«الحياةُ الحبُّ والحبُّ الحياة». هذا ما قاله شوقي، ولكني لست في هذا معه؛ فقد يموت المحبّ ويعيش ناس بلا حبّ. وما أنا من أنداد شوقي، لكن لو قال «ما العيش إلاّ الذكريات» لكان أصدق.
النبات يمتصّ حياته من أرضه بجذوره، فإن نقلتَه منها تقطّعَت فذبلَت الأوراق وتراخت العروق. والإنسان في هذا كالنبات، وجذوره ذكرياته؛ فإن نقلتَه إلى بلد ما له فيها ذكرى وما تربطه بها رابطة أحسّ كأنْ قد انقطع سلكُ حياته. فإذا أقام في البلد الجديد اتصل المنقطع، كالنبات يضرب جذورًا جديدة في المكان الجديد وتنمو وتمتدّ كلما امتدّ به المقام، فإذا أعدتَه إلى أرضه الأولى عاد إلى الذبول.
وهذه مشاعر عرفتها لما ذهبت إلى مصر للدراسة سنة ١٩٢٨، وإلى العراق للتدريس سنة ١٩٣٦، وإلى بيروت سنة ١٩٣٧. ثم قدمت المملكة سنة ١٩٦٣ وأقمت فيها إلى الآن. وإن لم أجد الاستقرار لأن دنيا طالب العلم مكتبته، ومكتبتي في
[ ١ / ٢٧ ]
الشام مودَعة في خمس وثمانين صندوقًا لم تُفتَح من إحدى عشرة سنة، ولست أدري أأكلَتها الأَرَضة أم هي سالمة لا تزال، وأنا هنا محروم منها لا أستطيع الوصول إليها، ولم أجد المحسن الكريم الذي يوصلها إليّ، بالأجرة لا بالمجّان، فما أريد إحسانًا من أحد لأن الله أغناني بإحسانه.
وقد أصبحت أزور الشام لِمامًا لمّا حيل بيني وبين زيارتها، بعد أن كتبت عنها ما لم يكتب مثلَه أحدٌ من أهلها وشاركت أهلها النضال للاستقلال. وكان آخر عهدي بها من أربع سنين (١)؛ ذهبت إليها بعدما انقطعت عنها (أو قُطِعتُ) خمسًا (٢)، فهبطت بي الطيارة في المطار الجديد، ولم أكن أعرفه من قبل، فنظرت إلى البلد من بعيد فقلت مقالة بلقيس: «كأنه هو»!
الجبل الذي يلوح لي جاثمًا على حافة الأفق هو قاسيون، وهذه المنازل الماثلات صفوفًا كالأولاد المدلّلين في حضن الأب الحاني هي أحياء السفح: «الأكراد» و«الصالحية» و«المهاجرين». وهذه العمد البيض السامقة التي تشبه إصبع المتشهد يشير بكلمة الحق نحو السماء هي مآذن المساجد. ومن نِعَم الله على أهل الشام أنه لا ينشأ فيها حيّ جديد إلاّ كان أول ما يُقام فيه المسجد، يقيمه الشعب بماله، مساجد ليست للمظهر ولا للزينة ولكن لتمتلئ بالمصلّين والدارسين، وجلهم من الشباب.
هذي دمشق، فلِمَ لا أحسّ فرحة الآيب إلى بلده؟ لماذا
_________________
(١) كتب هذا الكلام سنة ١٤٠١.
(٢) ثم لم يعد إليها قط حتى توفاه الله، عليه رحمة الله (مجاهد).
[ ١ / ٢٨ ]
أراها متغيرة في عيني؟
وتوجهت بي السيارة إلى البلد تمشي خمسة وعشرين كيلًا في بستان واحد، هو ما بقي من الغوطة الشرقية، تتماسك أشجاره تَماسُك أيدي الأصدقاء ساعة اللقاء وتتعانق فروعها تَعانُق العشّاق بعد طول الفراق، حتى بلغنا دمشق.
ولكني لم أشعر بأنها دمشق، وحسبت الطيارة ضلت الطريق إليها فهبطت غيرها. شوارع عراض، وعمارات عالية، وساحات وجسور (يسمّيها إخواننا المصريون باسمها التركي: الكباري). ولكن ما لي ولها؟ هذه مدينة جديدة طالما رأيت مثلها حيثما مشيت في مناكب الأرض (ولقد مشيت إلى أقصى الشرق من أندونيسيا وأبعد الشمال من هولندا). إنها متشابهة كالنسخة المطبوعة من الكتاب وأنا أريد نسختي المخطوطة، نسختي المفردة على ما فيها من عيوب. هل يتخلى أب عن ابنه لعيوبه ويأخذ ابن غيره المنزَّه عن العيوب؟
أريد دمشق مَربَع أسرتي، ومَرتَع صباي، ومَغنى فتوّتي. فأين هي دمشق التي تشمّمتُ ريّاها، ونشقت صَباها، ونشأت في حماها؟
أهذي هي دمشق؟ فما لها تغيرت معالمها وتبدّلت أزياؤها، وإن ازداد عمرانها وعلا بنيانها؟ ما للوجوه غدت غير الوجوه؟ كنت إن قابلت في الطريق عشرة عرفت منهم واحدًا أو اثنين وعرفني أربعة أو خمسة، فما لي اليوم أبصر مئة فلا أكاد أعرف من المئة واحدًا ولا يعرفني ثلاثة؟
[ ١ / ٢٩ ]
أبُدِّلت الدنيا أم صرت غريبًا في بلدي؟
أمّا الخيامُ فإنها كخِيامِهم وأرى نساءَ الحيّ غيرَ نسائها
وطفت في هذه الشوارع المتشابهة أفتّش عن دمشق التي عرفتها وأحببتها. ومَن يعرف دمشق (تلك) ويملك نفسَه ألاّ يحبها؟ وطفقت أسأل المحسنين من المارّين: ألا مَن يدلّني على دار الحبيب؟ ولكن ما من مجيب.
حتى هبّت نسمة من جهتها شممت فيها طيبها، فهداني أريجها إلى مكانها. فإذا أنا في ساحة «المرجة»، تلك التي كانت طرف البلد فصارت وسط القديم منه؛ ذلك أن المدن كالناس تعيش وتموت، وتنمو وتشبّ، ثم تهرم وتشيخ، وربما ولدت طفلًا فكبر الطفل فزاحمها على مكانها وأزاحها عنه.
ودخلت سوق الحميدية الذي سارت بذكره -كما يُقال- الرّكبان، ولكن وقفَت فيه المشاة، وقفت فلم تتحرك إلاّ بمثل حركة «التصوير البطيء» في الأفلام. ورحت أزاحم، ونسيت أن الأيام لم تُبقِ لي كتفًا تشق الزحام وتطيق الصدام. غامرت ودخلت وصبرت، حتى إذا صرت عند السوق الذي يصل إلى خندق القلعة (قلعة دمشق التي لا تزال باقية سليمة) انحرفت يمينًا فإذا أنا أمام مدرسة التجارة. وما مدرسة التجارة؟ إن هذا المكان أقدم وأكرم وأعظم. إن فيه مأثرة من أعظم المآثر في تاريخنا العلمي، بل في تاريخ العلم الإنساني؛ ها هنا كان أكبر مستشفى في الدنيا وأرقاه وأكمله، لم ينشأ مثله إلى عصره، هو البيمارستان النوري، أي المستشفى الذي أقامه السلطان نور الدين زنكي.
[ ١ / ٣٠ ]
لا، لن أحدّثكم هنا عن عظمته، فاذهبوا فابحثوا عن تاريخه.
ثم انعطفت يسارًا فدخلت زقاق الفخر الرازي، وفيه قبر له (ولهذا القبر قصة طريفة سأقصّها عليكم)، فمررت بين القبر وبين منزل الأديب الشاعر خليل مردم بك. وكم كانت لنا فيه من مجالس مع شيخنا عالم الشام الشيخ محمد بهجة البيطار وصديقنا (بل أستاذنا) العالم الأديب الشاعر عزّ الدين التنوخي وأستاذنا صاحب الدار، رحم الله الجميع، وأخوَيّ رفيقَي العمر، أنور العطّار الشاعر ﵀، والأستاذ سعيد الأفغاني سلّمه الله (١).
وجزت بها حتى وصلت إلى زاوية الزقاق، ومن هذه الزاوية يبدأ حديث اليوم.
* * *
في هذه الزاوية بقايا باب تدخل منه إلى دار صغيرة، تُفضي إلى صحن واسع جدًا في صدره إيوان له قوس عالية جدًا، وإلى جانبك واجهةُ قاعةٍ بعيدة الجنَبات رفيعة السقف. ولكنّ الدارَ مخرَّبةُ الجدران والقوسَ مهدّمةُ الأركان والأرضَ قد تحطّم بلاطها وتكسرت حجارتها، وفي وسطها بركة ما فيها ماء وليس عليها رواء، وحول الصحن غرف مهترئة الأبواب مخلَّعة النوافذ. والقاعة الكبيرة التي تمتدّ على نصف طول الصحن مملوءة هي والغرف بالبضائع، والحمّالون يدخلون ويخرجون يحملون
_________________
(١) توفي -﵀- بمكة سنة ١٩٩٦ ودُفن فيها (مجاهد).
[ ١ / ٣١ ]
صناديق ويُنزِلون صناديق وهم يصيحون ويصرخون.
فوقفت أنظر وفي العين عَبْرة وفي النفس عِبْرة. وتصورت أني أخرج من مكاني الذي أقف فيه ثم أنأى عنه، وانحصر ذهني في الماضي فتوهمت أنها تحققت خرافة «نفق الزمان» التي عرضها علينا الرائي هنا في يوم من الأيام: يدخل منه المرء فيسافر في الماضي يقف حيث شاء. فدخلت فإذا أنا أعود أدراجي أتخطى رقاب السنين، وأتقدّم ولكن إلى الوراء، أوغل في مسالك النفق والأيام تكرّ راجعة بي، حتى وقفت على أوائل سنة ١٩١٤.
ورأيت الدار تعود مثل مَعادي، فإذا هي كمثيلاتها من دور دمشق العِظام في تلك الأيام. الأرض تُفرَش بالحجر المنقوش والمرمر الصافي، والجدران تكتسي الرخامَ ذا الألوان والنقوش الروائع الحسان، وتتجدّد البركة ويعود إليها رواؤها ويجري فيها ماؤها، أما «القاعة» فيكون فيها مثل ما في «قاعات» الدور الكبار في الشام: «فِسْقِيّة»، وهي طبق من الرخام المجزّع والحجر المِزّي (نسبة إلى المزة في دمشق) منحوت بيدٍ صَناع مُقَرنَص الجوانب، ينصبّ فيها الماء من نوافير صغار ترسم خطوطها متعاطفًا بعضها على بعض يكون منها مثل القبة الصغيرة، إذا تكسرت عليها أشعة النور بدت كأن فيها ألفَي حجر من الألماس، ثم ينصبّ الماء من الجوانب إلى طبق مثله أكبر منه، وكذلك ينتقل الماء من طبق إلى طبق بأبرع صناعة وأجمل فنّ.
وفي هذه «القاعة» من هذا المنزل شيء لم أرَ مثله في غيره من دور دمشق الكبار. هو موقد (شومينه) من الرخام المتشابك
[ ١ / ٣٢ ]
لها مدخنة من مثله، ومن حولها ممران في الجدار، يجري فيها الماء شلالًا صغيرًا في الصيف ليبرد الجو في حين يدفّئه الموقد في الشتاء.
وفي صحن الدار أشجار لا بد من مثلها في دور دمشق: الليمون والنارِنْج، ودَوَالي العنب تمتدّ جذوعها حتى تبلغ «المَشْرَقة»، وهي سطح الدور الثاني (وأكثر المنازل من طابقين أو دورَين، أرضيّ للصيف وعلويّ للشتاء). ويُقام لدوالي العنب «عَريشة»، وهي سطح من جذوع الخشب تتمدّد عروقُها عليها، تثمر العنبَ «البلدي» (وثمرته بيضاء مستطيلة قاسية) أو «الحلواني» (وهو مستدير أشقر قاس). وكان في دارٍ لعمّي في الصالحية دَوالٍ تغطي سطوح الدار، تُنتج في السنة (حقيقة لا تقديرًا) من سبعمئةٍ إلى ألف كيل (١).
صدّقوني فلست أبالغ، لقد أقاموا مرّة في داريّا (من قرى الغوطة الغربية) معرضًا للعنب الشامي عُرض فيه مئة وأربعة أنواع من العنب.
وجدران الدار مغطّاة بأجمل أنواع النباتات المعروشات: الياسمين البلدي والمَلّيسة والياسمين العراتلي، وأنواع أخرى لا ينفعكم سرد أسمائها إن لم تذهبوا إلى الشام وتروها في دورها، وتروا في كل دار عشرات الأُصُص الصغار فيها من كل الأوراد والأزهار.
ولكن يا للأسف ويا للحسرة! لقد ذهبت تلك الدور وما
_________________
(١) كيلوغرام. وكلمة «كيلو» يونانية معناها «ألف».
[ ١ / ٣٣ ]
فيها. تلك «بيوتنا هدمناها بأيدينا» (١). كانت جنّات تجري من تحتها الأنهار، كانت مَصيفًا وكانت مشتى. كان مَن فيها حرًّا، لا يرى حُرَم جار ولا يرى جارٌ حُرَمَه، فاستبدلنا بها صناديق من الإسمنت لا تدفع حرّ الصيف ولا برد الشتاء، من كان فيها رآه جاره وهو في فراشه ورأى هو الجار، إن ضحك أو بكى أو عطس سمعه من «المَنْوَر» كل سكان العمارة!
كانت بيوتنا من خارجها كأنها مستودَعات بضاعة أو مخازن تبن، فإذا دخلت فُتح لك باب إلى الجنة، بهاؤها لأهلها لا نافذة تُفتح على طريق، بل لقد أدركت عهدًا في الشام: الدار التي يُفتح بابها على الجادّة يقلّ ثمنها، لأن الدار المرغوب فيها التي يكون بابها في «دخلة» أو «حارة».
وكانت نساؤنا كمنازلنا، يسترها عن العيون الحجاب السابغ فلا يبدو جمالها إلاّ لمن يحلّ له النظر إليها، فهُتكت الأستار عن المرأة وعن الدار! هذه هي الدور الشامية التي انتقل طرازها، لا إلى جيرانها، بل إلى الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط (الذي كان يومًا بحيرة عربية، ولا تزال شواطئه أكثرها عربي وغالبها مسلم). إنها قفزت البحر بطوله لا بعرضه، إلى الأندلس ثم إلى المغرب.
* * *
ما الذي أريد أن أقوله بعد هذه المقدمة التي نويت أن أجعلها سطورًا فصارت صفحات، وغدت مقالة كاملة؟
_________________
(١) هذا عنوان فصل، أو قصة حقيقية، في كتابي «من حديث النفس».
[ ١ / ٣٤ ]
أريد أن أقول إن المدرسة التي انتقلت إليها بعد تلك الساعات المعدودة في ذلك الكتّاب المرعب كانت في هذه الدار.
هذه هي إحدى دور أسرة مردم بك، ما زهد فيها أهلها حتى جعلوها خرابًا، بل إن صاحبها تنبّه إلى سقف القاعة، وكان -كأمثاله من السقوف القديمة- فيه أبرع النقوش وأحلاها بأثبت الألوان وأبقاها، أدرك قيمته ففكّه قبل أن يتخلّى عن الدار وباعه لمديرية الآثار، وهو محفوظ الآن في متحف الفنون الشعبية في دمشق. وهذا المتحف أقيمَ في أكمل أنموذج للدور الشامية، وهو «دار العظم»، فإن زرتم دمشق فستزورونه وترونه.
ومن أصحاب هذه الدور مَن نقل القاعة (بحجارة جدرانها وسقفها المنقوش) إلى عمارته الجديدة فجعلها في غرفة فيها، صنع ذلك لطفي الحفّار ﵀، وهو من قدماء السياسيين ومن رؤساء الوزارات.
* * *
[ ١ / ٣٥ ]
-٣ -