عَلَى وَجْهِهِ فَتَقُولُ النَّفْسُ هَذَا لَيْسَ بِأَمْرَدٍ وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ فَلا بَأْسَ بِصُحْبَتِهِ وَإِنَّمَا يَقَعُ لَهَا هَذَا التَّأْوِيلُ لِمَا يَنْظُرُ مِنْ هَوَاهُ فَيُقَالُ لَهَا كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حسيبا إِنْ كَانَ لَكَ مَيْلٌ إِلَيْهِ وَعِنْدَكَ الْتِذَاذٌ بِرُؤْيَتِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الأَمْرَدِ لأَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَاكَ مَوْجُودٌ فِي هَذَا وَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا الْتَذَّ بِالنَّظَرِ إِلَى بِنْتِ شَهْرَيْنِ لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا أَوْ إِلَى ابْنِ خَمْسِينَ سَنَةً أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ عَائِشَةَ وَقَدْ سَأَلَهَا نُسْوَةٌ عَنِ الْمُسْكِرِ فَقَالَتْ لَوْ ظَنَّتْ إِحَدَاكُنَّ أَنَّ مَاءَ حُبِّهَا يُسْكِرُهَا فَلا تَشْرَبْهُ
وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الصِّبْيَانِ تحسن وجوهم بِخُرُوجِ زَغَبَاتِ الشَّعْرِ فَيَزِيدُونَ بِذَلِكَ فِي الْحُسْنِ عَلَى الْمُرْدَانِ وَقَدِ افْتَتَنَ بِهِمْ جَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ فِي حَبِيبِهِ
مَا لَهُمْ أَنْكَرُوا سَوَادًا بِخَدَّيْهِ وَلا يُنْكِرُونَ وَرْدَ الْغُصُونِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ قَالَ أَنْبَأَنَا
[ ١٢٢ ]
عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ لِنَفْسِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ
انْظُرْ إِلَى الْبَحْرِ يَجْرِي فِي لَوَاحِظِهِ وَانْظُرْ إِلَى دَعَجٍ فِي طَرْفِهِ السَّاجِي
وَانْظُرْ إِلَى شَعَرَاتٍ فَوْقَ عَارِضِهِ كَأَنَّهُنَّ نِمَالٌ دَبَّ فِي عَاجِ
وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ
مَا لَهُم أَنْكَرُوا سؤادا بِخَدَّيْهِ وَلا يُنْكِرُونَ وَرْدَ الْغُصُونِ
إِن يكن عيب خَدّه بدر الشَّعْرِ فَعَيْبُ الْعُيُونِ شَعْرُ الْجُفُونِ
فَقُلْتُ لَهُ نَفَيْتَ الْقِيَاسَ فِي لافقه وَأَثْبَتَهُ فِي الشِّعْرِ فَقَالَ غَلَبَةُ الْهَوَى وَمَلَكَةُ النُّفُوسِ دَعَوْا إِلَيْهِ
قَالَ وَمَاتَ فِي لَيْلَتِهِ أَوْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي
وَقَالَ آخَرُ
وَقَدْ زَادَ فِي يَاقُوتَتِي شَفَتَيْهِ لِي وَدُرُّ ثَنَايَاهُ زُمُرُّدُ شَارِبِهْ
وَبِالْقُرْبِ مِنْهُ نَقْشُ خَالٍ كَأَنَّهُ خِتَامٌ عَلَى مَاءِ الْجِنَانِ لِشَارِبِهِ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ السَّوَّاقِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد
[ ١٢٣ ]
ابْن جَهْمِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي جَهْمَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ جدي قَالَ بَيْنَمَا عمر ابْن الْخَطَّابِ ﵁ يَطُوفُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي سِكَّةٍ مِنْ سِكَكِ الْمَدِينَةِ إِذْ سَمِعَ امْرَأَةً وَهِيَ تَهْتِفُ مِنْ خِدْرِهَا وَتَقُولُ
هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا أَمْ هَلْ سَبِيلٌ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ
إِلَى فَتًى مَاجِدِ الأَعْرَاقِ مُقْتَبِلِ سَهْلِ الْمُحَيَّا كَرِيمٍ غَيْرِ مِلْجَاجِ
فَقَالَ عُمَرُ لَا أَرَى مَعِي فِي الْمِصْرِ رَجُلا تَهْتِفُ بِهِ الْعَوَاتِقُ فِي خُدُرِهِنَّ عَلَيَّ بِنَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ
فَأَتَى بِهِ وَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنُهُمْ شِعْرًا فَقَالَ عَلَيَّ بِالْحَجَّامِ فَجَزَّ شَعْرَهُ فَخَرَجَتْ لَهُ وَجْنَتَانِ كَأَنَّهُمَا شَقَّتَا قَمَرٍ فَقَالَ اعْتَمَّ فَاعْتَمَّ فَأَفْتَنَ النَّاسَ فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَا تُسَاكِنُنِي بَلَدًا أَنَا فِيهِ قَالَ وَلِمَ ذَاك يَا امير الْمُؤمنِينَ هُوَ مَا قُلْتُ لَكَ فَسَيَّرَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ
وَخَشِيَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي سَمِعَ مِنْهَا عُمَرُ مَا سَمِعَ أَنْ يَبْدُرَ إِلَيْهَا عُمَرُ بِشَيْءٍ فَدَسَّتْ إِلَيْهِ أَبْيَاتًا تَقُولُ فِيهَا
قُلْ لِلإِمَامِ الَّذِي تُخْشَى بَوَادِرُهُ مَالِي وَلِلْخَمْرِ أَوْ نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ
إِنِّي غَنِيتُ أَبَا حَفْصٍ بِغَيْرِهِمَا شُرْبِ الْحَلِيبِ وَطَرْفٍ فَاتِرٍ سَاجِ
إِنَّ الْهَوَى زَمَّهُ التَّقْوَى فَقَيَّدَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِإِلْجَامٍ وَإِسْرَاجِ
لَا تَجْعَلِ الظَّنَّ حَقًّا أَوْ تُبَيِّنَهُ إِنَّ السَّبِيلَ سَبِيلُ الْخَائِفِ الرَّاجِي
قَالَ فَبَعَثَ إِلَيْهَا عُمَرُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ خَيْرٌ وَإِنِّي لَمْ أُخْرِجْهُ مِنْ أَجْلِكِ وَلَكِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ وَلَسْتُ آمَنُهُنَّ وَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَيَّدَ الْهَوَى حَتَّى أَقَرَّ بِإِلْجَامٍ وَإِسْرَاجٍ
ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَصْرَةِ كُتْبًا فَمَكَثَ الرَّسُولُ عِنْدَهُ أَيَّامًا ثُمَّ نَادَى مُنَادِيَهُ أَلا إِنَّ بَرِيدَ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ
[ ١٢٤ ]
فَلْيَكْتُبْ فَكَتَبَ نَصْرُ بْنُ حَجَّاجٍ كِتَابًا وَدَسَّهُ فِي الْكُتُبِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لِعَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سَلامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ
أإن غَنَّتِ الذَّلْفَاءُ يَوْمًا بِمُنْيَةٍ وَبَعْضُ أَمَانِي النِّسَاءِ غَرَامُ
ظَنَنْتَ بِيَ الظَّنَّا الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ بَقَاءٌ فَمَا لِي فِي النَّدِّيِّ كَلامُ
وَيَمْنَعُنِي مِمَّا تَظُنُّ تَكَرُّمِي وَآبَاءُ صِدْقٍ سَالِفُونَ كِرَامُ
وَيَمْنَعُهَا مِمَّا تَظُنُّ صَلاتُهَا وَحَالٌ لَهَا فِي قَوْمِهَا وَصِيَامُ
فَهَذَانِ حَالانَا فَهَلْ أَنْتَ رَاجِعِي فَقَدْ جُبَّ مِنِّي كَاهِلٌ وَسَنَامُ
فَقَالَ عُمَرُ لَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ أَمَّا وَلِي سُلْطَانٌ فَلا
فَمَا رَجَعَ الْمَدِينَةَ إِلا بَعْدَ وَفَاةِ عُمَرَ
[ ١٢٥ ]