ولحصول الْعِشْق بِهَذِهِ النَّظَرِ عَلامَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ النَّظَرُ إِلَى الْمُسْتَحْسَنِ خَفَقَ الْقَلْبُ خُفُوقًا يَكَادُ يَطِيرُ إِلَيْهِ فَإِذَا رَدَّ الإِنْسَانُ الطَّرْفَ قَلِقَ الْقَلْبُ حَتَّى يَعُودُ فَإِذَا أُطْلِقَ ثُمَّ رُدَّ فَكَّ اللِّجَامَ قَهْرًا وَعَاوَدَ النَّظَرَ
فَهَذِهِ عَلامَةُ الْعِشْقِ لَا تكَاد تخطيء
إِلا أَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِالْمَنْظُورِ فِي بَدِيهَةِ النَّظَرِ فَإِذَا رَدَّدَ نَظَرَهُ بَانَ لَهُ مِنَ الْعُيُوبِ مَا لَمْ يَكُنْ بَانَ فَزَالَ مَا كَانَ عَلِقَ بِقَلْبِهِ لأَنَّ النَّفْسَ تَصَوَّرَتْ فِي بِدَايَةِ النَّظَرِ مِنَ الصُّورَةِ معنى أعانها عَلَيْهِ تخيل الشَّهْوَةِ وَتَوَهُّمُ اللَّذَّةِ فَزَادَتِ الصِّفَةُ عَنْ مِقْدَارِ الْعِيَانِ فَإِذَا تَكَرَّرَ النَّظَرُ وَحُقِّقَ أَثْبَتَ حَقِيقَةَ الصُّورَةِ فَزَالَتْ زِيَادَاتُ التَّخَيُّلِ وَبِرْخَاشَاتُ التَّوَهُّمِ فَبَرُدَ قَلْبُ الْمُحِبِّ لِزَوَالِ التَّوَهُّمِ
[ ٥٨٤ ]
وَرُبَّ امْرَأَةٍ تُسْتَحْسَنُ فِي نِقَابِهَا فَإِذَا أَسْفَرَتْ لَمْ تُسْتَحْسَنْ
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَمِّي قَالَ حَدَّثَنَا بَعْضُ أَشْيَاخِ الْبَصْرَةِ أَنَّ رَجُلا وَامْرَأَتَهُ اخْتَصَمَا إِلَى أَمِيرٍ مِنْ أُمَرَاءِ الْعِرَاقِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ حَسَنَةَ الْمُنْتَقَبِ قَبِيحَةَ الْمَسْفَرِ وَكَانَ لَهَا لِسَانٌ فَكَأَنَّ الْعَامِلَ مَالَ مَعَهَا فَقَالَ يَعْمَدُ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَرْأَةِ الْكَرِيمَةِ فَيَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ يُسِيءُ إِلَيْهَا
فَأَهْوَى الرَّجُلُ فَألْقى النقاب عَنْ وَجْهِهَا فَقَالَ الْعَامِلُ عَلَيْكِ اللَّعْنَةُ كَلامُ مَظْلُومٍ وَوَجْهُ ظَالِمٍ