الْمَحْبُوبِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ عَبْدُ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَازِنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْكُرَيْمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا السُّلَيْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلاهُمْ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَحْمَدَ حَجَّابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَجْلِسُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ يَوْمَيْنِ جُلُوسًا عَامًّا فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ فِي مُسْتَشْرَفٍ لَهُ وَقَدْ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْقِصَصُ إِذْ وَقَعَتْ فِي يَدِهِ قِصَّةٌ غَيْرَ مُتَرْجَمَةٍ فِيهَا إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْمُرَ جَارِيَتَهُ فُلانَةً أَنْ تُغَنِّي ثَلاثَةَ أَصْوَاتٍ ثُمَّ يُنَفِّذَ فِيَّ مَا شَاءَ مِنْ حُكْمِهِ فَعَلَ
فَاسْتَشَاطَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا وَقَالَ يَا رَبَاحُ عَلَيَّ بِصَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَخَرَجَ النَّاسُ جَمِيعًا فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ غُلامٌ كَمَا عَذَّرَ كَأَهْيَإِ الْفِتْيَانِ وَأَحْسَنِهِمْ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ يَا غُلامُ أَهَذِهِ قِصَّتُكَ قَالَ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ وَمَا الَّذِي غَرَّكَ مِنِّي وَاللَّهِ لأُمَثِّلَنَّ بِكَ وَلأَرْدَعَنَّ بِكَ نُظَرَاءَكَ مِنْ أَهْلِ الْجَسَارَةِ
عَلَيَّ بِالْجَارِيَةِ فَجِيءَ بِجَارِيَةٍ كَأَنَّهَا فَلْقَةُ قَمَرٍ وَبِيَدِهَا عُودٌ فَطُرِحَ لَهَا كُرِسِيٌّ وَجَلَسَتْ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُرْهَا يَا غُلامُ فَقَالَ لَهَا غَنِّينِي يَا جَارِيَةُ بِشِعْرِ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ
لَقَدْ كُنْتُ حَسْبَ النَّفْسِ لَوْ دَامَ وُدُّنَا وَلَكِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعُ غُرُورِ
وَكُنَّا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْهَوَى بِأَنْعَمِ حَالَيْ غِبْطَةٍ وَسُرُورِ
فَمَا بَرِحَ الْوَاشُونَ حَتَّى بَدَتْ لَنَا بُطُونُ الْهَوَى مَقْلُوبَةً بِظُهُورِ
[ ٣٥٥ ]
قَالَ فَخَرَجَ الْغُلامُ مِنْ جَمِيعِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ تَخْرِيقًا ثُمَّ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ مُرْهَا تُغَنِّيكَ الصَّوْتَ الثَّانِي فَقَالَ غَنِّينِي بِشِعْرِ جَمِيلٍ
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادِي الْقُرَى إِنِّي إِذَنْ لَسَعِيدُ
إِذَا قُلْتُ مَا بِي يَا بُثَيْنَةُ قَاتِلِي مِنَ الْحُبِّ قَالَتْ ثَابِتٌ وَيَزِيدُ
وَإِن قُلْتُ رُدِّي بَعْضَ عَقْلِي أَعِشْ بِهِ مَعَ النَّاسِ قَالَتْ ذَاكَ مِنْكَ بَعِيدُ
فَلا أَنَا مَرْدُودٌ بِمَا جِئْتُ طَالِبًا وَلا حُبُّهَا فِيمَا يَبِيدُ يَبِيدُ
يَمُوتُ الْهَوَى مِنِّي إِذَا مَا لَقِيتُهَا وَيَحْيَا إِذَا فَارَقْتُهَا فَيَعُودُ
فَغَنَّتْهُ الْجَارِيَةُ فَسَقَطَ الْغُلامُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ مُرْهَا فَلْتُغَنِّكَ الصَّوْتَ الثَّالِثَ فَقَالَ يَا جَارِيَةُ غَنِّينِي بِشِعْرِ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ الْمَجْنُونِ
وَفِي الْجِيرَةِ الْغَادِينَ مِنْ بَطْنِ وَجْرَةٍ غَزَالٌ غَضِيضُ الْمُقْلَتَيْنِ رَبِيبُ
فَلا تَحْسَبِي أَنَّ الْغَرِيب الَّذِي نأى وَلَك مَنْ تَنْئِينَ عَنْهُ غَرِيبُ
فَغَنَّتْهُ الْجَارِيَةُ فَطَرَحَ الْغُلامُ نَفْسَهُ مِنَ الْمُسْتَشْرَفِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَى الأَرْضِ حَتَّى تَقَطَّعَ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَيْحَهُ لَقَدْ عَجَّلَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَقَدْ كَانَ تَقْدِيرِي فِيهِ غَيْرَ الَّذِي فَعَلَ وَأَمَرَ فَأُخْرِجَتِ الْجَارِيَةُ عَنْ قَصْرِهِ ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الْغُلامِ فَقَالُوا غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إِلا أَنَّهُ مُنْذُ ثَلاثٍ يُنَادِي فِي الأَسْوَاقِ وَيَدُهُ عَلَى رَأْسِهِ
غَدًا يَكْثُرُ الْوَاشُونَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَتَزْدَادُ دَارِي عَنْ دِيَارِكُمْ بُعْدَا
قُلْتُ وَقَدْ رَوَى لَنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا جَرَى فِي مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَبَلَغَنَا عَنِ الْجَاحِظِ أَنَّهُ قَالَ قَعَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمًا لِلْمَظَالِمِ وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ الْقِصَصُ فَمَرَّتْ بِهِ قِصَّةٌ فِيهَا إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُخْرِجَ إِلَيَّ فُلانَةُ يَعْنِي إِحْدَى جَوَارِيهِ تُغَنِّي ثَلاثَةَ أَصْوَاتٍ فَعَلَ
فَاغْتَاظَ سُلَيْمَانُ وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ إِلَيْهِ فَيَأْتِيَهُ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أُتْبِعَ الرَّسُولُ بِرَسُولٍ آخَرَ
[ ٣٥٦ ]
فَأَمَرَ أَنْ يُدْخَلَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ فَأُدْخِلَ فَلَمَّا مَثَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ الثِّقَةُ بِحِلْمِكَ وَالاتِّكَالُ عَلَى عَفْوِكَ
فَأَمَرَهُ بِالْقُعُودِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَحَدٌ أَمَرَ فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِ الْجَارِيَةُ وَمَعَهَا عُودٌ ثُمَّ قَالَ لَهُ اخْتَرْ فَقَالَ تُغَنِّي بِقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ
تَعَلَّقَ رُوحِي رُوحَهَا قَبْلَ خَلْقِنَا وَمن بعد مَا كُنَّا فطاما وَفِي الْمَهْدِ
فَعَاشَ كَمَا عِشْنَا فَأَصْبَحَ نَامِيًا وَلَيْسَ وَإِنْ مِتْنَا بِمُنْتَقِضِ الْعَهْدِ
وَلَكِنَّهُ بَاقٍ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ وَزَائِرُنَا فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ
يَكَادُ فَضِيضَ الْمَاءِ يَخْدُشُ جِلْدَهَا إِذَا اغْتَسَلَتْ بِالْمَاءِ مِنْ رِقَّةِ الْجِلْدِ
وَإِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى رِيحِ جِيبِهَا كَمَا اشْتَاقَ إِدْرِيسُ إِلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ
فَغَنَّتْ ثُمَّ قَالَ تَأْمُرُ لِي بِرَطْلٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ قَالَ تُغَنِّي بِقَوْلِ جَمِيلٍ
عَلَقْتُ الْهَوَى مِنْهَا وَلِيدًا فَلَمْ يَزَلْ إِلَى الْيَوْمِ يُنْمَى حُبُّهَا وَيَزِيدُ
وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي بِانْتِظَارِ نُوَالِهَا وَنِلْتُ بِذَاكَ الدَّهْرَ وَهُوَ جَدِيدُ
فَلا أَنَا مَرْدُودٌ بِمَا جِئْتُ طَالِبًا وَلا حُبُّهَا فِيمَا يُبِيدُ يَبِيدُ
إِذَا قُلْتُ مَا بِي يَا بُثَيْنَةُ قَاتِلِي مِنَ الْحبّ قَالَت ثَابت وَيزِيد
وَإِنِّي قُلْتُ رُدِّي بَعْضَ عَقْلِي أَعِشْ بِهِ مَعَ النَّاسِ قَالَتْ ذَاكَ مِنْكَ بَعِيدُ
فَغَنَّتْ فَقَالَ لَهُ سلميان قُلْ مَا تُرِيدُ قَالَ تَأْمُرُ لِي بِرَطْلٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ قَالَ تُغَنِّي بِقَوْلِ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ
لَقَدْ كُنْتُ حَسْبَ النَّفْسِ لَوْ دَامَ وُدُّنَا وَلَكِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعُ غُرُورِ
وَكُنَّا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ الْهَوَى بِأَحْسَنِ حَالِي غِبْطَةٍ وَسُرُورِ
فَمَا بَرِحَ الْوَاشُونَ حَتَّى بَدَتْ لَنَا بُطُونُ الْهَوَى مَقْلُوبَةً بِظُهُورِ
[ ٣٥٧ ]
فَغَنَّتْ فَقَالَ سُلَيْمَانُ قُلْ مَا تَشَاءُ قَالَ تَأْمُرُ لِي بِرَطْلٍ فَمَا اسْتَتَمَّهُ حَتَّى وَثَبَ فَصَعَدَ إِلَى أعلا قُبَّةٍ ثُمَّ زَجَّ نَفْسَهُ عَلَى دِمَاغِهِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
أَتَرَاهُ تَوَهَّمَ الْجَاهِلُ أَنِّي أُخْرِجُ إِلَيْهِ جَارِيَتِي وَأَرُدَّهَا إِلَى مُلْكِي يَا غُلامُ خُذْ بِيَدِهَا فَانْطَلِقْ بِهَا إِلَى أَهْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ وَإِلا فَبِيعُوهَا وَتَصَدَّقُوا بِثَمَنِهَا عَنْهُ
فَلَمَّا انْطَلَقُوا بِهَا نَظَرَتْ إِلَى حُفَيْرَةٍ فِي دَارِ سُلَيْمَانَ قَدْ أُعِدَّتْ لِلْمَطَرِ فَجَذَبَتْ يَدَيْهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ وَجَعَلَتْ تَقُولُ
مَنْ مَاتَ عِشْقًا فَلْيَمُتْ هَكَذَا لَا خَيْرَ فِي عِشْقٍ بِلا مَوْتِ
فَزَجَّتْ نَفْسَهَا فِي الْحُفَيْرَةِ عَلَى دِمَاغِهَا فَمَاتَتْ
قُلْتُ وَبَلَغَنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا جرى فِي ملجس الرَّشِيدِ فَأَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَخْرَمِيُّ قَالَ اشْتَرَيْتُ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ جَارِيَةً مَدَنِيَّةً فَأُعْجِبَ بِهَا وَأَمَرَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ أَنْ يَبْعَثَ فِي حَمْلِ أَهْلِهَا وَمَوَالِيهَا لَيَنْصَرِفُوا بِجَوَائِزَهَا وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَشْرِيفَهَا فَوَفَدَ إِلَى مَدِينَةِ السَّلامِ ثَمَانُونَ رَجُلا وَوَفَدَ مَعَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ اسْتَوْطَنَ الْمَدِينَةَ كَانَ يَهْوَى الْجَارِيَةَ فَلَمَّا بَلَغَ الرَّشِيدُ خَبَرَهُمْ أَمَرَ الْفَضْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ فَيَكْتُبَ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَحَاجَتِهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى الْعِرَاقِيِّ قَالَ لَهُ مَا حَاجَتُكَ فَقَالَ لَهُ إِنْ أَنْتَ كَتَبْتَهَا وَضَمِنْتَ لِي عَرْضَهَا مَعَ مَا تَعْرِضُ أَنْبَأْتُكَ بِهَا فَقَالَ أَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَالَ حَاجَتِي أَنْ أَجْلِسَ مَعَ فُلانَةَ حَتَّى تُغَنِّيَنِي بِثَلاثَةِ أَصْوَاتٍ وَأَشْرَبَ ثَلاثَةَ أَرْطَالٍ وَأَخْبَرَهَا بِمَا تُجِنُّ ضُلُوعِي مِنْ حُبِّهَا
[ ٣٥٨ ]
فَقَالَ الْفَضْلُ أَنْتَ مُوَسْوَسٌ مَدْخُولٌ عَلَيْكَ فِي عَقْلِكَ فَقَالَ يَا هَذَا قَدْ أُمْرِتَ أَنْ تَكْتُبَ مَا يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فَاكْتُبْ مَا أَقُولُ وَاعْرِضْهُ فَإِنْ أُجِبْتَ إِلَيْهِ وَإِلا فَأَنْتَ فِي أَوْسَعِ الْعُذْرِ
فَدَخَلَ الْفَضْلُ مُغَضَّبًا فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشِيدِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ مَا كَتَبَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِمْ وَاحِدٌ مَجْنُونٌ سَأَلَ مَا أَجِلَّ مَجْلِسَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ التَّفَوُّهِ بِهِ فَقَالَ قُلْ وَلا تَجْزَعَنَّ فَقَالَ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ اخْرُج إِلَيْهِ وَقل لَهُ إِذا كَانَ بعد ثَلَاث فَاحْضُرْ لننجز لَك مَا سَأَلت وَكن أَنْت تتولى الاسْتِئْذَان لَهُ ودعا بخادم فَقَالَ امْضِ إِلَى فُلَانَة فَقل لَهَا قد حضر رجل سَأَلَ كَذَا وَكَذَا وَقد أجبناه إِلَى مَا سَأَلَ فكوني على أهبة
ثمَّ خرج الْفضل إِلَى الْفَتى فَأدى إِلَيْهِ مَا قَالَ الرَّشِيدُ فَانْصَرَفَ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَضَرَ وَعَرَفَ الرَّشِيدُ خَبَرَهُ فَقَالَ يُلْقَى لَهُ بِحَيْثُ أُرِيَ كُرِسِيٌّ مِنْ فِضَّةٍ وَلِلْجَارِيَةِ كُرِسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ وَلْيَخْرُجْ إِلَيْهِ ثَلاثَةُ أَرْطَالٍ فَجَلَسَ الْفَتَى عَلَى الْكُرِسِيِّ وَالْجَارِيَةُ بِإِزَائِهِ يُحَدِّثُهَا وَالرَّشِيدُ يَرَاهُمَا فَقَالَ الْخَادِم لم تدخل لِتَشْتَوِي وَتُصَيِّفِ فَأَخَذَ رَطْلا وَخَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ إِذَا شِئْتِ أَنْ تُغَنِّي فَغَنِّي
خَلِيلَيَّ عُوجَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِنْدٌ بِأَرْضِكُمَا قَصْدَا
وَقُولا لَهَا لَيْسَ الضَّلالُ أَجَازَنَا وَلَكِنَّمَا جُزْنَا لِنَلْقَاكُمْ عَمْدَا
غَدًا يَكْثُرُ الْبَاكُونَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَتَزْدَادُ دَارِي مِنْ دِيَارِكُمْ بُعْدَا
فَغَنَّتْ ثُمَّ شَرِبَ الرَّطْلَ وَحَادَثَهَا سَاعَةً فَاسْتَحَثَّهُ الْخَادِمُ فَأَخَذَ الرَّطْلَ بَيَدِهِ وَقَالَ غَنِّي جعلني الله فدك
تَكَلَّمُ مِنَّا فِي الْوُجُوهِ عُيُونَنَا فَنَحْنُ سُكُوتٌ وَالْهَوَى يَتَكَلَّمُ
وَنَغْضَبُ أَحْيَانًا وُنَرْضَى بِطَرْفِنَا وَذَلِكَ فِيمَا بَيْنَنَا لَيْسَ يُعْلَمُ
[ ٣٥٩ ]
فَغَنَّتْهُ فَشَرِبَ الرَّطْلَ الثَّانِي وَحَادَثَهَا سَاعَةً فَاسْتَعْجَلَهُ الْخَادِمُ فَخَرَّ سَاجِدًا يَبْكِي وَأَخَذَ الرَّطْلَ بِيَدِهِ وَاسْتَوْدَعَهَا اللَّهَ وَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ وَدُمُوعِهِ تَسْتَبِقُ اسْتِبَاقَ الْمَطَرِ وَقَالَ إِذَا شِئْتِ أَنْ تُغَنِّي فَغَنِّي
أَحْسَنَ مَا كَنَّا تَفَرَّقْنَا وَخَانَنَا الدَّهْرُ وَمَا خُنَّا
فَلَيْتَ ذَا الدَّهْرِ لَنَا مَرَّةً عَادَ لَنَا يَوْمًا كَمَا كُنَّا
فغنته الصَّوْت فَقلت الْفَتَى طَرْفَهُ فَبَصَرَ بِدَرَجَةٍ فَأَمَّهَا فَاتَّبَعَهُ الْخَدَمُ لِيَهْدُوهُ الطَّرِيقَ فَفَاتَهُمْ وَصَعَدَ الدَّرَجَةَ فَأَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى الأَرْضِ عَلَى رَأْسِهِ فَخَرَّ مَيِّتًا فَقَالَ الرَّشِيدُ عَجِلَ الْفَتَى وَلَوْ لَمْ يَعْجَلْ وَهَبْنَاهَا لَهُ
أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْحَافِظُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْيَزِيدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْبَرَكَاتِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ حَسَنُ بْنُ الأَشْكُرِيُّ الْمِصْرِيُّ قَالَ كُنْتُ مِنْ جُلَّاسِ الأَمِيرِ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ وَمِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ جِدًّا قَالَ فَبَعَثَ إِلَيَّ بَغْدَادَ فَاشْتَرَيْتُ لَهُ جَارِيَةً رَائِعَةً مِنْ أَفْضَلِ مَا وُجِدَ فِي الْحسن والغناء فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ أَقَامَ دَعْوَة لجلسائه قَالَ وَأَنَا فِيهِمْ ثُمَّ وُضِعَتِ السِّتَارَةُ فَأَمَرَهَا بِالْغِنَاءِ فَغَنَّتْ
وَبَدَا لَهُ مِنْ بَعْدِ مَا انْدَمَلَ الْهَوَى بَرْقٌ تَأَلَّقَ مَوْهِنًا لَمَعَانُهُ
يَبْدُو كَحَاشِيَةِ الرِّدَاءِ وَدُونَهُ صَعْبُ الذُّرَى مَتَمَنِّعٌ أَرْكَانُهُ
فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ هَذَانِ الْبَيْتَانِ
فَبَدَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ لاحَ فَلَمْ يُطِقْ نظرا إِلَيْهِ وصده سحانه
[ ٣٦٠ ]
فَالنَّارُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ضُلُوعُهُ وَالْمَاءُ مَا سَمَحَتْ بِهِ أَجْفَانُهُ
قَالَ فَأَحْسَنَتْ مَا شَاءَتْ وَطَرِبَ تَمِيمٌ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ ثُمَّ غَنَّتْ
سَيُسْلِيكَ عَمَّا فَاتَ دَوْلَةُ مُفْضِلٍ أَوَائِلُهُ مَحْمُودَةٌ وَأَوَاخِرُهُ
ثَنَى الله غطفيه وَأَلَّفَ شَخْصُهُ عَلَى الْبِرِّ مُذْ شُدَّتْ عَلَيْهِ مَآزِرُهُ
فَطَرَبَ الأَمِيرُ تَمِيمٌ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ طَرَبًا شَدِيدًا ثُمَّ غَنَّتْ
أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ فِي بَغْدَادَ لِي قَمَرًا بِالْكَرْخِ مِنْ فَلَكِ الأَزْرَارِ مَطْلَعُهُ
فَاشْتَدَّ طَرَبُ الأَمِيرِ تَمِيمٌ وَأَفْرَطَ جِدًّا ثُمَّ قَالَ لَهَا تَمَنِّي مَا شِئْتِ فَلَكِ مُنَاكِ فَقَالَتْ أَتَمَنَّى عَافَيَةَ الأَمِيرِ وَبَقَاءَهُ فَقَالَ وَاللَّهِ لَا بُدَّ لَكَ أَنْ تَتَمَنِّي فَقَالَتْ عَلَى الْوَفَاءِ أَيُّهَا الأَمِيرُ بِمَا أَتَمَنَّى فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَتْ لَهُ أَنْ أُغَنِّي هَذِهِ النَّوْبَةَ بِبَغْدَادَ قَالَ فَاسْتَنْقَعَ لَوْنُ تَمِيمٍ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَتَكَدَّرَ الْمَجْلِسُ وَقَامَ وَقُمْنَا كُلُّنَا قَالَ
ابْنُ الأَشْكُرِيُّ فَلَحِقَنِي بَعْضُ خَدَمِهِ وَقَالَ لِي ارِجِعْ فَالأَمِيرُ يَدْعُوكَ فَرَجَعْتُ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا يَنْتَظِرُنِي فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ وَيْحَكَ أَرَأَيْتَ مَا امْتُحِنَّا بِهِ قُلْتُ نَعَمْ أَيُّهَا الأَمِيرُ فَقَالَ لَا بُدَّ مِنَ الْوَفَاءِ لَهَا وَمَا أَثِقُ فِي هَذَا بِغَيْرِكَ فَتَأَهَّبْ لِتَحْمِلَهَا إِلَى بَغْدَادَ فَإِذَا غَنَّتْ هُنَاكَ فَاصْرِفْهَا فَقُلْتُ سَمْعًا وَطَاعَةً
[ ٣٦١ ]
قَالَ ثُمَّ قُمْتُ وَتَأَهَّبْتُ وَأَمَرَ لَهَا بِالتَّأَهُّبِ وَأَصْحَبَهَا جَارِيَةً سَوْدَاءَ تُعَادِلُهَا وَتَخْدُمُهَا وَأَمَرَ بِنَاقَةٍ وَمَحْمَلٍ فأدخلت فِيهِ وَجعلهَا معي ثمَّ سرت إِلَى مَكَّة مَعَ الْقَافِلَة فقضينا حجنا ثمَّ دَخَلنَا فِي قافلة الْعرَاق وسرنا
قَالَ فَلَمَّا وَرَدْنَا الْقَادِسِيَّةَ أَتَتْنِي السَّوْدَاء عَنْهَا فَقَالَت تَقول لَك سيدتي أَيْن نَحن فَقلت لَهَا نَحن نزُول بالقادسية فَانْصَرَفت إِلَيْهَا وأخبرتها فَلم ألبث أَنْ سَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ بِالْغِنَاءِ
لَمَّا وَرَدْنَا الْقَادِسِيَّةَ حَيْثُ مُجْتَمَعِ الرِّفَاقِ
وَشَمَمْتُ مِنْ أَرْضِ الِعْرَاقِ نَسِيمَ أَنْفَاسِ الْعِرَاقِ
أيقنت لي وَلمن أحب م بَجَمْعِ شَمْلٍ وَاتِّفَاقِ
وَضَحِكْتُ مِنْ فَرَحِ اللِّقَاءِ كَمَا بَكَيْتُ مِنَ الْفِرَاقِ
فَتَصَايَحَ النَّاسُ مِنْ أَقْطَارِ الْقَافِلَةِ أَعِيدِي بِاللَّهِ أَعِيدِي بِاللَّهِ
قَالَ فَمَا سَمِعَ لَهَا كَلِمَةً
قَالَ ثُمَّ نَزَلْنَا بِالْيَاسِرِيَّةِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ بَغْدَادَ قَرِيبٌ فِي بَسَاتِينٍ مُتَّصِلَةٌ يَنْزِلُ النَّاسُ بِهَا فَيَبِيتُونَ لَيْلَتَهُمْ ثُمَّ يُبْكِرُونَ لِدُخُولِ بَغْدَادَ
فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الصَّبَاحِ إِذَا أَنَا بِالسَّوْدَاءِ قَدْ أَتَتْنِي مَذْعُورَةً
فَقُلْتُ مَالَكِ قَالَتْ إِنَّ سَيَّدَتِي لَيْسَتْ حَاضِرَةً
فَقُلْتُ وَأَيْنَ هِيَ
قَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي
قَالَ فَلَمْ أَحُسْ لَهَا أَثَرًا بَعْدُ وَدَخَلْتُ بَغْدَادَ وَقَضَيْتُ حَوَائِجِي بِهَا وَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاغْتَمَّ لَهُ ثُمَّ مَا زَالَ ذَاكِرًا لَهَا وَاجِمًا عَلَيْهَا
[ ٣٦٢ ]
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْفَرَجِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ النَّرْسِيُّ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا بِحَضْرَةِ أَبِي وَأَنَا حَدَثٌ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ فَحَدَّثَنِي حَدِيثَ وُصُولِ النِّعَمِ إِلَى النَّاس بالألوان الظريفة
وَكَانَ مِمَّن حضر صديق لأبي فَسَمعته يُحَدِّثُ أَبِي قَالَ حَضَرْتُ عِنْدَ صَدِيقٍ لِي مِنَ التُّجَارِ كَانَ يُحْزَرُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ فِي دَعْوَةٍ وَكَانَ حَسَنَ الْمُرُوءَةِ فَقَدَّمَ مَائِدَتَهُ وَقَدَّمَ عَلَيْهَا دنكيريكة فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا فَامْتَنَعْنَا فَقَالَ كُلُوا فَإِنِّي أَتَأَذَّى بِأَكْلِ هَذَا اللَّوْنِ فَقُلْنَا فَنُسَاعِدُكَ عَلَى تَرْكِهِ فَقَالَ بَلْ أُسَاعِدُكُمْ عَلَى الأَكْلِ وَاحْتَمَلَ الأَذَى فَأَكَلَ فَلَمَّا أَرَادَ غَسْلَ يَدِهِ أَطَالَ فَعَدَدْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ غَسَلَهَا أَرْبَعِينَ مَرَّةً فَقُلْتُ يَا هَذَا أَوَسْوَسْتَ فَقَالَ هَذِهِ الأَذَيَّةِ الَّتِي فَرَقَتُ مِنْهَا قُلْتُ وَمَا سَبَبُهَا فَامْتَنَعَ مِنْ ذِكْرِهَا فَأَلْحَحْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَاتَ أَبِي وَسِنِّي عِشْرُونَ سَنَةً وَخَلَّفَ لِي نِعْمَةً صَغِيرَةً وَرَأْسَ مَالٍ وَمَتَاعًا فِي دُكَّانِهِ وَكَانَ دُكَّانُنَا فِي الْكَرْخِ فَقَالَ لِي لَمَّا حَضرته الْوَفَاة يابني إِنَّهُ لَا وَارِثَ لِي غَيْرُكَ وَلا دَيْنَ عَلَيَّ وَلا مَظْلَمَةَ فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْسِنْ جِهَازِي وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِكَذَا وَكَذَا وَأَخْرِجْ عَنِّي حَجَّةً بِكَذَا وَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي الْبَاقِي وَلَكِنِ احْفَظْ وَصِيَّتِي فَقُلْتُ قُلْ
قَالَ لَا تُسْرِفْ فِي مَالِكَ فَتَحْتَاجَ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَلا تَجِدْهُ وَاعْلَمْ
[ ٣٦٣ ]
أَنَّ الْقَلِيلَ مَعَ الإِصْلاحِ كَثِيرٌ وَالْكَثِيرُ مَعَ الْفَسَادِ قَلِيلٌ فَالْزَمِ السُّوقَ وَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُهَا وَآخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَدْخُلَهَا سَحَرًا بِلَيْلٍ فَافْعَلْ فَإِنَّكَ تَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ فَوَائِدَ تَكْشِفُهَا لَكَ الأَيَّامُ
وَمَاتَ فَأَنْفَذْتُ وَصِيَّتَهُ وَعَمِلْتُ بِمَا أَشَارَ بِهِ وَكُنْتُ أَدْخُلُ السُّوقَ سَحَرًا وَأَخْرُجُ مِنْهُ عَشِيًا فَلا أُعْدَمُ مَنْ يَجِيئُنِي يَطْلُبُ كَفَنًا فَلا يَجِدُ مَنْ فَتَحَ غَيْرِي فَأَحْكُمُ عَلَيْهِ وَمَنْ يَبِيعُ شَيْئًا وَالسُّوقُ لَمْ يَقُمْ فَأَبِيعُهُ لَهُ وَأَشْيَاءَ مِنْ صِنْفِ هَذِهِ الْفَوَائِدِ
وَمَضَى عَلَى لُزُومِي السُّوقَ سَنَةٌ وَكَسْرُ فَصَارَ لِي بِذَلِكَ جَاهٌ عِنْدَ أَهْلِهَا وَعَرَفُوا اسْتِقَامَتِي فَأَكْرَمُونِي فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ يَوْمًا وَلَمْ يَتَكَامَلَ السُّوقُ إِذَا بِامْرَأَةٍ رَاكِبَةٍ حِمَارًا مِصْرِيًّا وَعَلَى كَفَلِهِ مِنْدِيلٌ دَبِيقِيٌّ وَخَادِمٌ وَهِيَ بِزِيِّ الْقَهْرَمَانَةِ فَبَلَغَتْ آخِرَ السُّوقِ ثُمَّ رَجَعَتْ فَنَزَلَتْ عِنْدِي فَقُمْتُ إِلَيْهَا وَأَكْرَمْتُهَا وَقُلْتُ لَهَا مَا تَأْمُرِينَ وَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا بِامْرَأَةٍ لَمْ أَرَ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا إِلَى الآنَ أَحْسَنَ مِنْهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ فَتَكَلَّمَتْ وَقَالَتْ أُرِيدُ كَذَا وَأُرِيدُ كَذَا ثِيَابًا طَلَبَتْهَا فَسَمِعْتُ نَغَمَةً وَرَأَيْتُ شَكْلا قَتَلَنِي وَعِشْقُتَهَا فِي الْحَالِ أَشَدَّ الْعِشْقِ وَقُلْتُ اصْبِرِي حَتَّى يَخْرُجَ النَّاسُ فَآخُذَ لَكَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عِنْدِي إِلا الْقَلِيلُ مِمَّا يَصْلُحُ لَكِ وَأَخْرَجْتُ الَّذِي كَانَ عِنْدِي
فَجَلَسَتْ تُحَادِثُنِي وَالسَّكَاكِينُ فِي فُؤَادِي مِنْ عِشْقِهَا وَكَشَفَتْ عَنْ أَنَامِلَ رَأْيُهَا كَالطَّلْعِ وَوَجْهٍ كَدَارَةِ الْقَمَرِ فَقُمْتُ لِئَلا يَزِيدَ عَلَيَّ الأَمْرُ وَأَخَذْتُ
[ ٣٦٤ ]
لَهَا مِنَ السُّوقِ مَا أَرَادَتْ وَكَانَ ثَمَنُهُ مَعَ مَا هُوَ لي نَحْو خَمْسمِائَة دِينَارٍ فَأَخَذَتْهُ وَرَكِبَتْ وَلَمْ تُعْطِنِي شَيْئًا وَذَهَبَ عَنِّي لِمَا تَدَاخَلَنِي مِنْ شَهْوَتِهَا أَنْ أَمْنَعَهَا مِنَ الْمَتَاعِ إِلا بِالْمَالِ أَوْ أَسْتَدِّلُ مَنْزِلَهَا وَمَنْ دَارِ مَنْ هِيَ
فَحِينَ غَابَتْ عَنِّي وَقَعَ لِي أَنَّهَا مُحْتَالَةٌ وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ فَقْرِي فَتَحَيَّرْتُ فِي أَمْرِي وَقَامَتْ قِيَامَتِي وَكَتَمْتُ خَبَرِي لِئَلا أَفْتَضِحَ بِمَا لِلنَّاسِ عَلَيَّ وَعَمِلْتُ عَلَى بَيْعِ مَا فِي يَدِي مِنَ الْمَتَاعِ وَإِضَافَتِهِ إِلَى مَا عِنْدِي مِنَ الدَّرَاهِمِ وَدَفْعِ أَمْوَالِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ وَلُزُومِ الْبَيْتِ وَالاقْتِصَارِ عَلَى غَلَّةِ الْعَقَارِ الَّذِي وَرِثْتُهُ وَوَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى الْمِحْنَةِ وَأَخَذْتُ أَشْرُعُ فِي ذَلِكَ مُدَّةَ أُسْبُوعٍ فَإِذَا بِهَا قَدْ نَزَلَتْ عِنْدِي
فَحِينَ رَأَيْتُهَا أُنْسِيتُ جَمِيعَ مَا جَرَى عَلَيَّ وَقُمْتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ يَا فَتًى تَأَخَّرْنَا عَنْكَ لِشُغْلٍ عَرَضَ لَنَا وَمَا شَكَكْنَا فِي أَنَّكَ لَمْ تَشُكَّ أَنَّا احْتَلْنَا عَلَيْكَ فَقُلْتُ قَدْ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَكِ عَنْ هَذَا فَقَالَتْ هَاتِ التَّخْتَ والطيار فأحضرته فَأَخْرَجَتْ دَنَانِيرَ عُتْقًا فَوَفَّتْنِي الْمَالَ بِأَسْرِهِ وَأَخْرَجَتْ تَذْكَرَةً بِأَشْيَاءٍ أُخَرَ فَأَنْفَذْتُ إِلَى التُّجَّارِ أَمْوَالَهُمْ وَطَلَبْتُ مِنْهُمْ مَا أَرَادَتْ وَحَصَّلْتُ أَنَا فِي الْوَسَطِ رِبْحًا جَيِّدًا وَأَحْضَرَ التُّجَّارُ الثِّيَابَ فَقُمْتُ وَثَمَّنْتُهَا مَعَهُمْ لِنَفْسِي ثُمَّ بِعْتُهَا عَلَيْهَا بِرِبْحٍ عَظِيمٍ وَأَنَا فِي خِلالِ ذَلِكَ أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَظَرَ تَالِفٍ مِنْ حُبِّهَا وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ قَدْ فَطِنَتْ بِذَلِكَ وَلَمْ تُنْكِرْهُ فَهَمَمْتُ بِخِطَابِهَا وَلَمْ أَقْدِرْ أُقْدِمْ فَاجْتَمَعَ الْمَتَاعُ وَكَانَ ثَمَنُهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَخَذَتْهُ وَرَكِبَتْ وَلَمْ أَسْأَلْهَا عَنْ مَوْضِعِهَا فَلَمَّا غَابَتْ عَنِّي قُلْتُ هَذَا الآنَ هُوَ الْحِيلَة المحكمة أعطتني خَمْسمِائَة دِينَارٍ وَأَخَذَتْ أَلْفَ دِينَارٍ وَلَيْسَ إِلا بَيْعُ عَقَارِي الآنَ وَالْحُصُولُ عَلَى الْفَقْرِ الْمُدْقِعِ
ثُمَّ سَمِحَتْ نَفْسِي بِرُؤْيَتِهَا مَعَ الْفَقْرِ وَتَطَاوَلَتْ غَيْبَتَهَا نَحْوَ شَهْرٍ وَأَلَحَّ التُّجَارُ
[ ٣٦٥ ]
علَيَّ بِالْمُطَالَبَةِ فَعَرَضْتُ عَقَارِي لِلْبَيْعِ وَلازَمَنِي بَعْضُ التُّجَّارِ فَوَزَنْتُ جَمِيعَ مَا كُنْتُ أَمْلِكُهُ وَرِقًا وَعَيْنًا فَأَنَا كَذَلِكَ إِذْ نَزَلَتْ عِنْدِي فَزَالَ عَنِّي جَمِيعُ مَا كُنْتُ فِيهِ بِرُؤْيَتِهَا
فَاسْتَدْعَتِ الطَّيَّارَ وَالتَّخْتَ فَوَزَنَتِ الْمَالَ وَقَدَّمَتْ لِي تَذْكَرَةً يَزِيدُ مَا فِيهَا عَلَى أَلْفَيْ دِينَارٍ بِكَثِيرٍ فَتَشَاغَلْتُ بِإِحْضَارِ التُّجَّارِ وَدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إِلَيْهِمْ وَأَخْذِ الْمَتَاعِ مِنْهُمْ فَطَالَ الْحَدِيثُ بَيْنَنَا فَقَالَتْ يَا فَتًى لَكَ زَوْجَةٌ فَقُلْتُ لَا وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُ امْرَأَةً قَطُّ وَأَطْمَعَنِي ذَلِكَ فِيهَا وَقُلْتُ هَذَا وَقْتُ خِطَابُهَا وَالإِمْسَاكُ عَنْهَا عَجْزٌ وَلَعَلَّهَا تَعُودُ أَوْ لَا تَعُودُ
وَأَرَدْتُ كَلامَهَا فَهِبْتُهَا وَقُمْتُ كَأَنَّنِي أَحُثُّ التُّجَّارَ عَلَى جَمْعِ الْمَتَاعِ وَأَخَذْتُ يَدَ الْخَادِمَ وَأَخْرَجْتُ إِلَيْهِ دَنَانِيرَ وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَقْضِيَ لِي حَاجَةً فَقَالَ أَفْعَلُ وَأُبَلِّغُ لَكَ مَحَبَّتَكَ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتِي وَسَأَلْتُهُ تَوَسُّطَ الأَمْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا فَضَحِكَ وَقَالَ إِنَّهَا لَكَ أَعْشَقُ مِنْكَ لَهَا وَاللَّهِ مَا بِهَا حَاجَةٌ إِلَى أَكْثَرِ هَذَا الَّذِي تَشْتَرِيهِ وَإِنَّمَا تَجِيئُكَ مَحَبَّةً لَكَ وَطَرِيقًا إِلَى مُطَاوَلَتِكَ فَخَاطِبْهَا بِظُرْفٍ وَدَعْنِي فَإِنِّي أَفْرُغُ لَكَ مِنَ الأَمْرِ
فَجَسَّرَنِي بِذَلِكَ عَلَيْهَا فَخَاطَبْتُهَا وَكَشَفْتُ لَهَا عِشْقِي وَمَحَبَّتِي وَبَكَيْتُ فَضَحِكَتْ وَتَقَبَّلَتْ ذَلِكَ أَحْسَنَ تَقَبُّلٍ وَقَالَتْ الْخَادِمُ يَجِيئُكَ بِرَسَالَتِي وَنَهَضَتْ وَلَمْ تَأْخُذْ شَيْئًا مِنَ الْمَتَاعِ فَرَدَدْتُهُ عَلَى النَّاسِ وَقَدْ حَصَلَ لِي مِمَّا اشْتَرَيْتُهُ أَوَّلا وَثَانِيًا أُلُوفُ دَرَاهِمَ رِبْحًا وَلَمْ يَحْمِلُنِي النَّوْمُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ شَوْقًا إِلَيْهَا وَخَوْفًا مِنَ انْقِطَاعِ السَّبَبِ بَيْنَنَا
[ ٣٦٦ ]
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَنِي الْخَادِمُ فَأَكْرَمْتُهُ وَسَأَلْتُهُ عَنْ خَبَرِهَا فَقَالَ هِيَ وَاللَّهِ عَلِيلَةٌ مِنْ شَوْقِهَا إِلَيْكَ فَقُلْتُ اشْرَحْ لِي أَمْرَهَا فَقَالَ هَذِهِ مَمْلُوكَةُ السَّيِّدَةِ أُمِّ الْمُقْتَدِرِ وَهِيَ مِنْ أَخَصِّ جَوَارِيهَا بِهَا وَاشْتَهَتْ رُؤْيَةَ النَّاسِ وَالدُّخُولَ وَالْخُرُوجَ فَتَوَصَّلَتْ حَتَّى جَعَلَتْهَا قَهْرَمَانَةً وَقَدْ وَاللَّهِ حَدَّثَتِ السَّيِّدَةَ بِحَدِيثِكَ وَبَكَتْ بَيْنَ يَدَيْهَا وَسَأَلَتْهَا أَنْ تُزَوِّجَهَا مِنْكَ فَقَالَتِ السَّيِّدَةُ لَا أَفْعَلُ أَوْ أَرَى هَذَا الرَّجُلَ فَإِنْ كَانَ يَسْتَأْهِلُكِ وَإِلا لَمْ أَدَعْكِ وَرَأْيَكِ وَتَحْتَاجُ أَنْ تَحْتَالَ فِي إِدْخَالِكَ الدَّارَ بِحِيلَةٍ فَإِنْ تَمَّتْ وَصَلْتَ بِهَا إِلَى تَزْوِيجِهَا وَإِنِ انْكَشَفَتْ ضُرِبَتْ عُنُقُكَ فِي هَذَا وَقَدْ أَنْفَدَتْنِي إِلَيْكَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ وَقَالَتْ لَكَ إِنْ صَبَرْتَ عَلَى هَذَا وَإِلا فَلا طَرِيقَ لَكَ وَاللَّهِ إِلَيَّ وَلا لِي إِلَيْكَ بَعْدَهَا
فَحَمَلَنِي مَا فِي نَفْسِي عَلَى أَنْ قُلْتُ أَصْبِرُ
فَقَالَ إِذَا كَانَ اللَّيْلَةَ فَاعْبُرْ إِلَى الْمُخَرَّمِ فَادْخُلْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَبِتْ فِيهِ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ إِذَا بِطَيَّارٍ قَدْ قَدِمَ وَخَدَمٍ قَدْ رَقَّوْا صَنَادِيقَ فُرَّغًا فَجَعَلُوهَا فِي الْمَسْجِدِ وَانْصَرَفُوا فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَصَعَدَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَمَعَهَا الْخَادِمُ الَّذِي أَعْرِفُهُ فَجَلَسَتْ وَفَرَّقَتْ بَاقِي الْخَدَمِ فِي حَوَائِجَ وَاسْتَدْعَتْنِي فَقَبَّلَتْنِي وَعَانَقَتْنِي طَوِيلا وَلَمْ أَكُنْ قَدْ نِلْتُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْهَا قُبْلَةً ثُمَّ أَجْلَسَتْنِي فِي بَعْضِ الصَّنَادِيقِ وَقَفَلَتْهُ
وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ وَجَاءَ الْخَدَمُ بِثِيَابٍ وَحَوَائِجَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَتْ أَنْفَذَتْهُمْ إِلَيْهَا فَجَعَلَتْ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِمْ فِي بَاقِي الصَّنَادِيقِ وَقَفَلَتْهَا وَحَمَلَتْهَا إِلَى الطَّيَّارِ وَانْحَدَرَ
فَلَمَّا حَصَلْتُ فِيهِ نَدِمْتُ وَقُلْتُ قَتَلْتُ نَفْسِي لِشَهْوَةٍ وَأَقْبَلْتُ أَلُومُهَا تَارَةً
[ ٣٦٧ ]
وَأُشَجِّعُهَا أُخْرَى وَأَنْذِرُ النُّذُورَ عَلَى خَلاصِي وَأُوَطِّنُ مَرَّةً نَفْسِي عَلَى الْقَتْلِ إِلَى أَنْ بَلَغْنَا الدَّارَ وَحَمَلَ الْخَدَمُ الصَّنَادِيقَ وَحَمَلَ صَنْدُوقِي الْخَادِمُ الَّذِي يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَبَادَرَتْ بِصَندُوقِي أَمَامَ الصَّنَادِيقِ وَهِيَ مَعِي وَالْخَدَمُ يَحْمِلُونَ الْبَاقِي وَيَلْحَقُونَهَا فَكُلَّمَا جَازَتْ بِطَبَقَةٍ مِنَ الْخَدَمِ وَالْبَوَّابِينَ قَالُوا نُرِيدُ تَفْتِيشَ الصَّنْدُوقِ فَتَصِيحُ عَلَيْهِمْ وَتَقُولُ مَتَى جَرَى الرَّسْمُ مَعِي بِهَذَا فَيُمْسِكُونَ وَرُوحِي فِي السِّيَاقِ إِلَى أَنِ انْتَهَيْنَا إِلَى خَادِمٍ خَاطَبَتْهُ هِيَ بِالأُسْتَاذِ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ أَجَلُّ الْخَدَمِ فَقَالَ لَا بُدَّ مِنْ تَفْتِيشِ الصُّنْدُوقِ الَّذِي مَعَكِ فَخَاطَبَتْهُ بِلِينٍ وَذُلٍّ فَلَمْ يُجِبْهَا وَعَلِمْتُ أَنَّهَا مَا ذُلَّتْ لَهُ وَلَهَا حِيلَةٌ فَأُغْمِيَ عَلَيَّ وَأُنْزِلَ الصُّنْدُوقُ لِيُفْتَحَ فَذَهَبَ عَلَيَّ أَمْرِي وَبُلْتُ فَزَعًا فَجَرَى الْبَوْلُ مِنْ خُلَلِ الصُّنْدُوقِ فَقَالَتْ يَا أُسْتَاذُ أَهْلَكْتَ عَلَيْنَا مَتَاعًا بِخَمْسَةِ آلَاف دِينَار فِي الصندوق وَثيَاب مُصَبَّغَاتٍ وَمَاءَ وَرْدٍ قَدِ انْقَلَبَ عَلَى الثِّيَابِ وَالسَّاعَةُ تَخْتَلِطُ أَلْوَانُهَا وَهِيَ هَلاكِي مَعَ السَّيِّدَةِ
فَقَالَ لَهَا خُذِي صُنْدُوقَكِ إِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ أَنْتِ وَهُوَ وَمُرِّي فَصَاحَتْ بِالْخَدَمِ احْمِلُوهُ وَأُدْخِلْتُ الدَّارَ وَرَجَعَتْ إِلَيَّ رُوحِي فَبَيْنَا نَحْنُ نَمْشِي إِذْ قَالَتْ وَاوَيْلاهُ الْخَلِيفَةُ وَاللَّهِ فَجَاءَنِي أَعْظَمُ مِنَ الأَوَّلِ وَسَمِعْتُ كَلامَ خَدَمٍ وَجَوَارٍ وَهُوَ يَقُولُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَيْلَكِ يَا فُلانَةُ إِيشِ فِي صُنْدُوقِكِ أَرِينِي هُوَ فَقَالَتْ ثِيَابٌ لِسِتِّي يَا مَوْلاي وَالسَّاعَةَ أَفْتَحُهُ بَيْنَ يَدَيْهَا وَتَرَاهُ وَقَالَتْ لِلْخَدَمِ أَسْرِعُوا وَيْلَكُمْ فَأَسْرَعُوا وَأَدْخَلَتْنِي إِلَى حُجْرَةٍ وَفَتَحْتُ عَيْنِي وَقَالَتْ اصْعَدْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ إِلَى الْغُرْفَةِ وَاجْلِسْ فِيهَا وَفَتَحَتْ بِالْعَجَلَةِ صُنْدُوقًا آخَرَ فَنَقَلَتْ بَعْضَ مَا كَانَ فِيهِ إِلَى الصُّنْدُوقِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ وَقَفَلَتِ الْجَمِيعَ وَجَاءَ الْمُقْتَدِرُ وَقَالَ افْتَحِي فَفَتَحَتْهُ فَلَمْ يَرْضَ مِنْهُ شَيْئًا وَخَرَجَ فَصَعَدَتْ إِلَيَّ وَجَعَلَتْ تَرْشُفُنِي وَتُقَبِّلُنِي فَعِشْتُ وَنَسِيتُ مَا جَرَى وَتَرَكَتْنِي وَقَفَلَتْ بَابَ الْحُجْرَةِ يَوْمَهَا ثُمَّ جَاءَتْنِي لَيْلا فَاطْعَمَتْنِي وَسَقَتْنِي وَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَتْنِي
[ ٣٦٨ ]
فَقَالَتِ السَّيِّدَةُ السَّاعَةَ تَجِيءُ فَانْظُرْ كَيْفَ تُخَاطِبُهَا ثُمَّ عَادَتْ بَعْدَ سَاعَةٍ مَعَ السَّيِّدَةِ وَقَالَتْ انْزِلْ فَنَزَلْتُ فَإِذَا بِالسَّيِّدَةِ جَالِسَةً عَلَى كُرِسِيٍّ وَلَيْسَ مَعَهَا إِلا وَصِيفَتَانِ وَصَاحِبَتِي فَقَبَّلْتُ الأَرْضَ وَقُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهَا فَقَالَتِ اجْلِسْ فَقُلْتُ أَنَا عَبْدُ السَّيِّدَةِ وَخَادِمُهَا وَلَيْسَ مِنْ مَحِلِّي أَنْ أَجْلِسَ بِحَضْرَتِهَا فَتَأَمَّلَتْنِي وَقَالَتْ مَا اخْتَرْتِ يَا فُلانَةُ إِلا حَسَنَ الْوَجْهِ وَالأَدَبِ وَنَهَضَتْ فَجَاءَتْنِي صَاحِبَتِي بَعْدَ سَاعَةٍ فَقَالَتْ أَبْشِرْ فَقَدْ أَذِنَتْ لِي وَاللَّهِ فِي تَزْوِيجِكَ وَمَا بَقِيَ الآنَ عَقَبَةٌ إِلا الْخُرُوجُ فَقُلْتُ يُسَلِّمُ اللَّهُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ حَمَلَتْنِي فِي الصُّنْدُوقِ فَأُخْرِجْتُ كَمَا أُدْخِلْتُ بَعْدَ مُخَاطَرَةٍ أُخْرَى وَفَزَعٍ ثَانِ وَنَزَلْتُ فِي الْمَسْجِدِ وَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَتَصَدَّقْتُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى السَّلامَةِ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَنِي الْخَادِمُ وَمَعَهُ كِيسٍ فِيهِ ثَلاثَةُ آلافِ دِينَارٍ عَيْنًا فَقَالَ أَمَرَتْنِي سِتِّي بِإِنْفَاذِ هَذَا إِلَيْكَ مِنْ مَالِهَا وَقَالَتْ تَشْتَرِي بِهَا ثِيَابًا وَمَرْكُوبًا وَخَدَمًا وَتُصْلِحُ بِهِ ظَاهِرَكَ وَتَعَالَ يَوْمَ الْمَوْكِبِ إِلَى بَابِ الْعَامَّةِ وَقِفْ حَتَّى تُطْلَبَ فَقَدْ وَافَقَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُزَوِّجَكَ بِحَضْرَتِهِ
فَأَجَبْتُ عَنْ رُقْعَةٍ كَانَتْ مَعَهُ وَأَخَذْتُ الْمَالَ فَاشْتَرَيْتُ مَا قَالُوهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْهُ وَبَقِيَ الأَكْثَرُ عِنْدِي وَرَكِبْتُ إِلَى بَابِ الْعَامَّةِ فِي يَوْمِ الْمَوْكِبِ بِزِيٍّ حَسَنٍ وَجَاءَ النَّاسُ فَدَخَلُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ وَوَقَفْتُ إِلَى أَنِ اسْتُدْعِيتُ فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بالمقتدر جَالس والقضاة والقواد والهاشميين فَهِبْتُ الْمَجْلِسَ وَعُلِّمْتُ كَيْفَ أُسَلِّمُ فَفَعَلْتُ وَتَقَدَّمَ الْمُقْتَدِرُ إِلَى بَعْضِ الْقُضَاةِ الْحَاضِرِينَ فَخَطَبَ لِي وَزَوَّجَنِي وَخَرَجْتُ مِنْ حَضْرَتِهِ فَلَمَّا صِرْتُ فِي بَعْضِ الدَّهَالِيزِ قَرِيبًا مِنَ الْبَابِ عُدِلَ بِي إِلَى دَارٍ عَظِيمَةٍ مَفْرُوشَةٍ بِأَنْوَاعِ الْفَرْشِ الْفَاخِرِ وَفِيهَا مِنَ الآلاتِ وَالْخَدَمِ وَالْقُمَاشِ كُلُّ شَيْءٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ
[ ٣٦٩ ]
فَأُجْلِسْتُ فِيهَا وَتُرِكْتُ وَحْدِي وَانْصَرَفَ مَنْ أَدْخَلَنِي فَجَلَسْتُ يَوْمِي لَا أَرَى مَنْ أَعْرِفُ وَلا أَبْرَحُ مَوْضِعِي إِلا إِلَى الصَّلاةِ وَخَدَمٌ يَدْخُلُونَ وَيَخْرُجُونَ وَطَعَامٌ عَظِيمٌ يُنْقَلُ وَهُمْ يَقُولُونَ اللَّيْلَةَ تُزَفُّ فُلانَةُ بِاسْمِ صَاحِبَتِي إِلَى زَوْجِهَا الْبَزَّازِ فَلا أُصَدِّقُ فَرَحًا
فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ أَثَّرَ فِيَّ الْجُوعُ وَقُفِّلَتِ الأَبْوَابُ وَيَئِسْتُ مِنَ الْجَارِيَةِ فَقُمْتُ أَطُوفُ الدَّارَ فَوَقَعْتُ عَلَى الْمَطْبَخِ وَوَجَدْتُ الطَّبَّاخِينَ جُلُوسًا فَاسْتَطْعَمْتُهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُونِي وَقَدَّرُونِي بَعْضَ الْوُكَلاءِ فَقَدَّمُوا إِلَيَّ هَذَا اللَّوْنَ مِنَ الطَّعَامِ مَعَ رَغِيفَيْنِ فَأَكَلْتُهُمَا وَغَسَلْتُ يَدَّيَّ بِأَشْنَانٍ كَانَ فِي الْمَطْبَخِ وَقَدَّرْتُ أَنَّهَا قَدْ نقيَتْ وَعُدْتُ إِلَى مَكَانِي
فَلَمَّا جَنَّنِي اللَّيْلُ إِذَا بِطُبُولٍ وَزُموُرٍ وَأَصْوَاتٍ عَظِيمَةٍ وَإِذَا بِالأَبْوَابِ قَدْ فُتِحَتْ وَصَاحِبَتِي قَدْ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ وَجَاءُوا بِهَا فَجَلَّوْهَا عَلَيَّ وَأَنَا أُقَدِّرُ أَنَّ ذَلِكَ فِي النَّوْمِ فَرَحًا وَتُرِكَتْ مَعِي فِي الْمَجْلِسِ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ
فَلَمَّا خَلَوْنَا تَقَدَّمْتُ إِلَيْهَا فَقَبَّلْتُهَا وَقَبَّلَتْنِي وَشَمَّتْ لِحْيَتِي فَرَفَسَتْنِي وَرَمَتْ بِي عَنِ الْمِنَصَّةِ وَقَالَتْ أَنْكَرْتُ أَنْ تُفْلِحَ يَا عَامِّيُّ يَا سَفَلَةُ وَقَامَتْ لِتَخْرُجَ فَقُمْتُ وَتَعَلَّقْتُ بِهَا وَقَبَّلْتُ الأَرْضَ وَرِجْلَيْهَا وَقُلْتُ عَرِّفِينِي ذَنْبِي وَاعْمَلِي بَعْدَهُ مَا شِئْتِ
فَقَالَتْ وَيْحَكَ أَكَلْتَ وَلَمْ تَغْسِلْ يَدَكَ فَقَصَصْتُ عَلَيْهَا قِصَّتِي فَلَمَّا بَلَغْتُ إِلَى آخِرِهَا قُلْتُ عَلَيَّ وَعَلَيَّ فَحَلَفْتُ بِطَلاقِهَا وَطَلاقِ كُلِّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا وَصَدَقَةِ مَالِي وَجَمِيعِ مَا أَمْلِكُهُ وَالْحَجِّ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيَّ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ وَكُلُّ مَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُونَ بِهِ لَا أَكَلْتُ بَعْدَهَا دِيكِيرِيكَةً إِلا غَسَلْتُ يَدَيَّ أَرْبَعِينَ مَرَّةً فَاسْتَحْيَتْ وَتَبَسَّمَتْ وَصَاحَتْ يَا جَوَارِي فَجَاءَ مِقْدَارُ عَشْرِ جَوَارٍ وَوَصَائِفَ فَقَالَتْ
[ ٣٧٠ ]
هَاتُوا شَيْئًا نَأْكُلَ فَقُدِّمَتْ إِلَيَّ أَلْوَانٌ ظَرِيفَةٌ وَطَعَامٌ مِنْ أَطْعِمَةِ الْخُلَفَاءِ فَأَكَلْنَا وَغَسَلْنَا أَيْدِيَنَا وَاسْتَدْعَتْ شَرَابًا فَشَرِبْنَا وَغَنَّى أُولَئِكَ الْوَصَائِفُ أَطْيَبَ غِنَاءٍ وَأَحْسَنَهُ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الفراشفدخلت بِهَا وَبِتُّ بِلَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْخُلَفَاءِ وَلَمْ نَفْتَرِقْ أُسْبُوعًا وَكَانَ يَوْمَ الأُسْبُوعِ وَلِيمَةٌ هَائِلَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا الْجَوَارِي فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ قَالَتْ إِنَّ دَارَ الْخِلافَةِ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَقَامُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَلَوْلا أَنَّهُ اسْتُؤْذِنَ فَأُذِنَ بَعْدَ جَهْدٍ لَمَا تَمَّ لَنَا هَذَا إِلا أَنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يُفْعَلْ قَطُّ مَعَ جَارِيَةٍ غَيْرِي لِمَحَبَّةِ السَّيِّدَةِ لِي وَجَمِيعُ مَا تَرَاهُ فَهُوَ هِبَةٌ لِي مِنَ السَّيِّدَةِ وَقَدْ أَعْطَتْنِي خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مِنْ عَيْنٍ وَوَرِقٍ وَجَوْهَرٍ وَدَنَانِيرَ وَذَخَائِرَ لِي خَارِجَ الْقَصْرِ أَشْيَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ وَجَمِيعُهَا لَكَ فَاخْرُجْ إِلَى مَنْزِلِكَ وَخُذْ مَعَكَ مَالا فَاشْتَرِ دَارًا سَوِّيَةً وَاسِعَةَ الصَّحْنِ فِيهَا بُسْتَانٌ كَبِيرٌ كَثِيرَةَ الْحُجَرِ فَاخِرَةَ الْمَوْقِعِ وَتَحَوَّلْ إِلَيْهَا وَعَرِّفْنِي لأَنْقُلَ هَذَا كُلَّهُ إِلَيْكَ فَإِذَا حَصَلَ عِنْدَكَ جِئْتُكَ وَسَلَّمَتْ إِلَيَّ عَشْرَةَ آلافِ دِينَارٍ عَيْنًا فَحَمَلَهَا الْخَادِمُ مَعِي فَابْتَعْتُ الدَّارَ وَكَتَبْتُ إِلَيْهَا بِالْخَبَرِ فَحَمَلَتْ لِي تِلْكَ النِّعْمَةَ بِأَسْرِهَا فَجَمِيعُ مَا أَنَا فِيهِ مِنْهَا فَأَقَامَتْ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا سَنَةً أَعِيشُ مَعَهَا عَيْشَ الْخُلَفَاءِ وَلَمْ أَدَعْ مَعَ ذَلِكَ التِّجَارَةَ فَزَادَ مَالِي وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتِي وَأَثْرَتْ حَالِي وَوَلَدَتْ لِي هَؤُلاءِ الْفِتْيَانِ وَأَوْمَأَ إِلَى أَوْلادِهِ ثُمَّ مَاتَتْ رَحِمَهَا اللَّهُ وَبَقِيَ عَلَيَّ مِنْ مَضَرَّةِ الدِّيكِيرِيكَةِ مَا شَاهَدْتُهُ
وَمِمَّنْ نَالَ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِسَبِبِ أَنَّهُ عَشِقَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْرُوفُ بِزَوْجِ الْحُرَّةِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي الأَمِيرُ أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ الْمُكْتَفِي بِاللَّهِ قَالَ كَانَتْ بِنْتُ بَدْرٍ مَوْلَى الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ زَوْجَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
[ ٣٧١ ]
الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ وَكَانَ لَهَا مُكْرِمًا وَعَلَيْهَا مُفْضِلا الإِفْضَالَ الْعَظِيمَ فَتَأَثَّلَتْ حَالُهَا وَانْضَافَ ذَلِك إِلَى عَظِيم نعمتها الْمَوْرُوثَةِ وَقُتِلَ الْمُقْتَدِرُ فَأَفْلَتَتْ مِنَ النَّكْبَةِ وَسَلِمَ لَهَا جَمِيعُ أَمْوَالِهَا وَذَخَائِرِهَا حَتَّى لَمْ يَذْهَبْ لَهَا شَيْءٌ وَخَرَجَتْ عَنِ الدَّارِ فَكَانَ يَدْخُلُ إِلَى مَطْبَخِهَا حَدَثٌ يَحْمِلُ فِيهِ عَلَى رَأْسِهِ يُعْرَفُ بِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَكَانَ حَرِكًا فَنَفَقَ عَلَى الْقَهْرَمَانَةِ بِخِدْمَتِهِ فَنَقَلُوهُ إِلَى أَنْ صَارَ وَكِيلَ الْمَطْبَخِ وَتَرَقَّى أَمْرُهُ حَتَّى صَارَ يَنْظُرُ فِي ضِيَاعِهَا وَعَقَارِهَا وَغَلَبَ عَلَيْهَا فَصَارَتْ تُكَلِّمُهُ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ وَخَلْفَ بَابٍ أَوْ سِتَارَةٍ وَزَادَ اخْتِصَاصُهُ بِهَا حَتَّى عَلَقَ بِقَلْبِهَا فَاسْتَدْعَتْهُ إِلَى تَزْوِيجِهَا فَلَمْ يَجْسُرْ عَلَى ذَلِكَ فَجَسَّرَتْهُ وَبَذَلَتْ مَالا حَتَّى تَمَّ لَهُ ذَلِكَ
وَقَدْ كَانَتْ حَالُهُ تَأَثَّلَتْ بِهَا وَأَعْطَتْهُ لَمَّا أَرَادَتْ ذَلِكَ مِنْهُ أَمْوَالا جَعَلَهَا لِنَفْسِهِ نِعْمَةً ظَاهِرَةً لِئَلا يَمْنَعَهَا أَوْلِيَاؤُهَا مِنْهُ بِالْفَقْرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ ثُمَّ هَادَتِ الْقُضَاةَ بِهَدَايَا جَلِيلَةٍ حَتَّى زَوَّجُوهَا مِنْهُ وَاعْتَرَضَ الأَوْلِيَاءُ فَغَالَبَتْهُمْ بِالْحُكْمِ وَالدَّرَاهِمِ فَتَمَّ لَهُ ذَلِكَ وَلَهَا فَأَقَامَ مَعَهَا سِنِينَ ثُمَّ مَاتَتْ فَحَصَلَ لَهُ من مَالهَا نَحْو ثَلَاثمِائَة أَلْفِ دِينَارٍ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً فَهُوَ يَتَقَلَّبُ إِلَى الآنَ فِيهَا
قَالَ أَبِي وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا هَذَا الرَّجُلَ وَهُوَ شَيْخٌ عَاقِلٌ شَاهِدٌ مَقْبُولٌ تَوَصَّلَ بِالْمَالِ إِلَى أَنْ قَبِلَهُ أَبُو السَّائِبِ الْقَاضِي حَتَّى أَقَرَّ فِي يَدِهِ وُقُوفَ الْحُرَّةِ وَوَصِيَّتَهَا لأَنَّهَا وَصَّتْ إِلَيْهِ فِي أَمْوَالِهَا وَأَوْقَافِهَا وَهُوَ إِلَى الآنَ لَا يُعْرَفُ إِلا بِزَوْجِ الْحُرَّةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْحُرَّةُ لأَجْلِ تَزْوِيجِ الْمُقْتَدِرِ بِهَا وَهَكَذَا عَادَةُ الْخُلَفَاءِ لِغَلَبَةِ الْمَمَالِيكِ عَلَيْهِمْ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ زَوْجَةٌ قِيلَ الْحُرَّةُ
قَالَ الْخَطِيبُ قَالَ لَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ زَوْجَ الْحُرَّةِ جَارَنَا وَسَمِعْتُ مِنْهُ مَجَالِسَ مِنْ أَمَالِيهِ وَكَانَ يَحْضُرُهُ فِي مَجْلِسِ الْحَدِيثِ الْقَاضِي
[ ٣٧٢ ]
الْجَرَّاحِي وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُظَفَّرِ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ وَأَبُو الْحَسَنِ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الشُّيُوخِ
تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلاثمائة وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ قَبْرِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الصَّيْفِ عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ قَالَ كَانَ وَضَّاحُ الْيَمَنِ نَشأ هُوَ وَأُمُّ الْبَنِينَ صَغِيرَيْنِ فَأَحَبَّهَا وَأَحَبَتْهُ وَكَانَ لَا يَصْبِرُ عَنْهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ حُجِبَتْ عَنْهُ فَطَالَ بِهِمَا الْبَلاءُ فَحَجَّ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَبَلَغَهُ جَمَالُ أُمِّ الْبَنِينَ وَأَدَبُهَا فَتَزَوَّجَهَا وَنَقَلَهَا إِلَى الشَّامِ
قَالَ فَذَهَبَ عَقْلُ وَضَّاحٍ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يَذُوبُ وَيَنْحَلُ فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْبَلاءُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَجَعَلَ يَطُوفُ بِقَصْرِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كُلَّ يَوْمٍ لَا يَجِدُ حِيلَةً حَتَّى رَأَى يَوْمًا جَارِيَةً صَفْرَاءَ فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَنِسَ بِهَا فَقَالَ لَهَا هَلْ تَعْرِفِينَ أُمَّ الْبَنِينَ فَقَالَتْ إِنَّكَ تَسْأَلُ عَنْ مَوْلاتِي فَقَالَ إِنَّهَا لابْنَةُ عَمِّي وَإِنَّهَا لَتُسَرُّ بِمَكَانِي وَبِمَوْضِعِي فَلَوْ أَخْبَرْتِهَا قَالَتْ إِنِّي أُخْبِرُهَا
فَمَضَتِ الْجَارِيَةُ فَأَخْبَرَتْ أُمَّ الْبَنِينَ فَقَالَتْ وَيْلَكِ أَوَحَيٌّ هُوَ قَالَتْ نَعَمْ قَالَتْ قُولِي لَهُ كُنْ مَكَانَكَ حَتَّى يَأْتِيكَ رَسُولِي فَلَنْ أَدَعَ الاحْتِيَالَ لَكَ فَاحْتَالَتْ إِلَى أَنْ أَدْخَلَتْهُ إِلَيْهَا فِي صُنْدُوقٍ فَمَكَثَ عِنْدَهَا حِينًا فَإِذَا أَمِنَتْ أَخْرَجَتْهُ فَقَعَدَ مَعَهَا وَإِذَا خَافَتْ عَيْنَ الرَّقِيبِ أَدْخَلَتْهُ الصُّنْدُوقَ فَأُهْدِيَ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمًا جَوْهَرٌ فَقَالَ لِبَعْضِ خَدَمِهِ خُذْ هَذَا الْجَوْهَرَ فَامْضِ بِهِ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ لَهَا أُهْدِيَ هَذَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَوَجَّهَ بِهِ إِلَيْكِ فَدَخَلَ الْخَادِمُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَوَضَّاحٌ مَعَهَا فلمحه وَلم تشعر أُمُّ الْبَنِينَ فَبَادَرَ إِلَى الصُّنْدُوقِ فَدَخَلَهُ فَأَدَّى الْخَادِمُ الرِّسَالَةَ
[ ٣٧٣ ]
إِلَيْهَا وَقَالَ لَهَا هِبِي لِي مِنْ هَذَا الْجَوْهَرِ حَجَرًا فَقَالَتْ لَا أُمَّ لَكَ وَمَا تَصْنَعُ أَنْتَ بِهَذَا
فَخَرَجَ وَهُوَ عَلَيْهَا حَنِقٌ فَجَاءَ الْوَلِيدَ فَخَبَّرَهُ الْخَبَرَ وَوَصَفَ لَهُ الصُّنْدُوقَ الَّذِي رَآهُ دَخَلَهُ فَقَالَ لَهُ كَذَبْتَ لَا أُمَّ لَكَ ثُمَّ نَهَضَ الْوَلِيدُ مُسْرِعًا فَدَخَلَ إِلَيْهَا وَهِيَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ وَفِيهِ صَنَادِيقٌ عِدَادٌ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ الَّذِي وَصَفَ لَهُ الْخَادِمُ فَقَالَ لَهَا يَا أُمَّ الْبَنِينَ هَبِي لِي صَنْدُوقًا مِنْ صَنَادِيقِكِ هَذِهِ فَقَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ وَأَنَا لَكَ فَقَالَ لَا أُرِيدُ غَيْرَ هَذَا الَّذِي تَحْتِي قَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ النِّسَاءِ قَالَ مَا أُرِيدُ غَيْرَهُ قَالَتْ هُوَ لَكَ فَأَمَرَ بِهِ فَحُمِلَ وَدَعَا بِغُلامَيْنِ فَأَمَرَهُمَا بِحَفْرِ بِئْرٍ فَحُفِرَ حَتَّى إِذَا بَلَغَا الْمَاءَ وَضَعَ فَمُهُ عَلَى الصُّنْدُوقِ وَقَالَ أَيُّهَا الصُّنْدُوقُ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا عَنْكَ شَيْءٌ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَقَدْ دَفَنَّا خَبَرَكَ وَدَرَسْنَا أَثَرَكَ وَإِنْ كَانَ كَذِبًا فَمَا عَلَيْنَا فِي دَفْنِ صُنْدُوقٍ مِنْ خَشَبٍ حَرَجٌ
ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ فِي الْحُفْرَةِ وَأَمَرَ بِالْخَادِمِ فَقُذِفَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَوْقَهُ وَطَمَّ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا التُّرَابَ
قَالَ فَكَانَتْ أُمُّ الْبَنِينَ تُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ تَبْكِي إِلَى أَنْ وُجِدَتْ يَوْمًا مَكْبُوبَةً عَلَى وَجْهِهَا مَيِّتَةً
قُلْتُ وَقَدْ رَوَى الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا هَذِهِ الْحِكَايَةَ فَذَكَرَ أَنَّ الْخَلِيفَة كَانَ يزِيد ابْن عَبْدِ الْمَلِكِ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْخُتَّلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ النِّسَائِيُّ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد ابْن حَيَّان ابْن صَدَقَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّرِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ
[ ٣٧٤ ]
كَانَتْ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أُمُّ الْبَنِينَ وَكَانَ لَهَا مِنْ قَلْبِهِ مَوْضِعٌ قَالَ فَقُدِمَ عَلَيْهِ مِنْ نَاحِيَةِ مِصْرَ بِجَوْهَرٍ لَهُ قَدْرٌ وَقِيمَةٌ
قَالَ فَدَعَا خَصِيًّا لَهُ فَقَالَ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى أُمِّ الْبَنِينَ وَقُلْ لَهَا أُتِيتُ بِهِ السَّاعَةُ فَبَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكِ قَالَ فَأَتَاهَا الْخَادِمُ فَوَجَدَ عِنْدَهَا وَضَّاحَ الْيَمَنِ وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ الْعَرَبِ وَأَحْسَنِهِمْ وَجْهًا فَعَشِقَتْهُ أُمُّ الْبَنِينَ فَأَدْخَلَتْهُ عَلَيْهَا فَكَانَ يكون عِنْدهمَا فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدُخُولِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَيْهَا أَدْخَلَتْهُ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ صَنَادِيقِهَا فَرَآهُ الْغُلامُ وَرَأَى الصُّنْدُوقَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ فَوَضَعَ الْجَوْهَرَ بَيْنَ يَدَيْهَا وَأَبْلَغَهَا رِسَالَةَ يَزِيدَ ثُمَّ قَالَ يَا سَيِّدَتِي هَبِي لِي مِنْهُ لُؤْلُؤَةً قَالَتْ لَا وَلا كَرَامَةً
فَغَضِبَ وَجَاءَ إِلَى مَوْلاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي دَخَلْتُ عَلَيْهَا وِعَنْدَهَا رَجُلٌ فَلَمَّا رَأَتْنِي أَدْخَلَتْهُ صُنْدُوقًا وَهُوَ فِي الصُّنْدُوقِ الَّذِي مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ الثَّالِثُ أَوِ الرَّابِعُ فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ جأوا عُنُقه فوجأوا عُنُقه وَنَحْوه عَنهُ
قَالَ فَأَمْهَلَ قَلِيلا ثُمَّ قَامَ فَلِبِسَ نَعْلَهُ وَدَخَلَ عَلَى أُمِّ الْبَنِينَ وَهِيَ تَمْتَشِطُ فِي خَزَانَتِهَا فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الصُّنْدُوقِ الَّذِي وَصَفَ لَهُ الْخَادِمُ فَقَالَ يَا أُمَّ الْبَنِينَ مَا أَحَبَّ إِلَيْكِ هَذَا الْبَيْتِ قَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْخُلُهُ لِحَاجَتِي وَفِيهِ خَزَانَتِي فَمَا أَرَدْتُ مِنْ شَيْءٍ أَخَذْتُهُ مِنْ قُرْبٍ قَالَ فَمَا فِي هَذِهِ الصَّنَادِيقِ الَّتِي أَرَاهَا قَالَتْ حِلْيَتِي وَأَثَاثِي قَالَ فَهِبِي لِي مِنْهَا صُنْدُوقًا فَقَالَتْ كُلُّهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَ قَالَ لَا أُرِيد إِلَّا وَاحِد وَلَكِ عَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَكِ زِنَتَهُ وَزِنَةَ مَا فِيهِ ذَهَبًا قَالَتْ فَخُذْ مَا شِئْتَ قَالَ هَذَا الَّذِي تَحْتِي قَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُدْ عَنْ هَذَا وَخُذْ غَيْرَهُ فَإِنَّ لِي فِيهِ شَيْئًا يَقَعُ بِمَحَبَّتِي قَالَ مَا أُرِيدُ غَيْرَهُ فَقَالَتْ هُوَ لَكَ
قَالَ فَأَخَذَهُ وَدَعَا الْفَرَّاشِينَ فحملوا الصندوق فَمضى بِهِ إِلَى مَجْلِسه فَجَلَسَ وَلم يَفْتَحهُ
[ ٣٧٥ ]
وَلم ينظر مَا فِيهِ فَلَمَّا جنه اللَّيْل دَعَا غُلَاما لَهُ أعجميا فَقَالَ لَهُ اسْتَأْجر أجراء غرباء لَيْسُوا من أهل الْمصر قَالَ فَجَاءَهُ بِهِمْ وَأَمَرَهُمْ فَحَفَرُوا لَهُ حفيرة فِي مَجْلِسه حَتَّى بلغُوا المَاء ثمَّ قَالَ قَدِّمُوا إِلَيَّ الصُّنْدُوقَ فَأَلْقَاهُ فِي الْحُفَيْرَةِ ثُمَّ وَضَعَ فَمَهُ عَلَى شَفِيرِهِ فَقَالَ يَا هَذَا قَدْ بَلَغَنَا عَنْكَ خَبَرٌ فَإِنْ يَكُ حَقًّا فقد قَطعنَا أَثَره وَإِن يكن بَاطِلا فَإِنَّمَا دَفَنَّا خَشَبًا ثُمَّ أَهَالُوا عَلَيْهِ التُّرَابَ حَتَّى اسْتَوَى
قَالَ فَلَمْ يُرَ وَضَّاحُ الْيَمَنِ حَتَّى السَّاعَة
قَالَ فَلا وَاللَّهِ مَا بَانَ لَهَا فِي وَجْهِهِ وَلا فِي خَلائِقِهِ وَلا فِي شَيْءٍ حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ النِّسَائِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلٌ سَمَّاهُ أَحْسَبُهُ ذَكَرَ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ قَالَ
كَانَ لُقْمَانُ بْنُ عَادٍ مِنْ أَشَدِّ قَوْمِهِ وَأَجْلَدِهِمْ فَقَالُوا لَهُ لَوْ تَزَوَّجْتَ فَبَقِيَ مَنْ نَسْلِكَ فِي عَادٍ فَقَالَ إِنِّي أَكْرَهُ النِّسَاءَ فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ مِنًى ثُمَّ بَنَى بَيْتًا طَوِيلا وَجَعَلَ لَهُ بَابًا مِنْ أَسْفَلِهِ وَسَكَنَ فِي أَعْلاهُ مَعَ امْرَأَتِهِ وَجَعَلَ خَيْطًا فِي جُلْجُلٍ فَإِذَا جَاءَ مَنْ يُرِيدُهُ حَرَّكَ الْجُلْجُلَ لِئَلا تَسْمَعَ امْرَأَتُهُ كَلامَ رَجُلٍ فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَةً
وَإِنَّ فَتًى مِنْ عَادٍ قَالَ لِقَوْمِهِ أُرِيدُ أَنْ أَرَى امْرَأَةَ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ فَمَنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ أَرَهَا لأَجُرَّنَّ عَلَى عَادٍ جَرِيرَةً يَكُونُ فِيهَا اسْتِئْصَالُ عَادٍ
[ ٣٧٦ ]
قَالَ فَجَمَعُوا سُيُوفًا وَسِلاحًا وَأَدْخَلُوهُ فِي جَوْفِ حِزْمَةٍ مِنْهَا ثُمَّ أَتَوْا لُقْمَانَ فَقَالُوا إِنَّا نُرِيدُ نجعة لنا ونريد أَنْ نَضَعَ سَلاحَنَا عِنْدَكَ فَأَتَوْهُ بِهِ وَصَعَدَ بِهِ فَوَضَعَهُ عِنْدَهُ وَعَادَ الْقَوْمُ وَأَخَذُوا سُيُوفَهُمْ بَعْدَ أَيَّامٍ
فَبَيْنَا لُقْمَانُ مَعَ امْرَأَتِهِ إِذْ نَظَرَ إِلَى نُخَامَةٍ فِي سَقْفِ بَيْتِهِ فَقَالَ مَنْ تَنَخَّمَ هَذِهِ قَالَتْ أَنَا قَالَ أَقَائِمَةً أَمْ نَائِمَةً قَالَتْ قَائِمَةٌ قَالَ فَتَنَخَّمِي فَتَنَخَّمَتْ فَلَمْ تَبْلُغْ فَقَالَ السُّيُوفُ دَهَتْنِي فَذَهَبَتْ مَثَلا قَالَ فَقَتَلَهَا وَنَزَلَ فَلَقِيَ ابْنَتَهُ فَقَتَلَهَا فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ وَاللَّهِ لَتَصْدُقُنِّي فَصَدَقُوهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِهَذَا الْفَتَى فَخَافَ الْفَتَى فَلَحِقَ بِالْوُحُوشِ فَكَانَ يَأْوِي مَعَهَا فَكَفَّ لُقْمَانُ عَنْ قَوْمِهِ حِينَ بَلَغَهُ أَمْرُ الْفَتَى
فَقِيلَ لَهُ فِي قَتْلِ الصَّبِيَّةِ مَا كَانَ ذَنْبُهَا وَلِمَ قَتْلَتْهَا قَالَ إِنَّهَا مِنَ النِّسَاءِ وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَتَمَّ مِنْ هَذَا
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامَةَ الْقُضَاعِيُّ وَلَقِيتُهُ بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْعُكْلِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْهَيْثَمِ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَانَ لُقْمَانُ بْنُ عَادِ بْنِ عَادِيَا الَّذِي عَمَّرَ سَبَعَةَ أَنْسُرٍ مُبْتَلًى بِالنِّسَاءِ وَكَانَ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةُ فَتَخُونُهُ حَتَّى تَزَوَّجَ جَارِيَةً صَغِيرَةً لَمْ تَعْرِفِ الرِّجَالَ ثُمَّ نَقَرَ لَهَا بَيْتًا فِي سَفْحِ جَبَلٍ وَجَعَلَ لَهُ دَرَجَةً بِسَلاسِلَ يَنْزِلُ بِهَا وَيَصْعَدُ فَإِذَا خَرَجَ رَفَعَتِ السَّلاسِلَ
[ ٣٧٧ ]
حَتَّى عَرَضَ لَهَا فَتًى مِنَ الْعَمَالِيقِ فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ فَأَتَى بَنِي أَبِيهِ فَقَالَ وَاللَّهِ لأَجْنِيَنَّ عَلَيْكُمْ حَرْبًا لَا تَقُومُونَ بِهَا قَالُوا وَمَا ذَاكَ قَالَ امْرَأَةُ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ هِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ
قَالُوا فَكَيْفَ نَحْتَالُ لَهَا قَالَ اجْمَعُوا سُيُوفَكُمْ ثُمَّ اجْعَلُونِي بَيْنَهَا وَشُدُّوهَا حِزْمَةً عَظِيمَةً ثُمَّ ائْتُوا لُقْمَانَ فَقُولُوا لَهُ إِنَّا أَرَدْنَا أَنْ نُسَافِرَ وَنَحْنُ نَسْتَوْدِعُكَ سُيُوفَنَا حَتَّى نَرْجِعَ وَسَمُّوا لَهُ يَوْمًا
فَفَعَلُوا وَأَقْبَلُوا بِالسُّيُوفِ فَدَفَعُوهَا إِلَى لُقْمَانَ فَوَضَعَهَا فِي نَاحِيَةِ بَيْتِهِ وَخَرَجَ لُقْمَانُ وَتَحَرَّكَ الرَّجُلُ فَحَلَّتِ الْجَارِيَةُ عَنْهُ فَكَانَ يَأْتِيهَا فَإِذَا أَحَسَّتْ بِلُقْمَانَ جَعَلَتْهُ بَيْنَ السُّيُوفِ حَتَّى انْقَضَتِ الأَيَّامُ
ثُمَّ جَاءُوا إِلَى لُقْمَانَ فَاسْتَرْجَعُوا سُيُوفَهُمْ فَرَفَعَ لُقْمَانُ رَأْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا نُخَامَةٌ تَنُوسُ فِي السَّقْفِ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ مَنْ نَخَمَ هَذِهِ قَالَتْ أَنَا قَالَ فَتَنَخَّمِي فَفَعَلَتْ فَلَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا فَقَالَ يَا وَيْلَتَاهُ السُّيُوفُ دَهَتْنِي ثُمَّ رَمَى بِهَا مِنْ ذُرْوَةِ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَتْ قِطَعًا فَانْحَدَرَ مُغْضَبًا فَإِذَا ابْنَةٌ لَهُ يُقَالُ لَهَا صُحْرٌ فَقَالَتْ لَهُ يَا أَبَتَاهُ مَا شَأْنُكَ قَالَ وَأَنْتِ أَيْضًا مِنَ النِّسَاءِ فَضَرَبَ رَأْسَهَا بِصَخْرَةٍ فَقَتَلَهَا فَقَالَتِ الْعَرَبُ مَا أَذْنَبَتَ إِلا ذَنْبَ صُحْرٍ فَصَارَتْ مَثَلا
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الأَمِيرُ مُنْتَخَبُ الْمَلِكِ قَالَ كَانَ ابْنُ الْمَغْرَبِيُّ مُخْتَفِيًا بِالْقَاهِرَةِ وَالسُّلْطَانُ يَطْلُبُ دَمَهُ وَكَانَ بِمِصْرَ صَبِيٌّ أَمْرَدُ مِمَّنِ انْتَهَى الْحُسْنُ إِلَيْهِ فِي زَمَانِهِ وَكَانَ يَشْتَهِي يَرَاهُ فخبر أَنَّهُ يَسْبَحُ فِي الْخَلِيجِ فَخَرَجَ وَغَرَّرَ بِنَفْسِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ
[ ٣٧٨ ]
عُلِّمْتُ مَنْطِقَ حَاجِبَيْهِ وَالْبِينُ يَنْشُرُ رَايَتَيْهِ
وَعَرِفْتُ آثَارَ النَّعِيمِ بِقُبْلَةٍ فِي عَارِضَيْهِ
هَا قَدْ رَضِيتُ مِنَ الْحَيَاةِ بِأَسْرِهَا نَظَرِي إِلَيْهِ
وَلَقَدْ أَرَاهُ فِي الْخَلِيجِ يَشُّقُهُ مِنْ جَانِبَيْهِ
وَالْمَوْجُ مِثْلَ السَّيْفِ وَهُوَ فِرْنَدُهُ فِي صَفْحَتَيْهِ
لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهِ أَبَدًا وَلا تَرِدُوا عَلَيْهِ
قَدْ ذَابَ مِنْهُ السِّحْرُ فِي حَرَكَاتِهِ مِنْ وَجْنَتَيْهِ
فَكَأَنَّهُ فِي الْمَوْجِ قَلْبِي بَيْنَ أَشْوَاقِي إِلَيْهِ
[ ٣٧٩ ]