المدرسة الصيفية ومجلة البعث
وقفت في آخر الحلقة السابقة عند الحادثة التي وقعت لأبي عَجاج. أرويها لأني وعدت بروايتها، ولأني أرجو أن أرسم بها الابتسامة على شفاهكم بعد أن وضعت بقصّة أمي الحزن في قلوبكم والدمع في عيونكم. وقد قال لي ناس: إن كتابتك عن أمك فيها صنعة، والمحزون لا يشتغل ببلاغة القول ولا يتحدث عن حارات الشام وألوان الطعام فيها. وجوابي أني أكتب عن الحادثة بعد بضع وخمسين سنة، ولو كتبت عنها في يومها لما جاء الكلام كما قرأتم، بل لما استطعت أن أكتب أبدًا. أما رأيتم أني لمّا حاولت الكتابة عن الحادث الجديد، حادث بنتي، لم أستطع؟ ثم إن الأديب لا ينسى صناعته مهما تألّم. هذا رثاء الخنساء أخاها صخرًا ومتمم بن نُوَيرة أخاه مالكًا. وأبو ذؤيب وبشار وابن الرومي والتهامي لمّا رثوا أولادهم، وجرير والطّغرائي والبارودي وأباظة لمّا رثوا زوجاتهم هل نسي واحد منهم أسلوبه في التعبير وفنّه في القول، إلاّ أن ينسى نفسه وينكر طبعه؟ ومتى وصف العامّي مشاعر نفسه مثلما يصف مشاعرَه الأديب؟ فَلِمَ لا يكون الصدق
[ ٢ / ١٥١ ]
فيما يسميه هؤلاء صنعة؟ ولِمَ لا تكون استطراداتي وكلامي عن حارات الشام وألوان الطعام فيها دليلًا على ألمي؟ من كان في رجله دُمّل عليه أن يفقأه يمدّ يده إليه، ولكن تصوّر الألم والخوف منه يبعدها عنه فهو يدلّك الجلد حوله ويتجنب الضغط عليه.
وهاكم قصة أبي عجاج. وما هي بقصة ذات بال وما أبوعجاج بالمشهور بين الرجال، إنه واحد من أبناء هذا الشعب الطيّب، النقيّ الفطرة الصافي القلب، الذي لا يقول إلا ما يعتقد أنه الصدق ولا يفعل إلا ما يرى أنه الحقّ؛ لذلك يصدّق الناسَ إذا قالوا، وإنْ وثق بشيخ يدعو إلى الله أو زعيم يُخلِص في خدمة الوطن أطاعه وانقاد إليه وأعانه. إذا وعد وفى ولو على ذهاب روحه، وإن ظُلِم ثار ولو بذهاب روحه. هذه هي الصفات الأصيلة لأبناء هذا الشعب.
فلما قامت «نهضة المشايخ» أسرع أبو عجاج إليها ولزم أحد شيخَيها، وهو ابن عمّه الشيخ هاشم الخطيب، فواظب على حضور دروسه وسماع مواعظه، وهجر أصحابه من جماعة الزكرتية وصحب طلبة العلم واتخذ زِيّهم، وأعفى لحيته وبالغ فيها حتى صارت من أعظم اللحى. وكان قصيرًا عريض المنكبين والصدر، فزاد ذلك لحيته عظمًا في عين رائيها. واتخذ لنفسه دكانًا في «النّوفرة» تحت درَج الباب الشرقي للأموي، فضاق بنفقته موردُ الدكّان وأشرف على الإفلاس، وكانت له صلة بالأستاذ شاكر الحنبلي هي فوق المعرفة العارضة ودون الصداقة الأكيدة، فذهب إليه (وكان وزير الداخلية) فقال له: أريد وظيفة. قال: يا أباعجاج، أي وظيفة أعطيك وأنت لا تحمل شهادة؟ قال:
[ ٢ / ١٥٢ ]
اجعلني شرطيًا. فضحك الوزير وقال: شرطي له لحية تغطّي صدره وتبلغ سرّته؟ قال: يا سيدي أحلقها. قال: عندما تحلقها تعالَ.
فذهب أبو عجاج إلى حلاّق بجوار دكّانه وقال له: أترى هذه اللحية؟ احلقها بالموسى. فظنّه الحلاّق مازحًا، فلما رأى منه الجدّ فزع وخاف أن يحلقها له فيندم عليها ويبطش به، فخرج فنادى الجيران وجمع عليه طائفة من الناس وقال: اشهدوا، أبوعجاج يريد أن أحلق له لحيته وأخاف أن يندم فيرجع عليّ. قال أبو عجاج: نعم، اشهدوا أني أفعل ذلك مريدًا مختارًا وأنه غير مسؤول عن شيء. فحلقها له، فبَرَمَ شاربَيه (١) ولبس بذلة، وذهب إلى شاكر بك فلم يعرفه. فقال له: محسوبك أبو عجاج. فقال له الوزير: ما هذا يا أبا عجاج؟ ماذا صنعت بلحيتك؟ قال: سيدي، حلقتها مثلما أمرت من أجل الوظيفة. قال: أي وظيفة؟ قال: وظيفة الشرطي التي وعدتَني بها، أنسيت؟ قال: ولكن عليك أن تنتظر حتى تصدر الموازنة بعد شهرين. قال: بعد شهرين؟!
وغلى الدم في عروقه، فذهب فأغلق باب الغرفة من الداخل بالمفتاح وقال له: (شوف) شاكر بك، أنت صاحبي ولكنك قتلتني حين أمرتني بأن أحلق لحيتي من أجل الوظيفة، ثم جئت تتهرّب من وعدك! إنك تعرفني تمامًا، والله أشرط بطنك بسكّين في ليلة ما فيها ضوء قمر، وخلِّ وزارتك وعساكرك يخلصونك مني.
فأراد أن يمدّ يده إلى الجرس ليستدعي الشرطة، فقال له: يَدَك عن الجرس، وصلَت المسألة إلى حدها، وأنت الجاني على
_________________
(١) «برم شاربَيه» كلمة عربية فصيحة.
[ ٢ / ١٥٣ ]
نفسك وأهلك لأنك وعدت وأخلفت، فإما أن توقّع الآن قرار التعيين وآخذه معي وإما أن تنتظر قدرَك.
ولم يخرج إلاّ ومعه قرار تعيينه شرطيًا. ثم تدرّج حتى صار عريفًا فرقيبًا أو ما لست أدري ماذا. وأشهد أنه كان شرطيًا مخلصًا لعمله قائمًا به، ولكنه بقي مخلصًا لدينه ولبلده ولأهله. عمل تحت حكم الفرنسيين كما عمل آلاف الموظفين، لكنه ما والاهم ولا أعانهم على قومه ولا خالف من أجلهم أحكام دينه. لكنْ لا تظنوا أن هذه الواقعة هي القاعدة، لا، بل هي الشذوذ؛ فلم تكُن البلاد فوضى تؤخَذ فيها الوظائف بالتهديد، ولا كان هذا الرجل (أبو عجاج) مجرمًا، ولا كان الوزير (شاكر بك) ضعيفًا. ولكنه أخطأ إذ وعد قبل أن يتوثّق من مقدرته على الإنجاز، وأبو عجاج وصل إلى حافة اليأس، واليائس المستميت يفعل كل شيء، فقد كان يعيش وسط مشايخ وكانوا يعرفونه باللحية العريضة والزيّ العلمي، فكيف يخرج عليهم بالوجه الحليق الأملس واللباس الإفرنجي؟ ألا يحسبونه قد فسق أو جُنّ؟ ألا يزدرونه ويَحْقِرونه؟ ألا يلحقه الصبيان يهتفون به ويسخرون منه؟ وقديمًا قالوا: سَلّط مجنونًا على العقلاء يغلبْهم وسَلّط الصبيان على المجنون يغلبوه. وأبو الشّمَقْمَق استطاع بهجائه (السخيف) أن يخيف بشار بن برد الذي تجزع من هجائه الشجعان لمّا جعل هجاءه في أفواه الصبيان. ثم إن الرجل مستحق قانونًا لوظيفة الشرطي والوزير يملك منحها.
* * *
[ ٢ / ١٥٤ ]
لا أزال في سنة ١٩٣١، وهي في حياتي سنة حافلة بالأحداث، بالمسرّات وبالآلام. من هذه الأحداث ما هو خاصّ بي ومنها ما يُعَدّ من أحداث البلد. ممّا كان في تلك السنة الجراد، والذين يقرؤون هذه الحلقة لا يعرفون من الجراد إلا ما يدرسونه عنه في «علم الحيوان» مع ما يدرسون من «علم الحشرات»: معلومات يُودِعونها رؤوسهم إلى يوم الامتحان، فإذا جاء استخرجوا هذه الودائع فوضعوها في الأوراق، فإذا نجحوا فعل أكثرهم بها ما يفعلون بسائر الدروس، يهملونها ثم ينسونها. أما نحن فكان لكلمة الجراد عندنا معنى آخر، فكانوا يقولون: «جراد وأكراد والله أراد». لا يعنون بالأكراد هذا الشعب المسلم الكريم الذي أخرج صلاح الدين والملوكَ الكبار من بني أيوب، معاذ الله، بل ما سرى على الألسنة من قديم ظلمًا وافتراءً من تسمية قُطّاع الطرق بالأكراد. وفي الأكراد (كما يكون في العرب والترك والفرس وكل أمة من الأمم) الصالح والطالح والطائع والعاصي، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
ولما كان عمر الزعني في لبنان ينظم في العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن تلك الأهازيج التي كانت تسير في الناس سير النسيم، تنعش النفوس، وكان يلحنها تلحينًا سهلًا عجيبًا يحفظه سامعه من مرة، وقلده في الشام سلامة الأغواني، كان فيها هزج (طقطوقة) عن «الجراد»، ويعني بالجراد الفرنسيين. وياليت أحد الأدباء أو طلاّب الآداب يجمع هذه الأغاني ويدرسها، فهي فن في ألفاظها وأوزانها وألحانها ومقاصدها، وهي تاريخ اجتماعي صادق لمظاهر الحياة في الشام (أي في
[ ٢ / ١٥٥ ]
سوريا ولبنان) في تلك الأيام.
كان الجراد يغزو البلاد فلا يدع في السهول ولا في البساتين شيئًا أخضر إلا أتى عليه. ولقد حدّثتكم عن الجراد الذي جاءنا سنة ١٩١٤ قُبيل الحرب الأولى، وكنت في أول طريق الدراسة صغيرًا، ولكني أذكر على صغري أن سماء المدرسة ذات الصحن الواسع قد غطتها سحابة منه حجبت عنها نور الشمس، حقيقة لا مجازًا. وكان يتساقط منها علينا مثل المطر، وما هو بالمطر وإنما هو جراد. وكنا بعد ذلك نقرأ في البرقيات التي تنشرها الجرائد أخبار تحرك أسراب الجراد كل سنة أو سنوات. وقد ازدادت الآن وسائل مكافحته وعُرفت مبيدات ترشها الطائرات، لكنا لم نكن نعرف شيئًا منها لمّا جاءنا جراد سنة ١٩٣١، فكنا نحاربه بأيدينا كما يحارب أهل فلسطين المحتلين المجرمين بالحجارة التي لا يملكون غيرها، يقابلون بها أخطر وأمكر الأسلحة التي تفتّقَت عنها أدمغة أبالسة البشر.
وخرج الشباب والطلاّب وجماهير المتطوعين لِجَمْعِه ليلًا على أضواء المشاعل، وكنت -لموضعي من لجنة الطلاّب- على رأس مجموعة كبيرة فيها مئات من طلاّب التجهيز (أي المدرسة الثانوية: مكتب عنبر)، خرجت بها إلى قرية الريحان إلى جانب دوما وجوار مستشفى ابن سينا، أي «دار المجانين» في القُصَير. ولولا لطف الله لتركتني هذه الليلة بين نزلائه.
كيف لا يُجَنّ ويفقد عقله من يُكلَّف مراقبة مئات من الطلاّب فيهم الصغير الغرّ والكبير الذي لا يؤتمَن، وفيهم الوضيء الجميل والماكر السيّئ المقصد، وإلى جوارهم معسكر آخر فيه كبار من
[ ٢ / ١٥٦ ]
غير الطلاّب، لا سلطان لي عليهم ولا حكم لي فيهم؟ بل أنا لا املك السلطة الكافية على مَن معي من الطلاّب. وكنا كما يكون الناس في كل زمان ومكان، نخشى ما يُسمّى «الشذوذ الجنسي»، وقد نوّمنا الصغار مع الكبار ووضعنا البنزين قرب النار، فكيف لا نأمن الانفجار؟ وكان خطأ أن أخرج مع هؤلاء وأن أتولّى أمرهم. ما لي ولهم؟ لقد أمضيت ليلة لست أنساها؛ ما إن يغلبني النعاس فأضع جنبي لأنام حتى أثب كمن لسعته عقرب، أخاف أن يقع مكروه، فأدور على مضاجع الطلاّب أتفقّدهم، فإذا لم أجد ما يريب عدت أحاول المنام فلا أستطيع، حتى طلع الفجر.
وكان أعداء ديننا يقولون ويعيدون: إن منشأ هذا الشذوذ (أي العمل الشنيع الذي ابتكره قوم لوط ﵇، فسُجّل الاختراع باسمهم ونُسب إليهم)، يقولون بأن سببه حجاب المرأة، ولو وجد الماء طريقه المحفور ما ساح في الحقول، فانزعوا حجاب المرأة تخلصوا من هذا الداء. وكدنا نصدّقهم حتى وجدنا أن هذا الشذوذ في إنكلترا وألمانيا أكثر منه في بلادنا، حتى سنّوا هناك القوانين لإباحته وبارك أساقفتهم هذا القانون! أفمن حجاب النساء الألمانيات والإنكليزيات نشأ عندهم هذا الشذوذ؟! ولماذا لم يَخلصوا منه ونساؤهم مهتوكات الحجاب كاشفات العورات، لا يكاد كثير منهن يردّ يد لامس؟ كلاّ، كذبٌ ما قال أعداء الحجاب وكذبٌ كل ما يقول خصوم الإسلام.
طلع الفجر، وأعدتُهم إلى منازلهم ورجعت إلى داري، ولكن ما عدت إلى مثلها؛ يكفي أن أُجَنّ مرة واحدة.
* * *
[ ٢ / ١٥٧ ]
ومن أخبار سنة ١٩٣١ أني لما فاض في نفسي النشاط وغاض من كيسي المال، واحتجت أن أسلك كل سبيل شريف من سُبُل العمل وأطرق كلّ باب كريم من أبواب الرزق الحلال، كان ممّا مارست من الأعمال أن جعلت لطلاّب العربية، لغتها وأدبها، دروسًا أعلنت عنها بنشرات مطبوعة وفي بعض الصحف، وجعلتها في المدرسة الأمينية بعد انقضاء دروسها وانصراف تلاميذها، أستعمل غرفها ومقاعدها.
تحت يدي الآن إحدى هذه «النشرات» مطبوعة بخطّ أبرع الخطّاطين على ورق صقيل ثقيل، عنوانُها «دروس في الآداب والإنشاء والتطبيق»، والمقصود بالتطبيق -باصطلاح تلك الأيام- الإعراب وبيان وجوه البلاغة. "يُلقِيها علي الطنطاوي (بكالوريوس آداب وفلسفة) لطلاّب البكالوريا وتلاميذ الثانوية بأجور زهيدة جدًا: ليرتين من طالب البكالوريا وليرة من تلميذ الثانوية عن الشهر كله. تُدفَع الأجور إلى إدارة المدرسة بعد حضور الطالب ثلاثة دروس للتجرِبة مجّانًا. ويُخصَّص خُمس الواردات لإدارة المدرسة. تبدأ الدروس في ١٥ تشرين الأول (أكتوبر) سنة ١٩٣١". وعلى الصفحة الثانية نموذج من موضوعات الشهر الأول، ففي الأدب: الأدب والنقد وتاريخ الأدب، كيف يُدرس التحليل الأدبي، إلخ. وفي الإنشاء: الأفكار واللغة، الأسلوب، المذاهب الإنشائية: المذهب الواقعي، الخيالي، فنّ الوصف، إلخ. وفي التطبيق: قطعة من نهج البلاغة للشريف الرضيّ، شرح غريبها، إعراب مشكلها، بيان وجوه البلاغة فيها.
ولقد أقبل الطلاّب على هذه الدروس إقبالًا زاد على أقصى
[ ٢ / ١٥٨ ]
ما كنت أرجوه بل وما أتمناه، ولو أن مثله أعلن عنه في أيامنا هذه على شدة الحاجة إليها، فكم ترونه يقبل عليها؟ فلما جاء الصيف وابتدأت العطلة وسّعتُها وسَمّيتُها «المدرسة الصيفية»، وطبعت رسائل (عندي بعضٌ منها) بعثت بها إلى المدارس الثانوية الرسمية والأهلية والنصرانية، فبعضٌ منها قبله مني وشكرني عليه ووزّعها على الطلاّب، وبعضٌ نبذها أو ردّها أو أبادها. وكان نجاحها عظيمًا، عادت عليّ وعلى المدرسة بالمال الذي أحتاج إليه، وعلى الطلاّب بالنفع الذي يحتاجون إلى مثله، وكان لها في الناس صدى طيّب وذِكر حسن.
ولم أكن ألقي عليهم النحو قواعدَ جافّة وأوزانًا يحفظونها، ولكن اخترت كتاب «رنّات المثالث والمثاني في روايات الأغاني» (أي أغاني أبي الفرج الأصفهاني، أعظم كتاب في الأدب وهو من أسوئها في الخلق والدين)، فكنت أقرأ الرواية ثم أكلّف طالبًا قراءتها قراءة صحيحة، فإن لحن وهو يقرأ نبّهتُه. وكنت في كل درس أُعنى بباب واحد من أبواب النحو، المرفوعات مثلًا أو بعضها: الفاعل أو المبتدأ والخبر، أعرّف الطلاّب به وأشرحه لهم، وأقتصر في تصحيح اللحن (في هذه الساعة) عليه وحده دون غيره.
وجئت بطريقة للإفهام اقتبست أصلها من النحو الفرنسي (الكرامير)، مثالها: "قرأ زيد"، أسأل: مَن الذي (أو ما الذي إذا كان الفاعل غير عاقل) قرأ؟ الجواب: زيد، فيكون «زيد» هو الفاعل. "قرأ زيد الكتاب"، قرأ ماذا؟ الكتابَ، فـ «الكتاب» مفعول به. "قرأ زيد الكتاب مساءً" متى قرأ؟ مساء، فـ «مساء» ظرف
[ ٢ / ١٥٩ ]
زمان، أي أن فعل القراءة «مفعول فيه»، أي في هذا الزمان، وهو منصوب. "قرأ زيد الكتاب قائمًا" فماذا كانت حالته وهو يقرأ؟ قائمًا، فكلمة «قائمًا» حال. "قرأ زيد الكتاب احترامًا للأستاذ"، لأجل ماذا قرأ؟ احترامًا للأستاذ، فكلمة «احترامًا» مفعول لأجله، أي أنّ فعل القراءة مفعول لأجل الاحترام.
ومشيت على هذا الطريق، فانتقلت من الأسماء الصريحة إلى الضمائر إلى أسماء الشرط، إلخ. ثم يُكلّف الطالب تلخيص الرواية التي قرأها، ثم ننظر في أسلوبها بالمقدار التي يصلح لأمثال هؤلاء الطلاّب. ندرس أغراض الكاتب فنصنّفها، وننظر تسلسل أجزائها وهل وُفّق في عرضها، وهل هي أغراض مبتكرة أم قلّد غيره ممّن سبقه، وهل زاد عليه أو اقتصر على ترديد أفكاره، إلخ. ثم ننظر في كلماتها: صِحّتها وفصاحتها، حسن ائتلافها أو تنافرها، وضوحها أو غموضها وغرابتها. ثم ننظر في الجُمَل: هل هي قصيرة بيّنة أم طويلة معقّدة، هل تقتصر على إيضاح المعنى أم تضمّ إليه الإيقاع الموسيقي الذي يسهّل على اللسان النطقَ بها ويجمّل في الآذان وقعَها، والزينة الكلامية، ومزج الحقيقة بشيء من الخيال من باب الاستعارات وأنواع المجازات، إلخ.
أي أنّني ألقّن الطلاّب العربية على نحو ما كان يتلقاها العربي الأصيل، بالتلقّي والسماع لا بالحفظ والإرجاع، وبذلك تصير له ملَكة لا محفوظات.
ثم وقعت على كتاب فرنسي في الإنشاء لأستاذ اسمه بوسلي (M. Baucely) فيه أربعة وعشرون درسًا بين نظري وعملي، يشرح فيها المراحل التي يمرّ بها ذهن الكاتب، وإن كانت تمرّ
[ ٢ / ١٦٠ ]
في عقله الباطن لا يحسّ غالبًا بها، وهي:
(١) تهيئة الأفكار، ومصدرها الملاحظة والمطالعة. وبيّن للطالب كيف يلاحظ وكيف يقرأ.
(٢) تصنيف الأفكار، ووضع خطّة القطعة الأدبية وتصوّر أجزائها.
(٣) التعبير عن الأفكار، واختيار الكلمات، وتأليف الجُمَل.
(٤) خصائص الموضوع، وهو ما نسمّيه «علم المعاني»، أي مطابقة الكلام لما تقتضيه الحال.
لم أترجم الكتاب بل عرّبته؛ أي جعلته عربيًا يتبع أساليب العرب ويأخذ الأمثلة والشواهد من بليغ كلام العرب، ونشرته فصولًا لم أجد منها إلا هذه القطعة من الفصل الأول، وليس فيه اسم الجريدة لأني كنت أقتطع الجزء الذي فيه مقالتي، فلم أعُد أعرف أين نشرتُها ولا متى.
وما أكثر الذي ضاع ممّا كتبت!
* * *
وممّا كان سنة ١٩٣١ من أحداث في تاريخ حياتي إصدار مجلة «البعث». وهاكم صورة غلاف العدد الثالث منها (١) مكتوب عليه: مجلة البعث، لبيان محاسن الإسلام والرد على أعدائه ونشر التاريخ الإسلامي والأدب القومي العفيف. أول مجلة إسلامية في دمشق، تُصدِرها أسبوعيًا جمعية التهذيب والتعليم. رئيس التحرير أبو الهيثم محمد علي الطنطاوي، المدير المسؤول الدكتور محمد لطفي عزيزيّة.
_________________
(١) تجدونها في جزء الصور والفهارس (مجاهد).
[ ٢ / ١٦١ ]
أصدرتُها وحدي أولًا بعنوان: «البعث، كتاب إسلامي يصدر في أجزاء متتالية». ثم كان الاتفاق مع «جمعية التهذيب والتعليم» على أن تأخذ الرخصة بإصدارها وتنفق عليها وتعيّن لها مديرًا مسؤولًا من أعضائها، ويكون لي أمر التحرير كله، وإن ربحَت اقتسمنا الأرباح مناصفة. ولكني لم آخذ شيئًا لأنها ما ربحَت، بل ما استمرّت. اضطُررت أنا لوقفها لأن أعضاء الجمعية وأصدقاءها، وكل من أعان على إصدارها أو شارك في نفقتها، هم وإخوانهم وأصدقاؤهم يريدون أن يصيروا كتّابًا فيها، فرأيت خيرًا لي أن أدعها وهي لا تزال تتنفّس تنفّس السقيم من أن أتركها وقد همدت أنفاسها.
وجاء بعد خمس عشرة سنة مَن أخذ اسم المجلة الإسلامية، فجعله اسمًا لحزب غير إسلامي.
* * *
[ ٢ / ١٦٢ ]
-٥١ -