أرأيت الماء الذي ينزل من الأنبوب قطرة قطرة؟ يملأ كأسك في ساعة. أما إن كان يخرج منه بقوة واندفاع فإن الكأس لا تمتلئ أبدًا، لأن الماء ينبو عنها ويتطاير منها فلا يستقرّ منه شيء فيها.
هذا مثالي لمّا قعدت أكتب عن المدرسة التجارية وحين أقعد الآن لأكتب عن مكتب عنبر. كانت ذكرياتي هناك قليلة فلم أجد منها ما يصلح لمقال، وهي اليوم كثيرة جدًا لا أدري ما الذي أدعه منها وما الذي أختاره لهذا المقال.
مكتب عنبر في دار شامية جميلة، في مدخلها رحبة فسيحة فيها شجرات كبار، حولها رواق تحته مقاعد، وكنا نلعب في وسط الرحبة أو نستريح على المقاعد من حولها. فإذا جُزْتها رأيت الدار في صدرها الإيوان قد ازّيَّنَت جدرانها بعبقري النقوش والألوان، قد قام من حول بركتها «الشمشير» وعرّشت على جدرانها دوالي العنب تبلغ السطح، والياسمين والملّيسا وأبهى وأعطر ما خلق الله من النبات، فتحسّ حين تدخلها أنها تضحك لك.
لقد درت غرفها كلها وأبهاءها، لأن كل غرفة منها لطلاب
[ ١ / ١٤٥ ]
صفّ من الصفوف، فلي في كل غرفة منها ذكرى وفي كل زاوية قطعة من حياتي التي ذهبَت ولن تعود.
فما الذي أستطيع أن أذكره الآن؟ وما أذكره كيف أقدر أن أُثبِته على الورق؟ إن أجمل آثار الكاتب أو الشاعر هي التي لم يكتبها. ومتى كانت الكلمات تسع العواطف والأفكار؟ بل متى كانت تسجّل كل مشاهد الكون، فضلًا عن مشاعر النفوس؟ أتقدر أن تسجّل ألوان الغروب حتى لا يفوت قارئ قصيدتك -أيها الشاعر- أو ناظر لوحتك -أيها الرسّام- شيء منها؟
كم قال الشعراء وكم كتب الكتّاب في الحب! فهل أحاطوا بمعاني الحب؟ هل أدركوا أسرار الجمال؟ هذه الكلمة المؤلَّفة من حرفين اثنين: الحاء التي تعبّر عن الحنان، والباء الساكنة التي ترى الفم وهو ينطق بها مجموع الشفتين كأنه متهيّئ لقبلة! هل تحيط كلمة «الحب» بكل أشكال الحب؟ الأم تحب ولدها، وهذا يحب من الشعراء البحتري، والثالث يحب من البلاد مكة، والرابع يحب ركوب البحر، والخامس يحب الفول المدمّس بالزيت لا بالسمن، وقيس يحب ليلى أفهذا كله «حب» واحد؟ وحب الله الذي هو جوهر الإيمان، أترونه يشبه ما ذكرت من أنواع الحب؟
والجمال؟ جمال الطبيعة، وجمال البلاغة، وجمال الشيخ الوقور، وجمال المرأة الحسناء، هل هو «جمال» واحد؟ ولو جئت بمئة جميلة لوجدت مئة جمال، كلٌّ له طعم وكلٌّ له لون وكلٌّ من نوع، وما عندنا لهذا كلّه إلاّ كلمة واحدة. لذلك نعمد
[ ١ / ١٤٦ ]
إلى الأوصاف فنقول: هذا جمال وديع وهذا وحشي وهذا ما لست أدري.
إن لغات الأرض تعجز عن التعبير عن مشاعر النفوس، فكيف نريد منها أن تعبّر عن عالَم «ما وراء المادة»، عن «عالم الغيب»؟
عفوكم يا أيها القرّاء، لقد ذهبت مع خواطري وابتعدت. لقد ابتعدت كثيرًا عن موضوعي.
* * *
سألني الإخوان عن «عنبر» هذا الذي سُمّيت باسمه هذه المدرسة العظيمة، التي كانت وحدها فصلًا كاملًا من تاريخ الشام الحديث. ما عنبر هذا؟ فضحكت، لأن عنبر لم يكُن عبقريًا ولا عظيمًا، بل هو اسم الرجل الذي بنى هذه الدار. وهكذا ترون أن الشهرة وبقاء الاسم ليسا دليل عظمة الرجال.
في جدّة حيّ من أفخم أحيائها الجديدة اسمه «حي عُنَيكش»، فاسألوا مَن عُنيكش الذي كرّمناه فسمّينا باسمه حيًا كاملًا، والناس إن كرّموا عظيمًا سمّوا به شارعًا واحدًا؟ وباب إبراهيم من أشهر أبواب الحرم، ما سُمّي باسم سيدنا إبراهيم الخليل (كما ظن من أطلق اسمه على الشارع) بل باسم خيّاط كانت دكانه عند هذا الباب! وأميركا، ما سُمّيت باسم كريستوفر كولومبس الذي اكتشفها بل باسم بحّار اسمه أميركو فيسبوتشي، كان من أوائل من أبحر إليها بعد اكتشافها بخمس عشرة سنة!
[ ١ / ١٤٧ ]
أتسمّونها مصادفات؟ أم هي حظوظ؟ أم دليل على أن الشهرة ليست مقياس عظمة الرجال؟
* * *
لمّا أرسل إليّ الأستاذ ظافر أصول كتابه «مكتب عنبر» لأكتب مقدمته كنت في الرياض، في أول سنة قدمت فيها المملكة (هذه القَدْمة الأخيرة سنة ١٣٨٣هـ). تركت محكمة النقض (وكنت مستشارًا فيها) وجئت. ولم أكُن أعرف أحدًا ولا يكاد يعرفني أحد، فكنت من السأم والمَلال كمَن كان في ظلام السينما فطلع عليه الفِلم يعرض صور عالَم كان يومًا دنياه وكانت فيه حياته.
لقد حرّكَت تلك الأصول سواكنَ نفسي وبعثَت لي أحداث أمسي، وهزّتْني هزًا حتى لقد أحسست كأنْ قد عادت لي مَواضي أيامي. وهل تعود الأيام الماضيات؟ لا، ما تعود، ولكنْ أنا الذي عاد إليها على جناحَين من ذكرى وخيال، لأدخلها مرة ثانية فأعيش فيها في حلم ممتع فنان.
إن مدرّسي الإنشاء ومخبري الصحف ومذيعي الإذاعة لا يكادون يلقَون أحدًا حتى يسألوه: ما هو شعورك؟ كلمة تُقال وتُردَّد، لا السائل يدري عمَّ يَسأل ولا المسؤول يدري بمَ يجيب؟
ولكني إن سُئلت عن شعوري وأنا أتحدث عن مكتب عنبر -بعدما فارقته من ثلاث وخمسين سنة- لقلت إنه كشعور البدوي العاشق، الذي طالما أنس بلقاء المحبوب على غفلة الرقيب في ظلال الخيمة المنفردة ساعة الأصيل، وعلى طرف الغدير الصافي
[ ١ / ١٤٨ ]
عند العشيّة، وعلى سفح التل القريب في ضوء القمر والليلُ يغلّف بسكونه همسات الغرام، ليالي المُنى ماثلات أمامه لمّا رأى حبيبه معه، واللذائذ كلها في يديه، وماضيه ومستقبله قد احتوتهما اللحظة الحاضرة فلم يعُد يذكر ما كان ولا يفكّر فيما يكون وكذلك يصنع الحبّ بالمحبّين.
ثم يتفرق الشمل الجميع، وينأى الحبيب القريب، ولا يبقى من هذه الحياة إلاّ «الأطلال» المواثل في القَفرة الخالية، قد جفّ الغدير وهُدّت الخيام ورحل الأحبّة.
ماذا يكون شعور هذا «البدوي العاشق» حين يجيئه من يحمل إليه رسالة من لَيلاه (ولكل محب ليلى) فيها وعد باللقاء وبشارة بالوصول؟ كذلك كان شعوري. غير أن البدوي يأمل أن يرجع إليه الحبيب وتعود أمسيات اللقاء، وأنا أعيش بلا أمل ولا رجاء.
وهل يعود لي أمسي الذي مضى وشبابي الذي ولّى، ورفاق الصبا وإخوان الصفا، حيث كنا نعيش في دنيا لا تعرف الغش ولا الخداع ولا زيف الصداقات؟ تلك حياة الطفولة الطاهرة، فهل تعود؟
وليسَت عشيّاتُ الحِمى برواجعٍ عليكَ ولكنْ خلِّ عينيكَ تدمَعا
كان موعد دخولي مكتب عنبر -كما قلت لكم- هو سنة ١٩٢٠، ولكني لم أدخله إلاّ بعد ذلك بثلاث سنين. ما قصّرت عنه سني ولا عاقني عنه كسلي، ولكن طال إليه طريقي.
[ ١ / ١٤٩ ]
إني لأذكر من رفاقي فيه سعيد الأفغاني، وهو اليوم مرجع في قواعد اللغة العربية نحوها وصرفها، وإن كان أبوه على -صلاحه وتقواه- لا يحسن العربية. وما هذا عجبًا؛ فإن سيبويه شيخ النحو ومؤلف «الكتاب» كان فارسيًا (وإن كان كتابه معقودًا أكثره بلفظ رجل عبقري كان من أذكى أذكياء البشر هو الخليل)، وشيخ الفقه أبو حنيفة كان فارسيًا، وشيخ الحديث البخاري، وشيخ الشعراء المولَّدين بشّار، وأقوام لا يحصيهم العدّ.
ومن رفاقنا الشعراء: أنور العطار، وأبو سلمى، وزكي المحاسني، وجميل سلطان. وممّن كان سابقًا لنا سليم الزركلي، وممن جاء بعدنا أمجد الطرابلسي.
ومن رفاقنا الأطباء: منير شورى، وبشير العظمة، ورشاد فرعون، ونصرة الشلق، وعبد الحليم العلمي وعبد الستار، الأول كان قبلنا بسنوات والثاني كان بعدنا بسنوات، ونجم الدين الجندي، وأحمد الأسود.
ومن رفاقنا القضاة والفقهاء والمحامين: مصطفى الزرقا، وأسعد الكوراني، ومحمد الجيرودي، ورضا العظمة، وعبدالعظيم الباجقني.
ومن رفاقنا في المدرسة أيضًا: محمود مهدي الإسطنبولي، وخالد بكداش، ومحمد المبارك (﵀) وكان بعدنا بثلاث سنوات، ومحمد كمال الخطيب، ومظهر العظمة (﵀)، وبطل أبطال الرياضة محمود البحرة، وجمال الفرّا، ووجيه السمان، ونظيم الموصلي، وأحمد الفتيح، وأكثر هؤلاء وُلّي
[ ١ / ١٥٠ ]
منصب الوزارة، وأنور الشلاح.
لا، لا أستطيع أن أعدّ الآن أكثر مما عددت، وإن كانت أسماؤهم في ذاكرتي وذكرياتهم في نفسي، ولكن الذكريات تتبع قانون «تداعي الأفكار»، فالشيء تراه أو تسمعه يذكّرك بشبيهه أو بنقيضه أو بما يتصل به، وستأتي إن شاء الله خلال الحديث أسماء من لم أذكرهم الآن وأخبارهم، فلا يعتب عليّ من أغفلت اليوم اسمه أو يعتب ولده أو صديقه.
أما أساتذتنا فالحديث عنهم في الحلقة التالية إن شاء الله، وسترون أنهم اختاروا لهذه المدرسة الواحدة لكل مادة كبارَ أساتذتها في البلد، فلما كثرت المدارس اليوم وازدادت هبطت درجتها وصار يدرّس فيها أصحابُ شهادات، وقد كان المدرّسون على عهدنا أصحاب علم صرفوا في تحصيله أعمارهم وأحيوا فيه لياليهم وأتعبوا فيه أبصارهم، وصار كل منهم هو المرجع في المادة التي يدرّسها.
كانت المدارس كالبئر، ضيقة الفوّهة ولكنها عميقة القرار، فصارت كالبركة الضحلة، واسعة الرقعة لكنها قليلة العمق.
* * *
[ ١ / ١٥١ ]
-١٥ -