أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَامِيُّ عَنِ الْعُتْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ تَحْتَهُ ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ وَكَانَ لَهَا عَاشِقًا وَكَانَتِ امْرَأَةً جَمِيلَةً وَكَانَ مِنْ عِشْقِهِ لَهَا أَنَّهُ كَانَ يَقْعُدُ فِي دِهْلِيزِهِ مَعَ نُدَمَائِهِ ثُمَّ يَدْخُلُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَصْحَابِهِ عِشْقًا لَهَا فَطَبِنَ لَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا فَاكْتَرَى دَارًا إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُرَاسِلُهَا حَتَّى أَجَابَتْهُ إِلَى مَا أَرَادَ فَاحْتَالَتْ وَتَدَلَّتْ إِلَيْهِ وَدَخَلَ الزَّوْجُ كَعَادَتِهِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَرَهَا فَقَالَ لأُمِّهَا أَيْنَ فُلانَةُ فَقَالَتْ تَقْضِي حَاجَةً فَطَلَبَهَا فِي الْمَوْضِعِ فَلَمْ يَجِدَهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ تَدَلَّتْ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا مَا وَرَاءَكِ وَاللَّهِ لَتُصْدُقِنِّي قَالَتْ وَاللَّهِ لأَصْدُقَنَّكَ مِنَ الأَمْرِ كَيْتَ وَكَيْتَ فَأَقَرَّتْ لَهُ فَسَلَّ السَّيْفَ فَضَرَبَ عُنُقَهَا ثُمَّ قَتَلَ أُمَّهَا وَهَرَبَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
يَا طَلْعَةً طَلَعَ الْحِمَامُ عَلَيْهَا وَجَنَتْ لَهَا ثُمْرُ الرَّدَى بِيَدَيْهَا
وَقَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ فَجَنَى لَهَا
رَوَّيْتُ مِنْ دَمِّهَا الثَّرَى وَلَرُبَّمَا رَوَّى الْهَوَى شَفَتَيَّ مِنْ شَفَتَيْهَا
وَقَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ الْحُسَامُ
[ ٤٦٩ ]
حَكَمْتُ سَيْفِيَ فِي مَجَالِ خِنَاقِهَا وَمَدَامِعِي تَجْرِي عَلَى خَدَّيْهَا
مَا كَانَ قَتْلِيهَا لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَبْكِي إِذَا سَقَطَ الذُّبَابُ عَلَيْهَا
لَكِنْ بَخِلْتُ عَلَى الْعُيُونِ بِحُسْنِهَا وَشَفِقْتُ مِنْ نَظَرِ الْغُلامِ إِلَيْهَا
وَقَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ وَأَنِفْتُ مِنْ نَظَرِ الْعُيُونِ إِلَيْهَا
زَادَ ابْنُ السَّرَّاجِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ خَلَفٍ قَالَ وَزَادَنِي غَيْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ لَهَا أُخْتٌ شَاعِرَةٌ فَقَالَتْ تُجِيبُهُ
لَوْ كُنْتَ تُشْفِقُ أَوْ تَرِقُّ عَلَيْهَا لَرَفَعْتَ حَدَّ السَّيْفِ عَنْ وَدْجَيْهَا
وَرِحِمْتَ عَبْرَتَهَا وَطُولَ حَنِينِهَا وَجَزِعْتَ مِنْ سُوءٍ يَصِيرُ إِلَيْهَا
مَنْ كَانَ يَفْعَلُ مَا فَعَلْتَ بِمِثْلِهَا إِذْ طَاوَعَتْكَ وَخَالَفَتْ أَبَوَيْهَا
فَتَرَكْتَهَا فِي خِدْرِهَا مَقْتُولَةً ظُلْمًا وَتَبْكِي يَا شَقِيُّ عَلَيْهَا
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا صَاعِدُ بْنُ سَيَّارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْغَوْرَجِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظُ إِجَازَةً قَالَ سَمِعْتُ الْخَلِيل ابْن أَحْمَدَ الْقَاضِي يَقُولُ نَظَرَ دِيكُ الْجِنِّ وَكَانَ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ إِلَى غُلامٍ لَهُ يَتَأَمَّلُ جَارِيَةً لَهُ وَالْجَارِيَةُ تَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ أَظْهَرَ النَّدَمَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
يَا مُهْجَةً بَرَكَ الْحِمَامُ عَلَيْهَا وَجَنَى لَهَا ثَمَرَ الرَّدَى بِيَدَيْهَا
مَا كَانَ قَتْلِيهَا بِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَبْكِي إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ عَلَيْهَا
لَكِنْ نَفِسْتُ عَنِ الْعُيُونِ بِنَظْرَةٍ وَأَنِفْتُ مِنْ نَظَرِ الْغُلامِ إِلَيْهَا
اسْمُ دِيكِ الْجِنِّ عَبْدُ السَّلامِ بْنُ رَغْبَانَ وَإِنَّمَا لُقِبَّ بِدِيكِ الْجِنِّ وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ ابْن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ أَنَّ دِيكَ الْجِنِّ هَوَى نَصْرَانِيَّةٌ فَدَعَاهَا إِلَى الإِسْلامِ فَأَسْلَمَتْ وَكَانَ اسْمُهَا وَرْدًا فَتَزَوَّجَهَا وَكَانَ لَهُ ابْنُ عَمٍّ يُبْغِضُهُ فَأَشَاعَ أَنَّهَا تَهْوَى
[ ٤٧٠ ]
غُلامًا لِدِيكِ الْجِنِّ فَضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهَا فَطَلَبَهُ السُّلْطَانُ فَهَرَبَ ثُمَّ عَلِمَ كَيْفَ جَرَى الأَمْرُ فَأَقَامَ عَلَى الْبُعَادِ وَقَالَ
يَا طَلْعَةً طَلَعَ الْحِمَامُ عَلَيْهَا وَجَنَى لَهَا ثَمْرُ الرَّدَى بِيَدَيْهَا
رَوَّيْتُ مِنْ دَمِّهَا الثَّرَاءَ وَطَالَمَا رَوَّى الْهَوَى شَفَتَّيَ مِنْ شَفَتَيْهَا
قَدْ بَاتَ سَيْفِيَ فِي مَجَالِ وِشَاحِهَا وَمَدَامِعِي تَجْرِي عَلَى خَدَّيْهَا
فَوَحَقِّ نَعْلَيْهَا فَمَا وطىء الثَّرَى شَيْءٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَعْلَيْهَا
مَا كَانَ قَتْلِيهَا لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَبْكِي إِذَا سَقَطَ الذُّبَابُ عَلَيْهَا
لَكِنْ ضِنِنْتُ عَلَى الْعُيُونِ بِحُبِّهَا وَأَنِفْتُ مِنْ نَظَرِ الْحَسُودِ إِلَيْهَا
وَقَدْ رَوَى الأَصْبَهَانِيُّ أَنَّ السَّلِيكَ بْنَ مَجْمَعٍ كَانَ مِنَ الْفُرْسَانِ وَكَانَ مَطْلُوبًا فِي سَائِرِ الْقَبَائِلِ بِدِمَاءِ قَوْمٍ قَتَلَهُمْ وَكَانَ يَهْوَى ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ وَكَانَ يَخْطُبُهَا قَدْ مَنَعَهُ أَبُوهَا ثُمَّ زَوَّجَهَا لَهُ خَوْفًا مِنْهُ فَدَخَلَ بِهَا فِي دَارِ أَبِيهَا ثُمَّ نَقَلَهَا بَعْدَ أُسْبُوعٍ إِلَى عَشِيرَتِهِ فَلَقِيَهُ مِنْ فَزَارَةَ ثَلاثُونَ فاررسا كلهم يَطْلُبهُ بِدَم فقالتهم وَقَاتَلُوهُ حَتَّى إِذَا أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ وَأَيْقَنَ بِالْمَوْتِ صَارَ إِلَيْهَا فَقَالَ مَا أسمح بك لهَؤُلَاء وَأحب أَنْ أُقَدِّمَكَ قَبْلِي قَالَتْ افْعَلْ وَلَوْ لَمْ تَفْعَلْ فَعَلْتُهُ أَنَا فَضَرَبَهَا بِسَيْفِهِ فَقَتَلَهَا وَأَنْشَأَ يَقُولُ
يَا طَلَعَةً طَلَعَ الْحِمَامُ إِلَيْهَا فَذَكَرَ الأَبْيَاتَ الْمَتَقَدِّمَةَ ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهَا فَتَمَرَّغَ فِي دَمِّهَا وَتَخَضَّبَ بِهِ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَلَفٍ إِذْنًا قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَشْيَاخٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ وَمَالِكُ ابْنَيْ زَيْدِ بْنِ مُنَاةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِمْ أَدْرَكُوا ذَلِكَ الدَّهْرَ
[ ٤٧١ ]
أَنَّ أَبَا الْبِلادِ وَهُوَ بِشْرُ بْنُ عَلاءٍ أَخُو بَنِي طُهَيَّةَ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَوْدٍ كَانَ فِي الشَّرَفِ مِنْ قَوْمِهِ وَكَانَ يَتِيما فِي حجر عَمه وَكَانَ لِعَمِّهِ ابْنَةٌ يُقَالُ لَهَا سَلْمَى وَكَانَت أجمل فتاة بِنَجْد مَشْهُودَة بِذَلِكَ فَعَلِقَهَا أَبُو الْبِلادِ وَعَمُّهُ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ وَكَانَ يَهَابُ عَمَّهُ أَنْ يَخْطُبَهَا إِلَيْهِ فَغَابَ أَبُو الْبِلادِ غَيْبَةً فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا أَحَدَ بَنِي عَمِّهَا وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا الْبِلادِ فَذُهِلَ عَقْلُهُ فَأَتَى الْخِبَاءَ الَّذِي تَكُونُ بِهِ سَلْمَى كَمَا كَانَ يَأْتِي فَرَأَتْ سَلْمَى فِي وَجْهِهِ صُفْرَةً وَرَأَتْ بِهِ زَمْعًا فَحَسِبَتْ أَنَّهُ جَائِعٌ فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ جَفْنَةً فِيهَا طَبِيخٌ مِنْ لَحْمِ طَيْرٍ قَدْ رَاحَ بِهِ رِعَاؤُهُمْ فَطَفِقَ يَأْكُلُ أَكْلَ مَسْلُوسٍ فَظَنَّتِ الْفَتَاةُ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنَ الْجِنِّ فَخَرَجَتْ مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ تُرِيدُ أُخْتَهَا لَيْلَى وَسَمِعَ حَفِيفَ ثَوْبِهَا فَخَرَجَ مُعَارِضًا لَهَا بِالسِّيفِ فَضَرَبَهَا عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهَا فَقَتَلَهَا
وَقَدْ نُقِلَتْ إِلَيْنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَشْيَاخٌ مِنْ بَنِي سعد وَمَالك ابْنا زَيْدِ مَنَاةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِمْ أَدْرَكُوا ذَلِكَ الدَّهْرَ أَنَّ أَبَا الْبِلادِ وَهُوَ بِشْرُ بْنُ الْعَلاءِ أَحَدُ بَنِي طُهَيْةَ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَوْدٍ كَانَ فِي شَرَفٍ مِنْ قَوْمِهِ وَكَانَ يَتِيمًا مِنْ أُمِّهِ وَكَنَفَهُ عَمُّهُ وَكَانَ اسْم عَمه حنيف بن عرو وَكَانَ عِنْده أثر من وَالِده وَكَانَتْ لِعَمِّهِ ابْنَةٌ يُقَالُ لَهَا سَلْمَى وَكَانَتْ أَحْسَنَ فَتَاةٍ بِنَجْدٍ مَشْهُورَةٌ بِذَلِكَ وَكَانَ يَهَابُ عَمَّهُ أَنْ يَخْطُبَهَا إِلَيْهِ فَغَابَ غَيْبَةً فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا أَحَدَ بَنِي عَمِّهَا وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا الْبِلادِ فَذُهِلَ عَقْلُهُ وَإِنَّهُ أَتَى الْخِبَاءَ الَّذِي تَكُونُ بِهِ سَلْمَى كَمَا كَانَ يَأْتِي فرأت سلم فِي وَجْهِهِ صُفْرَةً
[ ٤٧٢ ]
وَرَأَتْ بِهِ زَمْعًا فَحَسِبَتْ أَنَّهُ جَائِعٌ فَدَفَعَتْ إِلَيْهِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ جَفْنَةً فِيهَا طَبِيخٌ مِنْ لَحْمِ طَيْرٍ قَدْ رَاحَ بِهِ رِعَاؤُهُمْ فَطَفِقَ يَأْكُلُ أَكْلَ مَسْلُوسٍ فَظَنَّتِ الْفَتَاةُ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنَ الْخَافِي فَخَرَجَتْ مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ تُرِيدُ بِيتَ أُخْتِهَا لَيْلَى وَسَمِعَ حَفِيفَ ثَوْبِهَا فَخَرَجَ مُعَارِضًا لَهَا بِالسِّيفِ فَضَرَبَهَا عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهَا وَسَمِعْتُ لَيْلَى الْوَجْبَةَ فغدت عَلَيْهِ بهراوة وَأدبر فابتعته الْفَتَاةُ فَأَصَابَتْ خِشَاشَهُ فَتَتَعْتَعَ فَسَقَطَ ثُمَّ انْتَعَشَ فَغَدَا هَارِبًا وَقَالَ فِي ذَلِكَ
إِنَّ لِلَيْلَى بَيْنَ أُذُنِي وَعَاتِقِي كَضَرْبَةِ سَلْمَى يَوْمَ نَعْفِ الشَّقَائِقِ قَالَ وَاسْتَصْرَخَ أَبُوهَا وعمها وإخواتها فَأَقْبَلُوا وَيَأْوِي أَبُو الْبِلادِ فِي قَارَةٍ حِذَاءَ أَبْيَاتِهِمْ فَكَانَ يَكُونُ فِيهَا نَهَارَهُ وَيَنْحَدِرُ بِاللَّيْلِ فَيَتَنَوَّرُ نَارَ أَهْلِهَا وَهِيَ تَضْرِبُ بِنَفْسِهَا فِي ثِيَابٍ لَهَا بِهَا عَلَزُ الْمَوْتِ فَيَرَاهَا فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبُوهَا فَقَالَ مَا كُنْتُ لأَقْتُلَ وَلَدًا يُولد
وَقَالَ أَبُو الْبِلادِ وَهُوَ يَرَى نَارَ سَلْمَى الَّتِي كَانَتْ تُوقَدُ لَهَا قَبْلَ الْمَوْتِ
يَا مَوْقِدَ النَّارِ وَهْنًا مَوْقِدَ النَّارِ بِجَانِبِ الشِّيحِ مِنْ رَقَصَاتِ أَعْيَارِ
يَا مَوْقِدَ النَّارِ أَشْعِلْهَا بِعَرْفَجَةٍ لِمَنْ تَنَوَّرَهَا مِنْ مُدْلِجٍ سَارِي
نَارٌ تُضِيءُ سُلَيْمَى وَهِيَ حَاسِرَةٌ سُقْيًا لِمُوقِدِ تِلْكَ النَّارِ مِنْ نَارِ
قَالَ فماتتت سليمى وَلَمْ يَزَلْ بِأَبِي الْبِلادِ بَعْدَ ذَلِكَ وَسْوَسَةٌ وَبَهْتَةٌ حَتَّى مَاتْ
[ ٤٧٣ ]
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ يَخْدِمُنِي وَقَدْ تَجَارَيْنَا أَحَادِيثَ قَالَ بِتُّ لَيْلَةً فِي مَكَانٍ فَقَتَلَ رَجُلٌ رَجُلا فَخَرَجْتُ وَاللَّيْلُ مُنْتَصِفٌ لَا أَدْرِي أَيْنَ أَقْصِدُ وَخِفْتُ الْعَسَسَ فَرَأَيْتُ أَتُّونَ حَمَّامٍ وَلَمْ يُوقد بعد فَقلت أختبيء فِيهِ إِلَى أَنْ يُفْتَحَ الْحَمَّامُ فَأَدْخُلَهُ فَجَلَسْتُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الأَتُّونِ فَمَا لَبِثْتُ حَتَّى سَمِعْتُ وَقْعَ حَافِرٍ فَإِذَا رَجُلٌ مَعَهُ جَارِيَةٌ فَأَدْخَلَهَا إِلَى الأَتُّونِ فَذَبَحَهَا وَتَرَكَهَا وَمَضَى فَرَأَيْتُ بَرِيقَ خَلْخَالَيْنِ فِي رِجْلِهَا فَانْتَزَعْتُهُمَا مِنْهَا وَصَبَرْتُ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجْتُ وَمَا زِلْتُ أَمْشِي فِي طَرِيقٍ لَا أَعْرِفُهُ مُتَحَيِّرًا إِلَى أَنِ اجْتَزْتُ بِحَمَّامٍ قَدْ فُتِحَ فَدَخَلْتُهُ وَخَبَّأْتُ مَا مَعِي فِي ثِيَابِي وَخَرَجْتُ فَعَرَفْتُ الطَّرِيقَ وَعَلِمْتُ أَنِّي بِالْقُرْبِ مِنْ دَارِ صَدِيقٍ لِي فَطَلَبْتُهَا وَدَقَقْتُ بَابَهُ فَفَتَحَ لِي وَسُرَّ بِقُدُومِي وأدخلني فَدفعت إِلَيْهِ دراهمي ليخبأها وَالْخَلْخَالِينِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا تَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَقُلْتُ مَالَكَ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَانِ الْخَلْخَالانِ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي كُلِّهِ فِي لَيْلَتِي تِلْكَ فَقَالَ لِي تَعْرِفُ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَ الْجَارِيَةَ فَقُلْتُ أَمَّا بِوَجْهِهِ فَلَا لن الظُّلْمَةَ كَانَتْ حَائِلَةً بَيْنَنَا وَلَكِنْ إِنْ سَمِعْتُ كَلامَهُ عَرَفْتُهُ فَأَعَدَّ طَعَامًا وَنَظَرَ فِي أَمْرِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَعَادَ بَعْدَ سَاعَةٍ وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْجُنْدِ فَكَلَّمَهُ وَغَمَزَنِي عَلَيْهِ فَقُلْتُ نَعَمْ هُوَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَكَلْنَا وَحَضَرَ الشَّرَابُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالنَّبِيذِ حَتَّى سَكِرَ وَنَامَ فِي مَوْضِعِهِ فَغَلَقَ بَابَ الدَّرْبِ وَذَبَحَ الرَّجُلَ وَقَالَ لِي إِنَّ الْمَقْتُولَةَ أُخْتِي وَكَانَ هَذَا قَدْ أَفْسَدَهَا وَأَنَا مُنْذُ مُدَّةٍ أَتَخَبَّرُ فَلا أُصَدِّقُ إِلا أَنِّي طَرَدْتُ أُخْتِي وَأَبْعَدْتُهَا عَنِّي فَمَضَتْ إِلَيْهِ وَلَسْتُ أَدْرِي مَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَتَّى قَتَلَهَا وَإِنَّمَا عَرَفْتُ الْخَلْخَالِينِ فَدَخَلْتُ وَسَأَلْتُ عَنْ أَمْرِهِمَا فَقَالُوا لِي هِيَ عِنْدَ فُلانٍ فَقُلْتُ قَدْ رِضِيتُ عَنْهَا فَوَجِّهُوا رُدُّوهَا فَمَضَوْا يَعْرِفُونَ خَبَرَهَا فَلَجْلَجَ الرَّجُلُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهَا كَمَا ذَكَرْتَ فَقَتَلْتُهُ فَقُمْ حَتَّى نَدْفِنَهُ فَخَرَجْنَا لَيْلا أَنَا وَالرَّجُلُ حَتَّى دَفَنَّاهُ وَعُدْتُ إِلَى الْمِشْرَعَةِ هَارِبًا مِنَ الْبَصْرَةِ حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى بَغْدَادَ وَحَلَفْتُ لَا أَحْضِرُ دَعْوَةً أَبَدًا
[ ٤٧٤ ]
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ النُّصَيْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ حَامِدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي حَامِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي قَالَ كَانَ جَدُّكَ أَبُو حَامِدٍ وَهُوَ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ إِذْ ذَاكَ يَتَمَشَّى فِي دَارِ الْخِلافَةِ فَيَنْصَرِفُ وَقَدْ مَضَى رُبْعُ اللَّيْلِ وَثُلُثُهُ فَيَجْلِسُ فِي طَيَّارِهِ وَيَصْعَدُ إِلَى دَارِهِ وَنَحْتَاجُ نَحْنُ أَنْ يَكُونَ لَنَا سُفُنٌ مُشَاهِرَةٌ فَإِذَا رَكِبَ طَيَّارَهُ نَزَلْنَا نَحْنُ سُفُنَنَا وَكَانَ بِرَسْمِي مَلاحٌ عَلَى مُرُور الوقات فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي خرجت مَعَ جدك فلطبت مَلاحِي فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ جَدِّكَ فِي سُمَيْرِيَّتِهِ وَبَكَرْتُ مِنَ الْغَدِ فَلَمْ أَعْرِفْ لَهُ خَبَرًا وَتَمَادَى ذَلِكَ سِنِينَ
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سِنِينَ رَأَيْتُهُ فِي الْكَرْخِ بِطَيْلَسَانٍ وَنَعْلٍ طَاقٍ وَرِدَاءٍ بِزِيِّ التُّجَّارِ الْمَيَاسِيرِ فَقُلْتُ فُلانٌ فَحِينَ رَآنِي اضْطَرَبَ فَقُلْتُ وَيْحَكَ مَا قِصَّتُكَ قَالَ خَيْرٌ فَقُلْتُ وَمَا هَذَا الزِّيُّ قَالَ تَرَكْتُ الْمِلاحَةَ وَصِرْتُ تَاجِرًا قُلْتُ فَرَأْسُ الْمَالِ مِنْ أَيْنَ لَكَ فَجَهِدَ أَنْ يُفْلِتَ فَقُلْتُ لَا تُطَوِّلْ عَلَيَّ وَاللَّهِ لَا افْتَرَقْنَا أَوْ تُخْبِرَنِي خَبَرَكَ وَلِمَ تَرَكْتَنِي تِلْكَ اللَّيْلَةُ ثُمَّ لَمْ نَرَكَ إِلَى الآنَ فَقَالَ عَلَى أَنْ تَسْتُرَ عَلَيَّ فَقُلْتُ أَفْعَلُ فَأَحْلَفَنِي فَحَلَفْتُ
قَالَ إِنَّكَ أَبْطَأْتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَعَرَضَتْ لِي بَوْلَةٌ فَأَصَعَدْتُ مِنْ دَارِ الْخِلافَةِ إِلَى مَشْرَعَةٍ بِنَهْرِ مُعَلَّى فَبُلْتُ وَإِذَا بِرَجُلٍ قَدْ نَزَلَ فَقَالَ احْمِلْنِي فَقُلْتُ أَنَا مَعَ رَاكِبٍ لَا يُمْكِنُنِي فِرَاقُهُ فَقَالَ خُذْ مِنِّي دِينَارًا وَاحْمِلْنِي فَلَمَّا سَمِعْتُ ذِكْرَ الدِّينَارِ طَمِعْتُ وطننته هَارِبًا فَقُلْتُ إِلَى أَيْنَ احْمِلُكَ فَقَالَ إِلَى الدَّبَّاغِينَ فَقُلْتُ لَا أَحْمِلُكَ فَقَالَ خُذْ دِينَارَيْنِ فَقُلْتُ هَاتِ فَأَعْطَانِي دِينَارَيْنِ فَجَعَلْتُهُمَا فِي كُمِّي وَكَانَ مَعَهُ غُلامٌ فَقَالَ امْضِ وَهَاتِ مَا مَعَكَ فَمَضَى الْغُلامُ وَلَمْ يَحْتَبِسْ حَتَّى جَاءَ بِامْرَأَةٍ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ وَجْهًا مِنْهَا وَلا ثِيَابًا وَجَاءَ بِجَوْنَةٍ كَبِيرَةٍ حَسَنَةٍ
[ ٤٧٥ ]
وَأَطْبَاقِ فَاكِهَةٍ وَثَلْجٍ وَنَبِيذٍ وَكَانَتْ لَيْلَةٌ مُقْمِرَةٌ وَجَاءَ بِعُودٍ فَأَخَذَتْهُ الْجَارِيَةُ فِي حِجْرِهَا فَسَهَّلَ عَلَيَّ لِطِيبِ الْوَقْتِ أَنْ أَخِلَّ بِكَ ثُمَّ قَالَ لِلْغُلامِ امْضِ أَنْتَ فَمَضَى قَالَ ادْفَعْ فَدَفَعْتُ وَكَشَفَتِ الْجَارِيَةُ وَجْهَهَا فَإِذَا هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْبَدْرِ بِشَيْءٍ كَبِيرٍ فَلَمَّا بَلَغْتُ الدَّبَّاغِينَ جَرَّدَ سَيْفًا كَانَ مَعَهُ وَقَالَ ادْفَعْ إِلَى مَكَانٍ أَقُولُ لَكَ وَإِلا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ فَقُلْتُ مَا بِكَ إِلَى هَذَا حَاجَةٌ السُّمْعَ وَالطَّاعَةَ فَانْحَدَرْتُ فَقَالَ لَهَا تَأْكُلِينَ شَيْئًا فَقَالَتْ نَعَمْ فَأَخْرَجَ مَا كَانَ فِي الْجُونَةِ فَإِذَا طَعَامٌ نَظِيفٌ ظَرِيفٌ فَأَكَلا وَألقى الجنوة إِلَيَّ ثُمَّ أَخَذَتِ الْعُودَ وَغَنَّتْ أَحْسَنَ غِنَاءٍ يَكُونُ وَأَطْيَبَهُ فَقَالَ لِي يَا مَلَّاحُ لَوْلا خَوْفِي أَنْ تَسْكَرَ لَسَقَيْتُكَ فَقُلْتُ يَا أُسْتَاذُ أَنَا أَشْرَبُ عِشْرِينَ رَطْلا نَبِيذًا وَلا أَسْكَرُ فَأَعْطَانِي ظَرْفًا فِيهِ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَقَالَ اشْرَبْ لِنَفْسِكَ فَجَعَلْتُ أَشْرَبُ عَلَى الْغِنَاءِ واجحدف وَهُمَا يَشْرَبَانِ إِلَى أَنْ دَنَا مِنْهَا فَقَبَّلَهَا كَثِيرًا وَاحْتَجَّتْ شَهْوَتُهُ فَجَامَعَهَا وَأَنَا أَرَاهُ ثُمَّ عَاوَدَهَا دُفُعَاتٍ وَثَمِلَ فَقَالَ يَا فُلانَةُ خُنْتِ عَهْدِي وَمِيثَاقِي وَمَكَّنْتِ فُلانًا مِنْ نَفْسِكِ حَتَّى فَعَلَ بِكِ كَيفَ وَكَيْتَ وَفُلانًا وَفُلانًا وَجَعَلَ يُوَاقِفُهَا وَهِيَ تَقُولُ لَا وَاللَّهِ لَا يَا سَيِّدِي مَا فَعَلْتُ هَذَا وَإِنَّمَا كَذَبُوا عَلَيَّ عِنْدَكَ لِيُبَاعِدُونِي مِنْكَ قَالَ كَذَبْتِ أَنَا تَوَصَّلْتُ إِلَى أَنْ حَصَلْتُ مَعَكُمْ فِي لَيْلَةِ كَذَا فِي الدَّارِ الْفُلانِيَّةِ وَقَدْ دَعَاكِ فُلانٌ وَصَنَعْتُمْ كَذَا وَفَعَلْتُمْ كَذَا وَأَنَا أَرَاكُمْ بَعَيْنِي وَمَا بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ وَتَدْرِينَ لِمَ جِئْتُ بِكِ إِلَى هَذَا الْموضع وعاتبتك هَا هُنَا فَقَالَتْ لَا فَقَالَ لأَنْ أُوَدِّعَكِ وَأَجْعَلَ هَذَا آخِرَ الْعَهْدِ بِكِ وَأَقْتُلَكِ وَأَطْرَحَكِ فِي الْمَاءِ
قَالَ فَجَزِعَتِ الْجَارِيَةُ جَزَعًا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَتْ يَا مَوْلايَ وَيَطِيبُ قَلْبُكَ قَالَ إِي وَاللَّهِ ثُمَّ خَالَطَهَا وَأَخْرَجَ تِكَّتِهَا فَكَتَّفَهَا بِهَا فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي اتَّقِ اللَّهَ مِثْلُ هَذَا الْوَجْهِ وَأَنْتَ تَالِفٌ مِنْ حُبِّهِ تَعْمَلُ بِهِ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ السَّاعَةَ وَاللَّهِ ابْتَدِئُ بِكَ وَأَخَذَ السَّيْفَ فَجَزَعْتُ وَمَسَكْتُ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهَا فَذَبَحَهَا وَأَمْسَكَهَا
[ ٤٧٦ ]
حَتَّى جَرَى دَمُّهَا وَمَاتَتْ ثُمَّ أَقْبَلَ يَنْزِعُ حُلِيَّهَا وَيَرْمِي بِهِ إِلَى صَدْرِ السُّمَيْرِيَّةِ ثُمَّ نَزَعَ الثِّيَابَ عَنْهَا وَشَقَّ جَوْفَهَا وَجَعَلَ يُقَطِّعُهَا قِطَعًا وَيَرْمِي بِهَا إِلَى الْمَاءِ
وَكُنَّا قَدْ قَارَبْنَا الْمَدَائِنَ وَقَدْ مَضَى أَكْثَرُ اللَّيْلِ فَرَأَيْتُ مَنْظَرًا لَمْ أَرَ قَطُّ مِثْلَهُ وَمِتُّ جَزَعًا وَقُلْتُ السَّاعَةَ يَقْتُلُنِي لِئَلا أَنِمَّ عَلَيْهِ وَلَمْ أَجِدْ حِيلَةً فَاسْتَسْلَمْتُ وَطَرَحَ نَفْسَهُ كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ شَفَيْتُ نَفْسِي وَقَتَلْتُ نَفْسِي وَيَلْطِمُ وَرَمَى بِالْعُودِ وَجَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ فَاكِهَةٍ وَأَكْلٍ وَشَرَابٍ إِلَى الْمَاءِ فَطَلَعَ الْفَجْرُ وَأَضَاءَ وَبَقِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ نِصْفُ فَرْسَخٍ فَطَمِعْتُ فِي الْحِيلَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ يَا سَيِّدِي قَدْ أَصْبَحْنَا أَفَلا تُصَلِّي وَأَرَدْتُ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى الشَّطِّ وَانْحَدِرَ أَنَا فِي السُّمَيْرِيَّةِ وَأَدَعَهُ فَقَالَ بَلَى اطْرَحْنِي إِلَى الشط فقدمن السُّمَيْرِيَّةِ إِلَى الشَّطِّ وَطَرَحْتُهُ فَحِينَ صَعَدَ مِنَ السُّمَيْرِيَّةِ أَذْرُعًا يَسِيرَةً إِذَا سَبْعٌ قَدْ قَفَزَ عَلَيْهِ فَتَنَاوَلَهُ فَرَأَيْتُهُ وَاللَّهِ فِي فَمِهِ كَالْفَأْرَةِ فِي فَمِّ التَّنُّورِ فَلا أَنْسَى مَا وَرَدَ عَلَى قَلْبِي مِنَ السُّرُورِ بِذَلِكَ
فَحَدَرْتُ السَّفِينَةَ فَلَمَّا تَجَاوَزَتِ الْمَدَائِنَ طَرَحْتُ إِلَى الشَّطِّ وَجَمَعْتُ الْحُلِيَّ وَخَبَّأْتُهُ تَحْتَ بَارِيَةِ السُّمَيْرِيَّةِ وَتَأَمَّلْتُ الثِّيَابَ فَغَسَلْتُ مَا أَثَّرَ الدَّمُ فِيهِ وَخَبَّأْتُهُ وَانْحَدَرْتُ فَمَا رَدَّ وَجِهِيَ شَيْءٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا مَعِي حُلِيٌّ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ وَثِيَابٍ بِعْتُهَا بِجُمْلَةِ دَنَانِيرَ كَثِيرَةٍ فَأَقَمْتُ بِالْبَصْرَةِ أَتَّجِرُ وَخِفْتُ الْعَوْدَ إِلَى بَغْدَادَ لِئَلا يَرَانِي ذَلِكَ الْغُلامُ أَوْ يُطَالِبَنِي بِالرَّجُلِ أَوْ أُسْأَلَ عَنِ الْحَدِيثِ فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ وَانْقَضَتِ السُّنُونَ وَقَعَ لِي أَنَّ الأَمْرَ قَدْ نُسِيَ وَاشْتَقْتُ إِلَى بَغْدَادَ وَكَانَتِ الْبِضَاعَةُ قَدْ نَمَتْ وَزَادَتْ فَاشْتَرَيْتُ بِجَمِيعِهَا تِجَارَةً إِلَى بَغْدَادَ وَدَخَلْتُ وَأَنَا فِيهَا مُنْذُ نَحْوِ سَنَةٍ حَتَّى رَأَيْتَنِي الْيَوْمَ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ
[ ٤٧٧ ]
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ قَالَ حَدَّثَنِي الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى الْعَلَوِيُّ النَّقِيبُ قَالَ حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ يَخْدِمُنِي أَنَّهُ حَلَفَ بِالطَّلاقِ لَا يُشَيِّعُ جَِنَازَةً فَسَأَلْتُهُ عَنِ السَّبِبِ فَقَالَ خَرَجْتُ يَوْمًا بِبَغْدَادَ فِي نِصْفِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمٍ حَارٍّ لِحَاجَةٍ لِي فَاسْتَقْبَلَتْنِي جَِنَازَةٌ يَحْمِلُهَا اثْنَانِ فَقُلْتُ غَرِيبٌ فَقِيرٌ أَرْبَعُهَا فَأُثَابُ فَدَخَلْتُ تَحْتَهَا بَدَلا مِنْ أَحَدِ الْحَمَّالِينَ فَحِينَ اسْتَقَرَّتْ عَلَى كَتِفِي افْتَقَدْتُ الْحَمَّالَ فَقُلْتُ يَا حَمَّالُ يَا حَمَّالُ فَقَالَ الآخَرُ إِيشِ تُرِيدُ امْشِ وَاسْكُتْ قَدِ انْصَرَفَ الْحَمَّالُ فَقُلْتُ السَّاعَةَ وَاللَّهِ أَرْمِي بِهَا فَقَالَ الْحَمَّالُ وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لأَصِيحَنَّ فَاسْتَحْيَيْتُ وَاحْتَمَلْتُ الأَذَى وَقُلْتُ ثَوَابٌ وَمَا زِلْتُ أَسِيرُ فِي الشَّمْسِ وَالرَّمْضَاءِ إِلَى الشُّونَيْزِيَّةِ فَلَمَّا حَطَطْنَا الْجَِنَازَةَ فِي مِسْجَدِ الْجَنَائِزِ هَرَبَ الْحَمَّالُ الآخَرُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا لِهَؤُلاءِ الْمَلاعِينَ وَاللَّهِ لأُتْمِمَنَّ الثَّوَابَ
وَأَخْرَجْتُ مِنْ كُمِّي دَرَاهِمَ وَصِحْتُ يَا حَفَّارُ أَيْنَ قَبْرُ هَذِهِ الْجَِنَازَةِ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقُلْتُ احْفُرْ فَأَخَذَ مِنِّي دِرْهَمَيْنِ وَحَفَرَ قَبْرًا فَلَمَّا صَوت عَلَيْهِ الْجَِنَازَةُ لِيَأَخُذَ الْمَيِّتَ لِيَدْفِنَهُ وثب من اللَّحْد ولتكمني وَجَعَلَ عِمَامَتِي فِي رَقَبَتِي وَصَاحَ يَا قَوْمِ قَتِيلٌ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَسَأَلُوهُ فَقَالَ هَذَا جَاءَ بِرَجُلٍ مَقْطُوعِ الرَّأْسِ لأَدْفِنَهُ لَهُ فَحُلَّ الْكَفَنُ فَوُجِدَ الأَمْرُ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَفَّارُ فَبُهِتُّ وَتَحَيَّرْتُ وَجَرَى عَلَيَّ مِنَ الْعَامَّةِ مِنَ الْمَكْرُوهِ مَا كَادَتْ نَفْسِي تَتْلَفُ إِلَى أَنْ حُمِلْتُ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ فَجُرِّدْتُ لِلْسِيَاطِ وَأَنَا سَاكِتٌ بَاهِتٌ وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ فَحِينَ رَأَى حَيْرَتِي قَالَ لَهُ أَنْظِرْنِي حَتَّى أَكْشِفَ أَمْرَ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنِّي أَحْسَبُهُ مَظْلُومًا فَخَلا بِي وسائلني فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي لَمْ أَزِدْ فِيهِ وَلَمْ أَنْقُصْ فَنَحَّى الْمَيِّتَ عَنِ الْجَِنَازَةِ وَفَتَّشَهَا فَوَجَدَ فِيهَا كِتَابَةً أَنَّهَا لِلْمَسْجِدِ الْفُلانِي لِلْنَاحِيَةِ الْفُلانِيَّةِ فَأَخَذَ مَعَهُ رِجَالَهُ وَمَضَى فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مُتَنَكِّرًا فَوَجَدَ فِيهِ خَيَّاطًا فَسَأَلَهُ عَنْ جَِنَازَةٍ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مَيِّتًا لَهُ فَقَالَ الْخَيَّاطُ لِلْمَسْجِدِ جَِنَازَةٌ إِلا أَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْهُ الْغَدَاةَ لِحَمْلِ مَيِّتٍ وَلَمْ تُرَدَّ فَقَالَ مَنْ أَخَذَهَا فَقَالَ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ وَأَوْمَأَ إِلَيْهَا فَكَبَسَهَا الْكَاتِبُ بِرِجَالِهِ الشُّرْطَةِ فَوَجَدَ فِيهَا
[ ٤٧٨ ]
رِجَالا فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ وَحَمَلَهُمْ إِلَى الشُّرْطَةِ وَأَخْبَرَ صَاحِبَهُ الْخَبَرَ فَقَدَّمَ الْقَوْمَ وَقَرَّرَهُمْ فَأَقَرُّوا أَنَّهُمْ تَغَايَرُوا عَلَى غُلامٍ أَمْرَدَ مَعَهُمْ فَقَتَلُوهُ وَحَزُّوا رَأْسَهُ وَدَفَنُوهُ فِي بِئْرٍ حَفَرُوهَا فِي الدَّارِ وَحَمَلُوهُ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَأَنَّ الْحَمَّالَيْنِ كَانَا أَحَدَ الْقَوْمِ فُضِرِبَتْ أَعْنَاقُ الْقَوْمِ وَخَلِّيَ سَبِيلِي
فَهَذَا سَبَبُ تَوْبَتِي أَنْ لَا أَحْضِرَ جَِنَازَةً
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّوْزِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ خَرْدَاذَبَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ الْمأْمُونِ قَالَ كَانَ فَرُّوحُ الزَّنَّاءُ يَعْشِقُ جَارِيَةً بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا رَهْبَةُ ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَقَالَ
يَا رَهْبُ لَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ أُسَرُّ بِهِ إِلا الْجُلُوسَ فَتَسْقِينِي وَأَسْقِيكِ
وَتَمْزُجِينَ بِرِيقٍ مِنْكِ لِي قَدَحًا وَتَشْتَفِي بِكُمُ نَفْسِي وَأَشْفِيكِ
يَا رَهْبُ مَا مَسَّنِي شَيْءٌ أُغَمُّ بِهِ إِلا تَفَرَّجَ عَنِّي حِينَ آتِيكِ
قَالَ ثُمَّ عَثُرَ عَلَى رِيبَة بَينهَا وَبَين جَارِيَة فقلتها أَنْبَأَنَا بِهِ عَالِيًا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنِ الْمُسْلِمَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ فَذَكَرَهُ وَقَالَ يُقَالُ لَهَا وَهْبَةُ فَقَالَ يَا وهب بِالْوَاو
أَنبأَنَا أَبُو بكر بن أَبِي طَاهِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْجُهْنِيُّ قَالَ كَانَ فِي جِوَارِي بِبَغْدَادَ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ مَسْتُورَةٌ وَلَهَا ابْنُ عَمٍّ يَهْوَاهَا كَانَ قَدْ رُبِّيَ مَعَهَا فَعَدَلَ بِهَا أَبُوهَا عَنْهُ إِلَى
[ ٤٧٩ ]
رَجُلٍ غَرِيبٍ فَزَوَّجَهُ بِهَا فَكَانَ ابْنُ الْعَمِّ يَلْزَمُ بَابَهَا طَمَعًا فِيهَا وَأحسن الزُّوْجُ بِذَلِكَ فَكَانَ يَحْتَرِزُ فَخَرَجَ يَوْمًا زَوْجَهَا فَأَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَبْتَرِدَ فَنَزَعَتْ ثِيَابَهَا وَاغْتَسَلَتْ وَتَرَكَتْ خَوَاتِيمَ لَهَا مِنْ ذَهَبٍ عِنْدَ ثِيَابِهَا فَأَخَذَ الْخَوَاتِيمَ عَقْعَقٌ كَانَ فِي الدَّارِ وَخَرَجَ إِلَى الْبَابِ فَوَافَقَ خُرُوجُهُ ابْنَ عَمِّهَا فَأَخَذَ الْخَوَاتِيمَ مِنْهُ فَلَبِسَهَا وَقَعَدَ عَلَى الْبَابِ لِيَرَاهُ زَوْجُ الْمَرْأَةِ فَيَظُنَّ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهَا فَيُطَلِّقَهَا فَجَاءَ الزَّوْجُ فَقَامَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَمِّ مُسَلِّمًا وَتَعَمَّدَ أَنْ يُرَيَهُ الْخَوَاتِيمَ فِي يَدِهِ فَرَآهَا فَعَرَفَهَا فَدَخَلَ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ تَغْتَسِلُ فَلَمْ يَشُكَّ أَنه غسل جِنَايَة وَأَنَّ ابْنَ عَمِّهَا قَدْ كَانَ عِنْدَهَا فَقَالَ لِجَارِيَةٍ كَانَتْ عِنْدَهُ اذْهَبِي فَذَهَبَتْ فَأَغْلَقَ الْبَابَ وَذَبَحَ الْمَرْأَةَ وَلَمْ يَسْأَلْهَا عَنْ شَيْءٍ فَجَاءَتِ الْجَارِيَةُ فَرَأَتْهَا مَقْتُولَةً فَصَاحَتْ فَحُمِلَ الرَّجُلُ إِلَى السُّلْطَانِ فَقُتِلَ بِهَا وَأَخْرَجَ ابْنُ الْعَمِّ الْحَدِيثَ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ وَلُزُومِهِ الْعِبَادَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ
[ ٤٨٠ ]