أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ الإِبَرِيِّ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ المقرىء قَالَ حَدثنَا أَحْمد ابْن يَحْيَى ثَعْلَبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَالِيَةِ الشَّامِيُّ قَالَ سَأَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ عَنِ الْعِشْقِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ سَوَانِحُ تَسْنَحُ لِلْمَرْءِ فَيَهْتَمُّ بِهَا قَلْبُهُ وَتُؤْثِرُهَا نَفْسُهُ قَالَ فَقَالَ لَهُ ثُمَامَةُ اسْكُتْ يَا يَحْيَى إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تُجِيبَ فِي مَسْأَلَةِ طَلاقٍ أَوْ مُحْرِمٍ صَادَ ظَبْيًا أَوْ قَتَلَ نَمْلَةً فَأَمَّا هَذِهِ فَمَسَائِلُنَا نَحْنُ
فَقَالَ لَهُ الْمأْمُونُ قُلْ يَا ثُمَامَةُ مَا الْعِشْقُ
فَقَالَ لَهُ ثُمَامَةُ الْعِشْقُ جَلِيسٌ مُمْتِعٌ وَأَلِيفٌ مُؤْنِسٌ وَصَاحِبُ مُلْكٍ مَسَالِكُهُ لَطِيفَةٌ وَمَذَاهِبُهُ غَامِضَةٌ وَأَحْكَامُهُ جَائِرَةٌ مَلَكَ الأَبْدَانَ وَأَرْوَاحَهَا وَالْقُلُوبَ وَخَوَاطِرَهَا وَالْعُيُونَ وَنَوَاظِرَهَا وَالْعُقُولَ وَآرَاءَهَا وَأُعْطِيَ عَنَانَ طَاعَتِهَا وَقَوْدَ تَصَرُّفِهَا تَوَارَى عَنِ الأَبْصَارِ مَدْخَلُهُ وَعَمِيَ فِي الْقُلُوبِ مَسْلَكُهُ
[ ٢٩٠ ]
فَقَالَ لَهُ الْمأْمُونُ أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ يَا ثُمَامَةُ وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عبد الله المقرىء قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بْنِ هَارُونَ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو رَوْقٍ الْهِزَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ لَمَّا اجْتَمَعَ ثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ وَيَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ عِنْدَ الْمأْمُونِ قَالَ لِيَحْيَى خَبِّرْنِي عَنِ الْعِشْقِ مَا هُوَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سوانح تسنح العاشق يُؤْثِرُهَا وَيَهِيمُ بِهَا تُسَمَّى عِشْقًا
فَقَالَ لَهُ ثُمَامَةُ يَا يَحْيَى أَنْتَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ أَبْصَرُ مِنْكَ بِهَذَا وَنَحْنُ بِهَذَا أَحْذَقُ مِنْكَ
قَالَ الْمأْمُونُ فَهَاتِ مَا عِنْدَكَ
فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا امْتَزَجَتْ جَوَاهِرُ النُّفُوسِ بِوَصْلِ الْمُشَاكَلَةِ نَتَجَتْ لَمْحَ نُورٍ سَاطِعٍ تَسْتَضِيءُ بِهِ بَوَاصِرُ الْعَقْلِ وَيُتَصَّوَرُ مِنْ ذَلِكَ اللَّمْحِ نُورٌ خَاصٌّ بِالنَّفْسِ مُتَصَّلٌ بِجَوَاهِرِهَا يُسَمَّى عِشْقًا
فَقَالَ لَهُ الْمأْمُونُ هَذَا وَأَبِيكَ الْجَوَابُ
أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْبَنَّا قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا بُنْدَارٌ عَنِ الأَصْمَعِيِّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ فَقَالَ لِي يَا أَصْمَعِيُّ إِنِّي أَرِقْتُ لَيْلَتِي هَذِهِ فَقُلْتُ مِمَّ أَنَامَ اللَّهُ عَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
فَقَالَ فَكَّرْتُ فِي الْعِشْقِ مِمَّ هُوَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فَصِفْهُ لِي حَتَّى أَخَالَهُ جِسْمًا مُجَسَّمًا
[ ٢٩١ ]
قَالَ الأَصْمَعِيُّ لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ عِنْدِي قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ شَيْءٌ فَأَطْرَقْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قُلْتُ نَعَمْ يَا سَيِّدِي إِذَا تَقَادَحَتِ الأَخْلاقُ الْمُتَشاكِلَةُ وَتَمَازَجَتِ الأَرْوَاحُ الْمُتَشَابِهَةُ أُلْهِبَتْ لَمْحَ نُورٍ سَاطِعٍ يَسْتَضِيءُ بِهِ الْعَقْلُ وَتَهْتَزُّ لإِشْرَاقِهِ طِبَاعُ الْحَيَاةِ وَيُتَصَّوَرُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ خَلْقٌ خَاصٌّ بِالنَّفْسِ مُتَصِّلٌ بِجَوْهَرِيَّتِهَا يُسَمَّى الْعِشْقُ
فَقَالَ أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ يَا غُلامُ أَعْطِهِ وَأَعْطِهِ وَأَعْطِهِ
فَأُعْطِيتُ ثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْعَلافِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْخُلْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الطوسي قَالَ حَدثنِي عَليّ ابْن عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيُّ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدِينِيُّ قُلْتُ لأَبِي زُهَيْرٍ الْمَدِينِيُّ مَا الْعِشْقُ قَالَ الْجُنُونُ وَالذُّلُّ وَهُوَ دَاءُ أَهْلِ الظُّرْفِ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد ابْن الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْمَرْوَرُّوذِيُّ قَالَ وَصَفَ أَعْرَابِيٌّ الْحُبَّ فَقَالَ إِنْ لَمْ يَكُنْ جِنْسًا مِنَ الْجُنُونِ إِنَّهُ لَعُصَارَةٌ مِنَ السِّحْرِ
وَرُوِيَ عَنِ الأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي الْعِشْقِ فَمَا سَمِعْتُ أَوْجَزَ وَلا أَجْمَلَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَسُئِلَتْ عَنِ الْعِشْقِ فَقَالَتْ ذُلٌّ وَجُنُونٌ
قُلْتُ هَذِهِ صِفَةُ ثَمْرَةِ الْعِشْقِ وَمَآلِهِ
[ ٢٩٢ ]
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعِشْقَ شِدَّةُ مَيْلِ النَّفْسِ إِلَى صُورَةٍ تُلائِمُ طَبْعِهَا فَإِذَا قَوِيَ فِكْرُهَا فِيهَا تَصَوَّرَتْ حُصُولَهَا وَتَمَنَّتْ ذَلِكَ فَيَتَجَدَّدُ مِنْ شِدَّةِ الْفِكْرِ مَرَضٌ