تُوجِبُ رُؤْيَتُهُ مَحَبَّتَهُ فَيُدِيمُ النَّظَرَ وَالْمُخَالَطَةَ فَيَقَعُ فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ
تَوَلَّعَ بِالْعِشْقِ حَتَّى عَشِقْ فَلَمَّا اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يُطِقْ
رَأَى لُجَّةً ظَنَّهَا مَوْجَةً فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهَا غَرِقْ
وَفِي النَّاسِ مَنْ تُوجِبُ لَهُ الرُّؤْيَةُ نَوْعَ مَحَبَّةٍ فَيُعْرِضُ عَنِ الْمَحْبُوبِ فَيَزُولُ ذَلِكَ فَإِنْ دَاوَمَ النَّظَرَ نَمَتْ كَالْجَنَّةِ إِذَا زُرِعَتْ فَإِنَّهَا إِنْ أُهْمِلَتْ يَبَسَتْ وَإِنْ سُقِيَتْ نَمَتْ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ
[ ٣٠٢ ]
أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ الْقُمِّيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ قُلْتُ لأَبِي الْعَتَاهِيَةِ حَدِّثْنِي بِقِصَّتِكَ مَعَ عُتْبَةَ فَقَالَ لِي أُحَدِّثُكَ
إِنَّا قَدِمْنَا مِنَ الْكُوفَةِ ثَلاثَةَ فِتْيَانٍ شُبَّانًا أُدَبَاءَ وَلَيْسَ لَنَا بِبَغْدَادَ مَنْ نَقْصِدُهُ فَنَزَلْنَا غُرْفَةً بِالْقُرْبِ مِنَ الْجِسْرِ فَكُنَّا نُبْكِرُ فَنَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَابِ الْجِسْرِ فِي كُلِّ غَدَاةٍ فَمَرَّتْ بِنَا يَوْمًا امْرَأَةٌ رَاكِبَةٌ مَعَهَا خَدَمٌ سُودَانُ فَقُلْنَا مَنْ هَذِهِ قَالُوا خَالِصَةُ فَقَالَ أَحَدُنَا قَدْ عَشِقْتُ خَالِصَةَ وَعَمِلَ فِيهَا شِعْرًا فَأَعَنَّاهُ عَلَيْهِ
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَرَّتْ بِنَا أُخْرَى رَاكِبَةً مَعَهَا خَدَمٌ بِيضَانُ فَقُلْنَا مَنْ هَذِهِ قَالُوا عُتْبَةُ فَقُلْتُ قَدْ عَشِقْتُ عُتْبَةَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَى أَنِ الْتَأَمَتْ لَنَا أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ
فَرَفَعَ صَاحِبِي شِعْرَهُ إِلَى خَالِصَةَ وَرَفَعْتُ أَنَا شِعْرِي إِلَى عُتْبَةَ
فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ وَأَلْحَحْنَا إِلْحَاحًا شَدِيدًا فَمَرَّةً تُقْبَلُ أَشْعَارُنَا وَمَرَّةً تُطْرَدُ إِلَى أَنْ جَدُّوا فِي طَرْدِنَا
فَجَلَسَتْ عُتْبَةُ يَوْمًا فِي أَصْحَابِ الْجَوْهَرِ وَمَضَيْتُ فَلَبِسْتُ ثِيَابَ رَاهِبٍ وَدَفَعْتُ ثِيَابِي إِلَى إِنْسَانٍ كَانَ مَعِي وَسَأَلْتُ عَنْ رَجُلٍ كَبِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ فَدُلِلْتُ عَلَى شَيْخٍ فَجِئْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي الإِسْلامِ عَلَى يَدَيْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَقَامَ مَعِي وَجَمَعَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ السُّوقِ وَجَاءَهَا فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَاقَ إِلَيْكِ خَيْرًا هَذَا الرَّاهِبُ قَدْ رَغِبَ فِي الإِسْلامِ عَلَى يَدَيْكِ
فَقَالَتْ هَاتُوهُ فَدَنَوْتُ مِنْهَا فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَقَطَعْتُ الزِّنَارَ وَدَنَوْتُ فَقَبَّلْتُ يَدَهَا فَلَمَّا فَعَلْتُ ذَلِكَ رَفَعْتُ الْبُرْنُسُ
[ ٣٠٣ ]
فَعَرَفَتْنِي فَقَالَتْ نَحُّوهُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالُوا لَا تَلْعَنِيهِ فَقَدْ أَسْلَمَ فَقَالَتْ إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِقَذَرِهِ
فَعَرَضُوا عَلَيَّ كُسْوَةً فَقُلْتُ لَيْسَ بِي حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ وَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَشْرُفَ بِوَلائِهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلِيَّ بِحُضُورِكُمْ
فَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَنِي الْحَمْدَ وَصَلَّيْتُ معَهُمُ الْعَصْرَ وَأَنَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْهَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا لَا تَقْدِرُ لِي عَلَى حِيلَةٍ
فَلَمَّا انْصَرَفَتْ لَقِيَتْ خَالِصَةَ فَشَكَتْ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَيْسَ يَخْلُو هَذَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَا عَاشِقَيْنِ أَوْ مُسْتَأْكِلَيْنِ
فَصَحَّ عَزْمُهُمَا عَلَى امْتِحَانِنَا بِمَالٍ عَلَى أَنْ نَدَعَ التَّعَرُّضَ لَهُمَا فَإِنْ قَبْلِنَا الْمَالَ فَنَحْنُ مُسْتَأْكِلانِ وَإِنْ لَمْ نَقْبَلْهُ فَنَحْنُ عَاشِقَانِ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مَرَّتْ خَالِصَةُ فَعَرَضَ لَهَا صَاحِبِي فَقَالَ الْخَدَمُ اتْبَعْنَا فَاتَّبَعَهُمْ ثُمَّ لَمْ نَلْبَثْ أَنْ مَرَّتْ عُتْبَةُ فَقَالَ لِي الْخَدَمُ اتْبَعْنَا فَاتَّبَعْتُهُمْ فَمَضَتْ بِي إِلَى مَنْزِلٍ خَلِيطٍ لَهَا بَزَّازٌ فَلَمَّا جَلَسَتْ دَعَتْ بِي فَقَالَتْ لِي يَا هَذَا إِنَّكَ شَابٌّ وَأَرَى بِكَ أَدَبًا وَأَنَا حُرْمَةُ خَلِيفَةٍ وَقَدْ تَأَبَّيْتُكَ فَإِنْ أَنْتَ كَفَفْتَ وَإِلا أَنْهَيْتُ ذَلِكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ لَمْ آمَنْ عَلَيْكَ
قُلْتُ فَافْعَلِي بِأَبِي أَنْتِ وَأُمِّي وَإِنَّكِ إِنْ سَفَكْتِ دَمِي أَرَحْتِينِي فَأَسْأَلُكِ بِاللَّهِ إِلا فَعَلْتِ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِي فِيكِ نَصِيبٌ فَأَمَّا الْحَبْسُ وَالْحَيَاةُ وَلا أَرَاكِ فَأَنْتِ فِي حَرَجٍ مِنْ ذَلِكَ
فَقَالَتْ لَا تَفْعَلْ يَا هَذَا وَأَبْقِ عَلَى نَفْسِكَ وَخُذْ هَذِه الْخَمْسمِائَةِ دِينَارٍ وَاخْرُجْ عَنْ هَذَا الْبَلَدِ فَلَمَّا سَمِعْتُ ذِكْرَ الْمَالِ وَلَّيْتُ هَارِبًا فَقَالَتْ رُدُّوهُ فَلَمْ تَزَلْ تُرَادُّنِي فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكِ مَا أَصْنَعُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَنَا لَا أَرَاكِ وَإِنَّكِ لَتُبَطِّئِينَ يَوْمًا وَاحِدًا عَنِ الرِّكُوبِ فَتَضِيقُ بِيَ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ
وَهِيَ تَأَبَى إِلا ذِكْرَ الْمَالِ حَتَّى جَعَلَتْ لِي أَلْفَ دِينَارٍ فَأَبَيْتُ وَجَاذَبْتُهَا مُجَاذَبَةً شَدِيدَةً وَقُلْتُ لَوْ أَعْطَيْتِينِي جَمِيعَ مَا يَحْوِيهِ الْخَلِيفَةُ مَا كَانَتْ لِي فِيهِ حَاجَةً وَأَنَا لَا أَرَاكِ بَعْدَ أَنْ أَجِدَ السَّبِيلَ إِلَى رُؤْيَتِكِ
[ ٣٠٤ ]
وَخَرَجْتُ فَجِئْتُ الْغُرْفَةَ الَّتِي كُنَّا نَنْزِلُهَا وَإِذَا صَاحِبِي مُوَرَّمُ الأُذُنَيْنِ وَقَدِ امْتُحِنَ بِمِثْلِ مِحْنَتِي فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْمَالِ صَفَّعُوهُ وَحَلَفَتْ خَالِصَةُ لَئِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتُودِعَنَّهُ الْحَبْسَ فَاسْتَشَارَنِي فِي الْمُقَامِ فَقُلْتُ اخْرُجْ وَإِيَّاكَ أَنْ تَقْدِرَ عَلَيْكَ ثُمَّ الْتَقَتَا فَأَخْبَرَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَاحِبَتَهَا الْخَبَرَ وَأَحْمَدَتْنِي عُتْبَةُ وَصَحَّ عِنْدَهَا أَنِّي مُحِبٌّ مُحِقٌّ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ دَعَتْنِي فَقَالَتْ بِحَيَاتِي عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تُعِزُّهَا إِلا أَخَذْتَ مَا يُعْطِيكَ الْخَادِمُ فَأَصْلَحْتَ بِهِ مِنْ شَأْنِكَ فَقَدْ غَمَّنِي سُوءُ حَالِكَ فَامْتَنَعْتُ فَقَالَتْ لَيْسَ هَذَا مِمَّا تَظُنُّ وَلَكِنْ لَا أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ فِي هَذَا الزِّيِّ فَقُلْتُ لَوْ أَمْكَنَنِي أَنْ تَرَيْنِي فِي زِيِّ الْمَهْدِيِّ لَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ فَأَخَذْتُ الصُّرَّةَ فَإِذَا فِيهَا ثَلَاثمِائَة دِينَارٍ فَاكْتَسَيْتُ كُسْوَةً حَسَنَةً وَاشْتَرَيْتُ حِمَارًا