وَيَقْوَى عَلَى قَدْرِ التَّشَاكُلِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلْفَ
قَالَ وَقَدْ كَانَتِ الأَرْوَاحُ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الأَجْسَامِ فَمَالَ الْجِنْسُ إِلَى الْجِنْسِ فَلَمَّا افْتَرَقَتْ فِي الأَجْسَادِ بَقِيَ فِي كُلِّ نَفْسٍ حُبُّ مَا كَانَ مُقَارِبًا لَهَا فَإِذَا شَاهَدَتِ النَّفْسُ مِنْ نَفْسٍ نَوْعَ مُوَافَقَةٍ مَالَتْ إِلَيْهَا ظَانَّةً أَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ قَرِينَتَهَا فَإِنْ كَانَ التَّشَاكُلُ فِي الْمَعَانِي كَانَتْ صَدَاقَةً وَمَوَّدَةً وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالصُّورَةِ كَانَ عِشْقًا وَإِنَّمَا يُوجَدُ الْمَلَلُ وَالإِعْرَاضُ فِي بَعْضِ النَّاسِ لأَنَّ التَّجْرِبَةَ أَبَانَتِ ارْتِفَاعَ الْمُجَانَسَةِ وَالْمُنَاسَبَةِ وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ
وَقَائِلٌ كَيْفَ تَهَاجَرْتُمَا فَقُلْتُ قَوْلا فِيهِ إِنْصَافُ
لَمْ يَكُ مِنْ شَكْلِي فَفَارَقْتُهُ وَالنَّاسُ أَشْكَالٌ وَأُلافُ
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبْهَانَ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ النِّعَالِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الذَّارِعُ قَالَ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيُّ قَالَ قِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَيُّ الْحُبِّ أَغْلَبُ قَالَ حُبُّ مُتَشَاكِلَيْنِ
وَقَدْ رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن ابْن أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغَنَوِيُّ قَالَ خَرَجْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فَجَاءَنِي ظُرَفَاؤُهَا فَقَالُوا هَا هُنَا فَتَيَانِ تَحَابَّا وَقَدِ اعْتَلَّ أَحَدُهُمَا فَنُرِيدُ أَنْ نَعُودَهُ
[ ٢٩٧ ]
فَقُلْتُ خُذُونِي تَعُودُوا الْعَلِيلَ وَأَعُودُ الصَّحِيحَ فَمَضَيْنَا فَوَجَدْنَا فَتًى مُلْقًى عَلَى سَرِيرٍ وَفَتًى مُنْكَبًّا عَلَيْهِ يَذُبُّ عَلَيْهِ وَيَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ فَلَمَّا رَآنَا فَرَّجَ لَنَا عَنْ صَاحِبِهِ فَجَلَسَ أَصْحَابِي حَوْلَهُ وَجَلَسْتُ بِإِزَاءِ الصَّحِيحِ فَكَانَ الْعَلِيلُ إِذَا قَالَ أُوهْ مِنْ فَخْذِي قَالَ الصَّحِيحُ أُوهْ مِنْ فَخْذِي وَإِذَا قَالَ أُوهْ مِنْ يَدِي قَالَ الصَّحِيحُ أُوهْ مِنْ يَدِي إِلَى أَنْ قَالُوا قَدْ قَضَى ﵀ فَشَدَّ أَصْحَابِي لَحْيَ الْعَلِيلِ وَشَدَدْتُ لَحْيَ الصَّحِيحِ فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى دَفَنَّاهُمَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مَنْدَهْ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ قَالَ اشْتَرَى ابْنُ الْمُبَارَكِ جَارِيَةً فَأَحَبَّهَا فَحَجَّ فَكَتَبَ إِلَيْهَا
هَبَّتِ الرِّيحُ مِنَ الشَّرْقِ فَجَائَتْنِي بِرِيحِكِ فَتَنَشَّقْتُ نَسِيمَ الْعَيْشِ مِنْ طِيبِ نُفُوحِكِ
فَتَوَهَّمْتُكِ حَتَّى خِلْتُنِي بَيْنَ كُشُوحِكِ
كَيْفَ أَنْسَاكِ وَرُوحِي صُنِعَتْ مِنْ جِنْسِ رُوحِكِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبرنِي عَليّ بن صَالح ابْن نَصْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سُئِلَ ذُو الرَّيَاسَتَيْنِ عَنِ الْمَوَدَّةِ فَقَالَ إِذَا تَقَارَبَتْ جَوَاهِرُ النُّفُوسِ بَوَصْلِ الْمُشَاكَلَةِ ثَقَبَتْ لَمْحَةَ نُورٍ سَاطِعٍ فِي عَالِمِ الرُّوحِ فَبَثَّتْهُ فِي أَقْطَارِهَا تَسْتَضِيءُ بِهِ نَوَاظِرُ الْعَقْلِ وَتَهْتَزُّ لإِشْرَاقِهِ طَبَائِعُ الْحَيَاةِ فَيُتَصَوَّرُ مِنْ ذَلِكَ خَلْقٌ خَاصٌّ بِالنَّفْسِ يتَّصل بجورها يُسَمَّى الْوُدُّ قَالَ ابْنُ خَلَفٍ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدَةَ الْمَوَّدَةُ تَعَاطُفُ الْقُلُوبِ وَائْتِلافُ الأَرْوَاحِ
[ ٢٩٨ ]
وَحَنِينُ النُّفُوسِ إِلَى مُبَاثَّةِ الأَسْرَارِ وَالاسْتِرْوَاحُ بِالْمُسْتَكِنَّاتِ فِي الْغَرَائِزِ وَاسْتِيحَاشُ الأَشْخَاصِ لِتَبَايُنِ اللِّقَاءِ وَظُهُورُ السُّرُورِ بِكَثْرَةِ التَّزَاوُرِ وَعَلَى حَسْبِ مُشَاكَلَةِ الْجَوْهَرِ يَكُونُ الاتِّفَاقُ فِي الْخِصَالِ