت أفكّر ماذا يريد مني، وهل أنا ساعٍ إلى هيجاء أم ماشٍ إلى وليمة؟ حتى إذا وصلنا ودخلنا عليه سمعته يقول: هيك (أي هكذا) يا منظوم (وهي كلمة ملاطفة شامية فيها عتاب خفيف) لا تزور أستاذك؟
ونظرت فإذا هو أستاذنا الدكتور صبحي راغب. كنت أعرفه طبيب أسنان في «الجسر الأبيض» في «طريق الصالحيّة»، فلما سافر أستاذانا الدكتوران الكيّال والشمّاع (وكان ثالثهما الدكتور
[ ٢ / ٢٥٦ ]
حسني سبح) لإكمال دراستهما في لوزان سنة ١٩٢٤ أو ١٩٢٥ جاؤونا به ليدرّس لنا، وكانت دراسته في إسطنبول فكانت عربيته مكسّرة، وكنت أصحّح له لغته بطلب منه، وكان يمزح معي ويحبّني. فأنست به لمّا رأيت أنه هو المفتّش، وكان -كغيره من الموظفين- يساير الفرنسيين، لكن ما علمنا منه خيانة ولا انحيازًا إليهم فيه ضرر على الوطن.
وكانت جلسة أستاذ مع تلميذه لا معلّم مع رئيسه. وسألني عن الكلية فخبّرته أني إن لم أذهب لأدفع القسط وأستكمل «الميمات» ضاعت عليّ السنة. قال: هل تكفيك إجازة أسبوع؟ قلت: نعم. فقال للمدير: وماذا نصنع بدروسه؟ قال: أقوم بها أنا.
ولقد كافأت الدكتور (المفتّش) بعد ذلك بإحسانه إليّ؛ ذلك أن القوم ائتمروا به وأقاموا عليه الصحف وأوغروا عليه صدور الرؤساء حتى أُبعِدَ عن عمله، ولم يجد ممّن كان يتردّد عليه ويتزلّف إليه مَن ينطق في نصره بكلمة، فانبريت للدفاع عنه بمقالة كان لها مثل حدّ السيف ومثل حرّ اللهب، وما كذبت فيها وما قلت إلا حقًا، فردّت إليه كرامته وأنعشَت نفسه.
* * *
وجاء يوم العطلة.
وكنا ننتظر هذا اليوم لنودّع فيه أيام الكدّ والتعب ونستقبل أيام الراحة والأُنس، وكنا جميعًا في بهجة، نركب بالمزاح زميلنا
[ ٢ / ٢٥٧ ]
الأستاذ ()، حتى إذا امتلأ صدره ضجرًا منا وامتلأنا ضحكًا معه (لا عليه) ذهبنا إلى إلقاء الدرس الأخير. ثم اصطفّ التلاميذ وخرج المدير يحمل نتائج الامتحانات، يُسعِد بها فريقًا ويُشقي آخرين (وما أسعدهم ولا أشقاهم إلاّ أنفسهم)، فوقف صامتًا وهم ينظرون إليه صامتين، يحدّقون إلى وجهه علّهم يستطلعون الخبر من النظر. ثم نطق فقدم ما شاء من مقدمات، وسَمّى السقوط فائدة لأنه اختبار وتدريب، وأطال المقال وهم يرقبون النتائج، ثم وزّعها عليهم فانصرفوا بين باكٍ حزين وضاحك فرِح. أمّا المعلمون فقد ودّع بعضهم بعضًا ومضى لطيّته (أي لغايته)، ولم تكُن إلاّ نصف ساعة حتى أصبحَت هذه العمارة التي كانت تعجّ بالطلاّب خالية، قد سكنت فيها الأصوات ولم يبقَ فيها إلاّ المدير وأنا والبوّاب.
* * *
[ ٢ / ٢٥٨ ]
-٥٨ -