فَكَيْفَ يُحِبُّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَالآخَرُ لَا يُحِبُّهُ
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَتَّفِقُ فِي طَبْعِ الْمَعْشُوقِ مَا يُوَافِقُ طَبْعَ الْعَاشِقِ وَلا يَتَّفِقُ فِي طَبْعِ الْعَاشِقِ مَا يُلائِمُ طَبْعَ الْمَعْشُوقِ
[ ٢٩٩ ]
وَإِذَا كَانَ سَبَبُ الْعِشْقِ اتِّفَاقًا فِي الطِّبَاعِ بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعِشْقَ لَا يَكُونُ إِلا لِلأَشْيَاءِ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعِشْقُ لِنَوْعٍ مُنَاسَبَةٍ وَمُلاءَمَةٍ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ حَسَنًا عِنْدَ شَخْصٍ غَيْرَ حَسَنٍ عِنْدَ آخَرَ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ ابْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمَرْزُبَانِ إِذْنًا وَحَدَّثَنَا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانَ أَدِيبًا ظَرِيفًا طَلابَةً لِلأَدَبِ وَالْمُلْحِ قَالَ كُنْتُ يَوْمًا فِي مَجْلِسِ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ وَمَعَنَا قَيْنَةً ظَرِيفَةً حَسَنَةَ الصُّورَةِ لَهَا حُسْنٌ فَائِقٌ وَجَمَالٌ رَائِقٌ وَمَعَنَا فَتًى مِنْ أَقْبَحِ مَنْ رَأَتْهُ الْعَيْنُ وَأَحْمَقُهُ وَأَغْبَاهُ وَالْقَيْنَةُ مُقْبِلَةٌ عَلَيْهِ بِحَدِيثِهَا وَغِنَائِهَا فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا فَتًى أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَسْرَاهُ ثَوْبًا وَأَطْيَبَهُ رِيحًا فَأَقْبَلَ عَلَيَّ صَاحِبُ الْبَيْتِ فَقَالَ لِي إِنَّ فِي أَمْرِ هَذَيْنِ لَعَجَبًا قُلْتُ وَمَا ذَاكَ قَالَ هَذِهِ الْجَارِيَةُ تُحِبُّ هَذَا يَعْنِي الْقَبِيحَ الْوَجْهِ وَلَيْسَ لَهَا فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةٌ وَهَذَا الْحَسَنُ الْوَجْهِ يُحِبُّهَا وَلَيْسَ لَهُ فِي قَلْبِهَا مَحَبَّةٌ
فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى شَرَابِنَا إِذْ سُرَّ الْفَتَى الْحَسَنُ الْوَجْهَ
فَتَغَنَّى بِيَدِ الَّذِي شَغَفَ الْفُؤَادَ بِكُمْ فَرَجُ الَّذِي أَلْقَى مِنَ السُّقْمِ
فَاسْتَيْقِنِي أَنْ قَدْ كَلِفْتُ بِكُمْ ثُمَّ افْعَلِي مَا شِئْتِ عَنْ عِلْمِ
فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ فَمَهْ
ثُمَّ تَرَكَتْهُ وَأَقْبَلَتْ عَلَى الْقَبِيحِ فَلَبِثْنَا سَاعَةً فَغَنَّى الْفَتَى أَيْضًا
أَلا لَيْتَنِي أَعْمَى أَصَمَّ تَقُودُنِي بُثَيْنَةُ لَا يَخْفَى عَلَيَّ كَلامُهَا
قَالَ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ اعْطِ عَبْدَكَ مَا سَأَلَ فَغَاظَتْنِي جِدًّا وَلَمْ أَصْبِرْ فَقُلْتُ
[ ٣٠٠ ]
لَهَا يَا فَاجِرَةُ تَخْتَارِينَ هَذَا وَهُوَ أَقْبَحُ مِنْ ذُنُوبِ الْمُصِرِّينَ عَلَى هَذَا الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ مِنْ تَوْبَةِ التَّائِبِينَ
فَقَالَتْ لِي لَيْسَ الْهَوَى بِالاخْتِيَارِ ثُمَّ أَنْشَأَتْ تُغَنِّي
وَلا تَلُمِ الْمُحِبَّ عَلَى هَوَاهُ فَكُلُّ مُتَيَّمٍ كَلِفٌ عَمِيدُ
يَظُنُّ حَبِيبَهُ حَسَنًا جَمِيلا وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبُ مِنَ الْقُرُودِ
فَقُلْتُ أَجَلْ إِنَّهُ كَمَا قُلْتِ وَلَيْسَ فِي هَذَا حِيلَةٌ وَذَكَرْتُ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ
فَتَضَاحَكْنَ وَقَدْ قُلْنَ لَهَا حَسَنٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَا تَوَدُّ وَقَوْلَ آخَرَ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْحُبَّ يَسْتَعْبِدُ الْفَتَى وَيَدْعُوهُ فِي بَعْضِ الأُمُورِ إِلَى الْكُفْرِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا عبد الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَعَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالا أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بن خلف ابْن الْمَرْزُبَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَسَّامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الأَدَبِ قَالَ كَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَامِعٍ قَدْ تَزَوَّجَ بِالْحِجَازِ جَارِيَةً سَوْدَاءَ مَوْلاةً لِقَوْمٍ يُقَالُ لَهَا مَرْيَمُ فَلَمَّا صَارَ مِنَ الرَّشِيدِ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي صَارَ بِهِ اشْتَاقَ إِلَى السَّوْدَاءِ فَقَالَ يَذْكُرُهَا وَيَذْكُرُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ يَأْلَفُهَا فِيهِ ويجتمعان فِيهِ
هَل لَيْلَتي يقفا الْحَصْحَاصِ عَائِدَةٌ فِي قُبَّةٍ ذَاتِ أَشْرَاجٍ وَأَزْرَارِ
تَسْمُو مَجَامِرُهَا بِالْمُنْدَلِيِّ كَمَا تسموا بِحَنَّانَةٍ أَفْوَاجُ إِعْصَارِ
الْمِسْكُ يَبْدُو إِلَيْنَا مِنْ غَلائِلِهَا وَالْعَنْبَرُ الْوَرْدُ يُذْكِيهِ عَلَى النَّارِ
وَمَرْيَمٌ بَيْنَ أَثْوَابٍ مُنَعَّمَةٍ طَوْرًا وَطَوْرًا تُغَنِّينِي بِأَوْتَارِ
[ ٣٠١ ]
فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ وَقَدْ سَمِعَ بِشِعْرِهِ وَيْلَكَ مِنْ مَرْيَمِكَ هَذِهِ الَّتِي قَدْ وَصَفْتَهَا صِفَةَ حُورِ الْعِينِ قَالَ زَوْجَتِي فَوَصَفَهَا كَلامًا أَضْعَافَ مَا وَصَفَهَا شِعْرًا فَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ إِلَى الْحِجَازِ حَتَّى حُمِلَتْ فَإِذَا هِيَ سَوْدَاءُ طُمْطُمَانِيَّةٌ ذَاتُ مَشَافِرٍ فَقَالَ لَهُ وَيْلَكَ هَذِهِ مَرْيَمُ الَّتِي مَلأَتَ الدُّنْيَا بِذِكْرِهَا عَلَيْكَ وَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللَّهِ فَقَالَ يَا سَيِّدِي إِنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ يَقُولُ
فَتَضَاحَكْنَ وَقَدْ قُلْنَ لَهَا حَسَنٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَا تَوَدُّ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّرَّاجِ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ قَالَ أَنْشَدَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْمَعْمَرِيُّ قَالَ أَنْشَدَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ قَالَ أَنْشَدَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي لأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْفَقِيهِ
حَمَلْتُ جِبَالَ الْحُبِّ فِيكِ وَإِنَّنِي لأَعْجَزُ عَنْ حَمْلِ الْقَمِيصِ وَأَضْعَفُ
وَمَا الْحُبُّ مِنْ حُسْنٍ وَلا مِنْ سَمَاحَةٍ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ بِهِ النَّفْسُ تَكَلَّفُ