وَعَدت أن أجعل هذه الحلقة في وصف الطريق من تبوك إلى جدّة. ويا له من طريق! ويا ما قاسينا فيه وما حملنا من مصاعب وما تجرّعنا من غُصَص! إنه حديث طويل إذا قرأه اليوم مَن يخرج بسيارته من تبوك فيصل جدّة بعد تسع ساعات يحسب أني أتلو عليه الأساطير أو أتخيّل الغرائب. إنه حديث مشوّق، ولكن كيف أسوقه إليكم وأنا واقف على أبواب مكّة؟ أتريدون أن أبلغ مكّة ولا أدخلها؟ وكل مسلم يتوجّه في صلاته إليها يتمنّى زيارتها ويحلم برؤيتها (١).
_________________
(١) استطرد الشيخ في هذه الحلقة والحلقات الآتيات في أحاديث شتى فلم يعد قطّ إلى وصف طريق الرحلة من تبوك إلى جدة، ولا هو تحدث عن رحلة العودة كذلك. فمن أحب أن يقرأ هذا كله فليقرأه في الكتاب الآخر: «من نفحات الحرم»، في الفصول الأخيرة من الكتاب: «في طريق المدينة»، «المدينة»، «من المدينة إلى تبوك» (مجاهد).
[ ٣ / ١٤١ ]
ولكن مكّة التي بلغتها يومئذ ليست مكّة التي أقيم فيها الآن، فهل أستطيع وأنا في سنة ١٤٠٣ أن أعرض عليكم صورة مكّة التي عرفتها سنة ١٣٥٣؟ هل أقدر أن أحدّد معالمها، وقد طال العهد بها ومحت الأيامُ ذكراها؟
إنها خمسون سنة -يا سادة- طمست كثيرًا من هذه المعالم في ذهني، بدّلت خطوط الصورة ورسمت في مكانها خطوطًا جديدة، فلم يبقَ من القديمة إلاّ بقع صغيرة بهتت ألوانها من كرّ الليالي ومرّ السنين. فهل تقنعون مني بعرض هذه البقع الباقية من الصورة إن لم أستطع عرض اللوحة كلها؟ وأنتم -يا أهل مكّة- أدرى بشعابها وأعرف بما كانت عليه وما صارت إليه، وفيكم أدباء في مثل سنّي ولهم أذهان أحدّ من ذهني وأقلام أمضى من قلمي، منهم مَن عرفت في تلك الزَّورة الأولى كالأستاذ محمد سعيد العامودي مدّ الله في عمره، فهم أولى بالكتابة مني. وما أعرفه عن مكّة من خمسين سنة مهما كثر لا يبلغ الأقلّ الأقلّ ممّا يعرفون؛ فهم أهل البلد وأنا عابر سبيل رأى شيئًا وغابت عنه أشياء. زرت مكّة ورجعت إلى بلدي، ثم زرتها مرّات ورجعت، ثم شرّفني الله وأكرمني بالإقامة فيها من عشرين سنة، فجئت هذه المرّة ولم أرجع لأنه قد حيل بيني وبين الرجوع، والله هو المستعان، أسأله وحده أن يكتب لي رؤية بلدي قبل الممات. وما بلدي بأفضل من مكّة أو المدينة، أستغفر الله، ما أؤثره ولا يؤثره مسلم عليهما، ولكن حُبّب إلى كل امرئ بلده:
وحَبّبَ أوطانَ الرجالِ إليهمُ مآرِبُ قضّاها الشبابُ هنالكا
[ ٣ / ١٤٢ ]
على أني إذا رجعت أخاف أن أندم لأني لن أجد إخواني ولا أقراني، إنهم سبقوني إلى الغاية التي تدنيني الأيام منها.
وما نفع الأوطان وقد خَلَت من الإخوان وبدّلها صَرْفُ الزمان وتتابُع الحَدَثان؟ هل أقوم فيها إلاّ مقام الشاعر الذي يخاطب الأطلال يسائلها عمّن مضى من الأحباب؟ ينادي فلا يسمع إلاّ صدى النداء:
ناديتُ: أينَ أحبّتي فأُجِبتُ: أينَ أحبّتي
* * *
كان أول ما رأيت من مكّة بقايا «البيبان» (أي الأبواب)، ثم الثكنة (القشلة)، كانت هي نهاية البلدة للخارج منها وأولها للقادم عليها، ما كانت «الزاهر» ولا «الزهراء»، ولا كان شيء من هذه الأحياء، كانت كلها أرضًا خلاء، ثم تمرّ في طرق ملتوية حتى تصل إلى الحرم، ما كان شارع المنصور ولا شارع الستين ولا شارع الحفاير. وكانت مكّة تنتهي من الجهة الأخرى عند مسجد الجنّ عند عمارة البريد، وكانت صخرة «كُداء» المطلة على مقبرة «المُعَلّى» قائمة كاملة ما قُطعت ليمرّ فيها شارع الحُجون إلى العُتَيْبَة، ولا كانت العتيبة.
ما بعد عمارة البريد، أعني موضعها لا ذاتها، إلاّ مقاهٍ بلدية، ثم بيت السقاف الذي شَرُفنا فيه بمقابلة الملك عبد العزيز ﵀. أما الجامعة وحيّ العزيزية وما قام الآن بعده من أحياء فلم يكن منها شيء إلاّ «حَوْض البَقَر»، وهو حوض يسيل إليه الماء من قناة العين على يسار الخارج من مكّة على سفح الجبل،
[ ٣ / ١٤٣ ]
وكان ماؤها سبيلًا يسقي منه الرعاة مواشيهم. هذه هي مكّة كلها.
كان الحرم كما كان المسجد النبوي، وكما كان (ولا يزال) الجامع الأموي، محجوبًا بالبيوت تستره وتحيط به، فمَن أراد أن يخرج من أحد الأبواب ليدخل من الآخر، لفّ ودار ومشى في حارات، إلاّ «باب أجْياد» فكان أمامه شارع لعله كان يومئذ أكبر شوارع مكّة (مع أن عرضه لا يتجاوز ستة أمتار كما أذكر)، وكان يقابله بناء صغير من طبقتين له باب عريض إلى جانبَيه نافذتان وفي الطبقة الثانية مثل ذلك، تمتدّ أمامها شرفة (بلكون) وكان هذا مركز الشرطة، فإن استقبلتَه ومشيت إلى اليسار مررت بأسواق وشوارع صغيرة قليلة تشقّ الأسواق، حتى تصل إلى صخرات ظاهرة هُنّ أصل جبل، فوقها قوس عريض، هذه «المَرْوَة»، يقابلها من جهة الحرم صخرات مثلها، هذا «الصَّفَا». وكانا جبلَين صغيرَين أكلهما الناس، والناس يأكلون كل شيء، حتى الصخر قطّعوه وجعلوه حجارة بنوا بها مساكنهم!
وبين الصفا والمروة كان «المَسعى»، تختلط فيه جماعات الحُجّاج والمعتمرين بالسائرين وبالبائعين والشارين، وكانوا يسعون في وَقْدة الحرّ تحت الشمس فبنى لهم الملك عبد العزيز مظلة تظلّل الطريق قائمة من الجانبَين على أعمدة من الحديد.
وأصررنا على أن ندخل الحرم من باب السلام، فدارت بنا السيارات في الطريق حتى بلغناه، وأذكر أنه كان إلى جنبه حنفيّات للوضوء أو ما يشبه هذا. ألم أقل لكم إنه لم يبقَ في ذهني إلاّ بقايا من الصورة؟
[ ٣ / ١٤٤ ]
وإذا شئتم أن تتصوروا كيف كان الحرم فخذوا البناء القديم، وهو باقٍ ظاهر. وكان المطاف حول الكعبة ضيّقًا تُحيط به أعمدة من المعدن تدور من حوله، وكان أمام باب الكعبة مقام إبراهيم وكان بناء صغيرًا، والمنبر، وباب بني شَيبة (قوس قائمة وسط الحرم) إلى جنبه بناء زمزم، وأظنّ أنّ المؤذّنين كانوا يقومون فيه للتبليغ. وحول الكعبة مقامات أئمة المذاهب الأربعة، لا أذكر منها إلاّ مقام الحنفية وكان مقابل ميزاب الرحمة، كنت أصعد إلى طبقته الثانية فأصلّي بجوار المؤذّنين وأرى الكعبة وأشاهد المصلّين والطائفين. وكانت عند أبواب الحرم مدارس أو مساجد صغيرة يصلّي الناس فيها، وفي الجهة الشمالية المحكمة، ولم أعُد أدري أين كانت. قابلت فيها الرجل الذي أكبرتُه لفضله وعلمه وما سمعت عن عدله وصلابته في الحقّ، وكان له في الناس ذكرٌ حسن، هو الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وكان رئيس القضاة، وهو والد الوزير العالِم الشيخ حسن عبد الله آل الشيخ. وصرت أتردّد عليه مدّة إقامتي في مكّة، أجلس إليه وأستفيد منه.
وكان عند باب السلام مكتبات كثيرة اجتمعتُ فيها بطائفة من أفاضل العلماء والأدباء، منهم من لا يزال الودّ متصلًا بيني وبينه من تلك الأيام كالشيخ محمد سعيد العامودي، ومنهم من ذهب إلى رحمة الله كالأستاذ محمد حسن عوّاد، وأهدى إليّ كتابا صغيرًا كان اسمه -على ما أذكر- «خواطر مصرحة» وأهديت إليه كتاب «أبو بكر الصديق» و«التحليل الأدبي» و«بشار ابن برد»، وكل ذلك من بواكير الشباب مني ومنه. ومنهم من
[ ٣ / ١٤٥ ]
توثّقَت صلتي به حتى أُولعَ بي وصار يراسلني، كالأستاذ عبد الله المزروع وهاشم الزواوي. ولمّا عدت واستقررت في مكّة كنت ألقى المزروع قليلًا، أما الزواوي فما لقيته إلاّ مرّة واحدة مصادفة على باب الحرم.
وعلى ذكر الأستاذ المزروع أقول: إني أعرف أن عنده دفترًا، إذا كان باقيًا واشتراه أحد الناشرين بوزنه ذهبًا لما كان مغبونًا، لأنه طفق على مدى عشرات من السنين كلّما ورد زائر له اسم وله شأن من رجال العلم والأدب والسياسة استكتبه كلمات يكتبها بخطّه في هذا الدفتر، فاجتمع فيه من خطوطهم ومن آرائهم ومن أساليب كتابتهم ومن ملاحظاتهم ما لا يوجد مجتمعًا -فيما أعلم- في كتاب آخر. والرأي أن يُطبَع طبعًا مصوَّرًا، ويُعرَّف بكل من ورد اسمه فيه ويترجَم له ترجمة مختصَرة، أو يتولّى ذلك نادي مكّة الأدبي. على أن يكون لبنات المؤلّف مكافأة مالية، أو تشتريه من الورثة إحدى الجامعات وتحفظه حتى يأتي مَن يطبعه. وأرجو ألاّ يذهب هذا الاقتراح في الهواء.
* * *
هذا هو الوصف الخارجي للحرم، أما الشعور الذي كان في نفسي وما أحسست به لما رأيت الكعبة أول مرّة فشيء يجلّ عن الوصف ويضيق عنه الكلام، ولقد قرأت مرّة تقريظًا لقصّة يقول صاحبه (ولعلّه إميل فاكيه الفرنسي): إني لا أتمنّى إلاّ أن أنساها لأستمتع بقراءتها من جديد.
لقد كتبت كثيرًا أحاول تصوير ذلك الشعور، فما حملَت
[ ٣ / ١٤٦ ]
أزهى الصور التي جئت بها إلاّ كوبًا من بحر ممّا شعرت به. وأحسست مثل ذلك أو بأكثر منه لمّا رأيت المدينة بعد اختراقنا الصحراء، لمّا قال لنا الدليل: أكتب يالْ الكاتب، هذا «أُحُد».
لقد دخل تحت يدي في حياتي أشياء كثيرة ثمينة وعزيزة، وأضعت في مساربها أشياء كثيرة جميلة وغالية، وما ملكت شيئًا ثم خسرته كان أكبرَ قدرًا وكان فَقدُه أعظمَ خسرًا من ذلك الشعور عندما تكحّلَت عيناي بمرأى مثوى الرسول ‘ في المدينة والكعبة في مكّة. وأنا لا أفرّق بين الحرمَين، وأنا أعلم أن مكّة أفضل وأن ثواب الصلاة في حرمها أجزل، ولكن لا أدري لماذا أجد أُنسَ النّفسِ في المدينة؛ ألأن المدينة مرتبطة بعزّ الإسلام؟ ألأن الفتوح انطلقت منها فكانت عاصمة الدنيا؟ ألأنها وَلدت دمشق المسلمة وبغداد والقاهرة وخرجت منها الرايات التي ظلّلَت ثلث المسكون يومئذ من الأرض في ثلث قرن، فاقترن اسمها بالنصر والمجد والظفر؟ أم لأن لنا -أهل الشام- صلة قديمة بأهل المدينة من أيام الحرب الأولى، حين هاجر أكثر أهلها إلينا فعرفناهم وعرفونا، وأحببناهم وأحبّونا، وأخذنا بعض عاداتهم وتعبيراتهم في كلامهم وأخذوا منّا؟ أم الأمر كما كان يقول أحد مشايخنا: التجلّي في مكّة تجلّي جلال وفي المدينة تجلّي جمال؟
على أن مكّة لا تزال أصل الإسلام؛ فيها بيت الله وهي أحبّ البلاد إلى الله، ولمّا صعدت جبل حراء سنة ١٩٥٧ (وكان فيّ بقية من الشباب) كان الدليل "يطأ الصخر وطء متعسّف جبّار ويدحرج الحجارة بقدميه، فصرخت به: ترفّق ويحك، فإن هذه
[ ٣ / ١٤٧ ]
الصخور قد سمعت يومًا أول كلمة من حديث السماء في أذن الأرض، إنها شهدت أول آية في كتاب الله، الذي هبط به سيد الملائكة جبريل على سيد البشر محمد، لقد انقطع بريد السماء مُذْ مات محمد ‘، ولم يبقَ من شهود الوحي إلاّ هذه الشعاف وهذه الأصلاد" (١).
على أننا لا نقدّس جبلًا ولا نعبد حجرًا، حتى الحجر الأسود نقبّله امتثالًا لأمر الشرع ونعلم أنه حجر، والأنصاب في منى نرميها امتثالًا لأمر الشرع ونعلم أنها حجر، وما عظّمنا الأولَ لذاته ولا حقّرنا الثاني لذاته.
أنا مقيم في مكّة من عشرين سنة والحرمُ إلى جنبي، فلماذا لم أجد ذلك الشعور؟ لماذا؟ أهو شيء في طبيعة الإنسان أن يتمنّى البعيد عنه ويزهد بما هو بين يديه؟ أم أنا (لا قدّر الله عليّ) ضعيف الإيمان؟ اللهمّ إني أعوذ بك من ضعف الإيمان وأشهد أنه لا إله إلاّ أنت وأنه لا يُعبَد غيرك، وأن الحبّ المطلَق لك والخوفَ المطلَق منك والطاعة المطلَقة لك، فارزقنا اللهم الشعور بحلاوة الإيمان. اللهم لا حول ولا قوّة إلاّ بك، فقوّنا اللهمّ على طاعتك وحسن عبادتك.
* * *
قابلنا أولَ قدومنا نائب الملك (وكان نائب الملك هو الملك فيصل ﵀) في دار كبيرة أو قصر أظنّ أنه في «الغَزّة» مقابل عمارة البنك العربي، وكان في غرفة صغيرة في صدر بهو واسع.
_________________
(١) ما بين الأقواس من كتابي «من نفحات الحرم».
[ ٣ / ١٤٨ ]
وكان أكثر من معنا من أصحاب شركات السيارات في دمشق وبعض الوجهاء، فكان يفتتح الكلامَ الشيخ ياسين الرواف، أول ممثّل للملك عبد العزيز في دمشق. ولم تكن للمملكة سفارة ولا مفوّضية، بل كانت تُسمّى المعتمَدية، ثم عُين في الوظيفة أخوه الشيخ عيد، ثم رشيد باشا، وأظنّ أنه كان في الأصل من جماعة ابن الرشيد أمير حائل، ولكن الملك عبدالعزيز -على طريقته في تألّف أعدائه- يوليهم الثقة فيعطونه الإخلاص، وكذلك خلفه الشيخ عبد العزيز بن زيد كان أيضًا من جماعة ابن الرشيد، وكلاهما تشرّفت بصداقته، أزوره دائمًا مع شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار، ووثّق الصداقةَ أني لم أكُن أريد من أحدهما شيئًا ولا أطلب منه طلبًا. ولقد كُفّ بصر رشيد باشا في أواخر أيامه ولم يعُد يرى، ذهب بصره ولكن قويَت بصيرته، وكنت أدخل عليه أحيانًا مع الشيخ بهجة فلا أسلّم ولا أتكلم وأجلس فيوجّه إليّ الخطاب باسمي حيث أكون جالسًا.
ومن الذين كانوا مع خصوم الملك عبد العزيز ثم صاروا من أخلص الناس له وأشدّهم له حبًا السفير العالِم الأديب السيد عبدالحميد الخطيب، وهو أحد الرجال القلائل الذين يُحسَدون على ما أعطاهم الله (أي يُغبَطون عليه) ولا حسد إلاّ في اثنين: رجل آتاه الله مالًا فأفاض منه على الناس، ورجل أعطاه الله علمًا فنشره في الناس (أو كما قال). والسيد عبد الحميد جمع الله له الأمرَين، عرفته في كراتشي وكانت أكثر أيامنا فيها عنده، وفي قصره في دمّر، ﵀، وعرفت ولده الشيخ فؤاد في كراتشي، وسمعت أنه الآن في وظيفة كبيرة هو أهل لها ولأكبر منها.
[ ٣ / ١٤٩ ]
لقد خرجت عن الخطّ فعفوكم. كنت أقول إن الشيخ ياسين كان يفتتح الكلام ثم أكون أنا الناطق عن الوفد، وإن كانت خطبةٌ ومنبر كنت أنا -على مقدار طاقتي- لها.
خرجت من لقاء نائب الملك، أي الفيصل، وأنا ممتلئ القلب إكبارًا له، لسعة اطّلاعه وسداد منطقه ومعرفته بالدنيا، وأنه يقول الكثير بالألفاظ القليلة، مع أنه كان يومئذ شابًا (كان رحمة الله عليه أكبر مني بثلاث سنوات).
ثم كان لقاؤنا بالملك عبد العزيز؛ كان ينزل في بيت السقّاف، هكذا كانوا يسمّون القصر الذي ينزل فيه. وما هو بالقصر الفخم، ما هو إلاّ بيت واسع مثل بيوت أوساط الناس. وأنا أخشى مثل هذا اللقاء، وأشعر أن مقابلة مئة ألف من وراء المنبر أهون عليّ من غشيان مجلس لا أعرف أهله معرفة كاملة تزيح الكلفة وتمحو الوحشة. فكيف دخلت على الملك؟ أنا هنا من عشرين سنة في عزلة كاملة ما زرت أميرًا ولا وزيرًا، وإن فعلت أجد أني أخجل خجل ابن ثماني سنين وأنا على عتبة الثمانين، فإن صرت داخل المجلس سَهُل الأمر وانطلق اللسان، فكيف -إذن- دخلت على الملك؟ لقد سَهّل الأمرَ عليّ أني لم أكُن وحدي، وأني كنت أعرف عن الملك الكثير، وكنت أكتب إليه ويتفضّل فيجاوبني. جرّأني على الكتابة إليه شيخنا الشيخ بهجة، وكنّا نجعل عنوان الرسالة: «إلى جلالة الملك عبد العزيزبن عبد الرحمن الفيصل آل سعود»، ما كنت أطلب شيئًا لنفسي، كانت رسائلي كلها في أمور فيها مصلحة للناس ورضا لله، أو وساطة لأصحاب حقّ، وكان يأتيني جوابه الكريم في كلّ مرّة.
[ ٣ / ١٥٠ ]
دخلنا مجلس الملك فقام لنا، وكان يقوم للداخل، وذلك قبل أن يثقل عليه ألم رُكبته ويتخذ الكرسي ذا الدواليب الذي أهداه إليه روزفلت. وجعلنا نحضر مجلسه كل يوم فلحظت أن له مقعدًا خاصًا به، لا يختلف عن بقية المقاعد لكن لا يقعد عليه غيره. وكنّا نحضر عنده درسًا، لا، ليس درسًا بل قراءات جهرية؛ يُنصَب كرسي لشيخ يوضع له مصباح إلى جنبه، فيقرأ صفحات من كتاب في التفسير والحاضرون يستمعون، وربما علق الملك نفسه على بعض ما قرأ القارئ. وقد لحظت أنه يحفظ كثيرًا من الأحاديث ومن أقوال الأئمة، وقد يشترك بعض الحاضرين فلا يمنعهم، ومنهم من يعارض رأيه فيناقشه الملك ويفرّع أوجه الرد فيقول: أولًا، ثانيًا، ثالثًا ويقيم أمامه ستارًا من الحُجَج ومن الأدلّة. وكنّا نكلّم الملك في غير موعد القراءة ونحدّثه، فإذا رأيته منطلق الأسارير سُقت إليه الطرائف المناسبة ممّا أحفظ (وكنت أحفظ من الأخبار والأسمار والأشعار ما هو أكثر من الكثير، أيام كانت مطالعاتي مستمرّة وذاكرتي غضّة قوية). وقد رويت له من النوادر ما أضحكه مرتين، ولكني إن وجدت وجهه منقبضًا تبدو عليه بوادر الغضب سكتّ كما يسكت غيري. ولم أرَه غضبان وقد أقمنا في مكّة نحو أسبوعين نزور مجلسه كلّ يوم، ولكن سمعت أنه إن غضب كان غضبه مروّعًا.
ورأيت أولاد الملك صفًا عن يمينه، على ترتيب أعمارهم، ورأيتهم إن جاء أمير منهم تنحّى له من هو أصغر منه ولو بأسبوع حتى يأخذ مكانه بحسب عمره. وكان يدخل عليه من الناس من شاء، وكان أهل البادية يدعونه باسمه: "والله يا عبد العزيز كان
[ ٣ / ١٥١ ]
كذا" ولا عجب، فهذه هي سنّة العرب، ما كانوا يقولون "يا فخامة أمير المؤمنين" بل يا عمر، بل كان الأعرابي يدخل مجلس الرسول ‘ فيسأل: أيّكم محمد؟
كانوا يعرضون شكاواهم فيقضي فيها، وربما قال للشاكي: رُح للشرع، أي أنه يأمره بمراجعة القاضي. ثم يقوم ونقوم معه إلى الطعام، على سماط مبسوط على الأرض. والطعام الأصلي الرز واللحم، ولكنّ على المائدة ألوانًا من الطّبيخ، وليس للمائدة مُصطلَح (أي بروتوكول)، فمن شبع قام وقعد غيره مكانه، ولكني وجدت الملك لا يقوم حتى يحسّ أنهم شبعوا جميعًا. وكان من عجيب أمر الملك أنه أوتي بَسطة في الجسم، فهو طويل عريض المنكبَين إن مشى مع الناس ظهر كأنه راكب وهم مُشاة، وكان أكله -مع ذلك- قليلًا جدًا، لا أعلم كيف كان يكفيه هذا الأكل القليل!
لقد كان الملك عبد العزيز رجلًا من أفذاذ الرجال: ذكاء فطري يصغر أمامه كبار الأذكياء، وفكر نيّر يطوي أفكار العلماء، وقدرة نادرة على سرعة الفهم والقدرة على الإفهام، يدرك مُرادَك قبل أن تُتمّ كلامك، ويلخّص في جُمَل معدودات ما يحتاج إلى محاضرات، شهد روزفلت أنه فهم منه في مجلس واحد عن قضية فلسطين ما لم يفهمه من كبار الساسة في سنين، تواضُع ولِين حين يَحْسُنُ اللين وشدّة حين لا ينفع إلاّ الشدّة، خبير بنقد الرجال ومعرفة معادنهم. ﵀ فلقد كان أحد عباقرة التاريخ.
* * *
[ ٣ / ١٥٢ ]