أَشْهَرُ الْمَشْهُورِينَ بِذَلِكَ مَجْنُونُ لَيْلَى
وَلَهُ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ وَأَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّمَا أَنْتَقِي مَحَاسِنَهَا
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِالأَنْسَابِ فِي اسْمِهِ وَنَسَبِهِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ قَالَ ابْنُ دَابٍ عَنْ رَبَاحِ بْنِ حَبِيبٍ الْعَامِرِيُّ قَالَ هُوَ قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ بْنِ مُزَاحِمٍ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ الْبُخْتُرِيُّ بْنُ الْجَعْدِيِّ
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْوَالِبِيُّ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ هُوَ قَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ الْعُقَيْلِيُّ
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ هُوَ الأَقْرَعُ بْنُ مُعَاذٍ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي كَرِيمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو قُلابَةَ الْعَامِرِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سُوَيْدٍ الْحَرَمِيِّ قَالَ كَانَ فِي بَنِي عَامِرٍ ثَلاثَةُ مَجَانِينٍ مُعَاذُ لَيْلَى وَهُوَ معَاذ
[ ٣٨٠ ]
ابْن كُلَيْبٍ أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ عُبَيْدٍ وَقَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ وَمَهْدِيُّ بْنُ الْمُلَوَّحِ الْجَعْدِيُّ
فَأَمَّا لَيْلَى فَاخْتَلَفُوا فِي نَسَبِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْلَى بِنْتُ مَهْدِيٍّ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْلَى بِنْتُ وَرْدٍ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ
وَفِي كُنْيَتِهَا قَوْلانِ أَحَدُهُمَا أَمُّ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ كَنَّاهَا الْمَجْنُونُ فِي شِعْرِهِ وَالثَّانِي أُمُّ الْخَلِيلِ
سباق بِدَايَةِ مَعْرِفَةِ الْمَجْنُونِ بِلَيْلَى
اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ
فَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ
وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ
وَأَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالا أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ الْبَلْخِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ دَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ يُقَالُ لَهُ رَبَاحُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ كَانَ فِي بَنِي عَامِرٍ جَارِيَةٌ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ لَهَا عَقْلٌ وَأَدَبٌ يُقَالُ لَهَا لَيْلَى بِنْتُ مَهْدِيٍّ فَبَلَغَ الْمَجْنُونَ خَبَرُهَا وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْجَمَالِ وَالْعَقْلِ وَكَانَ صَبًّا بِمُحَادَثَةِ النِّسَاءِ فَعَمَدَ إِلَى أَحْسَنِ ثِيَابِهِ فَلَبِسَهَا وَتَهَيَّأَ فَلَمَّا جَلَسَ إِلَيْهَا وَتَحَدَّثَ بَيْنَ يَدَيْهَا أَعْجَبَتْهُ وَوَقَعَتْ بِقَلْبِهِ
فَظَلَّ يَوْمَهُ ذَلِكَ يُحَدِّثُهَا وَتُحَدِّثُهُ حَتَّى أَمْسَى فَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ فَبَاتَ بِأَطْوَلِ
[ ٣٨١ ]
لَيْلَةٍ حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ مَضَى إِلَيْهَا فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهَا حَتَّى أَمْسَى ثُمَّ انْصَرَفَ فَبَاتَ بِأَطْوَلِ مِنْ لَيْلَتِهِ الأُولَى وَجَهَدَ أَنْ يُغْمِضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ فَأَنْشَأَ يَقُولُ
نَهَارِي نَهَارُ النَّاسِ حَتَّى إِذَا بَدَا لِيَ اللَّيْلُ هَزَّتْنِي إِلَيْكِ الْمَضَاجِعُ
أَقْضِي نَهَارِي بِالْحَدِيثِ وَبِالْمُنَى وَيَجْمَعُنِي وَالْهَمَّ بِاللَّيْلِ جَامِعُ
وَأَدَامَ زِيَارَتَهَا وَتَرَكَ إِتْيَانَ كُلَّ مَنْ كَانَ يَأْتِيهِ
فَوَقَعَ فِي قَلْبِهَا مِثْلَ الَّذِي وَقَعَ فِي قَلْبِهِ فَجَاءَ يَوْمًا يُحَدِّثُهَا فَجَعَلَتْ تُعْرِضُ عَنْهُ وَتُقْبِلُ عَلَى غَيْرِهِ تُرِيدُ تَمْتَحِنَهُ وَتَعْلَمَ مَا فِي قَلْبِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَخَرَجَ فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ
كِلانَا مُظْهِرٌ لِلنَّاسِ بُغْضًا وَكُلٌّ عِنْدَ صَاحِبِهِ مَكِينُ
فَسُرِّيَ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ إِنَّمَا أَرَدْتُ امْتِحَانَكَ وَالَّذِي لَكَ عِنْدِي أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي لِي عِنْدَكَ وَأَنَا مُعْطِيَةٌ اللَّهَ عَهْدًا إِنْ أَنَا جَالَسْتُ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا رَجُلا سِوَاكَ حَتَّى أَذُوقَ الْمَوْتَ إِلا أَنْ أُكْرَهَ عَلَى ذَلِكَ
فَانْصَرَفَ وَهُوَ أَسَرُّ النَّاسِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ
أَظُنُّ هَوَاهَا تَارِكِي بِمُضِلَّةٍ مِنَ الأَرْضِ لَا مَالٌ لَدَيَّ وَلا أَهْلُ
وَلا أَحَدٌ أُفْضِي إِلَيْهِ وَصِيَّتِي وَلا وَارِثٌ إِلا الْمَطِيَّةُ وَالرَّحْلُ
مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الأُلَى كُنَّ قَبْلَهَا وَحَلَّتْ مَكَانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبْلُ
[ ٣٨٢ ]
قُلْتُ قَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ قَوْلُهُ هَزَّتْنِي إِلَيْكِ الْمَضَاجِعُ وَمَا رُوِيَ لَنَا إِلا بِالزَّايِ وَلا سَمِعْنَا أَحَدٌ يَذْكُرُهُ إِلا كَذَلِك
ثمَّ رَأينَا الْفَتْحِ بْنَ جِنِّي يَذْكُرُهُ بِالرَّاءِ فَقَالَ هَرَّتْنِي إِلَيْكِ الْمَضَاجِعُ قَالَ وَالزَّايُ تَصْحِيفٌ عِنْدَهُمْ قَالَ وَيُقَالُ هَرَّ الشَّيْءَ يَهُرُّ وَيَهِرُّهُ إِذَا كَرِهَهُ فَمَعْنَى هَرَّتْنِي كَرِهَتْنِي فَنَبَتْ بِي
قُلْتُ وَفِي بِدَايَةِ مَعْرِفَتِهَا قَوْلٌ آخَرُ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ قَالَ الْعُمَرِيُّ عَن لَقِيط ابْن بُكَيْرٍ الْمُحَارِبِيُّ أَنَّ الْمَجْنُونَ عَلِقَ بِلَيْلَى عَلاقَةَ الصِّبَا وَذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَا صَغِيرَيْنِ يَرْعَيَانِ أَغْنَامًا لِقَوْمِهِمَا فَعَلِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ إِلا أَنَّ الْمَجْنُونَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا
فَلَمْ يَزَالا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كَبِرَا فَلَمَّا عُلِمَ بِأَمْرِهِمَا حُجِبَتْ لَيْلَى عَنْهُ فَزَالَ عَقْلُهُ وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ
تَعَلَّقْتُ لَيْلَى وَهِيَ ذَاتُ ذُؤَابَةٌ وَلَمْ يَبْدُ لِلأَتْرَابِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ
صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبُهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا إِلَى الْيَوْمِ لَمْ نَكْبُرْ وَلَمْ تَكْبُرِ الْبُهْمُ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَرْدَسْتَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ
[ ٣٨٣ ]
قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ التَّرْقُفِيُّ قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو غِيَاثٍ الْبَصْرِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ قَالَ بَيَّنَّا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يُؤَذِّنُ إِذْ سُمِعَ الأَخْضَرُ الْجَدِّيُّ يَتَغَنَّى فِي دَارِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَيَقُولُ
صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبُهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا إِلَى الآنَ لَمْ نَكْبُرْ وَلَمْ تَكْبُرِ الْبُهْمُ
قَالَ فَأَسْرَعَ فِي الأَذَانِ فأرد أَنْ يَقُولَ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ فَقَالَ حَيَّ عَلَى الْبَهْمِ حَتَّى سَمِعَهُ أَهْلُ مَكَّةَ فَجَاءَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي جَابِرٍ قَالَ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ كَانَ الْمَجْنُونُ مِنْ وَلَدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلابٍ فَأَتَى عَلَيْهِ عَصْرٌ مِنَ الدَّهْرِ لَا يَعْرِفُ لَيْلَى ثُمَّ عَشِقَهَا فَخَطَبَهَا فَلَمْ يُزَوِّجُوهُ فَاشْتَدَّتْ حَالَتُهُ وَزَادَ مَا كَانَ يَجِدُهُ وَفَشَا أَمْرُهُ فِي النَّاسِ فَلَقِيَهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَقَالَ يَا أَخِي اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَازْجُرْهُ عَنْكَ فَأَنْشَأَ يَقُولُ
يَا حَبَّذَا عَمَلُ الشَّيْطَانِ مِنْ عَمَلٍ إِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ حُبِّيهَا
مَنَّيْتُهَا النَّفْسَ حَتَّى قَدْ أَضَرَّ بِهَا وَأَحَدَثَتْ خُلُقًا مِمَّا أُمَنِّيهَا
قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَ الْمَجْنُونُ يَجْلِسُ فِي نَادِي قَوْمِهِ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَيُحَدِّثُهُ وَهُوَ بَاهِتٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلا يَفْهَمُ مَا يُحَدِّثُهُ بِهِ ثُمَّ يَثُوبُ إِلَيْهِ عَقْلُهُ فَيُسْأَلُ عَنِ الْحَدِيثِ فَلا يَعْرِفُهُ
[ ٣٨٤ ]
فَحَدَّثَهُ مَرَّةً بَعْضُ أَهْلِهِ بِحَدِيثٍ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهُ فِي غَدٍ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَقَالَ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ فَقَالَ
إِنِّي لأَجْلِسُ فِي النَّادِي أُحَدِّثُهُمْ فَأَسْتَفِيقُ وَقَدْ غَالَتْنِيَ الْغُوَلُ
يَهْوِي بِقَلْبِي حَدِيثُ النَّفْسِ دُونَكُمُ حَتَّى يَقُولَ خَلِيلِي أَنْتَ مَخْبُولُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَتَزَايَدَ الأَمْرُ بِهِ حَتَّى فَقَدْ عَقْلَهُ فَكَانَ لَا يَقَرُّ فِي مَوْضِعٍ وَلا يُؤْوِيهِ رَحْلٌ وَلا يَعْلُوهُ ثَوْبٌ إِلا مَزَّقَهُ وَصَارَ لَا يَفْهَمُ شَيْئًا مِمَّا يُكَلَّمُ بِهِ إِلا أَنْ تُذْكَرَ لَهُ لَيْلَى فَإِذَا ذُكِرَتْ أَجَابَ النِّدَاءَ بِهِ وَرَجَعَ عَقْلُهُ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ رَوَى رَبَاحُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ قَالَ لَمَّا كَثُرَ ذِكْرُ الْمَجْنُونِ لِلَيْلَى وَاشْتَهَرَ أَمْرُهُ اجْتَمَعَ إِلَى أَبِيهِ أَهْلُهُ وَكَانَ سَيِّدًا فَقَالُوا لَهُ زَوِّجْ قَيْسًا فَإِنَّهُ سَيَكُفُّ عَنْ ذِكْرِ لَيْلَى وَيَنْسَاهَا فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَبُوهُ التَّزْوِيجَ فَأَبَى وَقَالَ لَا حَاجَةَ لِي إِلَى ذَلِكَ فَأَتَى لَيْلَى بَعْضُ فِتْيَانِ الْقَوْمِ مِمَّنْ كَانَ يَحْسُدُ قَيْسًا وَيُعَادِيهِ فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ
وَجَاءَ الْمَجْنُونُ كَمَا كَانَ يَجِيءُ فَحَجَبَتْهُ وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي عَلامَ هَجَرْتِنِي وَأَيَّ أُمُورِي فِيكِ يَا لَيْلُ أَرْكَبُ
أَأَقْطَعُ حَبْلَ الْوَصْلِ فَالْمَوْتُ دُونَهُ أَمْ اشْرَبُ رَنْقًا مِنْكُمُ لَيْسَ يُشْرَبُ
أَمْ أهرب حَتَّى لايرى لِي مُجَاوِرٌ أَمْ افْعَلُ مَاذَا أَمْ أَبُوحُ فَأُغْلَبُ
[ ٣٨٥ ]
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَدَائِبٌ أَفُكِّرُ مَا جُرْمِي إِلَيْهَا فَأَعْجَبُ
قَالَ فَبَلَغَهَا قَوْلُهُ فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ صَدَقَ وَاللَّهِ قَيْسٌ حَيْثُ يَقُولُ
وَمَنْ يُطِعِ الْوَاشِينَ لَا يَتْرُكُوا لَهُ صَدِيقًا وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبَ الْمُقَرَّبَا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ لَمَّا ظَهَرَ مِنَ الْمَجْنُونِ مَا ظَهَرَ وَرَأَى قَوْمُهُ مَا ابْتُلِيَ بِهِ اجْتَمَعَ قَوْمُهُ إِلَى أَبِيهِ وَقَالُوا يَا هَذَا قَدْ تَرَى مَا ابْتُلِيَ بِهِ ابْنُكَ فَلَوْ خَرَجَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَعَادَ بِبِيتِ اللَّهِ وَزَارَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَا اللَّهَ ﷿ رَجَوْنَا أَنْ يَرْجِعَ عَقْلُهُ وَيُعَافِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَخَرَجَ أَبُوهُ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَجَعَلَ يَطُوفُ بِهِ وَيَدْعُو اللَّهَ لَهُ بِالْعَافِيَةِ وَهُوَ يَقُولُ
دَعَا الْمَحْرُمُونَ اللَّهَ يَسْتَغْفِرُونَهُ بِمَكَّةَ وَهْنًا أَنْ سَتُمْحَى ذُنُوبُهَا
وَنَادَيْتُ أَنْ يَا رَبِّ أَوَّلُ سُؤْلَتِي لِنَفْسِيَ لَيْلَى ثُمَّ أَنْتَ حَسِيبُهَا
فَإِنْ أُعْطَ لَيْلَى فِي حَيَاتِيَ لَا يَتُبْ إِلَى اللَّهِ خَلْقٌ تَوْبَةً لَا أَتُوبُهَا
حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَنَى نَادَى مُنَادٍ مِنْ تِلْكَ الْخِيَامِ يَا لَيْلَى فَخَرَّ قَيْسٌ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ وَنَضَحُوا عَلَى وَجْهِهِ الْمَاءَ وَأَبُوهُ يَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ ثُمَّ أَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ
وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى فَهَيَّجَ أَطْرَافَ الْفُؤَادِ وَمَا يَدْرِي
دَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِرًا كَانَ فِي صَدْرِي
[ ٣٨٦ ]
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ وَغَيْثٍ الْبَاهِلِيِّ وَأَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ دَأْبٍ عَنْ رَبَاحٍ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ قَالَ خَرَجْتُ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِمِنَى إِذَا بِجَمَاعَةٍ عَلَى جَبَلٍ مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ فَصَعَدْتُ إِلَيْهِمْ فَإِذَا فِيهِمْ فَتَى أَبْيَضُ حَسَنُ الْوَجْهِ وَقَدْ عَلاهُ الصَّفَارُ وَبَدَنُهُ نَاحِلٌ وَهُمْ يَمْسِكُونَهُ
فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا هَذَا قَيْسٌ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَجْنُونُ خَرَجَ بِهِ أَبُوهُ لَمَّا بُلِيَ بِهِ يَسْتَجِيرُ لَهُ بِبِيتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَقَبْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَهُ
قُلْتُ لَهُمْ فَمَا لَكُمْ تُمْسِكُونَهُ قَالُوا نَخَافُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ جِنَايَةً تُتْلِفُهُ قَالَ وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ دَعَونِي أَتَنَسَّمُ صَبَا نَجْدٍ فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ لَيْسَ يَعْرِفُكَ فَلَوْ شِئْتَ دَنَوْتَ مِنْهُ فَأَخْبَرْتَهُ أَنَّكَ قَدْ قَدِمْتَ مِنْ نَجْدٍ وَأَخْبَرْتَهُ عَنْهَا قُلْتُ نَعَمْ أَفْعَلُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالُوا يَا قَيْسُ هَذَا رَجُلٌ قَدِمَ مِنْ نَجْدٍ قَالَ فَتَنَفَّسَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ كَبِدَهُ قَدْ تَصَدَّعَتْ ثُمَّ جَعَلَ يُسَائِلُنِي عَنْ مَوْضِعٍ مَوْضِعٍ وَوَادٍ وَادٍ فَأَنَا أُخْبِرُهُ وَهُوَ يَبْكِي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
أَلا حَبَّذَا نَجْدٌ وَطِيبُ تُرَابِهِ وَأَرْوَاحُهُ إِنْ كَانَ نَجْدٌ عَلَى الْعَهْدِ
أَلا لَيْتَ شِعْرِي عَنْ عُوَارِضَتَيْ قَنَا بِطُولِ اللَّيَالِي هَلْ تَغَيَّرَتَا بَعْدِي وَعَنْ جَارَتْيَنَا بِالْبَتِيلِ إِلَى الْحِمَى عَلَى عَهْدِنَا أَمْ لَمْ يَدُومَا عَلَى الْعَهْدِ وَعَنْ عُلُوِيَّاتِ الرِّيَاحِ إِذَا جَرَتْ بِرِيحِ الْخُزَامَى هَلْ تَهُبُّ عَلَى نَجْدِ
وَعَنْ أُقْحَوَانِ الرَّمْلِ مَا هُوَ صَانِعٌ إِذَا هُوَ أَثْرَى لَيْلَةً بِثَرَى جَعْدِ
[ ٣٨٧ ]
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ الأَعْرَابِيُّ لَمَّا شَبَّبَ الْمَجْنُونُ بِلَيْلَى وَشَهَّرَ بِحُبِّهَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَمَنَعُوهُ مِنْ مُحَادَثَتِهَا وَزِيَارَتِهَا وَتَهَدَّدُوهُ وَأَوْعَدُوهُ بِالْقَتْلِ فَكَانَ يَأْتِي امْرَأَةً فَتَعْرِفُ لَهُ خَبَرَهَا فَنَهَوْا تِلْكَ الْمَرْأَةَ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ يَأْتِي غَفَلاتِ الْحَيِّ فِي اللَّيْلِ
فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ خَرَجَ أَبُو لَيْلَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا يَنَالُهُمْ مِنْ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ وَسَأَلُوهُ الْكِتَابَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَيْهِمْ يَمْنَعُهُ مِنْ كِلامِ لَيْلَى
فَكَتَبَ لَهُمْ مَرْوَانُ كِتَابًا إِلَى عَامِلِهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُحْضِرَ قَيْسًا وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ فِي تَرْكِ زِيَارَةِ لَيْلَى فَإِنْ أَصَابَهُ أَهْلُهَا عِنْدَهُمْ فَقَدْ أَهْدَرُوا دَمَهُ
فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى عَامِلِهِ بَعَثَ إِلَى قَيْسٍ وَأَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَجَمَعَهُمْ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ مَرْوَانَ وَقَالَ لِقَيْسٍ اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ لَا يَذْهَبْ دَمُكَ هَدْرًا فَانْصَرَفَ قَيْسٌ وَهُوَ يَقُولُ
أَلا حُجِبَتْ لَيْلَى وَآلَى أَمِيرُهَا عَلَيَّ يَمِينًا جَاهِدًا لَا أَزُورُهَا
وَأَوْعَدَنِي فِيهَا رِجَالٌ أَبُوهُمْ أَبِي وَأَبُوهَا خُشِّنَتْ لِي صُدُورُهَا
عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّهَا وَأَنَّ فُؤَادِي عِنْدَ لَيْلَى أَسِيرُهَا
فَلَمَّا أَيِسَ مِنْهَا وَعَلِمَ أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا صَارَ شَبِيهًا بِالتَّائِهِ الْعَقْلِ وَأَحَبَّ الْخُلْوَةَ وَحَدِيثَ النَّفْسِ وَتَزَايَدَ الأَمْرُ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ وَلَعِبَ بِالْحَصَا وَالتُّرَابِ وَلَمْ يَكُنْ
[ ٣٨٨ ]
يَعْرِفُ شَيْئًا إِلا ذِكْرَهَا وَقَوْلُ الشِّعْرِ فِيهَا وَبَلَغَهَا مَا صَارَ إِلَيْهِ قَيْسٌ فَجَزِعَتْ أَيْضًا لِفُرَاقِهِ وَضَنِيَتْ ضَنًى شَدِيدًا
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاذٍ النُّمَيْرِيُّ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ اسْتَعْمَلَ رَجُلا مِنْ قَيْسٍ على صدقَات كَعْب ابْن رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ وَهُمْ قَيْسٌ وَالْحَرِيشُ وَجَعْدَةُ فَسَمِعَ بِخَبَرِ قَيْسِ بْنِ مُعَاذٍ وَهُوَ مَجْنُونُ بَنِي عَامِرٍ فَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ فَأُتِيَ بِهِ فَسَاءَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَاسْتَنْشَدَهُ فَأَنْشَدَهُ فَأُعْجِبَ بِهِ وَقَالَ لَهُ الْزَمْنِي فَلَكَ أَنْ أَحْتَالَ لَكَ فِي أَمْرِ لَيْلَى حَتَّى أَجْمَعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا فَلازَمَهُ وَكَانَ يَأْتِيهِ فَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ
وَكَانَ لَبَنِي عَامِرٍ مُجْتَمَعٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَكَانَ الْوَالِي يَخْرُجُ مَعَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ لِئَلا يَكُونَ بينهُمُ اخْتِلافٌ فَحَضَرَ الْوَقْتُ فَقَالَ قَيْسٌ لِلْوَالِي أَتَأْذَنُ لِي فِي الْخُرُوجِ مَعَكَ إِلَى هَذَا الْمُجْتَمَعِ فَأَذِنَ لَهُ
فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ رَهْطِ قَيْسٍ فَقَالُوا لَهُ إِنَّمَا سَأَلَكَ الْخُرُوجَ مَعَكَ لِيَرَى لَيْلَى وَيُكَلِّمَهَا وَقَدِ اسْتَعْدَى عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِهَا وَأَهْدَرَ لهُمُ السُّلْطَانُ دَمَهُ إِنْ أَتَاهُمْ فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ مَنَعَهُ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِقَلائِصَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَرَدَّهَا وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَأَنْشَأَ يَقُولُ
رَدَدْتُ قَلائِصَ الْقُرَشِيِّ لَمَّا بَدَا لِي النَّقْضُ مِنْهُ لِلْعُهُودِ
سَعَوْا لِلْجَمْعِ ذَاكَ وَخَلَّفُونِي إِلَى حُزْنٍ أُعَالِجُهُ شَدِيدِ
فَلَمَّا عَلِمَ قَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ وَأَنْ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا ذَهَبَ عَقْلُهُ وَصَارَ لَا يَلْبِسُ ثَوْبًا إِلا خَرَقَهُ وَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ عُرْيَانًا لَا يَعْقِلُ شَيْئًا مِمَّا يُكَلَّمُ بِهِ وَلا يُصَلِّي فَلَمَّا رَأَى أَبُوهُ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ خَافَ عَلَيْهِ التَّلَفَ فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ فَجَعَلَ يَأْكُلُ لَحْمَهُ وَيَضْرِبُ بِنَفْسِهِ الأَرْضَ
[ ٣٨٩ ]
فَلَمَّا رَأَى أَبُوهُ ذَلِكَ حَلَّ قَيْدَهُ وَخَلَّاهُ فَكَانَ يَدُورُ فِي فَيَافِيهِمْ عُرْيَانًا وَيَلْعَبُ بِالتُّرَابِ وَكَانَتْ لَهُ دَايَةٌ لَمْ يَكُنْ يَأْنَسُ بِأَحَدٍ غَيْرَهَا وَكَانَتْ تَأْتِيَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِرَغِيفٍ وَمَاءٍ فَتَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرُبَّمَا أَكَلَهُ وَرُبَّمَا تَرَكَهُ وَلَمْ يَأْكُلْهُ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ السَّكَنِ عَنْ يُونُسَ النَّحْوِيِّ قَالَ لَمَّا اخْتَلَطَ قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ وَزَالَ عَقْلُهُ وَامْتَنَعَ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ صَارَتْ أُمُّهُ إِلَى لَيْلَى فَقَالَتْ لَهَا إِنَّ ابْنِي جُنَّ مِنْ أَجْلِكِ وَذَهَبَ حُبُّكِ بِعَقْلِهِ وَقَدِ امْتَنَعَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنْ رَأَيْتِ أَنْ تَصِيرِي مَعِي إِلَيْهِ فَلَعَلَّهُ إِذَا رَآكِ أَنْ يَسْكُنَ بَعْضُ مَا يَجِدُ فَقَالَتْ لَهَا أَمَّا نَهَارًا فَلا يُمْكِنُنِي ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَاءِ ذَلِكَ لَمْ آمَنْهُمْ عَلَى نَفْسِي وَلَكِنِّي سَأَصِيرُ إِلَيْهِ فِي اللَّيْلِ
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ صَارَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ مُطْرِقٌ يَهْذِي فَقَالَتْ لَهُ يَا قَيْسُ إِنَّ أُمَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي وَأَصَابَكَ مَا أَصَابَكَ قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَتَنَفَّسَ الصَّعْدَاءَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
قَالَتْ جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي فَقُلْتُ لَهَا الْحُبُّ أَعْظَمُ مِمَّا بِالْمَجَانِينِ
الْحُبُّ لَيْسَ يُفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ وَإِنَّمَا يُصْرَعُ الْمَجْنُونُ فِي الْحِينِ
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى زِيَادَةٌ
لَوْ تَعْلَمِينَ إِذَا مَا غِبْتِ مَا سَقَمِي وَكَيْفَ تَسْهَرُ عَيْنِي لَمْ يَلُومُونِي
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا ابْنُ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ
[ ٣٩٠ ]
أَبِيهِ قَالَ وَلِيَ نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقٍ صَدَقَاتِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ فَنَزَلَ بِمَجْمَعٍ مِنْ تِلْكَ الْمَجَامِعِ فَرَأَى قَيْسَ بْنَ مُعَاذٍ الْمَجْنُونَ وَهُوَ يَلْعَبُ بِالتُّرَابِ فَدَنَا مِنْهُ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ يُجِيبُهُ بِخِلافِ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهِ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُكَلِمَكَ كَلامًا صَحِيحًا فَاذْكُرْ لَهُ لَيْلَى فَقَالَ لَهُ نَوْفَلُ أَتُحِبُّ لَيْلَى قَالَ نَعَمْ قَالَ فَحَدِّثْنِي حَدِيثَكَ مَعَهَا قَالَ فَجَعَلَ يَنْشُدُهُ شِعْرَهُ فِيهَا فَأَنْشَأَ يَقُولُ
وَشُغِلْتُ عَنْ فَهْمِ الْحَدِيثِ سِوَى مَا كَانَ فِيكِ فَأَنْتُمْ شُغُلِي
وَأُدِيمُ نَحْوَ مُحَدِّثِي لِيَرَى أَنْ قَدْ فَهِمْتُ وَعِنْدَكُمْ عَقْلِي
وَأَنْشَدَ
سَرَتْ فِي سَوَادِ الْقَلْبِ حَتَّى إِذَا انْتَهَى بِهَا السَّيْرُ وَارْتَادَتْ حِمَى الْقَلْبِ حَلَّتِ
فَلِلْعَيْنِ تِسْكَابٌ إِذَا الْقَلْبُ مَلَّهَا وَلِلْقَلْبِ وِسْوَاسٌ إِذَا الْعَيْنِ مَلَّتِ
وَوَاللَّهِ مَا فِي الْقَلْبِ شَيْءٌ مِنَ الْهَوَى لأُخْرَى سِوَاهَا أَكْثَرَتْ أَمْ أَقَلَّتِ
وَأَنْشَدَ
ذَكَرْتُ عَشِيَةَ الصَّدَفَيْنِ لَيْلَى وَكُلَّ الدَّهْرِ ذِكْرَاهَا جَدِيدُ
عَلَيَّ أَلِيَّةٌ إِنْ كُنْتُ أَدْرِي أَيَنْقُصُ حُبَّ لَيْلَى أَمْ يَزِيدُ
فَلَمَّا رَأَى نَوْفَلُ ذَلِكَ مِنْهُ أَدْخَلَهُ بَيْتًا وَقَيَّدَهُ وَقَالَ أُعَالِجُهُ فَأَكَلَ لَحْمَ ذَرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ فَحَلَّهُ وَأَخْرَجَهُ
فَكَانَ يَأْوِي مَعَ الْوُحُوشِ وَكَانَ لَهُ دَايَةٌ رَبَّتْهُ صَغِيرًا وَكَانَ لَا يَأْلَفُ غَيْرُهَا وَلا يَقْرَبُ مِنْهُ أَحَدٌ سِوَاهَا فَكَانَتْ تَخْرُجُ فِي طَلَبِهِ فِي الْبَادِيَةِ وَتَحْمِلُ لَهُ الْخُبْزَ وَالْمَاءَ فَرُبَّمَا أَكَلَ بَعْضَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يَأْكُلْ
[ ٣٩١ ]
فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ ابْن مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاذٍ النُّمَيْرِيُّ قَالَ لَقِيَ مَجْنُونَ بَنِي عَامر الْأَحْوَص ابْن مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ لَهُ حَدَّثَنِي حَدِيثَ عُرْوَةَ بْنِ حُزَامٍ قَالَ فَجَعَلَ الأَحْوَصُ يُحَدِّثُهُ وَهُوَ يَسْمَعُ حَتَّى فَرِغَ مِنْ حَدِيثِهِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
عَجِبْتُ لِعُرْوَةَ الْعُذِرِيِّ أَمْسَى أَحَادِيثًا لَقَوْمٍ بَعْدَ قَوْمِ
وَعُرْوَةُ مَاتَ يَوْمًا مُسْتَرِيحًا وَهَأَنَذَا أَمُوتُ بِكُلِّ يَوْمِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّالَقَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى الأَزْدِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ دَخَلَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَجَعَلَ يَنْشُدُهُ شِعْرًا فِي عَزَّةَ وَعَيْنَاهُ تَذْرُفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا كُثَيِّرُ هَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا أَعْشَقَ مِنْكَ قَالَ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجْتُ مَرَّةً أَسِيرُ فِي الْبَادِيَةِ عَلَى بَعِيرٍ لِي يُوضَعُ فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ إِذْ رَفَعَ لِي شَخْصٌ فَأَمَمْتُهُ فَإِذَا رجل قد نصب شركا للطباء وَقَعَدَ بَعِيدًا مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ فَقُلْتُ لَهُ مَا أجلسك هَا هُنَا فَقَالَ نَصَبْتُ شَرَكًا لِلظِّبَاءِ فَأَنَا أَرْصُدُهُ فَقُلْتُ إِنْ أَقَمْتُ لَدَيْكَ فِصِدْتَ أَطْعَمْتَنِي فَقَالَ إِيهًا وَاللَّهِ
[ ٣٩٢ ]
قَالَ فَنَزَلْتُ وَعَقَلْتُ نَاقَتِي وَجَلَسْتُ أُحَدِّثُهُ فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ خَلْقِ اللَّهِ حَدِيثًا وَأَرَقُّهُ وَأَجْزَلُهُ
قَالَ فَمَا لَبِثْنَا أَنْ وَقَعَتْ ظِبْيَةٌ فِي الشَّرَكِ فَوَثَبَ وَوَثَبْتُ مَعَهُ فَخَلَّصَهَا مِنَ الْحَبَائِلِ ثُمَّ نَظَرَ فِي وَجْهِهَا مَلِيًّا ثُمَّ أَطْلَقَهَا وَأَنْشَأَ يَقُولُ
أَيَا شِبْهَ لَيْلَى لَنْ تُرَاعِي فَإِنَّنِي لَكَ الْيَوْمَ مِنْ بَيْنَ الْوُحُوشِ صَدِيقُ
وَيَا شِبْهَ لَيْلَى لَنْ تَزَالِي بِرَوْضَةٍ عَلَيْكِ سَحَابٌ دَائِمٌ وَبُرُوقُ
فَمَا أَنَا إِذْ أَشْبَهْتِهَا ثُمَّ لَمْ تَؤُبْ سَلِيمًا عَلَيْهَا فِي الْحَيَاةِ شَفِيقُ
فَفِرِّ فَقَدْ أَطْلَقْتُ عَنْكِ لِحُبِّهَا فَأَنْتِ لِلَيْلَى مَا حَيِيتُ طَلِيقُ
ثُمَّ أَصْلَحَ شَرَكَهُ وَعُدْنَا إِلَى مَوْضِعِنَا
فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْرِفَ أَمْرَ هَذَا الرَّجُلِ فَأَقَمْنَا بَاقِي يَوْمِنَا فَلَمْ يَقَعْ لَنَا شَيْءٌ فَلَمَّا أَمْسَيْنَا قَامَ إِلَى غَارٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ وَقُمْتُ مَعَهُ فَبِتْنَا بِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا فَنَصَبَ شَرَكَهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ وَقَعَتْ ظِبْيَةٌ شَبِيهَةٌ بِأُخْتِهَا بِالأَمْسِ فَوَثَبَ إِلَيْهَا وَوَثَبْتُ مَعَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا مِنَ الشَّرَكِ وَنَظَرَ فِي وَجْهِهَا مَلِيًّا ثُمَّ أَطْلَقَهَا فَمَرَّتْ فَأَنْشَأَ يَقُولُ
اذْهَبِي فِي كَلاءَةِ الرَّحْمَنِ أَنْتِ مِنِّي فِي ذِمَّةٍ وَأَمَانِ
تُرْهِبِينِي وَالْجِيدُ مِنْكِ لِلَيْلَى وَالْحَشَا وَالْبُغَامُ وَالْعَيْنَانِ
لَا تَخَافِي بِأَنْ تُهَاجِي بِسُوءٍ مَا تَغَنَّى الْحَمَامُ فِي الأَغْصَانِ
[ ٣٩٣ ]
ثُمَّ عُدْنَا إِلَى مَوْضِعِنَا فَلَمْ يَقَعْ يَوْمَنَا ذَلِكَ شَيْءٌ فَلَمَّا أَمْسَيْنَا صِرْنَا إِلَى الْغَارِ فَبِتْنَا فِيهِ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَا إِلَى شَرَكَهِ وَغَدَوْتُ مَعَهُ فَنَصَبَهُ وَقَعَدْنَا نَتَحَدَّثُ وَقَدْ شَغَلَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِحُسْنِ حَدِيثِهِ عَنِ الْجُوعِ فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَحَدَّثُ إِذْ وَقَعَتْ فِي الشَّرَكِ ظِبْيَةٌ فَوَثَبَ إِلَيْهَا وَوَثَبْتُ مَعَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا مِنَ الشَّرَكِ ثُمَّ نَظَرَ فِي وَجْهِهَا وَأَرَادَ أَنْ يُطْلِقَهَا فَقَبَضْتُ عَلَى يَدِهِ وَقُلْتُ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَعْمَلَ أَقَمْتُ لَدَيْكَ ثَلاثًا كُلَّمَا صِدْتَ شَيْئًا أَطْلَقْتُهُ قَالَ فَنَظَرَ فِي وَجْهِي وَعَيْنَاهُ تَذْرُفَانِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
أَتَلْحَى مُحِبًّا هَائِمَ الْقَلْبِ أَنْ رَأَى شَبِيهًا لِمَنْ يَهْوَاهُ فِي الْحَبْلِ مُوثَقَا
فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ تَذَكَّرَ شَجْوَهُ وَذَكَّرَهُ مَنْ قَدْ نَأَى فَتَشَوَّقَا
فَرِحِمْتُهُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَكَيْتُ لِبُكَائِهِ وَنَسَبْتُهُ فَإِذا هُوَ قيس ابْن مُعَاذٍ الْمَجْنُونُ
فَذَاكَ وَاللَّهِ أَعْشَقُ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ عَنِ الْعُمَرِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ أَنبأَنَا عُثْمَان ابْن عُمَارَةَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ مِنْ بَنِي مُرَّةَ قَالَ رَحَلَ رَجُلٌ مِنَّا إِلَى نَاحِيَةِ الشَّامِ مِمَّا يَلِي تَيْمَاءَ وَالشَّرَاةَ فِي طَلَبِ بُغْيَةٍ لَهُ فَإِذَا هُوَ بِخَيْمَةٍ قَدْ رُفِعَتْ لَهُ وَقَدْ أَصَابَهُ مَطَرٌ فَعَدَلَ إِلَيْهَا فَتَنَحْنَحَ فَإِذَا امْرَأَةٌ قَدْ كَلَّمَتْهُ فَقَالَتْ لَهُ انْزِلْ فَنَزَلَ وَرَاحَتْ إِبِلُهُمْ وَغَنَمُهُمْ فَإِذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ وَإِذَا رِعَاءٌ كَثِيرٌ فَقَالَتْ لِبَعْضِ الْعَبِيدِ سَلُوا هَذَا الرَّجُلَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ فَقُلْتُ مِنْ نَاحِيَةِ الْيَمَامَةِ وَنَجْدٍ فَقَالَتْ أَيَّ بِلادِ نَجْدٍ وَطِئْتَ فَقُلْتُ كُلَّهَا فَقَالَتْ عِنْدَ مَنْ نَزَلْتَ هُنَاكَ قلت ببني عَامر فتنتفست الصَّعْدَاءَ وَقَالَتْ بِأَيِّ بَنِي عَامِرٍ فَقُلْتُ بِبَنِي الْحَرِيشِ فَاسْتَعْبَرَتْ ثُمَّ
[ ٣٩٤ ]
قَالَتْ هَلْ سَمِعْتَ بِذِكْرِ فَتًى يُقَالُ لَهُ قَيْسٌ وَيُلَقَّبُ بِالْمَجْنُونِ فَقُلْتُ إِي وَاللَّهِ وَنَزَلْتُ بِأَبِيهِ وَأَتَيْتُهُ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ يَهِيمُ فِي تِلْكَ الْفَيَافِي وَيَكُونُ مَعَ الْوُحُوشِ لَا يَعْقِلُ وَلا يَفْهَمُ إِلا أَنْ تُذْكَرَ لَهُ لَيْلَى فَيَبْكِي وَيُنْشِدُ أَشْعَارًا يَقُولُهَا فِيهَا قَالَ فَرَفَعَتِ السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا فَإِذَا شَقَّةُ قَمَرٍ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهَا فَبَكَتْ وَانْتَحَبَتْ حَتَّى ظَنَنْتُ وَاللَّهِ
أَنَّ قَلْبَهَا قَدِ انْصَدَعَ
فَقُلْتُ لَهَا أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ اتَّقِي اللَّهَ فَوَاللَّهِ مَا قُلْتُ بَأْسًا فَمَكَثَتْ طَوِيلا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنَ الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ ثُمَّ قَالَتْ
أَلا لَيْتَ شِعْرِي وَالْخُطُوبُ كَثِيرَةٌ مَتَى رَحْلُ قَيْسٍ مُسْتَقِلٌّ فَرَاجِعُ
بِنَفْسِيَ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِرَحْلِهِ وَمَنْ هُوَ إِنْ لَمْ يَحْفَظِ اللَّهَ ضَائِعُ
ثُمَّ بَكَتْ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَفَاقَتْ قُلْتُ مَنْ أَنْتِ يَا أَمَةَ اللَّهِ قَالَتْ أَنَا لَيْلَى الْمَشْئُومَةُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُسَاعِدَةِ لَهُ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ الْخَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مُصْعَبٍ قَالَ خَرَجَ الْمَجْنُونُ مَعَ قوم فِي سفر فبيناهم يَسِيرُونَ إِذْ تَشَعَبَّتْ لَهُمْ طَرِيقٌ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ لَيْلَى فَقَالَ الْمَجْنُونُ لأَصْحَابِهِ إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَحُطُّوا وَتَرْعَوْا وَتَنْتَظِرُونِي حَتَّى آتِي الْمَاءَ فَأَبَوْا عَلَيْهِ وعذلوه فَقَالَ لَهُم أنْشدكُمْ الله لَوْ أَنَّ رَجُلا صَحِبَكُمْ وَتَحَرَّمَ بكم فأضل بعيره أَكُنْتُم مقميين عَلَيْهِ يَوْمًا حَتَّى يَطْلُبَ بَعِيرَهُ قَالُوا نَعَمْ فَقَالَ فَوَاللَّهِ لَلَيْلَى أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْبَعِيرِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
أَأَتْرُكُ لَيْلَى لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا سِوَى لَيْلَةٍ إِنِّي إِذَنْ لَصَبُورُ
هِبُونِي امْرأَ مِنْكُمْ أَضَلَّ بَعِيرَهُ لَهُ ذِمَّةٌ إِنَّ الذمام كَبِير
[ ٣٩٥ ]
وللصاحب لامتروك أَعْظَمُ حُرْمَةً عَلَى صَاحِبٍ مِنْ أَنْ يَضِلَّ بَعِيرُ
عَفَا اللَّهُ عَنْ لَيْلَى الْغَدَاةَ فَإِنَّهَا إِذَا وَلِيَتْ حُكْمًا عَلَيَّ تَجُورُ
قَالَ فَأَقَامُوا عَلَيْهِ حَتَّى مَضَى وَرَجَعَ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو غَالِبِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ قَالَ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ خَرَجَ الْمَجْنُونُ فِي عِدَّةٍ مِنْ قَوْمِهِ يُرِيدُونَ سَفَرًا لَهُمْ فَمَرُّوا فِي طَرِيقٍ يَتَشَعَّبُ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا يَنْزِلُهُ رَهْطُ لَيْلَى وَفِيهِ زِيَادَةُ مَرْحَلَةٍ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوا مَعَهُ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ فَأَبَوْا فَمَضَى وَحْدَهُ وَقَالَ أَأَتْرُكُ لَيْلَى فَذَكَرَ الأَبْيَاتَ
وَقَدْ رَوَى الْعُتْبِيُّ قَالَ مَرَّ الْمَجْنُونُ يَوْمًا بِزَوْجِ لَيْلَى وَهُوَ جَالِسٍ يَصْطَلِي فِي يَوْمٍ شَاتٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ
بِرَبِّكَ هَلْ ضَمَمْتَ إِلَيْكَ لَيْلَى قُبَيْلَ الصُّبْحِ أَوْ قَبَّلْتَ فَاهَا
وَهَلْ رَفَّتْ عَلَيْكَ قُرُونُ لَيْلَى رَفِيفَ الأَقْحَوَانَةِ فِي نَدَاهَا
فَقَالَ اللَّهُمَّ إِذْ حَلَّفْتَنِي فَنعم فَقبض الْمَجْنُون بكلتي يَدَيْهِ قَبْضَةً مِنَ الْجَمْرِ فَمَا فَارَقَهَا حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَسَقَطَ الْجَمْرُ مَعَ لَحْمِ رَاحَتَيْهِ
[ ٣٩٦ ]
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ رُزَامٍ قَالَ وَفَدَ فَتًى مِنْ نَهْدٍ يُقَالُ لَهُ صَبَاحُ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الْمُلَوَّحِ أَبِي قَيْسٍ الْمَجْنُونِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَخَبَّرَهُ بِنَسَبِهِ وَقَالَ لَهُ إِنِّي قَدْ وَفَدْتُ مِنْ بَلَدِي لأَنْظُرَ إِلَى قَيْسٍ وَأَسْمَعُ مِنْ شِعْرِهِ فَمَا فَعَلَ
فَبَكَى الشَّيْخُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ سَكَنَ وَقَالَ أَنَّى لَكَ بِقَيْسٍ إِنَّ قَيْسًا عَشِقَ ابْنَةَ عَمٍّ لَهُ وَإِنَّهُ جُنَّ عَلَى رَأْسِهَا فَهُوَ لَا يَأْنَسُ بِأَحِدٍ يَرِدُ مَعَ الْوُحُوشِ يَوْمَ وُرُودِهَا وَيَصْدِرُ مَعَهَا إِذَا صَدَرَتْ وَلَكِن هَا هُنَا شَابٌّ يَذْهَبُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَهُوَ يَأْنَسُ بِهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا يَقُولُ وَقَدْ حَفِظَ لَهُ قَصِيدَةً يُقَالُ لَهَا الْمُؤْنِسَةُ فَإِذَا أَنْشَدَهُ إِيَّاهَا أَنِسَ بِهِ وَحَدَّثَهُ فَإِنْ شِئْتَ فَصِرْ إِلَيْهِ
قَالَ صَبَاحُ فَصِرْتُ إِلَى الْفَتَى فَرَحَّبَ بِي وَسَأَلَنِي عَنْ حَالِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لِي أَتَرْوِي لِقَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ شَيْئًا فَإِنَّ الْمَجْنُونَ مُسْتَهْتِرٌ بِشِعْرِهِ قُلْتُ أَنَا أَحْفَظُ النَّاسِ لِشِعْرِ قَيْسٍ قَالَ فَصِرْ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَاطْلُبُهُ فِي تِلْكَ الْفَيَافِي فَإِنَّكَ تَجِدْهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا رَآكَ سَوْفَ يَنْفِرُ مِنْكَ وَيَهْوِي إِلَيْكَ بِحَجَرٍ فَلا يَهُولَنَّكَ وَاقْعُدْ كَأَنَّكَ لَا تُرِيدُهُ فَإِذَا رَأَيْتَهُ قَدْ سَكَنَ فَاذْكُرْ لَهُ لَيْلَى فَإِنَّهُ سَيَرْجِعُ إِلَى عَقْلِهِ وَيُرَاجِعُ صِحَّتَهُ وَيُحَدِّثُكَ عَنْ حَالِهِ ثُمَّ أَنْشِدْهُ مِنْ شَعْرِ قَيْسٍ شَيْئًا فَإِنَّهُ مَشْغُوفٌ بِهِ
[ ٣٩٧ ]
قَالَ صَبَاحُ فَفَعَلْتُ الَّذِي أَوْصَانِي بِهِ الْفَتَى وَلَمْ أَزَلْ أَطْلُبُهُ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عُرْيَانٍ قَدْ سَقَطَ شَعْرُ رَأْسِهِ عَلَى حَاجِبَيْهِ وَإِذَا هُوَ قَدْ حَظَرَ حَظِيرَةً مِنْ تُرَابٍ وَهُوَ قَاعِدٌ فِي وَسَطِهَا وَإِلَى جَانِبِهِ أَحْجَارٌ وَهُوَ يُخَطِّطُ بِإِصْبِعِهِ فِي الأَرْضِ فَلَمَّا رَآنِي أَهْوَى إِلَى حَجَرٍ وَوَثَبَ لِيَقُومَ فَقَعَدْتُ نَاحِيَةً أَرْمِي بِبَصَرِي إِلَى غَيْرِهِ وَلا أَحْفَلُ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ إِلَى عَبَثِهِ وَتَخْطِيطِهِ فَقُلْتُ لَهُ أَتَعْرِفُ لَيْلَى قَالَ بِأَبِي وَاللَّهِ هِيَ فَكَيْفَ لَا أَعْرِفُهَا
قُلْتُ لِلَّهِ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ حَيْثُ يَقُولُ
وَإِنِّي لَمُفْنِ دَمْعَ عَيْنِيَ بِالْبُكَا حَذَارًا لِمَا قَدْ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنُ
وَقَالُوا غَدًا أَوْ بَعْدَ ذَاكَ بِلَيْلَةٍ فِرَاقُ حَبِيبٍ لَمْ يَبِنْ وَهُوَ بَائِنُ
وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مَنِيَّتِي بِكَفَّيْكِ إِلا أَنَّ مَا حُمَّ حَائِنُ
فَقَالَ أَنَا وَاللَّهِ أَشْعَرُ مِنْهُ حَيْثُ أَقُولُ
نَعَبَ الْغُرَابُ بِبِينَ لَيْلَى إِنَّهُ كَانَ الْكِتَابُ بِبَيْنِهِمْ مَخْطُوطَا
أَصْبَحْتُ مِنْ أَهْلِي الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ كَالسَّهْمِ أَصْبَحَ رِيشُهُ مَمْرُوطَا
ثُمَّ وَثَبَ مُسْرِعًا إِلَى ظِبَاءٍ سَنَحَتْ لَهُ فَغَابَ عَنِّي فَتَبِعْتُهُ فَجَعَلْتُ أَقْفُو أَثَرَهُ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ فَمَا وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ غَدَوْتُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَجَعَلْتُ أَطُوفُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْفَيَافِي حَتَّى إِذَا جَنَّنِي اللَّيْلُ انْصَرَفْتُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ طَلَبْتُهُ فَإِذَا أَنَا بِهِ عُرَيَانٌ بَيْنَ أَحْجَارٍ مَيِّتٌ
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُخَارِيُّ وأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالا أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ رَجُلا مِنْ
[ ٣٩٨ ]
أَهْلِ الشَّامِ كَانَ لَهُ أَدَبٌ وَإِنَّهُ ذُكِرَ لَهُ الْمَجْنُونُ فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ فَأَحَبَّ أَنْ يَرَاهُ وَأَنْ يَسْمَعَ مِنْ شِعْرِهِ فَخَرَجَ يُرِيدُهُ حَتَّى إِذَا صَارَ إِلَى حَيِّهِ سَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَا يُؤْوِيهِ مَكَانٌ وَأَنَّهُ يَكُونُ مَعَ الْوَحْشِ قَالَ فَكَيْفَ لِي بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ قِيلَ إِنَّهُ لَا يَقِفُ لأَحَدٍ حَتَّى يُكَلِّمَهُ إِلا لِدَايَةٍ لَهُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ رَبَّتْهُ فَكَلَّمَ دَايَتَهُ وَرَاسَلَهَا فَخَرَجَتْ مَعَهُ تَطْلُبُهُ فِي مَظَانِّهِ الَّتِي كَانَ يَكُونُ فِيهَا فِي الْبَرِّيَةِ فَطَلَبُوهُ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ثُمَّ غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي يَطْلُبُونَهُ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَشْرَفُوا عَلَى وَادٍ كَثِيرِ الْحِجَارَةِ وَإِذَا بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَادِي بَيْنَ الْحِجَارَةِ مَيِّتًا فَاحْتَمَلَهُ الرَّجُلُ وَدَايَتُهُ حَتَّى أَتَيَا بِهِ الْحَيَّ فَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَدَفَنُوهُ
وَقَدْ حُكِيَ فِي مَوْتِ مَجْنُونِ بَنِي عَامِرٍ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ
فَذُكِرَ أَنَّ كُثَيِّرًا قَالَ بَيَّنَّا أَنَا عِنْدَ مَجْنُونِ بَنِي عَامِرٍ جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ تَعَزَّ يَا قَيْسُ قَالَ عَمَّنْ قَالَ عَنْ لَيْلَى فَقَامَ إِلَى بَعِيرِهِ وَقُمْتُ إِلَى بَعِيرِي ثُمَّ أَتَيْنَا الْحَيَّ فَأَرْشَدَنَا إِلَى قَبْرِهَا فَأَقْبَلَ يُقَبِّلُهُ وَيَلْتَزِمَهُ وَيَشُمُّ تُرَابَهُ وَيَنْشِدُ الشِّعْرَ ثُمَّ شَهَِقَ فَمَاتَ فَدَفَنْتُهُ سِيَاقُ أَبْيَاتٍ مِنْ مُسْتَحْسَنِ شِعْرِهِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الْمَدِينِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُصْعَبًا الزُّبَيْرِيُّ يَقُولُ كَانَ مَجْنُونُ بَنِي عَامِرٍ يَسِيحُ مَعَ الْوَحْشِ وَيَنْثِرُ الشِّعْرَ نَثْرًا وَكَانَ الرُّكْبَانُ يَتَلَقَّوْنَ مِنْهُ الشِّعْرَ فَيَرْوُونَهُ
[ ٣٩٩ ]
قَالَ ابْنُ خَلَفٍ قَالَ الْقَحْذَمِيُّ لما قَالَ الْمَجْنُون
قَضَاهَا لغير وَابْتَلانِي بِحُبِّهَا فَهَلَّا بِشَيْءٍ غَيْرِ لَيْلَى ابْتَلانِيَا سُلِبَ عَقْلُهُ
قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَأَنْشَدَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِلْمَجْنُونِ
أَلا أَيُّهَا الْقَلْبُ الَّذِي لَجَّ هَائِمًا وَلِيدًا بِلَيْلَى لَمْ تُقَطَّعْ تَمَائِمُهْ
أَفِقْ قَدْ أَفَاق الواجدون وَقد ال لِدَائِكَ أَنْ يَلْقَى طَبِيبًا يُلائِمُهْ
وَمَالك مَسْلُوبَ الْعَزَاءِ كَأَنَّمَا تَرَى نَأْيَ لَيْلَى مَغْرَمًا أَنْتَ غَارِمُهْ
أَجَدَّكَ لَا يُنْسِيكَ لَيْلَى مُلِمَّةٌ تُلِمُّ وَلا يُنْسِيكَ عَهْدًا تَقَادُمُهْ
قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَأَنْشَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ لِلْمَجْنُونِ
دَعَاكَ الْهَوَى وَالشَّوْقُ حَتَّى تَرَنَّمَتْ هُتُوفُ الضُّحَى بَيْنَ الْغُصُونِ طَرُوبُ
تُجَاوِبُ وُرْقًا قَدْ أُرْعِنَ لِصَوْتِهَا فَكُلٌّ لِكُلٍّ مُسْعِدٌ وَمُجِيبُ
أَلا يَا حَمَامَ الأَيْكِ مَالَكَ بَاكِيًا أَفَارَقْتَ إِلْفًا أَمْ جَفَاكَ حَبِيبُ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعَدِّلُ قَالَ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ وَذَكَرَ مَجْنُونَ بَنِي عَامِرٍ فَقَالَ هُوَ قَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ ثُمَّ قَالَ لَمْ يَكُنْ مَجْنُونًا وَإِنَّمَا كَانَتْ بِهِ لَوْثَةٌ وَهُوَ الْقَائِلُ
[ ٤٠٠ ]
وَلَمْ أَرَ لَيْلَى بَعْدَ مَوْقِفِنَا الَّذِي بِخَيْفِ مِنًى تَرْمِي جِمَارَ الْمُحَصَّبِ
وَيُبْدِي الْحَصَا مِنْهَا إِذَا قَذَفَتْ بِهِ مِنَ الْبُرْدِ أَطْرَافَ الْبَنَانِ الْمُخَضَّبِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالا أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ سُوَيْدٍ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر ابْن الأَنْبَارِيُّ قَالَ أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى لِقَيْسِ بْنِ مُعَاذٍ
إِذَا قَرُبَتْ دَارٌ كَلِفْتُ وَإِنْ نَأَتْ أَسِفْتُ فَلا بِالْقُرْبِ أَسْلُو وَلا الْبُعْدِ
وَإِنْ وَعَدَتْ زَادَ الْهَوَى لانْتِظَارِهَا وَإِنْ بَخِلَتْ بِالْوَعْدِ مِتُّ عَلَى الْوَعْدِ فَفِي كُلِّ حُبّ لَا مَحَالَةَ فَرْحَةٌ وَحُبُّكِ مَا فِيهِ سِوَى مُحْكَمِ الْجَهْدِ
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِلَيْلَى يَوْمًا فَلَمَّا حَانَ فِرَاقُهَا أَنْشَدَ هَذِهِ الأَبْيَاتَ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الأَرْدَسْتَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْحُسَيْنَ بْنَ أَحْمَدَ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ الأَنْبَارِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ الْعَبَّاس ابْن سَالِمٍ الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ الأَعْرَابِيِّ قَالَ وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ يَعْنِي مَجْنُونَ بَنِي عَامِرٍ
وَجَاءُوا إِلَيْهِ بِالتَّعَاوِيذِ وَالرُّقَّى وَصَبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ مِنْ أَلَمِ النُّكْسِ قَالُوا بِهِ مِنْ أَعْيُنِ الْجِنِّ نَظْرَةٌ وَلَوْ عَقَلُوا قَالُوا بِهِ أَعْيُنِ الإِنْسِ
وَحُكِيَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لأَبِيهِ اطْلُبْ لَهُ طَبِيبًا فَأَتَاهُ بِطَبِيبٍ فَأَنْشَأَ قَيْسٌ يَقُولُ
أَلا يَا طَبِيبَ النَّفْسِ أَنْتَ طَبِيبُهَا فَرِفْقًا بِنَفْسٍ قَدْ جَفَاهَا حَبِيبُهَا
دَعَتْنِي دَوَاعِي حُبِّ لَيْلَى وَدُونَهَا ذُرًى فَقَدَ جِسْمُ الْحُزْنِ مِنْهَا قُلُوبُهَا
[ ٤٠١ ]
فَلَبَّيْكِ مِنْ دَاعٍ دَعَا وَلَوْ أَنَّنِي صَدًى بَيْنَ أَحْجَارٍ لَظَلَّ يجيبها
وَمَا هَجَرَتْكِ النَّفْسُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا قَلَتْكِ وَلَكِنْ قَلَّ مِنْكِ نَصِيبُهَا
وَلَهُ فِي قَصِيدَةٍ
سَقَى اللَّهُ جَارَاتٍ لِلَيْلَى تَبَاعَدَتْ بِهِنَّ النَّوَى حَيْثُ احْتَلَلْنَ الْمَطَالِيَا
بِثَمْدِينَ لاحَتْ نَارُ لَيْلَى وَصُحْبَتِي بِقَرْعِ الْغَضَا تزج الْمَطِيَّ الْخَوَافِيَا
فَقَالَ بَصِيرُ الْقَوْمِ لَمْحَةُ كَوْكَبٍ بَدَا فِي سَوَادِ اللَّيْلِ فَرْدًا يَمَانِيَا
فَقُلْتُ لَهُمْ بَلْ نَارُ لَيْلايَ أُوقِدَتْ بِعَلْيَا تَسَامَى ضَوْءُهَا فَبَدَا لِيَا
بَلَى نَارُ لَيْلَى يَا خَلِيلَيَّ أَرَيْتُمَا الْقِلاصَ فَلا تَأْوُوا لَهُنَّ وَلا لِيَا
أَشَوْقًا وَلَمَّا يَمْضِ لِي غَيْرُ لَيْلَةٍ رُوَيْدَ الْهَوَى حَتَّى تَغِبَّ لَيَالِيَا
خَلِيلَيَّ لَا وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ الْبُكَا إِذَا عَلَمٌ مِنْ أَرْضِ لَيْلَى بَدَا لِيَا
خَلِيلَيَّ لَا وَاللَّهِ لَا أَمْلِكُ الَّذِي قَضَى اللَّهُ فِي لَيْلَى وَلا مَا قَضَى لِيَا
قَضَاهَا لَغَيْرِي وَابْتَلانِي بِحُبِّهَا فَهَلَّا بِشَيْءٍ غَيْرِ لَيْلَى ابْتَلانِيَا
وَخَبَّرْتُمَانِي أَنَّ تَيْمَاءَ مَنْزِلٌ لِلَيْلَى إِذَا مَا الصَّيْفُ أَلْقَى الْمَرَاسِيَا فَهَذِي شُهُورُ الصَّيْفِ أَمْسَتْ قَدِ انْقَضَتْ فَمَا لِلْنَوَى تَرْمِي بِلَيْلَى الْمَرَامِيَا فَلَوْ كَانَ وَاشٍ بِالْيَمَامَةِ دَارُهُ وَدَارٌ بأعلا حَضْرَمَوْتَ اهْتَدَى لِيَا وَمَاذَا لَهُمْ لَا أَحْسَنَ اللَّهُ حِفْظَهُمْ مِنَ الْحَظِّ فِي تَصْرِيمِ لَيْلَى حَبَالِيَا
وَقَدْ كُنْتُ أَعْلُو حُبَّ لَيْلَى فَلَمْ يَزَلْ بِيَ النَّقْضُ وَالإِبْرَامُ حَتَّى عَلانِيَا
فَيَا رَبِّ سَوِّ الْحُبَّ بَيْنِي وَبَيْنَهَا يَكُونُ كِفَافًا لَا عَلَى وَلا لِيَا
فَمَا طَلَعَ النَّجْمُ الَّذِي يُهْتَدَى بِهِ وَلا الصُّبْحُ إِلا هَيَّجَا ذِكْرَهَا لِيَا
[ ٤٠٢ ]
وَلا سِرْتُ مَيْلا مِنْ دِمَشْقَ وَلا بَدَا سُهَيْلٌ لأَهْلِ الشَّامِ إِلا بَدَا لِيَا
وَلا سُمِّيَتْ عِنْدِي لَهَا مِنْ سَمِّيَةٍ مِنَ النَّاسِ إِلا بَلْ دَمْعِي رِدَائِيَا
وَلا هَبَّتِ الرِّيحُ الْجَنُوبِ مِنْ أَرْضِهَا مِنَ اللَّيْلِ إِلا بِتُّ لِلْرِيحِ حَانِيَا
وَيَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرْتُ طُولَهُ بِلَيْلَى فَأَلْهَتْنِي وَمَا كُنْتُ لاهِيَا
فَيَا لَيْلَ كَمْ مِنْ حَاجَةٍ لِي مِهُمَّةٍ إِذَا جِئْتُكُمْ بِاللَّيْلِ لَمْ أَدْرِ مَاهِيَا
خَلِيلَيَّ إِلا تَبْكِيَا لِي أَلْتَمِسُ خَلِيلا إِذَا أَنْزَفْتُ دَمْعِيَ بَكَى لِيَا
فَقَدْ يَجْمَعُ اللَّهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعْدَمَا يَظُنَّانِ جَهْدَ الظَّنِّ أَلا تَلاقِيَا
فَإِنْ تَمْنَعُوا لَيْلَى وَتَحْمُوا بِلادَهَا عَلَيَّ فَلَنْ تَحْمُوا عَلَيَّ الْقَوَافِيَا
فَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِبُّهَا فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا
قَضَى اللَّهُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْهَا لِغَيْرِنَا وَبِالشَّوْقِ مِنَّا وَالْعَنَاءِ قَضَى لِيَا
وَإِنَّ الَّذِي أَمَّلْتُ مِنْ أُمِّ مَالِكٍ أَشَابَ قَذَالِي وَاسْتَهَامَ فُؤَادِيَا
أَعُدُّ اللَّيْالِي لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ وَقَدْ عِشْتُ دَهْرًا لَا أَعُدُّ اللَّيَالِيَا
وَأَخْرُجُ مِنْ بَيْنَ الْبُيُوتِ لَعَلَّنِي أُحَدِّثُ عَنْكِ النَّفْسَ يَا لَيْلُ خَالِيَا
إِذَا سِرْتُ أَرْضًا بِالْفَضَاءِ رَأَيْتُنِي أَصَانِعُ رَحْلِي أَنْ تَمِيلَ حِيَالِيَا
يَمِينًا إِذَا كَانَتْ يَمِينًا وَإِنْ تَكُنْ شِمَالا يُنَازِعُنِي الْهَوَى مِنْ شِمَالِيَا
أَرَانِي إِذَا صَلَّيْتُ يَمَّمْتُ نَحْوَهَا بِوَجْهِي وَإِنْ كَانَ الْمُصَلَّى وَرَائِيَا
[ ٤٠٣ ]
وَمَا بِي إِشْرَاكٌ وَلَكِنْ حُبُّهَا كَعَظْمِ الشَّجَا أَعْيَى الطَّبِيبَ الْمُدَاوِيَا
أُحِبُّ مِنَ السَّمَاءِ مَا وَافَقَ اسْمُهَا وَأَشْبَهُهُ أَوْ كَانَ مِنْهُ مُدَانِيَا
خَلِيلَيَّ لَيْلَى أَكْبَرُ الْحَاجِّ وَالْمُنَى فَمَنْ لِي بِلَيْلَى أَوْ فَمَنْ ذَا بِهَا لِيَا
فَقَدْ طَالَ مَا أَلْبَثَتْنِي عَنْ صَحَابَتِي وَعَنْ حَوْجِ قَضَاؤُهَا مِنْ شِفَائِيَا
لَعَمْرِي لَقَدْ أَبْكَيْتِنِي يَا حَمَامَةَ ال عقيق وَأَبْكَيْتِ الْعُيُونَ الْبَوَاكِيَا
وَكُنْتُ رَبِيطَ الْجَأْشِ مَا تَسْتَفِزُّنِي رِيَاحُ الصَّبَا لَوْ نَحَتْ نَوْحًا مُدَانِيَا
فَأَصْبَحْتُ بَعْدَ الإِنْسِ صَاحِبَ جِنَّةٍ تَجَاوَزْنَ بِي عَرْضَ النِّعَافِ الْفَيَافِيَا
خَلِيلَيَّ مَا أَرْجُو مِنَ الْعَيْشِ بَعْدَمَا أَرَى حَاجَتِي تُشْرَى وَلا تُشْتَرَى لِيَا وَتُجْرِمُ لَيْلَى ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّنِي سَلَوْتُ وَلا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ مَا بِيَا
فَلَمْ أَرَ مِثْلَيْنَا خَلِيلَيَّ جِنَايَةً أَشَدُّ عَلَيَّ رَغْمَ الْعَدُوِّ تَصَافِيَا
خَلِيلانِ لَا نَرْجُو لِقَاءَ وَلا تَرَى خَلِيلَيْنِ إِلا يَرْجُوَانِ تَلاقِيَا
وَإِنِّي لأَسْتَحْيِيكَ أَنْ أَعْرِضَ الْمُنَى بِوَصْلِكِ أَوْ أَنْ تُعْرِضِي فِي الْمُنَى لِيَا
يَقُولُ أُنَاسٌ عَلَّ مَجْنُونُ عَامِرٍ يَرُومُ سُلُوًّا قُلْتُ إِنِّي لِمَا بِيَا
بِيَ الْيَأْسُ أَوْ دَاءُ الْهُيَامِ أَصَابَنِي فَإِيَّاكَ عَنِّي لَا يَكُنْ بِكَ مَا بِيَا
إِذَا مَا طَوَاكِ الدَّهْرُ يَا أُمَّ مَالِكٍ فَشَأْنُ الْمَنَايَا الْقَاضِيَاتِ وَشَأْنِيَا إِذَا اكْتَحَلَتْ عَيْنِي بِعَيْنِكِ لَمْ تَزَلْ بِخَيْرٍ وَجَلَتْ غَمْرَةٌ عَنْ فؤاديا
وَأَنت الَّذِي إِن شِئْت أشقيت عيشتي وَإِن شِئْت بعد الله أَنْعَمت بَالِيًا
[ ٤٠٤ ]
وَأَنت الَّتِي مَا من صديق وَلَا أَخٍ يَرَى نَضْوَ مَا أَبْقَيْتِ إِلا أَوَى لِيَا
وَإِنِّي لأَسْتَغْشِي وَمَا بِي نَعْسَةٌ لَعَلَّ خَيَالا مِنْكِ يَلْقَى خَيَالِيَا
هِيَ السِّحْرُ إِلا أَنَّ لِلْسِحْرِ رُقْيَةٌ وَإِنِّي لَا أَلْقَى لِسِحْرِي رَاقِيَا إِذَا نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَأَنْتِ أَمَامَنَا كَفَى لِمَطَايَانَا بِذْكَرَاكِ هَادِيَا
ذَكَتْ نَارُ شَوْقٍ فِي فُؤَادِي فَأَصْبَحَتْ لَهَا وَهَجٌ مُسْتَضْرَمٌ فِي فُؤَادِيَا
أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْيَمَانُونَ عَرِّجُوا عَلَيْنَا فَقَدْ أَمْسَى هَوَانَا يَمَانِيَا
نُسَائِلُكُمْ هَلْ سَأَلَ نُعْمَانُ بَعْدَنَا وَحَبَّ إِلَيْنَا بَطْنُ نُعْمَانَ وَادِيَا
أَلا يَا حَمَامَيْ بَطْنَ نُعْمَانَ هِجْتُمَا عَلَيَّ الْهَوَى لَمَّا تَغَنَّيْتُمَا لِيَا
أَلا أُيُّهَا الْقُمْرِيَّتَانِ تَجَاوَبَا بِلَحْنَيْكُمَا ثُمَّ اسْجِعَا عَلِّلانِيَا
فَإِنْ أَنْتُمَا اسْتَطْرَبْتُمَا وَأَرَدْتُمَا لِحَاقًا بِأَطْلالِ الْغَضَا فَاتَّبِعَانِيَا
أَلا لَيْتَ شِعْرِي مَا لِلَيْلَى وَمَا لَنَا وَمَا لِلْصَبَا مِنْ بَعْدِ شَيْبٍ عَلانِيَا
أَلا أَيُّهَا الْوَاشِي بِلَيْلَى أَلا تَرَى إِلَى مَنْ تَشِيهَا أَوْ بِمَنْ جِئْتَ وَاشِيَا
إِذَا نَحْنُ رُمْنَا هَجْرَهَا ضَمَّ حُبُّهَا ضَمِيمَ الْحَشَا ضَمَّ الْجِنَاحُ الْخَوَافِيَا
لَئِنْ ظَعَنَ الأَحْبَابُ يَا أُمَّ مَالِكٍ لَمَا ظَعَنَ الْحُبُّ الَّذِي فِي فُؤَادِيَا
فَيَارَبِّ إِذْ صَيَّرْتَ لَيْلَى هِيَ الْمُنَى فَزِنِي بِعَيْنَيْهَا كَمَا زِنْتَهَا لِيَا
وَإِلا فَبَغِّضْهَا إِلَيَّ وَأَهْلَهَا فَإِنِّي بِلَيْلَى قَدْ لَقِيتُ الدَّوَاهِيَا
أَلا لَا أُحِبُّ السَّيْرَ إِلا مُصَاعِدًا وَلا الْبَرْقَ إِلا أَنْ يَكُونَ يَمَانِيَا
عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ وَإِنْ كُنْتُ مِنْ لَيْلَى عَلَى الْيَأْسِ طَاوِيَا
خَلِيلَيَّ إِنْ ضَنُّوا بِلَيْلَى فَقَرِبَا لِي النَّعْشَ وَالأَكْفَانَ وَاسْتَغْفِرَا لِيَا
[ ٤٠٥ ]
أَلا يَا حَمَامَ الطَّلْحِ إِنْ كُنْتَ بَاكِيَا فَمِلآنُ فَاهْتَجْ إِنَّنِي قَدْ أَنَى لِيَا
فَيَا أَخَوَيَّ حَزْمٍ أَلَمَّا هُدِيتُمَا عَلَى حَاضِرِي الرِّيَانِ ثُمَّ اذْكُرَانِيَا
وَلَهُ
وَإِنِّي لمَجْنُون بليلى مُوكل وَلست عزوفا عَنْ هَوَاهَا وَلا جَلْدَا
إِذَا ذُكِرَتْ لَيْلَى بَكَيْتُ صَبَابَةً لِتِذْكَارِهَا حَتَّى يَبُلَّ الْبُكَا الْخَدَّا
وَيُرْوَى لَهُ فِي أُخْرَى
أَيَا حَرَجَاتِ الْحَيّ يَوْم تحملوا بِذِي سلم لَا جَادَكُنَّ رَبِيعُ
إِلَى اللَّهِ أَشْكُو أَنَّهُ شُقَّتِ الْعَصَا هِيَ الْيَوْم شَتَّى وَهِي أمس جمع
فَإِنَّ انْهِمَالَ الْعَيْنِ يَا لَيْلُ كَلُمَّا ذَكَرْتُكِ وَحْدِي خَالِيًا لَسَرِيعُ
فَلَوْ لَمْ يَهِجْنِي الظَّاعِنُونَ لَهَاجَنِي حَمَائِمُ وُرْقٍ فِي الدِّيَارِ وُقُوعُ
تُجَاوَبْنَ فَاسْتَبْكَيْنِ مَنْ كَانَ ذَا هَوَى نَوَائِحُ مَا تَجْرِي لَهُنَّ دُمُوعُ
لَعَمْرُكِ إِنِّي يَوْمَ جَرْعَاءَ مَالِكٍ لَعَاصٍ لأَمْرِ الرَّاشِدِينَ مُضِيعُ
مَضَى زَمَنٌ وَالنَّاسُ يَسْتَشْفِعُونَ بِي فَهَلْ لِي إِلَى لَيْلَى الْغَدَاةِ شَفِيعُ
نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي فَقَدْتُنِي كَمَا يَنْدُمُ الْمَغْبُونُ حِينَ يَبِيعُ
فَقَدْتُكِ مِنْ نَفْسٍ شُعَاعٍ فَإِنَّمَا نَهَيْتُكِ عَنْ هَذَا وَأَنْتِ جَمِيعُ
فَقَرَّبْتِ لِي غَيْرَ الْقَرِيبِ وَأَشْرَفْتِ مُنَاكِ ثَنَايَا مَا لَهُنَّ طُلُوعُ
وَلَهُ
يَقَرُّ بَعَيْنِي قُرْبُهَا وَيَزِيدُنِي بِهَا عَجَبًا مَنْ كَانَ عِنْدِي يَعِيبُهَا
فَكَمْ قَائِلٍ فِيكُمْ قَرِيبٌ عَصِيتُهُ وَتِلْكَ لَعَمْرِي تَوْبَةٌ لَا أَتُوبُهَا
فَيَا نَفْسُ صبرا لست وَالله فاعلميه بِأَوَّلِ نَفْسٍ غَابَ عَنْهَا حَبِيبُهَا
[ ٤٠٦ ]
وَلَهُ
تَجَنَّبْتُ لَيْلَى أَنْ يَلِجَّ بِكَ الْهَوَى وَهَيْهَاتَ كَانَ الْحُبُّ قَبْلَ التَّجَنُّبِ
وَلَمْ أَرَ لَيْلَى قَبْلَ مَوْقِفِ سَاعَةٍ بِبَطْنِ مِنًى تَرْمِي جِمَارَ الْمُحَصَّبِ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
وَأَلْقَى مِنَ الْحُبِّ الْمُبَرَّحِ سَوْرَةً لَهَا بَيْنَ جِلْدِي وَالْعِظَامُ دَبِيبُ
لَقَدْ شَفَّ هَذِي النَّفْسَ أَنْ لَيْسَ بَارِحًا لَهَا شَجَنٌ مَا يُسْتَطَاعُ قَرِيبُ
فَلا تَتْرُكِي نَفْسِي شُعَاعًا فَإِنَّهَا مِنَ الْوَجْدِ قَدْ كَادَتْ عَلَيْكَ تَذُوبُ