أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بكر ابْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سيعد بْنُ شَبِيبٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ قَالَ كَانَ عِنْدَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فُقَهَاءٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِيهِمْ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ إِذْ قَالَ خَالِدٌ حَدِّثُونَا بِحَدِيثِ عِشْقٍ لَيْسَ فِيهِ فُحْشٌ
فَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ أَصْلَحَ اللَّهُ الأَمِيرَ زَعَمُوا أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ غَدْرُ النِّسَاءِ وَسُرْعَةُ تَزْوِيجِهِنَّ فَقَالَ هِشَامٌ إِنَّهُ لَيَبْلُغُنِي مَنْ ذَلِكَ الْعَجَبُ فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ أُحَدِّثُكَ عَمَّا بَلَغَنِي مِنْ ذَلِكَ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلا مِنْ بَنِي يَشْكُرَ يُقَالُ لَهُ غَسَّانُ بْنُ جَهْمَ بْنِ الْعُذَافِرِ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عُقْبَةَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الأَبْجَرِ وَكَانَ لَهَا مُحِبًّا وَكَانَتْ لَهُ كَذَلِكَ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَظَنَّ أَنَّهُ مُفَارِقُ الدُّنْيَا قَالَ ثَلاثَةُ أَبْيَاتٍ ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ عُقْبَةَ اسْمَعِي مَا أَقُولُ وَأَجِيبِي بِحَقٍّ فَقَدْ تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى مسئلتك عَنْ نَفْسِكِ بَعْدَ مَا يُوَارِينِي التُّرَابُ فَقَالَتْ قُلْ فَوَاللَّهِ لَا أُجِيبُكَ بِكَذِبٍ وَلا جَعَلْتُهُ آخِرَ حَظِّكَ مِنِّي فَقَالَ وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءً كَادَ يَمْنَعُهُ الْكَلامُ
أَخَبْرِينِي مَاذَا تُرِيدِينَ بَعْدِي وَالَّذِي تَضْمُرِينَ يَا أُمَّ عُقْبَهْ
تَحْفَظِينِي بَعْدَ مَوْتِي لِمَا قَدْ كَانَ مِنْ حُسْنِ خُلُقٍ وَصُحْبَهْ
أَمْ تُرِيدِينَ ذَا جَمَالٍ وَمَالٍ وَأَنَا فِي التُّرَابِ فِي سِجْنِ غُرْبَهْ
[ ٥٧٠ ]
فَأَجَابَتْهُ بِبُكَاءٍ وَانْتِحَابٍ
قَدْ سَمِعْنَا الَّذِي تَقُولُ وَمَا قَدْ خِفْتُهُ يَا غَسَّانُ مِنْ أُمِّ عُقْبَهْ
أَنَا مِنْ أَحْفَظِ النِّسَاءِ وَأَرْعَاهُ لِمَا قَدْ أَوْلَيْتَ مِنْ حُسْنِ صُحْبَهْ
سَوْفَ أَبْكِيكَ مَا حَيِيتُ بِشَجْوٍ وَمَرَاثٍ أَقُولُهَا وَبِنُدْبَهْ
قَالَ فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ طَابَتْ نَفْسُهُ وَفِي النَّفْسِ مَا فِيهَا فَقَالَ
أَنَا وَاللَّهِ وَاثِقٌ مِنْكِ لَكِنْ رُبَّمَا خِفْتُ مِنْكِ غَدْرَ النِّسَاءِ
بَعْدَ مَوْتِ الأَزْوَاجِ يَا خَيْرَ من عوشر فارعمى حَقِّي بِحُسْنِ الْوَفَاءِ
إِنَّنِي قَدْ رَجَوْتُ أَنْ تَحْفَظِي الْعَهْدَ فَكُونِي إِنْ مِتُّ عِنْدَ الرَّجَاءِ
ثُمَّ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ فَلَمْ يَنْطِقْ حَتَّى مَاتَ
فَلَمْ تَلْبَثْ إِلا قَلِيلا حَتَّى خُطِبَتْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَرَغَبَتْ فِيهَا الأَزْوَاجُ لاجْتِمَاعِ الْخِصَالِ الْفَاضِلَةِ فِيهَا مِنَ الْعَقْلِ وَالْجَمَالِ وَالْعَفَافِ وَالْحَسَبِ فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُمْ
سَأَحْفَظُ غَسَّانًا عَلَى بُعْدِ دَارِهِ وَأَرْعَاهُ حَتَّى نَلْتَقِي يَوْمَ نُحْشَرُ
وَإِنِّي لَفِي شُغْلٍ عَنِ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَكُفُّوا فَمَا مِثْلِي بِمَنْ مَاتَ يَغْدِرُ
سَأَبْكِي عَلَيْهِ مَا حَيِيتُ بِعَبْرَةٍ تَجُولُ عَلَى الْخَدَّيْنِ مِنِّي فَتَكْثِرُ
فَيَئِسَ النَّاسُ مِنْهَا حِينًا فَلَمَّا مَرَّتْ بِهَا الأَيَّامُ نَسِيَتْ عَهْدَهُ وَقَالَتْ مَنْ مَاتَ فَقَدْ فَاتَ فَأَجَابَتْ بَعْضَ خُطَّابِهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَرَادَ الدُّخُولَ بِهَا جَاءَهَا غَسَّانُ فِي النَّوْمِ وَقَدْ أَغْفَتْ فَقَالَ
غَدَرْتِ وَلَمْ تَرْعَيْ لِبَعْلِكِ حُرْمَةً وَلَمْ تَعْرِفِي حَقًّا وَلَمْ تَحْفَظِي عَهْدَا
وَلَمْ تَصْبِرِي حَوْلا حِفَاظًا لِصَاحِبٍ حَلَفْتِ لَهُ يَوْمًا وَلَمْ تُنْجِزِي وَعْدَا
غَدَرْتِ بِهِ لَمَّا ثَوَى فِي ضَرِيحِهِ كَذَلِكَ يُنْسَى كُلُّ مَنْ سَكَنَ اللَّحْدَا
فَلَمَّا قَالَ هَذِهِ الأَبْيَاتُ انْتَبَهَتْ مُرْتَاعَةً مُسْتَحِيِيَةُ مِنْهُ كَأَنَّهُ بَاتَ مَعَهَا فِي جَانِبِ
[ ٥٧١ ]
الْبَيْتِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْهَا مَنْ حَضَرَهَا مِنْ نِسَائِهَا فَقُلْنَ مَالَكِ وَمَا حالك وَمَا دَهَاكِ فَقَالَتْ مَا تَرَكَ غَسَّانُ بَعْدَهُ فِي الْحَيَاةِ أَرَبًا وَلا بَعْدَهُ فِي الْحَيَاةِ سُرُورٌ وَرَغْبَةٌ أَتَانِي فِي مَنَامِي السَّاعَةَ فَأَنْشَدَنِي هَذِهِ الأَبْيَاتَ وَأَنْشَدَتْهَا وَهِيَ تَبْكِي بِدَمْعٍ غَزِيرٍ وَانْتِحَابٍ شَدِيدٍ
فَلَمَّا سَمِعْنَ ذَلِكَ مِنْهَا أَخَذْنَ بِهَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِتَنْسَى مَا هِيَ فِيهِ فَتَغَافَلَتْهُنَّ ثُمَّ قَامَتْ فَلَمْ يُدْرِكْنَهَا حَتَّى ذَبَحَتْ نَفْسَهَا حَيَاءً مِمَّا كَادَتْ تَرْكَبُ بَعْدَهُ مِنَ الْغَدْرِ بِهِ وَالنِّسْيَانُ لِعَهْدِهِ
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ قَالَ ضَلَّتْ نَاقَةٌ لِفَتَى مِنْ تَمِيمٍ فَخَرَجَ إِلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي شَيْبَانٍ يَنْشُدُهَا فَإِنَّهُ لَكَذَلِكَ إِذْ بَصُرَ بِجَارِيَةٍ كَأَنَّهَا الشَّمْسُ حُسْنًا وَجَمَالا فَعَشِقَهَا عِشْقًا مُبْرِحًا فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَمَا تَمَالَكَ أَنْ رَجَعَ إِلَى حَيِّهِمْ فَلَمَّا هذأ اللَّيْلُ قَالَ لَعَلِّي أُسَكِنُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا بَعْضَ مَا بِي فَأَتَاهَا وَهِيَ جَالِسَةٌ وَإِخْوَتِهَا نِيَامٌ حَوْلَهَا فَقَالَ لَهَا يَا قُرَّةَ عَيْنِي قَدْ وَاللَّهِ أَذْهَبَ الشَّوْقُ عَقْلِي وَكَدَّرَ عَلَيَّ عَيْشِي فَقَالَتِ امْضِ إِلَى حَالِكَ وَإِلا نَبَّهْتُ إِخْوَتِي فَقَتَلُوكَ فَقَالَ لَهَا إِنَّ الْقَتْلَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الَّذِي أَنَا فِيهِ قَالَتْ وَهَلْ يَكُونُ شَيْءٌ أَشَدَّ مِنَ الْقَتْلِ قَالَ نَعَمْ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ حُبِّكِ قَالَتْ لَهُ فَمَا تَشَاءُ قَالَ أَمْكِنِينِي مِنْ يَدِكِ حَتَّى أَضَعَهَا عَلَى قَلْبِي وَلَكِ عَهْدُ اللَّهِ ﷿ أَنِّي أَرْجِعُ فَفَعَلَتْ فَرَجَعَ فَلَمَّا كَانَتِ الْقَابِلَةُ عَادَ فَوَجَدَهَا عَلَى حَالِهَا فَقَالَتْ لَهُ كَقَوْلِهَا الأَوَّلِ فَقَالَ تُمَكِّنِينِي مِنْ شَفَتَيْكِ حَتَّى أَرْشُفَهَا وَأَنْصَرِفَ فَلَمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ وَقَعَ فِي قَلْبِهَا مِنْهُ كَهَيْئَةِ النَّارِ فَأَقْبَلَتْ تَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَنَذُرَ بِهِ حَيُّهَا وَإِخْوَتُهَا فَقَالُوا مَا لِهَذَا الْكَلْبِ قَدْ أَطَالَ الْمُكْثَ فِي هَذَا الْجَبَلِ وَهُوَ يَتَخَطَّانَا
[ ٥٧٢ ]
فَقَعَدُوا لِطَلَبِهِ فِي لَيْلَتِهِمْ تِلْكَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنَّ الْقَوْمَ يُرِيدُونَكَ فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ وَإِيَّاكَ وَالْغَفْلَةَ فَجَاءَتِ السَّمَاءُ بِمَطَرٍ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ طَلَبِهِ ثُمَّ انْجَلَتِ السَّحَابُ وَطَلَعَ الْقَمَرُ فَتَطَيَّبَتِ الْجَارِيَةُ وَنَشَرَتْ شَعَرَهَا وَأُعْجِبَتْ بِنَفْسِهَا وَاشْتَهَتْ أَنْ يَرَاهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَقَالَتْ لِتُرْبٍ لَهَا قَدْ كَانَتْ أَطْلَعَتْهَا عَلَى شَأْنِهَا يَا فُلانَةُ أَسْعِدِينِي عَلَى الْمُضِيِّ إِلَيْهِ فَخَرَجَتَا تُرِيدَانِهِ وَهُوَ عَلَى الْجَبَلِ خَائِفٌ مِنَ الطَّلَبِ فَبَصَرَ بِشَخْصَيْنِ يَسِيرَانِ فِي الْقَمَرِ فَلَمْ يَشُكْ أَنَّهُمَا مِنَ الطَّالِبِينَ فَانْتَزَعَ سَهْمًا فَمَا أَخْطَأَ قَلْبَ صَاحِبَتِهِ فَسَقَطَتْ لِوَجْهِهَا مُضْرِجَةً بِدَمِهَا فَلَمْ تَزَلْ تَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَتْ فَبُهِتَ شَاخِصًا يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
نَعَبَ الْغُرَابُ بِمَا كَرِهْتُ وَلا إِزَالَةَ لِلْقَدَرْ
تَبْكِي وَأَنْتَ قَتَلْتَهَا فَاصْبِرْ وَإِلا فَانْتَحِرْ
ثُمَّ جَمَعَ نَبْلَهُ فَجَعَلَ يَجَأُ بِهَا أَوْدَاجَهُ حَتَّى قَتَلَ نَفْسَهُ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الدُّولابِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ انْحَدَرْتُ مِنْ سِرِّ مَنْ رَأَى مَعَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ العلث دعى بِالطَّعَامِ فَأَكَلْنَا وَحَوَّلَ مِنَ الْحَرَّاقَةِ الَّتِي فِيهَا الْخَدَمُ جَارِيَتَيْنِ عَوَّادَةَ وَطَنْبُورِيَّةَ وَمُدَّتْ سِتَارَةٌ فَغَنَّتِ الطَّنْبُورِيَّةُ
يَا رَحْمَتَا لِلْعَاشِقِينَا مَا إِنْ أَرَى لَهُمْ مُعِينَا
كَمْ يُهْجَرُونَ وَيُبْعَدُونَ وَيُضْرَبُونَ فَيَصْبِرُونَا
فَقَالَتْ لَهَا الْعَوَّادَةُ فَيَصْنَعُونَ مَاذَا إِذَا لَمْ يَصْبِرُوا فَهَتَكَتِ السِّتَارَةِ وَقَالَتْ يَصْنَعُونَ هَكَذَا وَأَلْقَتْ بِنَفْسِهَا فِي دِجْلَةَ فَغَرِقَتْ
[ ٥٧٣ ]
وَكَانَ عَلَى رَأْسِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ غُلامٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا فَلَمَّا رَأَى مَا صَنَعَتِ الْجَارِيَةُ قَالَ
أَنْتِ الَّتِي غَرَّقْتِنِي بَعْدَ الْقَضَا لَوْ تَعْلَمِينَا
لَا خَيْرَ بَعْدَكِ إِنْ بَقِينَا وَالْمَوْتُ زَيْنُ الْعَاشِقِينَا
وَأَلْقَى نَفْسَهُ خَلْفَهَا فَغَرِقَ فَاشْتَدَّ عَلَى إِسْحَاقَ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمَا فَأُخْرِجَا مِنَ الْمَاءِ فَدُفِنَا
وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ قَالَ حَدثنَا مَيْمُون بن هرون الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْن إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ انْحَدَرْتُ مِنْ سِرِّ مَنْ رَأَى مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَخِي إِسْحَاقَ وَدِجْلَةُ تَزْخَرُ مِنْ كَثْرَةِ مَائِهَا فَلَمَّا أَنْ سِرْنَا سَاعَةً قَالَ أَرْفُوا بِنَا ثُمَّ دَعَا بِطَعَامِهِ فَأَكَلْنَا ثُمَّ قَالَ مَا تَرَى فِي النَّبِيذِ قُلْتُ لَهُ أَعَزَّ اللَّهُ الأَمِيرَ هَذِهِ دِجْلَةُ قَدْ جَاءَتْ بِمَدٍّ عَظِيمٍ يُرْعِبُ مِثْلُهُ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْزِلِكَ مَبِيتُ لَيْلَةٍ فَلَوْ شِئْتَ أَخَرَّتَهُ قَالَ لَا بُدَّ لِي مِنَ الشِّرَابِ فَضُرِبَتْ سِتَارَةٌ وَانْدَفَعَتْ مُغَنِّيَةٌ فَغَنَّتْ ثُمَّ انْدَفَعَتْ أُخْرَى فَغَنَّتْ
يَا رَحْمَتَا لِلْعَاشِقِينَا مَا إِنْ أَرَى لَهُمْ مُعِينَا
كَمْ يُشْتَمُونَ وَيُضْرَبُونَ وَيُهْجَرُونَ فَيَصْبِرُونَا
فَقَالَتْ لَهَا الْمُغَنِيَّةُ الأُولَى فَيَصْنَعُونَ مَاذَا قَالَتْ يَصْنَعُونَ هَكَذَا فَرَفَعَتِ السِّتَارَةِ وَقَذَفَتْ بِنَفْسِهَا فِي دِجْلَةَ وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ غُلامٌ ذَكَرَ أَنَّ شِرَاءَهُ أَلْفَ دِينَارٍ بِيَدِهِ مَذَبَّةٌ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ فَوَضَعَ الْمَذَبَّةَ وَقَذَفَ بِنَفْسِهِ فِي دِجْلَةَ وَهُوَ يَقُولُ
[ ٥٧٤ ]
أَنْتِ الَّتِي غَرَّقْتِنِي بَعْدَ الْقَضَا لَوْ تَعْلَمِينَا
فَأَرَادَ الْمَلاحُونَ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ خَلْفَهُمَا فَصَاحَ بِهِمْ مُحَمَّدٌ دَعُوهُمَا يَغْرَقَا إِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ
قَالَ فَرَأَيْتُهُمَا قَدْ خَرَجَا مِنَ الْمَاءِ مُعْتَنِقَيْنِ ثُمَّ غَرِقَا
بَلَغَنِي عَنْ جَمِيلِ بْنِ مُعَمَّرٍ الْعُذْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ يَا جَمِيلُ حَدَّثَنِي بِبَعْضِ أَحَادِيثِ بَنِي عُذْرَةَ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُمْ أَصْحَابُ أَدَبٍ وَغَزَلٍ
فَقُلْتُ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْتَجَعُوا عَنْ حَيِّهِمْ مَرَّةً فَوَجَدُوا النَّجْعَةَ بِمَوْضِعٍ نَازِحٍ فَقَطَنُوهُ فَخَرَجْتُ أُرِيدُهُمْ فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ إِذْ غَلَطِتُ الطَّرِيقَ وَجَنَّ عَلَيَّ اللَّيْلُ وَلاحَ لِي بَابٌ فَقَصَدْتُهُ حَتَّى وَرِدْتُ عَلَى رَاعٍ فِي أَصْلِ جَبَلٍ قَدْ أَلْجَأَ غَنَمَهُ إِلَى كَهْفٍ فِي الْجَبَلِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ وَقَالَ أَحْسَبُكَ قَدْ ضَلَلْتَ الطَّرِيقَ قُلْتُ قَدْ كَانَ ذَلِكَ فَأَرْشِدْنِي قَالَ بَلِ انْزِلْ حَتَّى تُرِيحَ ظَهْرَكَ وَتَبِيتَ لَيْلَتَكَ فَإِذَا أَصْبَحْتَ وَقَفْتُكَ عَلَى الْقَصْدِ
فَنَزَلْتُ فَرَحَّبَ بِي وَأَكْرَمَنِي وَعَمَدَ إِلَى شَاةٍ فَذَبَحَهَا وَأَجَّجَ نَارًا وَجَعَلَ يَشْوِي وَيُلْقِي بَيْنَ يَدَيَ وَيُحَدِّثُنِي فِي خِلالِ ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ إِلَى كِسَاءٍ كَانَ مَعَهُ فَقَطَعَ بِهِ جَانِبَ الْخِبَاءِ وَمَهَّدَ لِي جَانِبًا وَتَرَكَ جَانِبًا خَالِيًا
فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ سَمِعْتُهُ يَبْكِي وَيَشْكُوا إِلَى شَخْصٍ كَانَ مَعَهُ فَأَرَّقْتُ لَيْلَتِي فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَبْتُ الإِذْنَ فَأَبَى وَقَالَ الضِّيَافَةُ ثَلاثٌ فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ وَسَأَلْتُهُ عَنِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَحَالِهِ فَانْتَسَبَ لِي فَإِذَا هُوَ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَقُلْتُ يَا هَذَا وَمَا الَّذِي أَحَلَّكَ هَذَا الْمَوْضِعَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَانَ يَهْوَى ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ وَتَهْوَاهُ وَأَنَّهُ خَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ مِنْهَا لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ وَأَنَّهُ زَوَّجَهَا رَجُلا مِنْ بَنِي
[ ٥٧٥ ]
كِلابٍ فَخَرَجَ بِهَا عَنِ الْحَيِّ وَأَسْكَنَهَا فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ تَنَكَّرَ وَرَضَى أَنْ يَكُونَ رَاعِيًا لِتَأْتِيَهُ ابْنَةُ عَمِّهِ وَيَرَاهَا
وَجَعَلَ يَشْكُو إِلَيَّ صَبَابَتَهُ بِهَا وَعِشْقُهُ لَهَا حَتَّى إِذَا جَنَّنَا اللَّيْلُ وَحَانَ وَقْتُ مَجِيئِهَا جَعَلَ يَتَقَلْقَلُ وَيَقُومُ وَيَقْعُدُ كَالْمُتَوَقِّعِ لَهَا فَأَبْطَأَتْ عَنِ الْوَقْتِ وَغَلَبَهُ الشَّوْقُ فَوَثَبَ قَائِمًا وَأَنْشَأَ يَقُولُ
مَا بَالُ مَيَّةَ لَا تَأْتِي كَعَادَتِهَا أَهَاجَهَا طَرَبٌ أَمْ صَدَّهَا شُغُلُ
لَكِنْ قَلْبِي لَا يُلْهِيهِ غَيْرُكُمُ حَتَّى الْمَمَات وَمَالِي غَيْركُمْ أمل
لَا تَعْلَمِينَ الَّذِي بِي مِنْ فِرَاقِكُمُ لَمَا اعْتَلَلْتِ وَلا طَابَتْ لَكَ الْعِلَلُ
رُوحِي فَدَاءُكِ قَدْ هَيَّجْتِ لِي سَقَمًا تَكَادُ مِنْ حَرِّهِ الأَعْضَاءُ تَنْفَصِلُ
لَوْ أَنَّ عَادِيَةً مِنِّي عَلَى جَبَلٍ لَزَالَ وَانْهَدَّ عَنْ أَرْكَانِهِ الْجَبَلُ
ثُمَّ قَالَ يَا أَخَا بَنِي عُذْرَةَ مَكَانَكَ حَتَّى أُعُودُ إِلَيْكَ فَمَا أَتَوَهَّمُ أَنَّ أَمْرَ ابْنَةَ عَمِّي صَحِيحٌ
ثُمَّ مَضَى فَمَا لَبِثَ أَنْ أَقْبَلَ وَعَلَى يَدِهِ شَيْءٌ مَحْمُولٌ وَقَدْ عَلا شَهِيقُهُ وَنَحِيبُهُ فَقَالَ يَا أَخَا بَنِي عُذْرَةَ هَذِهِ ابْنَةُ عَمِّي أَرَادَتْ أَنْ تَأْتِينِي فَاعْتَرَضَهَا الأَسَدُ فَأَكَلَهَا
ثُمَّ وَضَعَهَا عَنْ يَدِهِ وَقَالَ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى أَعُودُ إِلَيْكَ وَمَضَى فَأَبْطَأَ حَتَّى يَئِسْتُ مِنْ رُجُوعِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ وَرَأْسُ الأَسَدِ عَلَى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْكُثُ عَلَى أَسْنَانِ الأَسَدِ وَيَقُولُ
أَلا أَيُّهَا اللَّيْثُ الْمُخِّلُ بِنَفْسِهِ هُبِلْتَ لَقَدْ جَرَّتْ يَدَاكَ لَنَا حُزْنَا
وَغَادَرْتَنِي فَرْدًا وَقَدْ كُنْتُ آلِفًا وَصَيَّرْتَ بَطْنَ الأَرْضِ ثَمَّ لَنَا سِجْنَا
أَقُولُ لِدَهْرٍ خَانَنِي بِفُرَاقِهِ مَعَاذَ إِلَهِي أَنْ أَكُونَ لَهُ خَدْنَا
ثُمَّ قَالَ يَا أَخَا بَنِي عُذْرَةَ إِنَّكَ سَتَرَانِي بَيْنَ يَدَيْكَ مَيِّتًا فَإِذَا مِتُّ فَاعْمَدْ
[ ٥٧٦ ]
إِلَيَّ وَابْنَةَ عَمِّي وَأَدْرِجْنَا فِي كَفَنٍ وَاحِدٍ وَاحْفُرْ لَنَا جَدَثًا وَاحِدًا فَادْفِنَّا فِيهِ وَاكْتُبْ عَلَى قَبْرِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
كُنَّا عَلَى ظَهْرِهَا وَالْعَيْشُ فِي مَهَلٍ وَالشَّمْلُ يَجْمَعُنَا وَالدَّارُ وَالْوَطَنُ
فَفَرَّقَ الدَّهْرُ وَالتَّصْرِيفُ أُلْفَتَنَا فَصَارَ يَجْمَعُنَا فِي بَطْنِهَا الْكَفَنُ
وَرُدَّ الْغَنَمَ عَلَى صَاحِبِهَا وَأَعْلِمْهُ بِقِصَّتِنَا
ثُمَّ عَمَدَ إِلَى خِنَاقٍ فَطَرَحَهُ فِي عُنُقِهِ فَنَاشَدْتُهُ اللَّهَ أَلا يَفْعَلُ فَأَبَى وَجَعَلَ يَخْنِقُ نَفْسَهُ حَتَّى سَقَطَ مَيِّتًا فَكَفَّنْتُهُمَا وَدَفَنْتُهُمَا فِي قَبْرٍ وَاحِد كَمَا أَمرنِي وكتبت البيتيتن عَلَى قَبْرِهِمَا وَرَدَدْتُ الْغَنَمَ عَلَى صَاحِبِهَا وَأَعْلَمْتُهُ بِقِصَّتِهِمَا فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا أَشَفَقْتُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَسَفًا عَلَى مَا فَرَّطَ فِي اجْتِمَاعِهِمَا
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّحَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَرَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْمُهَلَّبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلا يُعَاتِبُ إِلْفًا لَهُ عَلَى الْجِسْرِ وَكُنْتُ قَرِيبًا مِنْهُمَا بِحَيْثُ أَسْمَعُ مَا كَانَا فِيهِ جَمِيعًا فَقَالَ لَهُ أَلَمْ أَفْعَلُ بِكَ كَذَا أَلَمْ أَصْنَعُ بِكَ كَذَا فَلَمْ يَزَلْ يُعَدِّدُ عَلَيْهِ مَا أَوْلاهُ إِيَّاهُ فَقَالَ لَهُ الْمَأْلُوفُ هَذَا الَّذِي فَعَلْتَ فِي هَوَاكَ أَوْفِي هَوَايَ وَخَرَجَ الْكَلامُ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ قَدْ أَضْجَرْتَنِي فَمَا تُحِبُّ أَنْ أَفْعَلَ بِنَفْسِي حَتَّى تَشْتَفِي قَالَ تَطْرَحُ نَفْسَكَ فِي هَذَا الْمَاءِ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي دَعْوَاكَ
قَالَ فَعَهْدِي بِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ رِدَاءٌ وَقَدْ لَفَّ رَأْسَهُ بِرِدَائِهِ وَزَجَّ نَفْسَهُ فِي دِجْلَةَ فَدَاخَلَنِي مِنَ الأَمْرِ مَا غَلَبَ عَلَيَّ حَتَّى صُعِقْتَ صَعْقَةً غُشِيَ عَلَيَّ مِنْهَا وَلَمْ أَدْرِ مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ
[ ٥٧٧ ]
وَبَلَغَنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ رَأَيْتُ بِالْبَصْرَةِ فِي خَانِ عَطَاءِ بْنِ مُسْلِمٍ شَابًّا وَفِي يَدِهِ مُدْيَةٌ وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ
يَوْمُ الْفِرَاقُ مِنَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُ وَالْمَوْتُ مِنْ أَلَمِ التَّفَرُّقِ أَجْمَلُ
قَالُوا الرَّحِيلَ فَقُلْتُ لَسْتُ بِرَاحِلٍ لَكِنْ مُهْجَتِي الَّتِي تَتَرَّحَلُ
ثُمَّ بَقَرَ بَطْنَهُ بِالْمُدْيَةِ وَخَرَّ مَيِّتًا فَسَأَلْتُ عَنْهُ وَعَنْ أَمْرِهِ فَقِيلَ لِي إِنَّهُ كَانَ يَهْوَى فَتًى لِبَعْضِ الْمُلُوكِ وَحُجِبَ عَنْهُ يَوْمًا وَاحِدًا
وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّامَغَانِيُّ قَالَ كَانَ بِبِلادِ فَارِسٍ صُوفِيٌّ كَبِيرٌ فَابْتُلِيَ بِحَدَثٍ فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنْ دَعَتْهُ إِلَى الْفُجُورِ فَرَاقَبَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ نَدِمَ عَلَى هَذِهِ الْهِمَّةِ وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ وَوَرَاءَ مَنْزِلِهِ بَحْرٌ مِنَ الْمَاءِ فَلَمَّا أَخَذَتْهُ النَّدَامَةُ صَعَدَ عَلَى السَّطْحِ وَرَمَى بِنَفْسِهِ إِلَى الْمَاءِ وَتَلا ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفسكُم﴾ فَغَرَقَ فِي الْمَاءِ
وَذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ أَنَّ شِيرِينَ وُلِدَتْ بِالْمَدَائِنِ وَكَانَتْ يَتِيمَةً فِي مَنْزِلِ رَجُلٍ مِنَ الأَشْرَافِ فِي جِوَارِ هُرْمُزَ أَنُو شِرْاوَنَ وَكَانَ أَبْرَوِيزُ صَغِيرًا يَدْخُلُ مَنْزِلَ هَذَا الرَّجُلِ فَيُلاعِبُ شِيرِينَ وَيُمَازِحُهَا وَتُمَازِحُهُ فَأَخَذَتْ فِي قَلْبِهِ مَوْضِعًا فَنَهَاهَا الَّذِي هِيَ فِي مَنْزِلِهِ عَنِ التَّعَرُّضِ لأَبْرَوِيزَ ثُمَّ رَآهَا يَوْمًا قَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَبْرَوِيزَ خَاتَمًا كَانَ فِي إِصْبَعِهِ فَقَالَ أَلَمْ آمُرُكِ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِهَذَا الصَّبِيِّ لَا تُعَرَّضِينَا لِلْهَلَكَةِ ثُمَّ أَمَرَ بَعْضَ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَنْ يَحْمِلَهَا إِلَى شاطيء الْفُرَات ويغرقها فحملها إِلَى شاطيء الْفُرَاتِ لِيُغْرِقَهَا فَقَالَتْ لَهُ مَا الَّذِي يَنْفَعُكَ مِنْ غَرَقِي فَقَالَ إِنِّي قَدْ حَلَفْتُ لِمَوْلايَ وَلا بُدَّ قَالَتْ فَمَا عَلَيْكَ إِلا أَنْ تَأْتِي بِي مَوْضِعًا مِنَ الْفُرَاتِ فِيهِ مَاءٌ رَقِيقٌ فَتَقْذِفَ بِي فِيهِ وَتَتْرُكَنِي وَتَمْضِي فَإِنْ نَجَوْتُ لَمْ أَظْهَرْ مَا دُمْتُ بَاقِيَةً وَإِنْ مِتُّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ قَالَ أَفْعَلُ ذَلِكَ
[ ٥٧٨ ]
فَأَتَى مَوْضِعًا فِيهِ الْمَاءُ إِلَى الرُّكْبَةِ فَزَجَّهَا فِيهِ وَتَرَكَهَا تَضْطَرِبُ وَوَلَّى عَنْهَا لَا يَلْتَفِتُ ثُمَّ وَافَى مَوْلاهُ فَأَخْبَرَهُ وَحَلَفَ لَهُ أَنَّهُ أَغْرَقَهَا ثُمَّ إِنَّهَا تَخَلَّصَتْ مِنَ الْمَاءِ فَأَتَتْ بَعْضَ الدِّيَارَاتِ الَّتِي على شاطيء الْفُرَاتِ فَآوَتْ إِلَيْهِ وَأَعْلَمَتِ الرُّهْبَانَ أَنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَأَحْسَنُوا إِلَيْهَا فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْمُلْكُ لأَبْرَويِزَ بَعْدَ أَبِيهِ هُرْمُزْ وَوَجَّهَ بِرُسُلِهِ إِلَى قَيْصَرَ اجْتَازَ الرُّسُلُ بِالدَّيْرِ فَسَأَلَتْ شِيرِينُ عَنْ ذَلِكَ فَأُعْلِمَتْ أَنَّ الْقَوْمَ رُسُلُ أَبْرَوِيزَ الْمَلِكِ وَمَعَهُمْ هَدَايَا إِلَى قَيْصَرَ وَأَخْبَرُوهَا بِمُلْكِهِ وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ فَوَجَّهَتْ إِلَى رَئِيسِ الرُّسُلِ مُنْتَصِحَةً لَهُ تُخْبِرُهُ أَنَّهَا أَمَةٌ لِلْمَلِكِ أَبْرَوِيزَ وَسَأَلَتْهُ إِيفَادَ رَسُولٍ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ بِمَكَانِهَا وَوَجَّهَتْ مَعَهُ ذَلِكَ الْخَاتَمَ فَأَنْفَذَ الرَّجُلُ رَسُولا قَاصِدًا إِلَى الْمَلِكِ يُعَرِّفُهُ خَبَرَ شِيرِينَ وَمَكَانَهَا وَالْخَاتَمَ
فَلَمَّا وَرَدَ الرَّسُولُ عَلَى أَبْرَوِيزَ أَمَرَ لِلرَّسُولِ بِمَالٍ عَظِيمٍ وَجَعَلَ لَهُ رُتْبَةً جَلِيلَةً بِبِشَارَتِهِ وَوَجَّهَ مَعَهُ بِخَدَمٍ وَمَرَاكِبَ وَهَوَادِجَ وَكَسْيٍ وَحُلِيٍّ وَطِيبٍ وَوَصَائِفَ حَتَّى أَتَوْهُ بِشِيرِينَ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَحِ بِهَا مَا لَمْ يَفْرَحْ بِشَيْءٍ مِثْلَهُ وَكَانَتْ مِنْ أَكْمَلِ النِّسَاءِ كَمَالا وَجَمَالا وَبَرَاعَةً
وَذَكَرَ أَبْرَوِيزُ أَنَّهُ مَا جَامَعَهَا قَطُّ إِلا وَجَدَهَا كَالْعَذْرَاءِ وَكَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَأْتِي حُرَّةً وَلا أَمَةً مَرَّةً وَاحِدَةً إِلا أَتَاهَا قَبْلُ وَعَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ مَعَ أَحَدٍ لِمُبَاضَعَةٍ فَلَمَّا هَلَكَ أَبْرَوِيزُ أَرَادَهَا شَيْرَوَيْهِ فَأَبَتْ وَعَرَّفَتْهُ الْعُهُودَ فَرَمَاهَا بِكُلِّ مُعْضِلَةٍ مِنَ الْفُجُورِ وَبَعَثَ الشُّعَرَاءُ عَلَى ذَمِّهَا فَلَمَّا لَجَّ وَلَمْ تَجِدْ عَنْهُ مَحِيدًا بَعْدَ أَنْ غَصَبَهَا جَمِيعَ مَالِهَا وَضِيَاعِهَا قَالَتْ أَفْعَلُ مَا سَأَلْتَ بَعْدَ أَنْ تَقْضِيَ لِي ثَلاثَ حَوَائِجٍ تَرُدَّ عَلَيَّ أَمْوَالِي وَضِيَاعِي وَتُسَلِّمَ إِلَيَّ قَتَلَةَ زَوْجِي وَتَدْعُوَ الْعُلَمَاءَ وَالأَشْرَافَ وَتَرْقَى الْمِنْبَرَ فَتُبَرِّئَنِي مِمَّا قَذَفْتَنِي بِهِ مِنَ الْفُجُورِ
فَفَعَلَ ذَلِكَ فَقَتَلَتْ قَتَلَةَ زَوْجِهَا بِأَفْحَشِ قَتْلٍ فَقَالَ لَهَا هَلْ بَقِيَتْ لَكِ حَاجَةٌ قَالَتْ نَعَمْ إِنَّ الْمَلِكَ أَوْدَعَنِي وَدِيعَةً وَجَعَلَهَا أَمَانَةً فِي عُنُقِي إِنْ أَنَا تَزَوَّجْتُ أَنْ أَرُدَّهَا إِلَيْهِ فَتَأْمُرُ بِفَتْحِ النَّاوُوسِ حَتَّى أَدْفَعَ الْوَدِيعَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ لَهَا النَّاوُوسَ فَدَخَلَتْ
[ ٥٧٩ ]
وَقَلَعَتْ فَصَّ خَاتَمٍ فِي يَدِهَا تَحْتَهُ سُمُّ سَاعَةً فَمَصَّتْهُ ثُمَّ اعْتَنَقَتْ أَبْرَوِيزَ وَلَفَّتْ عَلَيْهِ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ
فَلَمَّا أَبْطَأَتْ عَلَى الْحَوَاضِنِ وَالْخَدَمِ صَاحُوا بِهَا فَلَمْ تُجِبْ فَدَخَلُوا فَوَجَدُوهَا مَيِّتَةً مُعَانِقَةً لأَبْرَوِيزَ فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوا شَيْرَوَيْهِ فَنَدِمَ نَدَامَةً لَا تُوصَفُ وَجَعَلَ يَأْكُلُ أَصَابِعَهُ عَلَى صَنِيعِهَا
قُلْتُ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْحِيَلِ وَالْمُخَاطَرَاتِ ذِكْرُ جَمَاعَةٍ قَتَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَبَبِ الْعِشْقِ فَلَمْ نَرَ إِعَادَةَ ذِكْرِهِمْ