تَنَكَّرَتْ لَهُ فَلَمْ يَعْرِفْهَا فَمَالَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ فَأَيْنَ قَوْلُكَ فِي عزة فَقَالَ لَوْ كَانَتْ عَزَّةُ لِي لَجَعَلْتُهَا مَمْلُوكَةً لَكِ
وَسَنَذْكُرُ قِصَّتَهُ هَذِهِ فِي بِابِ أَدْوِيَةِ الْعِشْقِ عِنْدَ ذِكْرِ التَّسَلِّي
وَمَنْ يَكُونُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ فَلَيْسَ بِصَادِقٍ فِي الْمَحَبَّةِ
عَلَى أَنَّ قَوْمًا قد فضلو كُثَيْرًا عَلَى جَمِيلٍ فِي الْمَحَبَّةِ بقوله
فأَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصَّوْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ مَا رَأَيْتُ بِالْحِجَازِ أَعْلَمَ مِنْهُ قَالَ حَدَّثَنِي كُثَيْرٌ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُفِيضُونَ فِيهِ وَفِي جَمِيلٍ أَيُّهُمَا أَصْدَقُ عِشْقًا وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ بِوَجْهِهِ فَفَضَّلُوا جَمِيلا فِي عِشْقِهِ فَقُلْتُ لَهُمْ ظَلَمْتُمْ كُثَيِّرًا كَيْفَ يَكُونُ جَمِيلٌ أَصْدَقُ عِشْقًا مِنْ كُثَيِّرٍ وَإِنَّمَا أَتَاهُ عَنْ بُثَيْنَةَ بَعْضُ مَا يَكْرَهُ فَقَالَ
رَمَى اللَّهُ فِي عَيْنَيْ بُثَيْنَةَ بِالْقَذَى وَفِي الْغِرِّ مِنْ أَنْيَابِهَا بِالْقَوَادِحِ
[ ٤٤٤ ]
وَالْقَوَادِحُ مَا يَنْقُبُهَا وَيَعِيبُهَا وَكُثَيِّرٌ أَتَاهُ عَنْ عَزَّةَ مَا يَكْرَهُ فَقَالَ
هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ
قَالَ فَمَا انْصَرَفُوا إِلا عَلَى تَفْضِيلِي
قُلْتُ لَعَمْرِي إِنَّ قَوْلَ كُثَيِّرٍ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ غَيْرَ أَنَّ فِعْلَهُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ اخْتِيَارِهِ غَيْرَهَا مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِهِ الْمُحْتَمَلِ لِلْصِدْقِ وَالْكَذِبِ وَالَّذِي يَصْدُرُ لَا عَنْ إِرَادَةٍ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُشَيِّعِ قَالَ خَرَجَ كُثَيِّرٌ يَلْتَمِسُ عَزَّةَ وَمَعَهُ شُنَيْنَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَأَخَذَهُ الْعَطَشُ فَتَنَاوَلَ الشُّنَيْنَةَ فَإِذَا هِيَ عَظْمٌ مَا فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ وَرُفِعَتْ لَهُ نَارٌ فَأَمَّهَا فَإِذَا بِقُرْبِهَا مَظَّلَةٌ بِفِنَائِهَا عَجُوزٌ فَقَالَتْ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا كُثَيِّرٌ قَالَتْ قَدْ كُنْتُ أَتَمَنَّى مُلاقَاتِكَ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَانِيكَ قَالَ وَمَا الَّذِي تَلْتَمِسِينَهُ عِنْدِي قَالَتْ أَلَسْتَ الْقَائِلَ
إِذَا مَا أَتَتْنَا خُلَّةٌ كَيْ نَزِيلَهَا أَبَيْنَا وَقُلْنَا الْحَاجِبِيَّةُ أَوَّلُ
قَالَ بَلَى قَالَتْ أَفَلا قُلْتَ كَمَا قَالَ سَيِّدُكَ جَمِيلٌ
يَا رُبَّ عَارِضَةٍ عَلَيْنَا وَصْلَهَا بِالْجِدِّ تَخْلِطُهُ بِقَوْلِ الْهَازِلِ
[ ٤٤٥ ]
فَأَجَبْتُهَا فِي الْقَوْلِ بَعْدَ تَأَمُّلٍ حُبِّي بُثَيْنَةَ عَنْ وِصَالِكِ شَاغِلِي
لَوْ كَانَ فِي قَلْبِي كَقَدْرِ قُلامَةٍ فَضْلٌ لِغَيْرِكِ مَا أَتَتْكِ رَسَائِلِي
قَالَ دَعِي هَذَا وَاسْقِينِي مَاءً قَالَتْ وَاللَّهِ لَا سَقَيْتُكَ شَيْئًا قَالَ وَيْحَكِ إِنَّ الْعَطَشَ قَدْ أَضَرَّ بِي قَالَتْ ثَكِلْتُ بُثَيْنَةَ إِنْ طَعِمْتَ عِنْدِي قَطْرَةً فَكَانَ جَهْدَهُ أَنْ رَكَضَ رَاحِلَتَهُ وَمَضَى يَطْلُبُ الْمَاءَ فَمَا بَلَغَهُ حَتَّى ضُحَى النَّهَارِ وَقَدْ كَرُبَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْعَطَشُ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ وَشُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالا أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الرُّمَّانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ مُرَيْدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ كُثَيِّرٌ يُرِيدُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ فَأَكْرَمَهُ وَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُ وَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ وَقَالَ سَلْنِي مَا شِئْتَ مِنَ الْحَوَائِجِ قَالَ نَعَمْ أُحِبّ أَنْ تَنْظُرَ لِي مِنْ يَعْرِفُ قَبْرَ عَزَّةَ فَيَقِفْنِي عَلَيْهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ إِنِّي لَعَارِفٌ بِهِ فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى مَوْضِعِ قَبْرِهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَجْرِيَانِ وَهُوَ يَقُولُ
وَقَفَتْ عَلَى رَبْعٍ لِعَزَّةَ نَاقَتِي وَفِي الْبُرْدِ رَشَّاشٌ مِنَ الدَّمْعِ يَسْفِحُ
فَيَا عَزُّ أَنْتِ الْبَدْرُ قَدْ حَالَ دُونَهُ رَجِيعُ التُّرَابِ وَالصَّفِيحِ الْمُضَرَّحُ
وَقَدْ كُنْتُ أَبْكِي مِنْ فُرَاقِكِ حِقْبَةً فَهَذَا لَعَمْرِي الْيَوْمَ أَنْأَى وَأَنْزَحُ
فَهَلا فَدَاكِ الْمَوْتُ مَنْ أَنْتِ زَيْنُهُ وَمَنْ هُوَ أَسْوَا مِنْكِ حَالا وَأَقْبَحُ
أَلا لَا أَرَى بَعْدَ ابْنَةِ النَّضْرِ لَذَّةً لِشَيْءٍ وَلا مِلْحًا لِمَنْ يَتَمَلَّحُ
فَلا زَالَ وَادِي رَمْسٍ عَزَّةَ سَائِلا بِهِ نِعْمَةً مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَسْفَحُ
[ ٤٤٦ ]
فَإِنَّ الَّتِي أَحْبَبْتُ قَدْ حَالَ دُونَهَا طُوَالُ اللَّيَالِي وَالضَّرِيحُ الْمُوَجَّحُ
أَرَبِّ بِعَيْنَيَّ الْبُكَا كُلُّ لَيْلَةٍ فَقَدْ كَادَ مَجْرَى دَمْعِ عَيْنِيَ يَقْرَحُ
إِذَا لَمْ يَكُنْ مَاءً تَحَلَّبَتَا دَمًا وَشَرُّ الْبُكَاءِ الْمُسْتَعَارُ الْمُمَتَّحُ