وَالضَّنَى وَالْجُنُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد قَالَ أَنبأَنَا الزبير ابْن بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ عُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى النَّجَاشِي يُكَلِّمَانِهِ فِيمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
فَرَاسَلَ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ جَارِيَةً لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَانَتْ مَعَهُ حَتَّى صَغَتْ إِلَيْهِ فَاطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ
تَعْلَمُ عُمَارُ أَنَّ مِنْ شَرِّ شِيمَةٍ لِمِثْلِكَ أَنْ يُدْعَى ابْنَ عَمٍّ لَهُ ابْنَمَا
أَئِنْ كُنْتَ ذَا بُرْدَيْنِ أَحْوَى مُرَجَّلا فَلَسْتُ بِرَاءٍ لابْنِ عَمِّكَ مَحْرَمَا
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعَامًا يُحِبُّهُ وَلَمْ يَنْهَ قَلْبًا غَاوِيًا حَيْثُ يَمَّمَا
قَضَى وَطَرًا مِنْهُ وَغَادَرَ سُبَّةً إِذَا ذُكِرَتْ أَمْثَالُهَا تَمْلأُ الْفَمَا
وَقَدْ كَانَ عُمَارَةُ أَخْبَرَ عَمْرًا أَنَّ زَوْجَةَ الْمَلِكِ النَّجَاشِيِّ عَلِقَتْهُ فَأَدْخَلَتْهُ فَلَمَّا يَئِسَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ أَمْرِ الْمُهَاجِرِينَ عِنْدَ النَّجَاشِي بَخِلَ بِعُمَارَةَ عِنْدَهُ وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ وَخَبَرَ زَوْجَتِهِ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ ائْتِنِي بِعَلامَةٍ اسْتَدِّلُ بِهَا عَلَى مَا قُلْتَ فَعَادَ عُمَارَةُ فَأَخْبَرَ عَمْرًا بِأَمْرِهِ وَأَمْرِ زَوْجَةِ النَّجَاشِيِّ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو لَا أَقْبَلُ هَذَا مِنْكَ إِلا أَنْ لَا تَرْضَى مِنْهَا إِلا بِأَنْ تُعْطِيَكَ مِنْ دُهْنِ الْمَلِكِ الَّذِي لَا يَدَّهِنُ بِهِ غَيْرُهُ فَكَلَّمَهَا عُمَارَةُ فِي الدُّهْنِ فَقَالَتْ أَخَافُ مِنَ الْمَلِكِ فَأَبَى أَنْ يَرْضَى عَنْهَا حَتَّى تُعْطِيَهُ مِنْ ذَلِكَ الدُّهْنِ فَأَعْطَتْهُ مِنْهُ فَأَعْطَاهُ عَمْرًا فَجَاءَ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ النَّجَاشِيِّ
[ ٣٣٠ ]
فَنَفَخَ سِحْرًا فِي إِحْلِيلِهِ فَذَهَبَ مَعَ الْوَحْشِ فِيمَا تَقُولُ قُرَيْشٌ فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَوْحِشًا يَرِدُ مَاءً فِي جَزِيرَةٍ بِأَرْضِ الْحَبَشِ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَرَصَدَهُ عَلَى الْمَاءِ فَأَخَذَهُ فَجَعَلَ يَصِيحُ بِهِ يَا بَحِيرُ أَرْسِلْنِي فَإِنِّي أَمُوتُ إِنْ أَمْسَكْتَنِي فَأَمْسَكَهُ فَمَاتَ فِي يَدِهِ
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ الْفَقِيهُ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبْهَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دُومَا قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الذَّارِعُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكَاتِبُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ كَانَ لِكِسْرَى حَاجِبٌ عَشِقَ جَارِيَةً فَعَاتَبَتْهُ يَوْمًا فَلَمْ يَدْرِ مَا يُجِيبُهَا وَارْتُجَّ عَلَيْهِ فَذَهَبَ لِيَتَكَّلَمَ فَلَجْلَجَ
قَالَ فَمَا زَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَسَ يُكَلَّمُ فَلا يَتَكَّلَمُ فَجَمَعَ لَهُ كِسْرَى الأَطِبَّاءَ لِيُعَالِجُوهُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حِيلَةٌ وَتُوُفِّيَ عَلَى ذَلِكَ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي البَّزَازُ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ سَيَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ يَزِيدَ الْمُعَلِّمُ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرُ قَالَ سَمِعْتُ رَجُلا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ عُرْوَةُ يَا هَذَا بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّكُمْ أَرَقُّ النَّاسِ قُلُوبًا
فَقَالَ نَعَمْ وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ بِالْحَيِّ ثَلاثِينَ شَابًّا قَدْ خَامَرَهُمُ السِّلُّ مَا بِهِمْ إِلا دَاءُ الْحُبِّ
وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي على
[ ٣٣١ ]
ابْن صَالِحٍ عَنِ ابْنِ دَأْبٍ قَالَ مَرَّ عَمْرُو بْنُ مَنَاةَ الْخُزَاعِيُّ بِلَيْلَى الْخُزَاعِيَّةِ وَهِيَ تَحْتَ أَرَاكَةٍ وَمَعَهَا نِسْوَةٌ مِنْ قَوْمِهَا وَكَانَ عَمْرُو مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْحَدِيثِ وَرِقَّةِ الشّعْر فَقَالَ لَهُ النسْوَة هَل فَحَدِّثْنَا فَجَلَسَ يُحَدِّثْهُنَّ فَرَأَى لَيْلَى بِنْتَ عُيَيْنَةَ فَعَلِقَهَا وَتَزَايَدَ الأَمْرُ بِهِ فَهَامَ حَتَّى كَانَ لَا يَنَامُ إِلا حَيْثُ يَرَى بُيُوتَ أَهْلِهَا وَإِلا لَمْ يَنَمْ وَأَخَذَتْهُ الْوَسْوَسَةُ وَفَقَدَ عَقْلَهُ وَكَانَ لَا يَهْدَى إِلا بِذِكْرِهَا وَقَالَ فِيهَا أَشْعَارًا كَثِيرَةً
فَمِنْ قَوْلِهِ فِيهَا
تَوَسَّدَ أَحْجَارًا وَدَقْعَاءَ بَائِتًا مَبِيتَ عَسِيفِ الْحَيِّ غَيْرَ الْمُكَرَّمِ
أَرَى بَيْتَ لَيْلَى حِينَ أُغْلِقَ بَابُهُ أَلَذُّ وَأَشْهَى مِنْ مُهَادٍ مُقَدَّمِ
وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَزْدِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَمَّامٍ قَالَ خَرَجْتُ أُرِيدُ بَعْضَ الْحَوَائِجِ فَإِذَا أَنَا بَابْنِ أَبِي مَالِكٍ وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الصَّحْرَاءِ بَيْنَ الْحِيرَةِ والكوفة فَقلت مَا تصنع هَهُنَا فَقَالَ أَصْنَعُ مَا كَانَ صَاحِبُنَا يَصْنَعُ فَقُلْتُ وَمَنْ صَاحِبُكُمْ قَالَ مَجْنُونُ بَنِي عَامِرٍ صَاحِبُ لَيْلَى
قَالَ وَإِلَى جَانِبِهِ حَجَرٌ فَتَنَاوَلَهُ وَعَدَا خَلْفِي فَتَجَاوَزَنِي الْحَجَرُ وَعُدْتُ فَقَعَدْتُ بَعِيدًا مِنْهُ
قَالَ فَقَالَ لِي وَاللَّهِ مَا أَحْسَنَ وَلا أَجْمَلَ حَيْثُ يَقُولُ
عَلِقْتُكِ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا
مَا لَهُ لَمْ يَقُلْ كَمَا قُلْتُ
رَمَانِي الْهَوَى مِنْهُ بِأَعْظِمِ شَجْوَةٍ وَعَسْكَرَ حَوْلِي الْهَجْرُ دُونَ حَبِيبِي
فَصَبْرًا لَعَلَّ الدَّهْرُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا بِإِلْفِ حَبِيبِ أَوْ بِمَوْتِ رَقِيبِ
[ ٣٣٢ ]
قَالَ ثُمَّ قَالَ أَلا تَقُولُ مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الأَحَدُ خَلَقَ فَقَدَرَ وَحَكَمَ فَعَدَلَ
وَبِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ يَقُولُ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي مَالِكٍ جَالِسًا فِي مَوْضِعٍ قد كَانَ فِيهِ رماد ودمعه قِطْعَةُ جِصٍّ يُخَطِّطُ بِهَا وَيَسْتَبِينُ بَيَاضَ الْجَصِّ فِي سَوَادِ الرَّمَادِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ أَبِي مَالِكٍ مَا تَصْنَعُ قَالَ مَاكَانَ صَاحِبُنَا يَصْنَعُ يَعْنِي مَجْنُونَ بَنِي عَامِرٍ قَالَ فَقُلْتُ وَمَا كَانَ يَصْنَعُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ
عَشِيَّةً مَا لِي حِيلَةٌ غَيْرُ أَنَّنِي بِلَقْطِ الْحَصَا وَالْخَطِّ فِي الدَّارِ مُولَعُ
أَخُطُّ وَأَمْحُو فِيهِ مَا قَدْ خَطَطُّتُهُ بِدَمْعِي وَالْغِرْبَانُ فِي الدَّارِ وُقَّعُ
قُلْتُ مَا سَمِعْتُهُ قَالَ فَتَضَاحَكَ ثُمَّ قَالَ أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ﴾
أَفَسِمْعُتُهُ أَوْ رَأَيْتُهُ يَا ابْنَ إِدْرِيسَ هَذَا كَلامُ الْعَرَبِ
وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الأَدَبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الأَزْدِيِّ قَالَ رَأَيْتُ بِالْبَصْرَةِ مَجْنُونًا قَاعِدًا عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ بِالْمَرْبَدِ وَكُلَّمَا مَرَّ بِهِ رَكْبٌ قَالَ
أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْيَمَانُونَ عَرِّجُوا عَلَيْنَا فَقَدْ أَمْسَى هَوَانَا يَمَانِيَا
لِنَسْأَلُكُمْ هَلْ سَالَ نُعْمَانُ بَعْدَنَا فَحُبَّ إِلَيْنَا بَطْنُ نُعْمَانَ وَادِيَا
قَالَ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْبَصْرَةِ كَانَتْ لَهُ ابْنَةُ عَمٍّ وَكَانَ يُحِبُّهَا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ فنقلها فاستوله عَلَيْهِ وَبِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ يَزِيدَ الْكَتَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَعْرَابِيُّ قَالَ رَأَيْتُ بِالْبَادِيَةِ أَعْرَابِيًا فِي عُنُقِهِ تَمَائِمٌ وَهُوَ عُرْيَانٌ
[ ٣٣٣ ]
وَعَلَى سَوْأَتِهِ خِرْقَةٌ وَفِي رِجْلِهِ حَبْلٌ وَخَلْفَهُ عَجُوزٌ تُمْسِكُهُ بِطَرْفِ الْحَبْلِ وَإِذَا هُوَ يَعَضُّ ذَرَاعَيْهِ فَقُلْتُ لِلْعَجُوزِ مَنْ هَذَا فَقَالَتْ ابْنُ ابْنَتِي فَقُلْتُ لَهَا مَا حَالُهُ أَبِهِ مَسٌّ مِنَ الْجِنِّ قَالَتْ لَا وَاللَّهِ لَكِنَّهُ نَشَأَ وَابْنَةُ عَمٍّ لَهُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فَعَلِقَهَا وَعَلِقَتْهُ فَحَبَسَهَا أَهْلُهَا عَنْهُ وَمَنَعُوهَا مِنْهُ فَزَالَ عَقْلُهُ وَصَارَ إِلَى مَا تَرَى فَقُلْتُ لَهَا مَا اسْمُهُ فَقَالَتْ عِكْرِمَةُ فَقُلْتُ أَيَا عِكْرِمَةُ مَا أَصَابَكَ فَقَالَ
أَصَابَنِي دَاءُ قَيْسٍ وَعُرْوَةَ وَجَمِيلِ
فَالْجِسْمُ مِنِّي نَحِيلٌ وَفِي الْفُؤَادِ غَلِيلُ قَالَ فَتَرَكْتُهُ وَمَضَيْتُ
وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّرْخَسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عُبَيْدَةَ قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ جَارِيَةٌ ظَرِيفَةٌ حَاذِقَةٌ بِالْغِنَاءِ فَهَوِيَتْ فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ فَكَانَتْ لَا تُفَارِقُهُ وَلا يُفَارَقُهَا فَمَلَّهَا الْفَتَى وَتَزَايَدَتْ هِيَ فِي مَحَبَّتِهِ وَأَسِفَتْ وَغَارَتْ وَوَلِهَتْ وَجَعَلَ مَوْلاهَا لَا يَعْبَأُ بِذَلِكَ وَلا يَرِقُّ لِشَكْوَاهَا فَتَفَاقَمَ الأَمْرُ بِهَا حَتَّى هَامَتْ عَلَى وَجْهِهَا وَمَزَّقَتْ ثِيَابَهَا وَضَرَبَتْ مَنْ لَقِيَهَا فَلَمَّا رَأَى مَوْلاهَا ذَلِكَ عَالَجَهَا فَلَمْ يَنْجَحْ فِيهَا الْعِلاجُ وَكَانَتْ تَدُورُ بِاللَّيْلِ فِي السِّكَكِ بَعْدَ الطَّوَفِ فَلَقِيَهَا مَوْلاهَا ذَاتَ يَوْمٍ فِي الطَّرِيقِ وَمَعَهُ أَصْحَابٌ لَهُ فَجَعَلَتْ تَبْكِي وَتَقُولُ
الْحُبُّ أَوَّلُ مَا يَكُونُ لَجَاجَةً تَأْتِي بِهِ وَتَسُوقُهُ الأَقْدَارُ
حَتَّى إِذَا اقْتَحَمَ الْفَتَى لُجَجَ الْهَوَى جَاءَتْ أُمُورٌ لَا تُطَاقُ كِبَارُ
قَالَ فَمَا بَقِي أحد إِلا رَحِمَهَا
فَقَالَ لَهَا مَوْلاهَا يَا فُلانَةُ امْضِي مَعَنَا إِلَى الْبَيْتِ فَأَبَتْ وَقَالَتْ شَغَلَ الْحَلْيُ أَهْلَهُ أَنْ يُعَارَا
[ ٣٣٤ ]
قَالَ وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ رَآهَا لَيْلَةً وَقَدْ لَقِيَتْهَا مَجْنُونَةٌ أُخْرَى فَقَالَتْ لَهَا يَا فُلانَةُ كَيْفَ أَنْتِ فَقَالَتْ كَمَا لَا أُحِبُّ فَكَيْفَ أَنْتِ مِنْ وَلَهِكِ وَحُبِّكِ فَقَالَتْ عَلَى مَا لَمْ يَزَلْ يَتَزَايَدُ عَلَى مَرِّ الأَيَّامِ
قَالَتْ لَهَا فَغَنِّي بِصَوْتٍ مِنْ أَصْوَاتِكِ فَإِنِّي قَرِيبَةُ الشَّبَهِ بِكِ فَأَخَذَتْ قَصَبَةً تُوقِعُ بِهَا وَغَنَّتْ
يَا مَنْ شَكَا أَلَمًا لِلْحُبِّ شَبَّهَهُ بِالنَّارِ فِي الْقَلْبِ مِنْ حُزْنٍ وَتِذْكَارِ
إِنِّي لأُعْظِمُ مَا بِي أَنْ أُشَبِّهَهُ شَيْئًا يُقَاسُ إِلَى مِثْلٍ وَمِقْدَارِ
لَوْ أَنَّ قَلْبِيَ فِي نَارٍ لأَحْرَقَهَا لأَنَّ أَحْزَانَهُ أَذْكَى مِنَ النَّارِ قَالَ ثُمَّ مَضَتْ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَرَجِ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ نَصْرٍ الْمُهَلَّبِيُّ قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن أَبِي سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْحِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ قَالَ قَدِمَ عَلَى نَيْسَابُورَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سِيَابَةَ الشَّاعِرُ الْبَصْرِيُّ فَأَنْزَلْتُهُ عَلَيَّ فَجَاءَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي وَهُوَ مَكْرُوبٌ وَقَدْ هَاجَ فَجَعَلَ يَصِيحُ بِي يَا أَبَا يُوسُفَ
فَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ غَشِيَتْهُ بَلِيَّةٌ فَقُلْتُ لَهُ مَا تَشَاءُ فَقَالَ
أَعَيَانِيَ الشَّادِنُ الرَّبِيبُ فَقُلْتُ بِمَاذَا فَقَالَ
قَدْ كُنْتُ أَشْكُو فَلا يُجِيبُ
فَقُلْتُ دَاؤُهُ وَدَوَاؤُهُ فَقَالَ
[ ٣٣٥ ]
مِنْ أَيْنَ أَبْغِي شِفَاءَ دَائِي وَإِنَّمَا دَائِي الطَّبِيبُ
فَقُلْتُ إِذَنْ يُفَرَّجُ اللَّهُ ﷿ فَقَالَ
يَا رَبِّ فَرِّجْ إِذَنْ وَعَجِّلْ فَإِنَّكَ السَّامِعُ الْمُجِيبُ ثُمَّ انْصَرَفَ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ إِذْنًا قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ ابْن مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيُّ قَالَ ذَكَرَ أَبُو الْمُخْتَارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ إِنِّي لَبِمُزْدَلِفَةَ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ سَمِعْتُ بُكَاءً حَرِقًا وَنَفَسًا عَالِيًا فَاتَّبَعْتُ الصَّوْتَ فَإِذَا بِجَارِيَةٍ كَأَنَّهَا الشَّمْسُ حُسْنًا وَمَعَهَا عَجُوزٌ فَلَطَطْتُ بِالأَرْضِ أُلاحِظُهَا وَأُمَتِّعُ عَيْنِي بِحُسْنِهَا فَسَمِعْتُهَا
تَقُولُ دَعَوْتُكَ يَا مَوْلايَ سِرًّا وَجَهْرَةً دُعَاءَ ضَعِيفِ الْقَلْبِ عَنْ مَحْمَلِ الْحُبِّ
بُلِيتُ بِقَاسِي الْقَلْبِ لَا يَعْرِفُ الْهَوَى وَأَقْتَلُ خَلْقِ اللَّهِ لِلْهَائِمِ الصَّبِّ
فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَقْضِ الْمَوَدَّةَ بَيْنَنَا فَلا يَخْلُ مِنْ حُبٍّ لَهُ أبدا قَلْبِي
رَضِيتُ بِهَذَا مَا حَيِيتُ فَإِنْ أَمُتْ فَحَسْبِي ثَوَابًا فِي الْمَعَادِ بِهِ حَسْبِي قَالَ وَجَعَلَتْ تُرَدِّدُ هَذِهِ الأَبْيَاتِ وَتَبْكِي فَقُمْتُ إِلَيْهَا وَقُلْتُ بِنَفْسِي أَنْتِ مَعَ هَذَا الَوْجَهِ وَهَذَا الْجَمَالِ يَمْتَنِعُ عَلَيْكِ مَنْ تُرِيدِينَ قَالَتْ نَعَمْ وَاللَّهِ وَاللَّهِ يَفْعَلُ هَذَا تَصَبُّرًا وَفِي قَلْبِهِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي قَلْبِي
قُلْتُ فَإِلَى كَمِ الْبُكَاءُ قَالَتْ أَبَدًا أَوْ يَصِيرَ الدِّمْعُ دَمًا وَتَتْلَفُ نَفْسِي غَمًّا
[ ٣٣٦ ]
قُلْتُ إِنَّ هَذِهِ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْحَجِّ فَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ ﷿ التَّوْبَةَ مَمَّا أَنْتِ فِيهِ رَجَوْتُ أَنْ يَذْهَبَ حُبُّهُ مِنْ قَلْبِكِ
قَالَتْ يَا هَذَا عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ فِي طَلَبِ رَغْبَتِكَ فَإِنِّي قَدْ قَدَّمْتُ رَغْبَتِي إِلَى مَنْ لَا يَجْهَلُ بُغْيَتِي وَحَوَلَتْ وَجْهَهَا عَنِّي وَأَقْبَلَتْ عَلَى بُكَائِهَا وَشِعْرِهَا وَلَمْ يَكُنْ بِهَا قَوْلِي وَوَعْظِي
أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أخبرنَا عبد الصمد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُكْرِمٍ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْمَارِسْتَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُعَذَّلٍ قَالَ كَانَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي قَدْ خَامَرَ قَلْبُهُ شَيْءٌ مِنَ الْوِجْدِ فَقَالَ
سَلَبْتِ عِظَامِي لَحْمَهَا فَتَرَكْتِهَا عَوَارِيَ فِي أَجْلادِهَا تَتَكَسَّرُ
وَأَخْلَيْتِ مِنْهَا مُخَّهَا فَكَأَنَّهَا قُوَارَيرُ فِي أَجْوَافِهَا الرِّيحُ تُصْفِرُ
خُذِي بِيَدِي ثُمَّ ارْفَعِي الثَّوْبَ فَانْظُرِي بَلِيَ جَسَدِي لَكِنَّنِي أتَسَتَّرُ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ إِذْنًا قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَتْنِي أُمُّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَمِيلٍ قَالَتْ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ الشَّرَوِيُّ قَهْرَمَانُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ دَخَلَ هَارُونُ الرَّشِيدُ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ وَكَانَ عَلِيلا فَرَأَى عِنْدَهُ جَارِيَةً لَهُ تُسَمَّى ضَعِيفَةَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالشَّكْلِ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَقَالَ هَارُونُ لِسُلَيْمَانَ هَبْهَا لِي فَقَالَ هِيَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا أَخَذَهَا مَرِضَ سُلَيْمَانُ مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ لَهَا فَقَالَ سُلَيْمَانُ
[ ٣٣٧ ]
أَشْكُو إِلَى ذِي الْعَرْشِ مَا لاقِيتُ مِنْ أَمْرِ الْخَلِيفَهْ
يَسَعُ الْبَرِيَةَ عَدْلُهُ وَيُرِيدُ ظُلْمِي فِي ضَعِيفَهْ
عَلِقَ الْفُؤَادُ بِحُبِّهَا كَالْحِبْرِ يَعْلَقُ بِالصَّحِيفَهْ قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ هَارُونُ الرَّشِيدُ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ شَاهِينَ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا احْمَد ابْن مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُصْعَبِ الْمَدِينِيُّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ عُبَيْدٍ وَكَانَ قَدْ تِيمَ عَقْلُهُ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ
الْحُبُّ لَوْ قَطَّعَنِي مَا قُلْتُ لَلْحُبُّ ظَلَمْ
قَدْ كُنْتُ خِلْوًا زَمَنًا فَالْيَوْمُ يَبْدُو مَا كَتَمْ
قَالَ قُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ
فَقَالَ مَنْ أَنْتَ قُلْتُ أَنَا أَخُوكَ أَبُو الْمُصْعَبِ
قَالَ عَشِيَّةً تَجِيءُ وَأُخْرَى تَذْهَبُ وَأَنَا أَتَوَقَّعُ الْمَوْتَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ قُلْتُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ ظَلَمَكَ
قَالَ مَهْ وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ يَنَالَهُ مَكْرُوهٌ
ثُمَّ تَنَفَّسَ حَتَّى رَحِمْتُهُ وَذَهَبَ عَقْلُهُ فَقُمْتُ عَنْهُ
أَنْبَأَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالا أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مِخْنَفٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَذِنَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِلنَّاسِ يَوْمًا فَكَانَ فِيمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فَتًى مِنْ بَنِي عُذْرَةَ فَلَمَّا أَخَذَ النَّاسُ مَجَالِسَهُمْ قَامَ الْفَتَى الْعُذْرِيُّ بَيْنَ السِّمَاطَيْنِ ثُمَّ أنشأ يَقُول
معاوى يَاذَا الْفَضْلِ وَالْحِلْمِ وَالْعَقْلِ وَذَا الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ وَالْجُودِ وَالْبَذْلِ
[ ٣٣٨ ]
أَتَيْتُكَ لَمَّا ضَاقَ فِي الأَرْضِ مَسْلَكِي وَأُنْكِرْتُ مِمَّا قَدْ أُصِيبَ بِهِ عَقْلِي فَفَرِّجْ كَلاكَ اللَّهُ عَنِّي فَإِنَّنِي لَقِيتُ الَّذِي لَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ قَبْلِي
وَخُذْ لِي هَدَاكَ اللَّهُ حَقِّي مِنَ الَّذِي رَمَانِي بِسَهْمٍ كَانَ أَهْوَنُهُ قَتْلِي
وَكُنْتُ أُرَجِّي عَدْلَهُ إِنْ أَتَيْتُهُ فَأُكْثِرُ تِرْدَادِي مَعَ الْحَبْسِ وَالْكَبْلِ
فَطَلَّقْتُهَا مِنْ جَهْدِ مَا قَدْ أَصَابَنِي فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْعَدْلِ
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ادْنُ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَا خَطْبُكَ فَقَالَ أَطَالَ اللَّهُ بِقَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ تَزَوَّجْتُ ابْنَةَ عَمٍّ لِي وَكَانَتْ لِي صِرْمَةٌ مِنْ إِبِلٍ وَشُوَيْهَاتٌ فَأَنْفَقْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصَابَتْنِي نَائِبَةُ الزَّمَانِ وَحَادِثَاتُ الدَّهْرِ رَغِبَ عَنِّي أَبُوهَا وَكَانَتْ جَارِيَةً فِيهَا الْحَيَاءُ وَالْكَرَمُ فَكَرِهَتْ مُخَالَفَةَ أَبِيهَا فَأَتَيْتُ عَامِلَكَ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ وَبَلَغَهُ جَمَالَهَا فَأَعْطَى أَبَاهَا عَشْرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ وَتَزَوَّجَهَا فَأَخَذَنِي وَحَبَسَنِي وَضَيَّقَ عَلَيَّ فَلم أَصَابَنِي مَسُّ الْحَدِيدِ وَأَلَمُ الْعَذَابِ طَلَّقْتُهَا وَقَدْ أَتَيْتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْتَ غِيَاثُ الْمَحْرُوبِ وَسَنَدُ الْمَسْلُوبِ فَهَلْ مِنْ فَرَجٍ ثُمَّ بكا وَقَالَ فِي بُكَائِهِ
فِي الْقَلْبِ مِنِّي نَارٌ وَالنَّارُ فِيهَا شَرَارُ
وَالْجِسْمُ مِنِّي نَحِيلٌ وَاللَّوْنُ فِيهِ اصْفِرَارُ
وَالْعَيْنُ تَبْكِي بِشَجْوٍ فَدَمْعُهَا مِدْرَارُ وَالْحُبُّ دَاءٌ عَسِيرٌ فِيهِ الطَّبِيبُ يَحَارُ
حَمَلْتُ مِنْهُ عَظِيمًا فَمَا عَلَيْهِ اصْطِبَارُ
فَلَيْسَ لَيْلِي بِلَيْلٍ وَلا نَهَارِي نَهَارُ
[ ٣٣٩ ]
فرَقَّ لَهُ مُعَاوِيَةُ وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ كِتَابًا غَلِيظًا وَكَتَبَ فِي آخِرِهِ
رَكِبْتَ أَمْرًا عَظِيمًا لَسْتُ أَعْرِفْهُ اسْتَغْفِرُ اللَّهَ من جور امرىء زَانٍ
قَدْ كُنْتُ تُشْبِهُ صُوفِيًا لَهُ كُتُبٌ مِنَ الْفَرَائِضِ أَوْ آيَاتِ فُرْقَانِ
حَتَّى أَتَانِي الْفَتَى الْعُذْرِيِّ مُنْتَحِبًا يَشْكُو إِلِيَّ بِحَقٍّ غَيْرِ بُهْتَانِ
أُعْطِي الإِلَهَ عُهُودًا لَا أَخِيسُ بِهَا أَوْ لَا فَبُرِّئْتُ مِنْ دِينٍ وَإِيمَانِ
إِنْ أَنْتَ رَاجَعْتَنِي فِيمَا كَتَبْتُ بِهِ لأَجْعَلَنَّكَ لَحْمًا بَيْنَ عُقْبَانِ
طَلِّقْ سُعَادَ وَفَارِقْهَا بِمُجْتَمِعٍ أَشْهِدْ عَلَى ذَاكَ نَصْرًا وَابْنَ طِبْيَانِ
فَمَا سَمِعْتُ كَمَا بُلِّغْتُ مِنْ عَجَبٍ وَلا فِعَالُكَ حَقًّا فِعْلَ إِنْسَانِ فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُ مُعَاوِيَةَ عَلَى ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ تَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ وَقَالَ وَدَدْتُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَهَا سَنَةً ثُمَّ عَرَضَنِي عَلَى السَّيْفِ
وَجَعَلَ يُؤَامِرُ نَفْسَهُ عَلَى طَلاقِهَا فَلَمَّا أَزْعَجَهُ الْوَفْدُ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ يَا سُعَادُ اخْرُجِي
فَخَرَجَتْ شَكِلَةً غَنِجَةً ذَاتَ هَيْئَةٍ وَجَمَالٍ فَلَمَّا رَآهَا الْوَفْدُ قَالَ مَا تَصْلُحُ هَذِهِ إِلا لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا لأَعْرَابِيٍّ
وَكَتَبَ جَوَابَ كِتَابِهِ
لَا تَحْنَثَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ أُوفِي بِعَهْدِكَ فِي رِفْقٍ وَإِحْسَانِ
وَمَا رَكِبْتُ حَرَامًا حِينَ أَعْجَبَنِي فَكَيْفَ سُمِّيتُ بِاسْمِ الْخَائِنِ الزَّانِي
وَسَوْفَ تَأْتِيكَ شَمْسٌ لَا خَفَاءَ بِهَا أَبْهَى الْبَرِيَةِ مِنْ إِنْسٍ وَمِنْ جَانِ
حَوْرَاءَ يَقْصُرُ عَنْهَا الْوَصْفُ إِنْ وُصِفَتْ أَقُولُ ذَلِكَ فِي سِرٍّ وَإِعْلانِ
[ ٣٤٠ ]
فَلَمَّا وَرَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ الْكِتَابُ قَالَ إِنْ كَانَتْ أُعْطِيَتْ حُسْنَ النَّغَمَةِ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ فَهِيَ أَكْمَلُ الْبَرِيَةِ فَاسْتَنْطَقَهَا فَإِذَا هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ كَلامًا وَأَكْمَلُهُمْ شَكْلا وَدِلا فَقَالَ يَا أَعْرَابِيُّ هَلْ لَكَ مِنْ سُلُوٍّ عَنْهَا بِأَفْضَلِ الرَّغْبَةِ قَالَ نَعَمْ إِذَا فَرَّقْتَ بَيْنَ رَأْسِي وَجَسَدِي ثُمَّ أَنْشَأَ الأَعْرَابِيُّ يَقُولُ
لَا تَجْعَلَنِّي وَالأَمْثَالُ تُضْرَبُ بِي كَالْمُسْتَغِيثِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ
ارْدُدْ سُعَادَ عَلَى حَيْرَانَ مُكْتَئِبٍ يُمْسِي وَيُصْبِحُ فِي هَمٍّ وَتِذْكَارِ
قَدْ شَفَّهُ قَلَقٌ مَا مِثْلُهُ قَلَقٌ وَأُسْعِرَ الْقَلْبُ مِنْهُ أَيَّ إِسْعَارِ
وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَا أَنْسَى مَحَبَّتَهَا حَتَّى أُغَيَّبُ فِي رَمْسٍ وَأَحْجَارِ
كَيْفَ السُّلُو وَقَدْ هَامَ الْفُؤَادُ بِهَا وَأَصْبَحَ الْقَلْبُ عَنْهَا غَيْرَ صَبَّارِ
قَالَ فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ غَضَبًا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لَهَا اخْتَارِي إِنْ شِئْتِ أَنَا وَإِنْ شِئْتِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ وَإِنْ شِئْتِ الأَعْرَابِيَّ فَأَنْشَأَتْ سُعَادُ تَقُولُ
هَذَا وَإِنْ أَصْبَحَ فِي أَطْمَارِ وَكَانَ فِي نَقْصٍ مِنَ الْيَسَارِ
أَكْثَرُ عِنْدِي مِنْ أَبِي وَجَارِي وَصَاحِبُ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ
أَخْشَى إِذَا غَدَرْتُ حَرَّ النَّارِ
فَقَالَ مُعَاوِيَة خُذْهَا لَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا
فَأَنْشَأَ الأَعْرَابِيُّ يَقُولُ
خَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ لِلأَعْرَابِي أَلَمْ تَرِقُّوا وَيْحَكُمْ لِمَا بِي
قَالَ فَضَحِكَ مُعَاوِيَةُ وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وَنَاقَةٍ وَوِطَاءٍ وَأَمَرَ بِهَا فَأُدْخِلَتْ فِي بَعْضِ قُصُورِهِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنَ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ ثُمَّ أَمَرَ بِدَفْعِهَا إِلَى الأَعْرَابِيِّ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَخْبَرَنِي
[ ٣٤١ ]
الأَزْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمَأْمُونِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد ابْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى الأَنْصَارِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ قَالَ قَالَ لِي الرَّشِيدُ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ حَدِيثًا أَتَفَرَّجُ بِهِ فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ
فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَاحِبٌ لَنَا فِي بَدْوِ بَنِي فُلانٍ كُنْتُ أَغْشَاهُ وَأَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةٌ وَتِسْعُونَ سَنَةُ أَصَحَّ النَّاسِ ذِهْنًا وَأَجْوَدَهُمْ أَكْلا وَأَقْوَاهُمْ بَدَنًا فَغَبَرْتُ عَنْهُ زَمَانًا ثُمَّ قَصَدْتُهُ فَوَجَدْتُهُ نَاحِلَ الْبَدَنِ كَاسِفَ الْبَالِ مُتَغَيِّرَ الْحَالِ فَقُلْتُ مَا شَأْنُكَ أَصَابَتْكَ مُصِيبَةٌ قَالَ لَا
قُلْتُ أَفَمَرَضٌ عَرَاكَ قَالَ لَا
قُلْتُ فَمَا سَبَبُ هَذَا الَّذِي أَرَاهُ بِكَ
قَالَ قَصَدْتُ بَعْضَ الْقَرَابَةِ فِي حَيِّ بَنِي فُلانٍ فَأَلْفَيْتُ عِنْدَهُمْ جَارِيَةً قَدْ لاثَتْ رَأْسُهَا وَعَلَيْهَا قَمِيصٌ وَقِنَاعٌ مَصْبُوغَانِ وَفِي عُنُقِهَا طَبْلٌ تُوقِعُ عَلَيْهِ وَتَنْشُدُ
مَحَاسِنُهَا سِهَامٌ لِلْمَنَايَا مُرَيَّشَةٌ بِأَنْوَاعِ الْخُطُوبِ
بَرَى رَيْبُ الْمَنُونِ لَهُنَّ سَهْمًا يُصِيبُ بِنَصْلِهِ مُهَجَ الْقُلُوبِ فَأَجَبْتُهَا
قِفِي شَفَتَيَّ فِي مَوْضِعِ الطَّبْلِ تَرْتَقِي كَمَا قَدْ أَبَحْتِ الطَّبْلَ فِي جِيدِكِ الْحَسَنْ
هَبِينِي عُودًا أَجْوَفًا تَحْتَ شَنَّةٍ تَمَتَّعَ فِيمَا بَيْنَ نَحْرِكِ وَالذَّقَنْ
فَلَمَّا سَمِعَتِ الشِّعْرَ مِنِّي نَزَعَتِ الطَّبْلَ فَرَمَتْ بِهِ فِي وَجْهِي وَبَادَرَتْ إِلَى الْخِبَاءِ فَدَخَلَتْ
فَلَمْ أَزَلْ وَاقِفًا إِلَى أَنْ حَمِيَتِ الشَّمْسُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِي لَا تخرج إِلَيّ وَلَا ترجع إل جَوَابًا فَقُلْتُ أَنَا وَاللَّهِ مَعَهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ
فَوَاللَّهِ يَا سَلْمَى لَطَالَ إِقَامَتِي عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ يَا سُلَيْمَى أُرَاقِبُهُ
[ ٣٤٢ ]
ثُمَّ انْصَرَفْتُ سَخِينَ الْعَيْنِ قَرِحَ الْقَلْبِ فَهَذَا الَّذِي تَرَى مِنَ التَّغَيُّرِ مِنْ عِشْقِي لَهَا
فَضَحِكَ الرَّشِيدُ حَتَّى اسْتَلْقَى فَقَالَ وَيْحَكَ يَا عبد الْملك ابْن سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةً يَعْشَقُ قُلْتُ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الأَدَبِ أَنَّهُ كَانَ لِلْمُتَوَكِّلِ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا مَحْبُوبَةٌ وَكَانَتْ مِنَ الأَدَبِ وَالإِحْسَانِ فِي الْغِنَاءِ عَلَى غَايَةِ مَا يَكُونُ مِثْلُهَا وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ يَجِدُ بِهَا وِجْدًا شَدِيدًا وَكَانَتْ لَهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمُتَوَكِّلِ مَا كَانَ تَفَرَّقَتِ الْجَوَارِي إِلَى الْقُوَّادِ فَصَارَتْ مَحْبُوبَةٌ إِلَى وَصِيفٍ فَكَانَ لِبَاسَهَا الْبَيَاضُ الْخَشِنُ وَكَانَتْ تَذْكُرُهُ فَتَشْهَقُ وَتَنْتَحِبُ
قَالَ فَجَلَسَ وَصِيفٌ يَوْمًا لِلْشُرْبِ وَجَلَسَ الْجَوَارِي الَّلاتِي كُنَّ لِلْمُتَوَكِّلِ فِي الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَجَاءَتْ مَحْبُوبَةٌ فِي مِعْجَرٍ أَبْيَضَ فَجَلَسَتْ فَمَا هُوَ إِلا أَنْ دَارَ النَّبِيذُ بَيْنَ النُّدَمَاءِ فَأَقْبَلَ وَصِيفٌ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ جَوَارِي الْمُتَوَكِّلِ وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ جَمَاعَةٌ فَقَالَ غَنِّينَ فَمَا بَقِيَتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ إِلا غَنَّتْ وَطَرِبَتْ وَضَحِكَتْ وَشَرِبَتْ إِلَى أَنْ أَوْمَأَ وَصِيفٌ إِلَى مَحْبُوبَةَ بِالْغِنَاءِ فَقَالَتْ إِنْ رَأَى الأَمِيرُ أَنْ يَعْفِيَنِي فَأَبَى وَقَالَ لَهَا الْجَوَارِي لَوْ كَانَ فِي الْحُزْنِ فَرَجٌ لَحَزِنَّا مَعَكِ وَجِيءَ بِعُودٍ فَوُضِعَ فِي حِجْرِهَا فَسَوَّتْهُ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ
أَيُّ عَيْشٍ يَطِيبُ لِي لَا أَرَى فِيهِ جَعْفَرَا
مَلِكٌ قَدْ رَأْتُهُ عَيْنِي جَرِيحًا مُعَفَّرَا
[ ٣٤٣ ]
كُلُّ مَنْ كَانَ هَائِمًا وَسَقِيمًا فَقَدْ بَرَا غَيْرَ مَحْبُوبَةٍ الَّتِي لَو ترى الْمَوْت يشترى
لاتشرته بِمَا حَوَتْهُ جَمِيعًا لِتُقْبَرَا
إِنَّ مَوْتَ الْكَئِيبِ أَطْيَبُ مِنْ أَنْ يُعَمَّرَا
فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى وَصِيفٍ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهَا فَصَارَتْ إِلَى قَبِيحَةَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ هُنَيْهَةٍ سَأَلَ عَنْهَا وَصِيفٌ فَقِيلَ لَهُ صَارَتْ إِلَى قَبِيحَةَ فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ تَمَسَّحَتْ وَمَضَتْ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي إِلامَ صَارَتْ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ تَرَى الْعَاشِقَ إِذَا رَأَى مَنْ يُحِبُّهُ أَوْ سَمِعَ بِذِكْرِهِ كَيْفَ يَهْرَبُ دَمُهُ وَيَسْتَحِيلُ لَوْنُهُ وَيُخْفِقُ فُؤَادُهُ وَتَأْخُذُهُ الرَّعْدَةُ وَرُبَّمَا امْتَنَعَ مِنَ الْكَلامِ وَلَمْ يُطِقْ رَدَّ الْجَوَابِ
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ
عَلامَةُ مَنْ كَانَ الْهَوَى فِي فُؤَادِهِ إِذَا مَا رَأَى الأَحْبَابَ أَنْ يَتَحَيَّرَا
وَيَصْفَرَّ لَوْنُ الْوَجْهِ بَعْدَ احْمِرَارِهِ وَإِن حر كوه لِلْكَلامِ تَثَوَّرَا
أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي بِالْمَغْرِبِ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَان بن مُحَمَّد المقرىء الصِّقِلِيُّ قَالَ كَانَ بِسُوسَةِ إِفْرِيقَيَّةِ رَجُلٌ أَدِيبٌ شَاعِرٌ وَكَانَ يَهْوَى غُلَاما جميلا منغلمانها وَكَانَ كَلِفًا بِهِ وَكَانَ الْغُلامُ يُعْرِضُ عَنْهُ وَيَتَجَّنَى عَلَيْهِ
[ ٣٤٤ ]
فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مُنْفَرِدًا يَشْرَبُ وَحْدَهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيذُ مِنْهُ إِذْ خَطَرَ بِبَالِهِ أَنْ يَأْخُذَ قَبَسَ نَارٍ وَيَحْرِقُ دَارَهُ عَلَيْهِ لِتَجَنِّيهِ عَلَيْهِ فَقَامَ مِنْ حِينِهِ وَنَهَضَ بِقَبَسِ نَارٍ فَجَعَلَهُ عِنْدَ بَابِ الْغُلامِ فَاشْتَعَلَ نَارًا وَاتَّفَقَ أَنْ رَآهُ بَعْضُ الْجِيرَانِ فَبَادَرُوا النَّارَ بِالإِطْفَاءِ فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَهَضُوا إِلَى الْقَاضِي فَأَعْلَمُوهُ وَشَكَوْا مِنْهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْقَاضِي وَقَالَ لَهُ لأَيِ شَيْءٍ أَحْرَقْتَ بَابَ هَذَا فَأَنْشَأَ يَقُولُ
لَمَّا تَمَادَى عَلَى بُعَادِي وَأَضْرَمَ النَّارَ فِي فُؤَادِي
وَلَمْ أَجِدْ مِنْ هَوَاهُ بُدَّا وَلا مُعِينًا عَلَى السُّهَادِ
حَمَلْتُ نَفْسِي عَلَى وُقُوفِي بِبَابِهِ حَملَة الْجواد
فَطَافَ مِنْ بَعْضِ نَارِ قَلْبِي أَقَلَّ فِي الْوَصْفِ مِنْ زِنَادِي
فَأَحْرَقَ الْبَابَ دُونَ عِلْمِي وَلَمْ يَكُنْ ذَاكَ مِنْ مُرَادِي قَالَ فَاسْتَظْرَفَهُ الْقَاضِي وَتَحَمَّلَ عَنْهُ مَا أَفْسَدَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ أَوْ كَمَا قَالَ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أنشدنا على ابْن مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّنَوْبَرِيُّ لِنَفْسِهِ
أَخَذُوا لِلسَّيْرِ أَهُبَّتَهُ وَأَخَذْنَا أَهُبَّةَ الْكَمَدِ
زَعَمُوا أَنَّ الْفِرَاقَ غَدًا وَفِرَاقُ الرُّوحِ بَعْدَ غَدِ
حدث الْأَصْمَعِي قَالَ رَأَيْتُ امْرَأَةً فِي الطَّوَافِ وَهِيَ تَقُولُ اللَّهُمَّ مَالِكَ يَوْمَ الْقَضَا وَخَالِقَ الأَرْضَ وَالسَّمَا
[ ٣٤٥ ]
ارْحَمْ أَهْلَ الْهَوَى فَإِنَّكَ قَرِيبٌ مِمَّنْ دَعَا ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ
يَا رب إِنَّك ذومن وَمَغْفِرَةٍ ثَبِّتْ بِعَافِيَةٍ مِنْكَ الْمُحِبِّينَا
فَقُلْتُ يَا هَذِهِ أَتَرْفُثِينَ وَأَنْتِ فِي الطَّوَافِ فَقَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّي لَا رَهَقَكَ الْحُبُّ
فَقُلْتُ لَهَا وَمَا الْحُبُّ فَقَالَتْ جَلّ أَنْ يُخْفَى وَدَقَّ أَنْ يُرَى لَهُ كُمُونٌ كَكُمُونِ النَّارِ فِي الْحَجَرِ إِنْ قَدَحْتَهُ أَوْرَى وَإِنْ تَرْكَتَهُ تَوَارَى
قَالَ فَتَبِعْتُهَا حَتَّى عَرَفْتُ مَنْزِلَهَا فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَ مَطَرٌ شَدِيدٌ فَمَرَرْتُ بِبَابِهَا وَهِيَ قَاعِدَةٌ مَعَ أَتْرَابٍ لَهَا وَهِيَ تَقُولُ لَهُنَّ قَدْ أَضَرَّ بِنَا الْمَطَرُ وَلَوْلا ذَلِكَ لَخَرَجْنَا إِلَى الطَّوَافِ وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ
قَالُوا أَضَرَّ بِنَا السَّحَابُ وَقَطْرُهُ لَمَّا رَأَوْهُ لِعَبْرَتِي يَحْكِي لَا تَعْجَبُوا مِمَّا تَرَوْنَ فَإِنَّمَا هَذِي السَّمَاءُ لِرَحْمَتِي تَبْكِي
وَبَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ مَنْ تَبِعَ الْحَاجَّ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ فِي الطَّوَافِ وَقَدْ مَضَى أَكْثَرُ اللَّيْلِ وَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ كَأَنَّهَا شَمْسٌ عَلَى قَضِيبِ غَرْسٍ فِي كَثِيبٍ وَهِيَ تَقُولُ
رَأَيْتُ الْهَوَى حُلْوًا إِذَا اجْتَمَعَ الْوَصْلُ وَمُرًّا عَلَى الْهُجْرَانِ لَا بَلْ هُوَ الْقَتْلُ
وَمَنْ لَمْ يَذُقْ لِلْهَجْرِ طَعْمًا فَإِنَّهُ إِذَا ذَاقَ طَعْمَ الْوَصْلِ لَمْ يَدْرِ مَا الْوَصْلُ
وَقَدْ ذُقْتُ طَعْمَيْهِ عَلَى الْقُرْبِ وَالنَّوَى فَأَبْعَدُهُ قَتْلٌ وَأَقْرَبُهُ خَبْلُ
ثُمَّ الْتَفَتَتْ فَرَأَتْنِي فَقَالَتْ يَا هَذَا ظُنَّ خَيْرًا فَإِنَّ مَنْ ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ عَنْ حَمْلِ شَيْءٍ أَلْقَاهُ طَلَبًا لِلرَّاحَةِ وَفَرَارًا مِنْ ثِقَلِ الْمَحَبَّةِ وَقَدْ نَطَقْتُ بِمَا عَلِمَهُ اللَّهُ وَأَحْصَاهُ الْمَلَكَانِ فَإِنْ يَعْفُ عَنْ أَهْلِ السَّرَائِرِ أكن فيهم وَإِن يعاقبوا فياخيبة الْمُذْنِبِينَ ثُمَّ بَكَتْ فَمَا رَأَيْتُ دُرًّا قُطِعَ سِلْكُهُ فَانْتَثَرَ بِأَحْسَنَ مِنْ تَنَاثُرِ دُمُوعِهَا
فَاعْتَزَلْتُ خَوْفًا أَنْ يَصْبُوَا قَلْبِي إِلَيْهَا
[ ٣٤٦ ]
وَحَدَّثَ الأَصْمَعِيُّ قَالَ رُئِيَ أَبُو السَّائِبِ الْمَخْزُومِيُّ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْعَاشِقِينَ فَقِيلَ يَا أَبَا السَّائِبِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ تَقُولُ هَذَا الْمَقَالِ قَالَ إِلَيْكَ عَنِّي فَوَاللَّهِ إِنَّ الدُّعَاءَ لَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
يَا هَجْرُ كُفَّ عَنِ الْهَوَى وَدَعِ الْهَوَى لِلْعَاشِقِينَ يَطِيبُ يَا هَجْرُ
مَاذَا تُرِيدُ مِنَ الَّذِينَ جُفُونُهُمْ قَرْحَى وَحَشْوُ قُلُوبِهِمْ جَمْرُ
والحزن حَشْو صُدُورهمْ ووجوهم مِمَّا تَجِنُّ صُدُورُهُمْ صُفْرُ
وَسَوَابِقُ الْعَبَرَاتِ فَوْقَ نُحُورِهِمْ دُرَرٌ تَلُوحُ كَأَنَّهَا الْقَطْرُ
صَرْعَى عَلَى جِسْرِ الْهَوَى لِشَقَائِهِمْ بِنُفُوسِهِمْ يَتَلاعَبُ الدَّهْرُ حكى لِي بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ امْرَأَةً نَزَلَتْ مَعَهُمْ فِي سَفِينَةٍ فَوَصَلَتْ إِلَى بَعْضِ الأَمَاكِنِ فَقَالَتْ رَقُّونِي
فَقَالُوا لَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ صُعُودٍ فَقَالَتْ لَا بُدَّ فَصَعَدَتْ قَالَ وَسِرْنَا فَلَمَّا عُدْنَا وَجَدْنَاهَا قَدْ وَلَدَتْ وَمَاتَتْ هُنَاكَ
وَهَذِهِ امْرَأَةٌ قَدْ هَرَبَتْ مِنْ بَلَدِهَا لِعَارٍ ارْتَكَبَتْهُ فَآثَرَتِ الْمَوْتَ عَلَى الْعَارِ فَانْظُرْ مَا يَصْنَعُ الْهَوَى بِأَرْبَابِهِ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بن احْمَد قَالَ أَنبأَنَا عبد العزيز بْنُ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الضَّرَّابُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عبد الله بن سلمم بْنِ قُتَيْبَةَ قَالَ قَرَأْتُ فِي سِيَرِ الْعَجَمِ أَنَّ أَرْدَشِيرَ لَمَّا اسْتَوْثَقَ لَهُ أَمْرَهُ وَأَقَرَّ لَهُ بِالطَّاعَةِ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ حَاصَرَ مَلِكَ السِّرْيَانِيَةِ وَكَانَ مُتَحَصِّنًا فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا الْحَضَرُ فَحَاصَرَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى فَتْحِهَا حَتَّى رَقَّتْ بِنْتُ الْمَلِكِ يَوْمًا عَلَى الْحِصْنِ فَرَأَتْ أَرْدَشِيرَ فَهَوِيَتْهُ فَنَزَلَتْ فَأَخَذَتْ بِنَشَّابَةً فَكَتَبَتْ عَلَيْهَا إِنْ أَنْتَ شَرَطْتَ لِي أَنْ تَتَزَوَّجَنِي دَلَلْتُكَ عَلَى مَوْضِعٍ تَفْتَحُ بِهِ الْمَدِينَةَ بِأَيْسَرِ الْحِيلَةِ وَأَخَفِّ الْمَؤُنَةِ
ثُمَّ رَمَتْ بِالنَّشَابَةِ نَحْوَ أَرْدَشِيرَ
[ ٣٤٧ ]
فَقَرَأَهُ وَأَخَذَ نُشَّابَةً فَكَتَبَ عَلَيْهَا لَكِ الْوَفَاءُ بِمَا سَأَلْتِينِي
ثُمَّ ألقاهاإليها فَدَلَّتْهُ عَلَى الْمَوْضِعِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَافْتَتَحَهَا
فَدَخَلَ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ غَارُونَ لَا يَشْعُرُونَ فَقَتَلَ الْمَلِكَ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهَا وَتَزَوَّجَهَا
فَبَيْنَمَا هِيَ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى فِرَاشِهِ أَنْكَرَتْ مَكَانَهَا حَتَّى سَهِرَتْ أَكْثَرَ لَيْلَتِهَا فَقَالَ لَهَا مَالَكِ قَالَتْ أَنْكَرْتُ فِرَاشِي فَنَظَرُوا تَحْتَ الْفِرَاشِ فَإِذَا تَحْتَهُ طَاقَةُ آسٍ قَدْ أَثَّرَتْ فِي جِلْدِهَا فَتَعَجَبَ مِنْ رِقَّةِ بَشْرَتِهَا فَقَالَ لَهَا مَا كَانَ أَبُوكِ يُغَذُوكِ قَالَتْ كَانَ أَكْثَرُ غِذَائِي عِنْدَهُ الشَّهْدُ وَالْمُخُّ وَالزُّبْدُ فَقَالَ لَهَا مَا أَحَدٌ بَالِغٌ مِنْكِ فِي الْحِبَاءِ مَبْلَغَ أَبِيكِ وَإِنْ كَانَ جَزَاؤُهُ عِنْدَكِ عَلَى جَهْدِ إِحْسَانِهِ مَعَ لُطْفِ قَرَابَتِهِ وَعِظَمِ حَقِّهِ إِسَاءَتُكِ إِلَيْهِ مَا أَنَا بِآمِنٍ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْكِ
ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ تُعْقَدَ قُرُونُهَا بِذَنَبِ فَرَسٍ شَدِيدِ الْجَرْيِ جَمُوحٍ ثُمَّ يَجْرِي فَفُعِلَ ذَلِكَ بِهَا حَتَّى تَسَاقَطَتْ عُضْوًا عُضْوًا
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّحَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْمُهَلَّبِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس ابْن عَطَاءٍ قَالَ كَانَ يَحْضُرُ حَلْقَتِي شَاب حسن الْوَجْه يخبأ يَدَهُ قَالَ فَوَقَعَ لِي أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ عَلَى حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ قَالَ فَجَاءَنِي يَوْمَ جُمْعَةٍ وَقَدْ جَاءَتِ السَّمَاءُ بِالْبَرَكَاتِ وَلَمْ يَجِئْنِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدٌ قَالَ فَطَالَبَتْنِي نَفْسِي بِمُخَاطَبَتِهِ وَدَافَعْتُهَا مِرَارًا كَثِيرَةً إِلَى أَنْ غَلَبَ عَلَيَّ كَلامُهُ فَكَلَّمْتُهُ فَقُلْتُ يَا فَتًى مَالِي أَرَى يَدَكَ تُخَبِّؤُهَا ثُمَّ لَا تُخْرِجُهَا
[ ٣٤٨ ]
فَإِنْ كَانَ بِهَا عِلَّةً دَعَوْنَا اللَّهَ تَعَالَى لَكَ بِالْعَافِيَةِ
فَأَخْرَجَهَا فَرَأَيْتُ فِيهَا شَبِيهًا بِالشَّلَلِ
فَقُلْتُ يَا فَتًى مَا أَصَابَ يَدَكَ قَالَ حَدِيثِي طَوِيلٌ قُلْتُ مَا سَأَلْتُكَ إِلا وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ
فَقَالَ لِي أَنَا فُلانُ بْنُ فُلانٍ خَلَّفَ لِي أَبِي ثَلاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَدِمْتُ بِهَا فَعَلَقَتْ نَفْسِي بِجَارِيَةٍ فِي الْقِيَانِ فَأَنْفَقْتُ عَلَيْهَا جُمْلَةً ثُمَّ أَشَارُوا عَلَيَّ بِشَرَائِهَا فَاشْتَرَيْتُهَا بِسِتَّةِ آلافِ دِينَارٍ فَلَمَّا حَصَلَتْ عِنْدِي وَمَلَكْتُهَا قَالَتْ لِمَ اشْتَرَيْتَنِي وَمَا فِي الأَرْضِ ابْغَضُ إِلَيَّ مِنْكَ وَإِنِّي لأَرَى نَظَرِي إِلَيْكَ عُقُوبَةً فَاسْتَرِدَّ مَالَكَ فَلا مُتْعَةَ لَكَ بِي مَعَ بُغْضِي لَكَ
قَالَ فَبَذَلْتُ لَهَا كُلَّ مَا يَبْذُلُهُ النَّاسُ فَمَا ازْدَادَتْ إِلا غُلُوًّا فَهَمَمْتُ بِرَدِّهَا فَقَالَتْ لِي دَايَةٌ لِي دَعْهَا تَمُوتُ وَلا تَمُوتَ أَنْتَ قَالَتْ فَاعْتَزَلَتْ فِي بَيْتٍ وَلَمْ تَأْكُلْ وَلَمْ تَشْرَبْ إِلا تَبْكِي وَتَضَرَّعُ حَتَّى ضَعُفَ الصَّوْتُ وَأَحْسَسْنَا مِنْهَا بِالْمَوْتِ
وَمَا مَضَى يَوْمٌ إِلا وَأَنَا أَمْضِي إِلَيْهَا وَأَبْذُلُ لَهَا الرَّغَائِبَ وَمَا يَنْفَعُ ذَلِكَ وَلا تَزْدَادُ إِلا بُغْضًا
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ أَقْبَلْتُ عَلَيْهَا وَسَأَلْتُهَا عَمَّا تَشْتَهِيهِ فَاشْتَهَتْ حَرِيرَةً فَحَلَفْتُ لَا يَعْمِلُهَا أَحَدٌ سِوَايَ فأوقدت النَّار ونصبت الْقد ر وَبَقِيتُ أُمَرِّسُ مَا جُعِلَ فِيهَا وَالنَّارُ تَعْمَلُ وَقَدْ أَقْبَلَتْ عَلَيَّ تَشْكُو مَا مَرَّ بِهَا مِنَ الآلامِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ فَأَقْبَلَتْ دَايَتِي فَقَالَتْ يَا سَيِّدِي ارْفِعْ يَدَيْكَ فَرَفَعْتُهَا وَقَدِ انْسَمَطَتْ عَلَى مَا ترَاهَا
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فَصَعَقْتُ صَعْقَةً وَقُلْتُ بِآبَائِي هَذَا فِي هَوَى مَخْلُوقٍ أَقْبَلَ عَلَيْكَ فَنَالَكَ هَذَا كُلُّهُ
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفْرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
[ ٣٤٩ ]
عَلِيٍّ الأَزَجِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ جَهْضَمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيَّاتُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي سَمْنُونُ قَالَ كَانَ فِي جِيرَانِي رَجُلٌ لَهُ جَارِيَةٌ وَكَانَ شَدِيدَ الْمَيْلِ إِلَيْهَا فَاعْتَلَّتِ الْجَارِيَةُ عِلَّةً شَدِيدَةً فَجَلَسَ يُصْلِحُ لَهَا حِسَاءً فَبَيْنَا هُوَ يُحَرِّكُ الْقِدْرَ إِذْ قَالَتِ الْجَارِيَةُ أُوهْ فَسَقَطَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ وَجَعَلَ يُحَرِّكُ الْقِدْرَ بِيَدِهِ حَتَّى سَقَطَ لَحْمُ أَصَابِعِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْجَارِيَةُ فَقَالَتْ إِيشِ هَذَا فَقَالَ هَذَا مَوْضِعُ قَوْلِكِ أُوهْ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبِسْطَامِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْعُكْلِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ كَانَ لِعَمْرِو بْنِ دُوَيْرَةَ أَخٌ قَدْ كَلِفَ بِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ كَلَفًا شَدِيدًا وَكَانَ أَبُوهَا يَأْبَاهُ فَحَمَلَ الْحُبُّ عَلَيْهِ أَنْ تَسَوَّرَ الْجِدَارَ وَحَصَلَ مَعَهَا فَأَحَسَّ بِهِ أُبُوهَا فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَأَتَى بِهِ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ الله الْقَسرِي وَادّعى عَلَيْهِ السرق وَأَتَى بِجَمَاعَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ وَجَدُوهُ فِي مَنْزِلِهِ لَيْلا وَقَدْ دَخَلَ دُخُول السراق فَسَأَلَ خَالِد الْفَتَى فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ دَخَلَ لِيَسْرِقَ وَمَا سَرَقَ شَيْئًا لِيَدْفَعَ بِذَلِكَ الْفَضِيحَةَ عَنِ ابْنَةِ عَمِّهِ
فَأَرَادَ خَالِدٌ أَنْ يَقْطَعَهُ فَرَفَعَ عَمْرٌو أَخُوهُ إِلَى خَالِدٍ رُقْعَةً فِيهَا
أَخَالِدُ قَدْ وَاللَّهِ أَوْطَئْتَ عَشْوَةً وَمَا الْعَاشِقُ الْمَظْلُومُ فِينَا بِسَارِقِ
أَقَرَّ بِمَا لَمْ يَأْتِهِ الْمَرْءُ إِنَّهُ رَأَى الْقَطْعَ خَيْرًا مِنْ فَضِيحَةِ عَاشِقِ
[ ٣٥٠ ]
وَلَوْلا الَّذِي قَدْ خِفْتُ مِنْ قَطْعِ كَفِّهِ لأَلْفَيْتُ فِي أَمْرٍ لَهُمْ غَيْرَ نَاطِقِ
إِذَا مُدَّتِ الْغَايَاتُ فِي السَّبْقِ لِلْعُلا فَأَنْتَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَوَّلُ سَابِقِ
فَأَرْسَلَ خَالِدٌ مَوْلًى لَهُ يَسْأَلْهُ عَنِ الْخَبَرِ وَيَتَجَسَّسْ عَنْ جَلِيَّةِ الأَمْرِ فَأَتَاهُ بِتَصْحِيحِ مَا قَالَ عَمْرٌو فِي شِعْرِهِ فَأَحْضَرَ الْجَارِيَةَ وَزَوَّجَهُ وَسَاقَ خَالِدٌ الْمَهْرَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ
أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد بن سلميان بْنِ دَاوُدَ الطُّوسِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ بَارِعَةَ الْجَمَالِ وَكَانَتْ تُدْعَى الْمَوْصُولَةَ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبَانِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبَانُ بْنُ مَرْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمَلِكِ فَرَآهَا فَأَخَذَتْ بِنَفْسِهِ فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهَا الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَأْمُرُهُ بِالشُّخُوصِ إِلَيْهِ فَشَخَصَ إِلَيْهِ فَنَزَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ يَحْيَى إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا بَعَثَ إِلَيْكَ لِتُزَوِّجَهُ أُخْتَكَ زَيْنَبَ فَهَلْ لَكَ فِي شَيْءٍ أَدْعُوكَ إِلَيْهِ قَالَ هَلُمَّ فَاعْرِضْ قَالَ أُعْطِيكَ لِنَفْسِكَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَلَهَا عَلَيَّ رِضَاهَا وَتُزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ مَا بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ذَلِكَ أَسِفَ عَلَيْهَا فَاصْطَفَى كُلَّ شَيْءٍ لِيَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ كَعْكَتَيْنِ وَزَيْنَب يُرِيد أَن يجتزىء بِكَعْكَتَيْنِ إِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ زَيْنَبُ
[ ٣٥١ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَبِيبٍ الصُّوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي صَادِقٍ الْحِيرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَاكَوَيْهِ الشِّيرَازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ الطَّبَرِيُّ الزَّاهِدُ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ الْقَاسِمِ الْخَوَّاصُ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مِلْكِيٍّ يَقُولُ كُنْتُ فِي الْبَادِيَةِ فَدَخَلْتُ بَعْضَ الأَحْيَاءِ أَطْلُبُ شَيْئًا آكُلُ فَرَأَيْتُ فَتًى عَلَى بَابِ الْحَيِّ مُسَجَّى فَقُلْتُ لَهُ مَا عِلَّتُكَ فَقَالَ سَلْ تِلْكَ الْقَائِمَةَ قُلْتُ وَأَيَّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنْكَ قَالَ هِيَ ابْنَةُ عَمِّي قُلْتُ فَهِيَ لَكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ فَمَا هَذَا النُّحُولُ فَقَالَ لِي أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْوِصَالِ عَلِمَ أَنَّ الْفِرَاقَ يَفْنَى وَمَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْفِرَاقِ عَلِمَ أَنَّ الْوِصَالَ يَبْقَى
أخبرتنا شهدة بن بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ دَعَانِي فَتًى مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى جَارِيَةٍ تُغَنِّي فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهَا إِذَا أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَإِذَا بِهَا انْخِرَاطُ وَجْهٍ وَسَهْوٌ وَسُكُوتٌ فَجَعَلْنَا نَبْسُطُهَا بِالْمِزَاحِ وَالْكَلامِ وَيَمْنَعُهَا مِنْ ذَلِكَ مَا تُكَاتِمُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي وَاللَّهِ إِنَّ بِهَا لَهُيَامًا وَطَائِفًا مِنَ الْحُبِّ فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا فَقُلْتُ بِاللَّهِ لَتَصْدُقِينِي بِالَّذِي بِكِ فَقَالَتْ بَرْحُ الذِّكْرِ وَدَوَامُ الْفِكْرِ وَحُلُولُ النَّهَارِ وَالتَّشَوُّقُ إِلَى مَنْ سَارَ وَأَخَذَتِ الْعُودَ فَغَنَّتْ
سُيُورِدُنِي التِّذْكَارُ خَوْضَ الْمَهَالِكِ وَلَسْتُ لِتِذْكَارِ الْحَبِيبِ بِتَارِكِ أَبَى اللَّهُ إِلا أَنْ أَمُوتَ صَبَابَةً وَلَسْتُ لِمَا يَقْضِي الإِلَهُ بِمَالِكِ
[ ٣٥٢ ]
كَأَنَّ بِقَلْبِي حِينَ شَطَتْ بِهِ النَّوَى وَخَلَّفَنِي فَرْدًا صُدُورُ النِّيَازِكِ
تَقَطَّعَتِ الأَخْبَارُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لِبُعْدِ النَّوَى وَانْسَدَ سُبُلُ الْمَسَالِكِ
قَالَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ أُسْلَبَ عَقْلِي لَمَّا غَنَّتْ
فَقُلْتُ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكِ وَهَذَا الَّذِي صَيَّرَكِ إِلَى مَا أَرَى يَسْتَحِقُّ هَذَا مِنْكِ فَوَاللَّهِ إِنَّ النَّاسَ لَكَثِيرٌ فَلَوْ تَسَلَّيْتِ بِغَيْرِهِ فَلَعَلَّ مَا بِكِ أَنْ يَسْكُنَ أَوْ يَخِفَّ فَقَدْ قَالَ الأَوَّلُ
صَبَرْتُ عَلَى اللَّذَّاتِ حَتَّى تَوَلَّتِ وَأَلْزَمْتُ نَفْسِي صَبْرَهَا فَاسْتَمَرَّتِ
وَمَا النَّفْسُ إِلا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَى فَإِنْ أُطْمِعَتْ تَاقَتْ وَإِلا تَسَلَّتِ
فَأَقْبَلَتْ عَلَيَّ وَقَالَتْ قَدْ وَاللَّهِ رُمْتُ ذَلِكَ فَكُنْتُ كَمَا قَالَ قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ
وَلَمَّا أَبَى إِلا جِمَاحًا فُؤَادُهُ وَلَمْ يَسْلُ عَنْ لَيْلَى بِمَالٍ وَلا أَهْلِ
تَسَلَّى بِأُخْرَى غَيْرِهَا فَإِذَا الَّتِي تَسَلَّى بِهَا تُغْرِي بِلَيْلَى وَلا تُسْلِي قَالَ فَأَسْكَتَنِي وَاللَّهِ تَوَاتُرُ حُجَجِهَا عَنْ مُحَاوَرَتِهَا وَمَا رَأَيْتُ كَمَنْطِقِهَا وَلا كَشَكْلِهَا وَأَدَبِهَا
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو المقرىء قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَوَّاصُ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّبِيعِيُّ قَالَ سَمِعْتُ صَالِحَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْعَبْدِيَّ يَقُولُ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزيات بتعشق جَارِيَةً مِنْ جَوَارِي الْقِيَانِ فَبِيعَتْ مِنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ فَأَخْرَجَهَا فَذُهِلَ عَقْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ حَتَّى خُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
[ ٣٥٣ ]
يَا طُولَ سَاعَاتِ لَيْلِ الْعَاشِقِ الدَّنِفِ وَطُولَ رَعْيَتِهِ لِلنَّجْمِ فِي السَّدَفِ
مَاذَا تُوَارِي ثَيَابِي مِنْ أَخِي حَرَقٍ كَأَنَّمَا الْجِسْمُ مِنْهُ دَقَّةُ الأَلِفِ
مَا قَالَ يَا أَسَفَا يَعْقُوبُ مِنْ كَمَدٍ إِلا لِطُولِ الَّذِي لاقَى مِنَ الأَسَفِ
مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَرَى مَيْتَ الْهَوَى دَنِفًا فَلْيَسْتَدِلَّ عَلَى الزَّيَّاتِ وَلْيَقِفِ
وَبَلَغَنَا عَنْ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ فَصَارَ عَلَى عَشْرَةِ أَمْيَالٍ كَتَبَ إِلَى سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ زَوْجَتِهِ
وَكَانَ عَزِيزًا أَنْ أَبِيتَ وَبَيْنَنَا حِجَابٌ فَقَدْ أَصْبَحْتِ مِنِّي عَلَى عَشْرِ
وَأَبْكَاهُمَا لِلْعَيْنِ وَاللَّهِ فاعلمي إِذا ازددت مثليها صرت عَلَى شَهْرِ
وَأَبْكَى لِقَلْبِي مِنْهُمَا الْيَوْمَ أَنَنِّي أَخَافُ بِأَنْ لَا نَلْتَقِي آخِرَ الدَّهْرِ
[ ٣٥٤ ]