أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ ابْن عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَفٍ إِذْنًا وَحَدَّثَنَا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ أَنْبَأَنَا قَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْعُمَرِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ دَخَلَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرْبَ يَوْمًا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا عَمْرُو أَخْبَرَنِي عَنْ أَشْجَعِ مَنْ لَقِيتَ وَأَجْبَنِ مَنْ لَقِيتَ
فَقَالَ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجْتُ مَرَّةً أُرِيدُ الْغَارَةَ فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ إِذَا أَنَا بِفَرَسٍ مَشْدُودٍ وَرُمْحٍ مَرْكُوزٍ وَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَإِذَا هُوَ كَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ خَلْقًا وَهُوَ مُحْتَبٍ بِسَيْفٍ فَقُلْتُ لَهُ خُذْ حِذْرَكَ فَإِنِّي قَاتِلُكَ فَقَالَ وَمَنْ أَنْتَ قُلْتُ أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرَبَ فَشَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ فَهَذَا أَجْبَنُ مَنْ رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
وَخَرَجْتُ يَوْمًا آخَرَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى حِيٍّ فَإِذَا أَنَا بِفَرَسٍ مَشْدُودٍ وَرُمْحٍ مَرْكُوزٍ وَإِذَا صَاحِبُهُ فِي وَهْدَةٍ يَقْضِي حَاجَةً فَقُلْتُ لَهُ خُذْ حِذْرَكَ فَإِنِّي قَاتِلُكَ قَالَ مَنْ أَنْتَ قُلْتُ أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرَبَ قَالَ يَا أَبَا ثَوْرٍ مَا أَنْصَفْتَنِي أَنْتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِكَ وَأَنَا فِي بِئْرٍ فَأَعْطِنِي عَهْدًا أَنَّكَ لَا تَقْتُلُنِي حَتَّى أَرْكَبَ فَرَسِي وَآخُذَ حِذْرِي فَأَعْطَيْتُهُ عَهْدًا أَنْ لَا أَقْتُلَهُ حَتَّى يَرْكَبَ فَرَسَهُ وَيَأْخُذَ حِذْرَهُ فَخَرَجَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ حَتَّى احْتَبَى بِسَيْفِهِ وَجَلَسَ فَقُلْتُ لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ مَا أَنَا بِرَاكِبٍ فَرَسِي وَلا بِمُقَاتِلِكَ فَإِنْ نَكَثْتَ عَهْدًا فَأَنْتَ أَعْلَمُ فَتَرَكْتُهُ وَمَضَيْتُ فَهَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحْيَلُ مَنْ رَأَيْتُ
[ ٤٨١ ]
ثُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ يَوْمًا آخَرَ إِلَى مَوْضِعٍ كُنْتُ أَقْطَعُ فِيهِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا فَأَجْرَيْتُ فَرَسِي يَمِينًا وَشِمَالا فَإِذَا أَنَا بِفَارِسٍ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ غُلامٌ حِينَ بَقَلَ وَجْهُهُ مِنْ أَجْمَلِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ الْفِتْيَانِ وَأَحْسَنُهُمْ فَإِذَا هُوَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ نَحْوِ الْيَمَامَةِ فَلَمَّا قَرُبَ مِنِّي سَلَّمَ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ مَنِ الْفَتَى قَالَ أَنَا الْحَارِثُ بْنُ سَعْدٍ فَارِسُ الشَّهْبَاءِ فَقُلْتُ لَهُ خُذْ حِذْرَكَ فَإِنِّي قَاتِلُكَ قَالَ بَلِ الْوَيْلُ لَكَ مَنْ أَنْتَ قُلْتُ أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ الْحَقِيرُ الذَّلِيلُ وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ قَتْلِكَ إِلا اسْتِصْغَارُكَ
قَالَ وَتَصَاغَرَتْ نَفْسِي إِلَيَّ وَعَظُمَ عِنْدِي مَا اسْتَقْبَلَنِي بِهِ فَقُلْتُ لَهُ خُذْ حِذْرَكَ فَوَاللَّهِ مَا يَنْصَرِفُ إِلا أَحَدُنَا قَالَ اغْرُبْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ فَإِنِّي مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مَا نَكِلْنَا عَنْ فَارِسٍ قَطُّ فَقُلْتُ هُوَ الَّذِي تَسْمَعُ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ فَقَالَ إِمَّا أَنْ تَطَّرِدَ لِي وَإِمَّا أَنْ أَطَّرِدَ لَكَ فَاغْتَنَمْتُهَا مِنْهُ فَقُلْتُ اطَّرِدْ لِي فَاطَّرَدَ وَحَمَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا قُلْتُ أَنِّي قَدْ وَضَعْتُ الرُّمْحَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إِذَا هُوَ قَدْ صَارَ حِزَامًا لِفَرَسِهِ ثُمَّ اتَّبَعَنِي فَقَرَعَ بِالْقَنَاةِ رَأْسِي وَقَالَ يَا عَمْرُو خُذْهَا إِلَيْكَ وَاحِدَةً فَوَاللَّهِ لَوْلا أَنِّي أَكْرَهُ قَتْلَ مِثْلِكَ لِقَتَلْتُكَ
فَتَصَاغَرَتْ إِلَيَّ نَفْسِي وَكَانَ الْمَوْتُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَبَّ إِلِيَّ مِمَّا رَأَيْتُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا يَنْصَرِفُ إِلا أَحَدُنَا فَقَالَ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ فَقُلْتُ اطَّرِدْ لِي فَاطَّرَدَ وَظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ تَمَكَّنْتُ مِنْهُ وابتعته حَتَّى إِذَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ وَضَعْتُ الرُّمْحَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ صَارَ لَبِبًا لِفَرَسِهِ ثُمَّ اتَّبَعَنِي فَقَرَعَ رَأْسِي بِالْقَنَاةِ وَقَالَ يَا عَمْرُو خُذْهَا إِلَيْكَ اثْنَتْيَنِ
فَتَصَاغَرَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا يَنْصَرِفُ إِلا أَحَدُنَا فَقَالَ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ فَقُلْتُ اطَّرِدْ لِي فَاطَّرَدَ حَتَّى إِذَا قُلْتُ وَضَعْتُ الرُّمْحَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَثَبَ عَنْ فَرَسِهِ
[ ٤٨٢ ]
فَإِذَا هُوَ عَلَى الأَرْضِ فَأَخْطَأْتُهُ وَمَضَيْتُ فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ فَاتَّبَعَنِي فَقَرَعَ بِالْقَنَاةِ رَأْسِي وَقَالَ يَا عَمْرُو خُذْهَا إِلَيْكَ ثَلاثًا وَلَوْلا أَنِّي أَكْرَهُ قَتْلَ مِثْلِكَ لِقَتَلْتُكَ فَقُلْتُ لَهُ اقْتُلْنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا أَرَى بِنَفْسِي وَأَنْ تَسْمَعَ فِتْيَانُ الْعَرَبِ بِهَذَا فَقَالَ لِي يَا عَمْرُو إِنَّمَا الْعَفْوُ ثَلاثٌ وَإِنِّي إِنِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْكَ الرَّابِعَةَ قَتَلْتُكَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
وَكِدْتُ أَغْلاظًا مِنَ الأَيْمَانِ
إِنْ عُدْتَ يَا عَمْرُو إِلَى الطِّعَانِ
لَتُوجَرَنَّ لَهَبَ السِّنَانِ
أَوْلا فَلَسْتُ مِنْ بَنِي شَيْبَانِ
فَلَمَّا قَالَ هَذَا كَرِهْتُ الْمَوْتَ وَهِبْتُهُ هَيْبَةً شَدِيدَةً وَقُلْتُ لَهُ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً قَالَ وَمَا هِيَ قُلْتُ أَكُونُ لَكَ صَاحِبًا وَرَضِيتُ بِذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَسْتَ مِنْ أَصْحَابِي فَكَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيَّ وَأَعْظَمَ مِمَّا صَنَعَ فَلَمْ أَزَلْ أَطْلُبُ إِلَيْهِ حَتَّى قَالَ وَيْحَكَ وَهَلْ تَدْرِي أَيْنَ أُرِيدُ قُلْتُ لَا قَالَ أُرِيدُ الْمَوْتَ عَيَانًا فَقُلْتُ رَضِيتُ بِالْمَوْتِ مَعَكَ قَالَ امْضِ بِنَا
فَسِرْنَا جَمِيعًا يَوْمَنَا حَتَّى جَنَّنَا اللَّيْلُ وَذَهَبَ شَطْرُهُ قَالَ فَوَرِدْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَقَالَ يَا عَمْرُو فِي هَذَا الْحَيِّ الْمَوْتُ ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى قُبَّةٍ فِي الْحَيِّ فَقَالَ وَفِي تِلْكَ الْقُبَّةِ الْمَوْتُ الأَحْمَرُ فَإِمَّا أَنْ تُمْسِكَ عَلَى فَرَسِي فَآتِيَ بِحَاجَتِي وَإِمَّا أَنْ أمسك عَلَيْك فرسك فتنزل فتأتني بِحَاجَتِي فَقُلْتُ لَا بَلِ انْزِلْ أَنْتَ فَأَنْتَ أَعْرَفُ بِمَوْضِعِ حَاجَتِكَ
فَرَمَى إِلَيَّ بِعَنَانِ الْفَرَسِ فَنَزَلَ وَرَضِيتُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَكُونَ لَهُ سَائِسًا ثُمَّ مَضَى حَتَّى دَخَلَ الْقُبَّةَ فَاسْتَخْرَجَ جَارِيَةً لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَهَا قطّ حسنا وجمالا فحلمها عَلَى نَاقَةٍ ثُمَّ قَالَ لِي يَا عَمْرُو قُلْتُ لَبَّيْكَ قَالَ إِمَّا أَنْ تَحْمِيَنِي وَأَقُودَ أَنَا وَإِمِّا أَنْ أَحْمِيَكَ وَتَقُودَ أَنْتَ قُلْتُ لَا بَلْ تَحْمِينِي أَنْتَ وَأَقُودُ أَنَا
فَرَمَى إِلَيَّ بِزِمَامِ النَّاقَةِ ثُمَّ سِرْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ خَلْفَنَا حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا
[ ٤٨٣ ]
قَالَ لِي يَا عَمْرُو قُلْتُ لَبَّيْكَ مَا تَشَاءُ قَالَ الْتَفِتْ فَانْظُرْ هَلْ تَرَى أَحَدًا قَالَ فَالْتَفَتُّ فَقُلْتُ أَرَى جِمَالا فَقَالَ أَغِذِّ السَّيْرَ ثُمَّ قَالَ يَا عَمْرُو قُلْتُ لَبَّيْكَ قَالَ انْظُرْ فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ قَلِيلا فَالْجَلَدُ وَالْقُوَّةُ وَهُوَ الْمَوْتُ وَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا فَلَيْسُوا بِشَيْءٍ قَالَ فَالْتَفَتُّ فَقُلْتُ هُمْ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ قَالَ أَغِذِّ السَّيْرَ فَفَعَلْتُ وَسَمِعَ وَقْعَ الْخَيْلِ عَنْ قُرْبٍ فَقَالَ لِي يَا عَمْرُو قُلْتُ لَبَّيْكَ قَالَ كُنْ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَقِفْ وَحَوِّلْ وُجُوهَ دَوَابِّنَا إِلَى الطَّرِيقِ
فَفَعَلْتُ وَوَقَفْتُ عَنْ يَمِينِ الرَّاحِلَةِ وَوَقَفَ هُوَ عَنْ يَسَارِهَا وَدَنَا الْقَوْمُ مِنَّا فَإِذَا هُمْ ثَلاثَةُ نَفَرٍ فِيهِمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ وَهُوَ أَبُو الْجَارِيَة وأخوها غُلامَانِ شَابَّانِ فَسَلَّمُوا فَرَدَدْنَا السَّلامَ وَوَقَفُوا عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ فَقَالَ الشَّيْخ خل عَن الْجَارِيَة يَا بن أَخ فَقَالَ مَا كُنْتُ لأُخَلِّيَهَا وَلا لِهَذَا أَخَذْتُهَا فَقَالَ لأَصْغَرِ ابْنَيْهِ اخْرُجْ إِلَيْهِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَجُرُّ رُمْحَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ الْحَارِثُ وَهُوَ يَقُولُ
مِنْ دُونِ مَا تَرْجُوهُ خَضْبُ الذَّابِلِ
مِنْ فَارِسٍ مُسْتَلْئِمٍ مُقَاتِلِ
يُنْمَى إِلَى شَيْبَانَ خَيْرَ وَائِلٍ
مَا كَانَ سَيْرِي نَحْوَهَا بِبَاطِلِ
ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً دَقَّ مِنْهَا صُلْبَهُ فَسَقَطَ مَيِّتًا
فَقَالَ الشَّيْخُ لابْنِهِ الآخَرِ اخْرُجْ إِلَيْهِ يَا بُنَيَّ فَلا خَيْرَ فِي الْحَيَاةِ عَلَى الذُّلِّ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَأَقْبَلَ الْحَارِثُ يَقُولُ
لَقَدْ رَأَيْتَ كَيْفَ كَانَتْ طَعْنَتِي
وَالطَّعْنُ لِلْقِرْنِ شَدِيدًا نُهْمَتِي
وَالْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ فِرَاقِ خُلَّتِي
فَقَتْلَتِي الْيَوْمَ وَلا مَذَلَّتِي
ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً سَقَطَ مِنْهَا مَيِّتًا
[ ٤٨٤ ]
فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ خَلِّ عَنِ الظعينة يَابْنَ أَخ فَإِنِّي لَسْتُ كَمَنْ رَأَيْتَ قَالَ مَا كُنْتُ لأُخَلِّيَهَا وَلا لِهَذَا قَصَدْتُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ اخْتَرْ بِابْن أَخ فَإِنْ شِئْتَ طَارَدْتُكَ وَإِنْ شِئْتَ نَازَلْتُكَ قَالَ فَاغْتَنَمَهَا الْفَتَى فَنَزَلَ وَنَزَلَ الشَّيْخُ وَهُوَ يَقُولُ
مَا أَرْتَجِي بَعْدَ فَنَاءِ عُمْرِي
سَأَجْعَلُ السِّنِينَ مِثْلَ الشَّهْرِ
شَيْخٌ يُحَامِي دُونَ بِيضِ الْخِدْرِ
إِنِ اسْتَبَاحَ الْبِيضُ قَصْمَ الظَّهْرِ
سَوْفَ تَرَى كَيْفَ يَكُونُ صَبْرِي
فَأَقْبَلَ الْحَارِثُ وَهُوَ يَقُولُ
بَعْدَ ارْتِحَالِي وَطُولِ سَفَرِي
وَقَدْ ظَفِرْتُ وَشَفَيْتُ صَدْرِي
وَالْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ لِبَاسِ الْغَدْرِ
وَالْعَارُ أَهْدِيهِ لَحَيِّ بَكْرِ
ثُمَّ دَنَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ يَابْنَ أَخِي إِنْ شِئْتَ ضَرَبْتُكَ وَإِنْ بَقِيَتْ مِنْكَ قُوَّةٌ ضَرَبْتَنِي وَإِنْ شِئْتَ فَاضْرِبْنِي فَإِنْ بَقِيَتْ فِيَّ قُوَّة ضربتك فاغتنمها الْفَتى فَقَالَ أَنا أبدأ أَولا قَالَ هَات فَرَفَعَ الْحَارِثُ السَّيْفَ فَلَمَّا نَظَرَ الشَّيْخُ أَنَّهُ قَدْ أَهْوَى بِهِ إِلَى رَأْسِهِ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً قُدَّ مِنْهَا مِعَاهُ وَوَقَعَتْ ضَرْبَةُ الْحَارِثِ فِي رَأْسِهِ فَسَقَطَا مَيِّتَيْنِ
فَأَخَذْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرْبَعَةَ أَفْرَاسٍ وَأَرْبَعَةَ أَسْيَافٍ ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى النَّاقَةِ فَعَقَدْتُ أَعِنَّةَ الأَفْرَاسِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَجَعَلْتُ أَقُودُ فَقَالَتْ لِي الْجَارِيَةُ يَا عَمْرُو
[ ٤٨٥ ]
إِلَى أَيْنَ وَلَسْتَ لِي بِصَاحِبٍ وَلَسْتَ كَمَنْ رَأَيْتُ وَلَوْ كُنْتَ لِي صَاحِبًا لَسَلَكْتَ سَبِيلَهُمْ فَقُلْتُ اسْكُتِي قَالَتْ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَعْطِنِي سَيْفًا أَوْ رُمْحًا فَإِنْ غَلَبْتَنِي فَأَنَا لَكَ وَإِنْ غَلَبْتُكَ قَتَلْتُكَ فَقُلْتُ لَهَا مَا أَنَا بِمُعْطِيكِ ذَاكَ وَقَدْ عَرَفْتُ أَصْلَكِ وَجُرْأَةَ قَوْمِكِ وَشَجَاعَتَهُمْ فَرَمَتْ بِنَفْسِهَا عَنِ الْبَعِيرِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَيَّ وَهِيَ تَقُولُ
أَبَعْدَ مَا شَيْخِي وَبَعْدَ إِخْوَتِي
أَطْلُبُ عَيْشًا بَعْدَهُمْ فِي لَذَّتِي
هَلا تَكُونُ قَبْلَ ذَاكَ مِيتَتِي
ثُمَّ أَهْوَتْ إِلَى الرُّمْحِ وَكَادَتْ تَنْتَزِعَهُ مِنْ يَدِي فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهَا خِفْتُ إِنْ هِيَ ظَفِرَتْ بِي أَنْ تَقْتُلَنِي فَقَتَلْتُهَا
فَهَذَا أَشَدُّ مَنْ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
فَقَالَ عُمَرُ صَدَقْتَ يَا عَمْرُو
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ الرُّسْتُمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ رَجُلا أَضَافَ نَاسًا مِنْ هَذِيلٍ فَذَهَبَتْ جَارِيَةٌ لَهُ تَحْتَطِبُ فَأَرَادَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهَا فَرَمَتْهُ بِفِهْرٍ فَقَتَلَتْهُ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ ذَاكَ قَتِيلُ اللَّهِ وَاللَّهِ لَا يُودَى أَبَدًا
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ السَّوَّاقُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ
[ ٤٨٦ ]
أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا بِفَتَى أَمْرَدَ قَدْ وُجِدَ قَتِيلا عَلَى وَجْهِ الطَّرِيقِ فَسَأَلَ عَنْ أَمْرِهِ وَاجْتَهَدَ فَلَمْ يَقِفْ لَهُ عَلَى خَبَرٍ وَلَمْ يَعْرِفْ لَهُ قَاتِلٌ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ اللَّهُمَّ أَظْفِرْنِي بِقَاتِلِهِ
حَتَّى إِذَا كَانَ رَأْسُ الْحَوْلِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ وُجِدَ صَبِيٌّ مَوْلُود ملقى بِموضع الْقَتِيل فاتي بِهِ عُمَرُ فَقَالَ ظَفِرْتُ بَدَمِ الْقَتِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى امْرَأَةٍ وَقَالَ لَهَا قُومِي بِشَأْنِهِ وَخُذِي مِنَّا نَفَقَتَهُ وَانْظُرِي مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْكِ فَإِذَا وَجَدْتِ امْرَأَةً تُقَبِّلُهُ وَتَضُمُّهُ إِلَى صَدْرِهَا فَأَعْلِمِينِي بِمَكَانِهَا
فَلَمَّا شَبَّ الصَّبِيُّ جَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ إِنَّ سَيَّدَتِي بَعَثَتْنِي إِلَيْكِ لَتَبْعَثِي بِالصَّبِيِّ لِتَرَاهُ وَتَرُدَّهُ إِلَيْكِ فَقَالَتْ نَعَمْ اذْهَبِي بِهِ إِلَيْهَا وَأَنَا مَعَكِ فَذَهَبَتْ بِالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةُ مَعَهَا حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى سَيِّدَتِهَا فَلَمَّا رَأْتُهُ أَخَذَتْهُ فَقَبَّلَتْهُ وَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا فَإِذَا هِيَ بِنْتُ شَيْخٍ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ خَبَرَ الْمَرْأَةِ فَاشْتَمَلَ عُمَرُ عَلَى سَيْفِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى مَنْزِلِهَا فَوَجَدَ أَبَاهَا مُتَّكِئًا عَلَى بَابِ دَارِهِ فَقَالَ يَا أَبَا فُلانٍ مَا فَعَلَتِ ابْنَتُكَ فُلانَةُ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَزَاهَا اللَّهُ خَيْرًا هِيَ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ أَبِيهَا مَعَ حُسْنِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَالْقِيَامِ بِدِينِهَا
فَقَالَ عُمَرُ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَدْخُلَ إِلَيْهَا فَأَزِيدَهَا رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ وَأَحُثَّهَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ امْكُثْ مَكَانَكَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ
فَاسْتَأَذَنَ لِعُمَرَ فَلَمَّا دَخَلَ أَمَرَ عُمَرُ كل من كَانَ عَنْهَا فَخَرَجَ وَبَقِيَتْ هِيَ
[ ٤٨٧ ]
وَعُمَرُ فِي الْبَيْتِ وَلَيْسَ مَعَهُمَا أَحَدٌ فَكَشَفَ عُمَرُ عَنِ السَّيْفِ وَقَالَ لَتَصْدُقِنِّي وَكَانَ عُمَرُ لَا يَكْذِبُ فَقَالَتْ عَلَى رِسْلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاللَّهِ لأَصْدُقَنَّ إِنَّ عَجُوزًا كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَيَّ فَاتَّخَذْتُهَا أُمًّا وَكَانَتْ تَقُومُ مِنْ أَمْرِي بِمَا تَقُومُ بِهِ الْوَالِدَةُ وَكُنْتُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ الْبِنْتِ فَامْضَتْ بِذَلِكَ حِينًا ثُمَّ إِنَّهَا قَالَتْ يَا بُنَيَّةُ إِنَّهُ قَدْ عَرَضَ لِي سَفَرٌ وَلِي بِنْتٌ فِي مَوْضِعٍ أَتَخَوَّفُ عَلَيْهَا فِيهِ أَنْ تَضِيعَ وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَضُمَّهَا إِلَيْكِ حَتَّى أَرْجِعَ مِنْ سَفَرِي فَعَمَدَتْ إِلَى ابْنٍ لَهَا شَابٍّ أَمْرَدَ فَهَيَأَتْهُ كَهَيْئَةِ الْجَارِيَةِ وَأَتَتْنِي بِهِ لَا أَشُكُّ أَنَّهُ جَارِيَةٌ فَكَانَ يَرَى مِنِّي مَا تَرَى الْجَارِيَةُ مِنَ الْجَارِيَةِ حَتَّى اغْتَفَلَنِي يَوْمًا وَأَنَا نَائِمَةٌ فَمَا شَعُرْتُ حَتَّى عَلانِي وَخَالَطَنِي فَمَدَدْتُ يَدِي إِلَى شَفْرَةٍ كَانَتْ إِلَى جَنْبِي قَتَلْتُهُ ثُمَّ أَمَرْتُ بِهِ فَأُلْقِيَ حَيْثُ رَأَيْت فاشتملت مِنْهُ على هَذِه الْفَتَى فَلَمَّا وَضَعْتُهُ أَلْقَيْتُهُ فِي مَوْضِعِ أَبِيهِ فَهَذَا وَاللَّهِ خَبَرُهُمَا عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ
فَقَالَ عُمَرُ صَدَقْتِ بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ ثُمَّ أَوْصَاهَا وَوَعَظَهَا وَدَعَا لَهَا وَقَالَ لأَبِيهَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي ابْنَتك فَنعم الِابْنَة ابْنَتك وَقد فَقَالَ الشَّيْخُ وَصَلَكَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَزَاكَ خَيْرًا عَنْ رَعِيَّتِكَ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ رَبِيبُ أَبِي حَيُّوَيْهِ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُؤَمِّلُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ رَجُلا خَرَجَ غَازِيًا فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ جِيرَانِهِ فَأَبْصَرَ فِي بَيْتِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ مُصْبَاحًا فَقَامَ قَرِيبًا مِنْ مَنْزِلِهِ فَسَمِعَ
وَأَشْعَثَ غَرَّهُ الإِسْلامُ مِنِّي خَلَوْتُ بِعُرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ
أَبِيتُ عَلَى تَرَائِبِهَا وَيُضْحِي عَلَى جَرْدَاءَ لاحِقَةِ الْحَزَامِ
[ ٤٨٨ ]
كَأَنَّ مَوْضِعَ الرَّبَلاتِ مِنْهَا قِيَامٌ يَنْتَمِينَ إِلَى قِيَامِ
قَالَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ رَمَى بِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ أُخْبِرَ عُمَرُ بِذَلِكَ فَقَامَ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ أَنْشَدَ اللَّهُ رَجُلا وَأَعْزِمْ عَلَيْهِ عَلِمَ مَنْ عَلِمَ هَذَا الرَّجُلَ عِلْمًا إِلا أَخْبَرَنَا بِهِ فَقَامَ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا رَأَى وَبِمَا سَمِعَ فَقَالَ عُمَرُ اقْتُلْ قَالَ فَعَلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ السَّوَّاقُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ حَدثنَا أَبُو الْحُسَيْن ابْن بَيَانٍ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْمُحَوَّلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيحِ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ كَانَ رَجُلٌ يَهْوَى امْرَأَةً فَأَرَادَهَا فَأَغَلَقَتِ الْبَابَ دُونَهُ فَأَدْخَلَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ مِنْ أَسْكُفَةِ الْبَابِ فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ حَجَرًا أَوْ خَشَبَةً وَضَرَبَتْ رَأْسَهُ فَدَمَغَتْهُ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ بِهِ لَا بِظَبْيٍ وَأَهْدَرَ دَمُهُ
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكِنْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الله ابْن أَسْبَاطٍ قَالَ حَدَّثَنِي دِعْبَلٌ قَالَ كُنْتُ بِالثَّغْرِ فَنُودِيَ بِالنَّفِيرِ فَخَرَجْتُ
[ ٤٨٩ ]
مَعَ النَّاسِ فَإِذَا أَنَا بِفَتَى يَجُرُّ رُمْحَهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَالْتَفَتُّ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ أَنْتَ دِعْبَلٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ اسْمَعْ مِنِّي بَيْتَيْنِ فَأَنْشَدَنِي
أَنَا فِي أَمْرِي رَشَادٌ بَيْنَ غَزْوٍ وَجِهَادِ
بَدَنِي يَغْزُو عَدُوِّي وَالْهَوَى يَغْزُو فُؤَادِي
ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تَرَى قُلْتُ جَيِّدٌ قَالَ وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ إِلا هَارِبًا مِنَ الْحُبِّ
ثُمَّ الْتَقَيْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ
وَقَدْ بَلَغَتْنَا هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ دِعْبَلٍ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ مَعَ الدَّمَنِيِّ فِي غُزَاتِهِ الَّتِي حَارَبَ فِيهَا كَلْبَ الرُّومِ فَلَمَّا وَقَفَ الْجَيْشَانِ بَرَزَ عِلْجٌ مِنَ الرُّومِ فَقَتَلَ سَبْعَةً مِنَ مُبَارِزِي الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ جَعَلَ يَجُرُّ رُمْحَهُ وَيَطْلُبُ الْبِرَازَ فَلا يَبْرُزُ لَهُ أَحَدٌ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَخِفْنَا الْهَزِيمَةَ بَرَزَ غُلامٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ ظَاهِرُ الْجَمَالِ لَهُ ذُؤَابَتَانِ مِنْ وَرَائِهِ فَبَارَزَ الْعِلْجَ فَقَتَلَهُ ثُمَّ ابْتَدَرَ إِلَيْهِ عَشْرَةٌ مِنْ عُلُوجِ الرُّومِ فَقَتَلَهُمْ وَرَدَّ الرُّومَ مُنْهَزِمِينَ فَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْعَةَ آلافِ رَجُلٍ وَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى الْغَنَائِمِ فَارْتَقَى الْغُلامُ رَابِيَةً وَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَأَخَذَ مِقْوَدَهُ بِيَدِهِ وَجَعَلَتْ دُمُوعُهُ تَنْحَدِرُ عَلَى الأَرْضِ كَالْقَطْرِ
قَالَ دِعْبَلٌ فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي فَقُلْتُ يَا بُنَيَّ قَدْ أَبْلَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَكِ هَذَا الْبَلاءُ لِلإِسْلامِ وَأَهْلِهِ أَلا أَرَاكَ تَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنَ الْغَنَائِمِ وَأَنْتَ مِنَ الْبُكَاءِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَأَعْلِمْنِي قَصَّتَكَ فَأَطْرَقَ سَاعَةً ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
أَنَا فِي أَمْرِي رَشَادٌ بَيْنَ غَزْوٍ وَجِهَادِ
بَدَنِي يَغْزُو عَدُوِّي وَالْهَوَى يَغْزُو فُؤَادِي
ثُمَّ مَضَى وَلا أَعْرِفُ اسْمَهُ وَلا نَسَبَهُ
[ ٤٩٠ ]
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ السَّوَّاقُ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن إِبْرَاهِيمَ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيَادٍ الأَعْرَابِيُّ قَالَ نَزَلَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَاهِلَةٍ وَلَيْسَ عِنْدَهَا زَوْجُهَا فَأَكْرَمَتْهُ وَفَرَشَتْهُ فَلَمَّا لَمْ يَرَ عِنْدَهَا أَحَدًا وَلا قُرْبَهَا سَامَهَا نَفْسَهَا فَلَمَّا خَشِيَتْهُ قَالَتْ لَهُ امْكُثْ أَسْتَصْلِحُ لَكَ ثُمَّ رَاغَتْ فَأَخَذَتْ مُدْيَةً فَأَخْفَتْهَا ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهَا ثَارَ إِلَيْهَا فَضَرَبَتْ بِهَا فِي نَحْرِهِ فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ سَقَطَتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا وَسَقَطَ هُوَ مَيِّتًا فَأَتَاهَا آتٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَأَجْلَسَهَا حَتَّى أَفَاقَتْ فَقَالَ أَعْشَى بَاهَلَةٍ فِي ذَلِكَ
لَعَمْرِي لَقَدْ أَخْفَتْ مُعَاذَةُ ضَيْفَهَا وَسَوَّتْ عَلَيْهِ مَهْدَهُ ثُمَّ بَرَّتِ
فَلَمَّا بَغَاهَا نَفْسَهَا غَضِبَتْ لَهَا عُرُوقٌ نَمَتْ وَسْطَ الثَّرَى فَاسْتَقَرَّتِ
وَشَدَّتْ عَلَى ذِي مُدْيَةِ الْكَفِّ مِعْصَمًا وَضِيئًا وَعَزَّتْ نَفْسُهَا فَاسْتَمَرَّتِ
فَأَمَّتْ بِهَا فِي نَحره وَهُوَ يَبْتَغِي الن كاح فَمَرَّتْ فِي حَشَاهُ وَجَرَّتِ
فَثَجَّ كَأَنَّ النِّيلَ فِي جَوْفِ صَدْرِهِ وَأَدْرَكَهَا ضَعْفُ النِّسَاءِ فَخَرَّتِ
قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبَّادٍ شَيْخٌ قَدِيمٌ قَالَ أَدْرَكْتُ الْخَادِمَ الَّذِي كَانَ يَقُومُ عَلَى رَأْسِ الْحَجَّاجِ فَقُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنِي بِأَعْجَبَ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ مِنَ الْحَجَّاجِ
قَالَ كَانَ ابْنُ أَخِيهِ أَمِيرًا عَلَى وَاسِطٍ قَالَ وَكَانَتْ بِوَاسِطٍ امْرَأَةٌ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَكُ بِوَاسِطٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَجْمَلُ مِنْهَا فَأَرْسَلَ ابْنُ أَخِيهِ إِلَيْهَا يُرِيدُهَا عَلَى
[ ٤٩١ ]
نَفْسِهَا مَعَ خَادِمٍ لَهُ فَأَبَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ إِنْ أَرَدْتَنِي فَاخْطُبْنِي إِلَى إِخْوَتِي قَالَ وَكَانَ لَهَا إِخْوَةٌ أَرْبَعَةٌ
فَأَبَى وَقَالَ لَا إِلا كَذَا وَعَاوَدَهَا فَأَبَتْ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَخْطُبَهَا فَأَمَّا حَرَامٌ فَلا قَالَ وَأَبَى هُوَ إِلا الْحَرَامَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِهَدِيَةٍ فَأَخَذَتْهَا فَعَزَلَتْهَا
قَالَ وَأَرَسْلَ إِلَيْهَا عَشِيَّةَ جُمْعَةٍ أَنِّي آتِيكِ اللَّيْلَةَ فَقَالَتْ لأُمِّهَا إِنَّ الأَمِيرَ قَدْ بَعَثَ إِلَيَّ بِكَذَا وَكَذَا قَالَ فَأَنْكَرَتْ أُمُّهَا ذَلِكَ وَقَالَتْ أُمُّهَا لإِخْوَتِهَا إِنَّ أُخْتَكُمْ قَدْ زَعَمَتْ كَذَا وَكَذَا فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ وَكَذَّبُوهَا فَقَالَتْ إِنَّهُ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يَأْتِيَنِي اللَّيْلَةَ فَسَتَرَوْنَهُ
قَالَ فَقَعَدَ إِخْوَتُهَا فِي بَيْتٍ حِيَالَ الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ وَفِيهِ سِرَاجٌ وَهُمْ يَرَوْنَ مَنْ يَدْخُلُ إِلَيْهَا وَجُوَيْرِيَةٌ لَهَا عَلَى بَابِ الدَّارِ قَاعِدَةٌ حِينَ جَاءَ فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَقَالَ لِغُلامِهِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَّذِنُ فِي الْغَلَسِ فَائْتِنِي بِدَابَّتِي وَدَخَلَ
فَمَشَتِ الْجَارِيَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ ادْخُلْ فَدَخَلَ وَهِيَ عَلَى سَرِيرٍ مُسْتَلْقِيَةٌ فَاسْتَلْقَى إِلَى جَانِبِهَا ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ إِلَى كَمْ ذَا الْمَطْلُ فَقَالَتْ لَهُ كُفَّ يَدَكَ يَا فَاسِقُ قَالَ وَدَخَلَ إِخْوَتُهَا عَلَيْهِ مَعَهُمْ سُيُوفٌ فَقَطَّعُوهُ ثُمَّ لَفُّوهُ فِي نِطْعٍ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سِكَّةٍ مِنَ سِكَكِ وَاسِطٍ فَأَلْقَوْهُ فِيهَا وَجَاءَ الْغُلامُ بِالدَّابَّةِ فَجَعَلَ يَدُقُّ الْبَابَ دَقًّا رَقِيقًا وَلَيْسَ يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ وَأَنْ تُعْرَفَ الدَّابَّةُ انْصَرَفَ
وَأَصْبَحُوا فَإِذَا هُمْ بِهِ فَأَتَوْا بِهِ الْحَجَّاجَ فَأَخَذَ أَهْلَ تِلْكَ السِّكَّةِ فَقَالَ أَخْبِرُونِي مَا هَذَا وَمَا قِصَّتُهُ قَالُوا لَا نَعْلَمُ حَالَهُ غَيْرَ أَنَّا وَجَدْنَاهُ مُلْقَى فَفَطِنَ الْحَجَّاجُ فَقَالَ عَلَيَّ بِمَنْ كَانَ يَخْدُمُهُ
قَالَ فَأَتَى بِذَلِكَ الْخَصِيِّ الَّذِي كَانَ الرَّسُولَ فَقَالُوا هَذَا كَانَ صَاحِبُ سِرَّهُ
فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ اصْدُقْنِي مَا كَانَ حَالُهُ وَمَا قِصَّتُهُ
فَأَبَى
[ ٤٩٢ ]
فَقَالَ لَهُ إِنْ صَدَقْتَنِي لَمْ أَضْرِبْ عُنُقَكَ وَإِنْ لَمْ تَصْدُقْنِي ضَرَبْتُ عُنُقَكَ وَفَعَلْتُ بِكَ وَفَعَلْتُ
قَالَ فَأَخْبَرَهُ الأَمْرَ عَلَى جِهَتِهِ فَأمر بِالْمَرْأَةِ وَأمّهَا وإخوتها فجيء بهما فَعُزِلَتِ الْمَرْأَةُ عَنْهُمُ فَسَاءَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ الْخَصِيُّ ثُمَّ عَزَلَهَا وَسَأَلَ الإِخْوَةَ فَأَخْبَرُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَقَالُوا نَحْنُ صَنَعْنَا بِهِ الَّذِي تَرَى قَالَ فَعَزَلَهُمْ وَأَمَرَ بِرَقِيقِهِ وَدَوَابِّهِ وَمَالِهِ لِلْمَرْأَةِ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدِي هَدِيَّتُهُ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكِ فِيهَا وَأَكْثَرَ فِي النِّسَاءِ مِثْلِكِ هِيَ لَكَ وَكُلُّ مَا تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَك وَقَالَ مِثْلُ هَذَا لَا يُدْفَنُ فَأَلْقُوهُ لِلْكِلابِ وَدَعَا الْخَصِيَّ فَقَالَ أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ قُلْتُ لَكَ إِنِّي لَا أَضْرِبُ عُنُقَكَ وَأَمَرَ بِضَرْبِ وَسَطِهِ
حَكَى لِي ابْنُ رَشَادَةَ الطَّبِيبُ أَنَّ طَبِيبًا نَصْرَانِيًا كَانَ بِوَاسِطٍ وَكَانَ شَابًّا مُسْتَحْسَنًا تَتَعَشَّقُهُ النِّسَاءُ فَدَخَلَ إِلَى امْرَأَةِ بَعْضِ الأَكْرَادِ لِيفْصِدَهَا فَأَخْرَجَتْ ذِرَاعَهَا فَحَارَ لِحُسْنِهِ ثُمَّ جَعَلَ يَلْمَسُهُ لَمْسَ مُلْتَذٍّ بِهِ فَلَمْ يُخْفَ ذَلِكَ عَلَى الْمَرْأَةِ
ثُمَّ قَالَ لَهَا الْيَوْمَ لَا يَتَهَيَّأُ الْفَصْدُ فَأَخِّرِيهِ إِلَى غَدٍ وَخَرَجَ فَجَاءَ زَوْجُهَا فَحَدَّثَتْهُ الْحَدِيثَ فَخَرَجَ وَبَعَثَ إِلَى الطَّبِيبِ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ تَجِيءُ مَعِي لِتَنْظُرَ إِلَى مَرِيضٍ فَنَزَلا فِي سُمَيْرِيَّةٍ وَأَخْرَجَهُ إِلَى الْبَطَائِحِ ثُمَّ قَطَّعَهُ قِطَعًا بِالسَّيْفِ
[ ٤٩٣ ]