قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ أَبِي عُمَرَ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ فَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي لَقِيطُ بْنُ بُكَيْرٍ الْمُحَارِبِيُّ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ حُزَامٍ وَعَفْرَاءَ ابْنَةَ مَالِكٍ الْعُذْرِيَّيْنِ وَهُمَا بَطْنٌ مِنْ عُذْرَةٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو هِنْدِ بْنِ حُزَامِ بْنِ ضَنَّةَ بن عبد بكير ابْن عُذْرَةَ وَيُقَالُ إِنَّهُمَا نَشَأَ جَمِيعًا فَعَلِقَهَا عَلاقَةَ الصَّبَا وَكَانَ عُرْوَةُ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عَمِّهِ حَتَّى بلغ فَكَانَ يسْأَل عَمه أَنْ يُزَوِّجَهُ عَفْرَاءَ فَيُسَوِّفَهُ إِلَى أَنْ خَرَجَتْ عِيرٌ لأَهْلِهِ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ عُرْوَةُ إِلَيْهَا
وَوَفَدَ عَلَى عَمِّهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ الْبَلْقَاءِ يُرِيدُ الْحَجَّ فَخَطَبَهَا فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ فَحَمَلَهَا
[ ٤٠٧ ]
وَأَقْبَلَ عُرْوَةُ فِي عِيرِهِ تِلْكَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِتَبُوكٍ نَظَرَ إِلَى رِفْقَةٍ مُقْبِلَةٍ مِنْ نَحْوِ الْمَدِينَةِ فِيهَا امْرَأَةٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ وَاللَّهِ لَكَأَنَّهَا شَمَائِلُ عَفْرَاءَ فَقَالُوا وَيْحَكَ مَا تَتْرُكُ ذِكْرَ عَفْرَاءَ لِشَيْءٍ
قَالَ وَجَاءَ الْقَوْمُ فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَتَبَيَّنَ الأَمْرُ يَبِسَ قَائِمًا لَا يَتَحَرَّكُ وَلا يَحِيرُ كَلامًا وَلا يُرْجِعُ جَوَابًا حَتَّى بَعُدَ الْقَوْمُ فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ
وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ رَعْدَةٌ لَهَا بَيْنَ جِلْدِي وَالْعِظَامِ دَبِيبُ
فَمَا هُوَ إِلا أَنْ أَرَاهَا فُجَاءَةً فَأُبْهَتُ حَتَّى مَا أَكَادُ أُجِيبُ
وَقُلْتُ لَعَرَّافِ الْيَمَامَةِ دَاوِنِي فَإِنَّكَ إِنْ أَبْرَأْتَنِي لَطَبِيبُ
فَمَا بِي مِنْ حِمَى لَا مَسِّ جِنَّةٍ وَلَكِنْ عَمِّي الْحُمَيْرِيَّ كَذُوبُ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعَرَّافُ الْيَمَامَةِ هَذَا الَّذِي ذكره عُرْوَة وَغَيره من الشُّعَرَاء هُوَ ريَاح بن رَاشد ويكنى أَبَا كحيلة عبد لبني يشْكر تزوج مَوْلَاهُ امْرَأَة من بني الْأَعْرَج فساقه فِي مهرهَا ثمَّ ادّعى نسبا فِي بني الْأَعْرَج
ثمَّ إِن عُرْوَة انْصَرف إِلَى أَهله وَأَخذه الْبكاء والهلاس حَتَّى نحل جِسْمه فَلم يبْق مِنْهُ شَيْء فَقَالَ بعض النَّاس هُوَ مسحور وَقَالَ قَوْمٌ بِهِ جِنَّةٌ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هُوَ مَوَسْوَسٌ وَإِنَّ بِالْحَاضِرِ مِنَ الْيَمَامَةِ لَطَبِيبًا لَهُ تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ وَهُوَ أَطَبُّ النَّاسِ فَلَوْ أَتَيْتُمُوهُ فَلَعَلَّ اللَّهَ يُعَافِيَهُ
فَسَارُوا إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِ عذرة حى دَاوَاهُ فَجَعَلَ يَسْقِيهِ وَيُنَشِّرُ عَنْهُ وَهُوَ يَزْدَادُ
[ ٤٠٨ ]
سُقْمًا فَقَالَ لَهُ عُرْوَةَ يَا هَنَاهُ هَلْ عِنْدَكَ لِلْحُبِّ دَوَاءٌ أَوْ رُقْيَةٌ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ فَانْصَرَفُوا حَتَّى مَرُّوا بِطَبِيبٍ بِحَجْرٍ فَعَالَجَهُ وَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ مَا دَائِي وَدَوَائِي إِلا شَخْصٌ بِالْبَلْقَاءِ مُقِيمُ فَهُوَ دَائِي وَعِنْدَهُ دَوَائِي
فَانْصَرَفُوا بِهِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافُهُمْ بِهِ
جَعَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حُكْمَهُ وَعَرَّافُ حَجَرٍ إِنْ هُمَا شَفَيَانِي
فَقَالا نَعَمْ نُشْفِي مِنَ الدَّاءِ كُلِّهِ وَقَامَا مَعَ الْعُوَّادِ يَبْتَدِرَانِ
فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقْيَةٍ يَعْلَمَانِهَا وَلا سَلْوَةٍ إِلا وَقَدْ سَقَيَانِي
فَقَالا شَفَاكَ اللَّهُ وَاللَّهِ مَالَنَا بِمَا ضَمِنَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ
قَالَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَكَانَ لَهُ أَخَوَاتٌ أَرْبَعٌ وَوَالِدَةٌ وَخَالَةٌ فَمَرَّضْنَهُ دَهْرًا فَقَالَ لَهُنَّ يَوْمًا اعلمن أَنِّي لَو نَظَرْتُ إِلَى عَفْرَاءَ نَظْرَةً وَاحِدَةً ذَهَبَ وَجَعِي
فَذَهَبُوا بِهِ حَتَّى نَزَلُوا الْبَلْقَاءَ مُسْتَخْفِينَ فَكَانَ لَا يَزَالَ يَلُمُّ بِعَفْرَاءَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَكَانَتْ عِنْدَ رَجُلٍ كَرِيمٍ سَيِّدٍ كَثِيرِ الْمَالِ وَالْغَاشِيَةِ فَبَيْنَمَا عُرْوَةُ يَوْمًا بِسُوقِ الْبَلْقَاءِ إِذْ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَمَقْدِمِهِ
فَأخْبرهُ قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّكَ مَرِيضٌ وَأَرَاكَ قَدْ صَحَحْتَ فَلَمَّا أَمْسَى الرَّجُلُ دَخَلَ عَلَى زَوْجِ عَفْرَاءَ فَقَالَ مَتَى قَدِمَ هَذَا الْكَلْبُ عَلَيْكُمُ الَّذِي قَدْ فَضَحَكُمْ
[ ٤٠٩ ]
قَالَ زَوْجُ عَفْرَاءَ أَيُّ كَلْبٍ هُوَ قَالَ عُرْوَةُ قَالَ وَقَدْ قَدِمَ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنْتَ وَاللَّهِ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ أَنْ تَكُونَ كَلْبًا مَا عَلِمْتُ بِقُدُومِهِ وَلَوْ عَلِمْتُ لَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ
فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا يَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى جَاءَهُ فَقَالَ قَدِمْتُ هَذِهِ الْبَلْدَ فَلَمْ تَنْزِلْ بِنَا وَلَمْ تَرَ أَنْ تُعْلِمُنَا بِمَكَانِكَ فَيَكُونُ مَنْزِلُكَ عِنْدَنَا عَلَيَّ وَعَلَيَّ إِنْ كَانَ لَكُمْ مَنْزِلٌ إِلا عِنْدِي
قَالَ نَعَمْ نَتَحَوَّلُ إِلَيْكَ اللَّيْلَةَ أَوْ فِي غَدٍ
فَلَمَّا وَلَّى قَالَ عُرْوَةُ لأَهْلِهِ قَدْ كَانَ مَا تَرَوْنَ وَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَخْرَجُوا مَعِي لأَرْكَبَنَّ بِرَأْسِي وَلأُلْحِقَنَّ بِقَوْمِكُمْ فَلَيْسَ عَلَيَّ بَأْسٌ
فَارْتَحَلُوا وَرَكَبُوا طَرِيقَهُمْ وَنُكِسَ عُرْوَةُ وَلَمْ يَزَلْ مُدْنَفًا حَتَّى نَزَلُوا وَادِي الْقُرَى
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ حِزَامًا هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَهُ عُرْوَةَ فِي حِجْرِ عَمِّهِ عُقَالِ بْنِ مَهَاصِرَ وَكَانَتْ عَفْرَاءُ تِرْبًا لِعُرْوَةَ يَلْعَبَانِ جَمِيعًا حَتَّى أَلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَكَانَ عَقَالُ يَقُولُ لِعُرْوَةَ أَبْشِرْ فَإِنَّ عَفْرَاءَ امْرَأَتُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
فَلَمَّا بَلَغَا أَتَى عُرْوَةُ عَمَّةٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا هِنْدٌ بِنْتُ مَهَاصِرَ فَشَكَا إِلَيْهَا حُبَّ عَفْرَاءَ وَقَالَ يَا عَمَّةُ إِنِّي أُكَلِّمُكِ وَإِنِّي أَسْتَحْيِي مِنْكِ وَلَكِنْ مَا أَفْعَلُ هَذَا حَتَّى ضِقْتُ ذَرْعًا بِمَا أَنَا فِيهِ فَذَهَبَتْ إِلَى أَخِيهَا فَقَالَتْ يَا أَخِي قَدْ أَتَيْتُكَ فِي حَاجَةٍ يَأْجُرُكَ اللَّهُ عَلَيْهَا تُزَوِّجُ عُرْوَةُ عَفْرَاءَ فَقَالَ مَا عَنْهُ مَذْهَبٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِذِي مَالٍ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ عَجَلَةٌ
[ ٤١٠ ]
وَكَانَتْ أُمُّ عَفْرَاءَ لَا تُرِيدُ لَهَا إِلا مَنْ لَهُ مَالٌ فَخَطَبَ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ عَفْرَاءَ فَأَتَى عُرْوَةُ عَمَّهُ فَقَالَ قَدْ عَرَفْتُ قَرَابَتِي وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلا يَخْطُبُ عَفْرَاءَ فَإِنْ تُجِبْهُ قَتَلْتَنِي فَقَالَ لَيْسَ أُخْرِجُهَا إِلَى غَيْرِكَ وَلَكِنْ أُمُّهَا تُرِيدُ مَهْرًا غَالِيًا فَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ وَاضْطَرَبْ
فَخَرَجَ إِلَى ابْنِ عَمٍّ لَهُ مُوسِرٌ بِالْيَمَنِ وَاشْتَرَطَ عَلَى أَبَوَيْ عَفْرَاءَ أَنْ لَا يُحْدِثَا فِيهَا حَدَثًا فَضَمِنَا لَهُ ذَلِكَ وَذَهَبَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ فَوَصَلَهُ وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ
وَاتَّفَقَ أَنْ رَجُلا خَطَبَ عَفْرَاءَ وَكَانَ ذَا مَالٍ فَاعْتَذَرَ أَبُوهَا إِلَيْهِ وَأَجَابَتْهُ أُمُّهَا وَصَرَفَتْ أَبَاهَا عَنْ رَأْيِهِ وَقَالَتْ قَدْ جَاءَ الْغَنِيُّ إِلَى بَابِنَا وَلَا نَدْرِي أعروة حَيّ أَمْ مَيِّتٌ وَهَلْ يَأْتِي بِشَيْءٍ أَمْ لَا
فَزَوَّجَهُ وَارْتَحَلَ بِهَا إِلَى الشَّامِ وَعَمَدَ أَبُوهَا إِلَى قَبْرٍ عَتِيقٍ فَجَدَّدَهُ وَسَوَّاهُ وَقَالَ الْحَقُّ كِتْمَانُ الْحَالِ
فَقَدِمَ عُرْوَةُ فَنَعَاهَا أَبُوهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْقَبْرِ أَيَّامًا ثُمَّ أُخْبِرَ بِالْحَالِ فَرَحَلَ إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ بِالرَّجُلِ وَهُوَ لَا يَعْرِفْهُ فَأَحْسَنَ ضِيَافَتَهُ ثُمَّ عَلِمَتْ بِهِ عَفْرَاءُ
وَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ تَرَكْتُمْ هَذَا فِي دَارِكُمْ يَفْضَحُكُمْ فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ وَاسْتَحَضْرَ عُرْوَةَ وَقَالَ لَا تَبْرَحُ مِنْ عِنْدِي ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَهَا عِنْدَ عُرْوَةَ وَأَوْصَى خَادِمَ الْبَابِ بِحِفْظِ مَا يَقُولانِ فَقَالَ قَدْ أَجْمَلَ هَذَا الرَّجُلُ وَمَا أُقِيمُ بَعْدَ عِلْمِهِ وَإِنَّمَا أَرْحَلُ إِلَى مَنِّيَتِي ثُمَّ رَحَلَ فَتَنَاوَلَتْهُ الأَسْقَامُ
[ ٤١١ ]
أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَبْرِيَةُ قَالَتْ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْكَاتِبُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ قَالَ إِنِّي لأَسِيرُ فِي أَرْضِ عُذْرَةَ فَإِذَا بِامْرَأَةٍ تَحْمِلُ غُلامًا خَدِلا لَيْسَ مِثْلُهُ يَتَوَّرَكُ فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ فَإِذَا بِرَجُلٍ لَهُ لِحْيَةٌ قَالَ فَقَالَتْ لِي سَمِعْتُ بِعُرْوَةَ بْنِ حُزَامٍ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَتْ هَذَا وَاللَّهِ عُرْوَةُ بْنُ حُزَامٍ فَقُلْتُ أَنْتَ عُرْوَةُ فَكَلَّمَنِي وَعَيْنَاهُ تَدُورَانِ فِي رَأْسِهِ فَقَالَ نعم أَنَا وَاللَّهِ الَّذِي أَقُول
جعلت لعراف الْيَمَامَة حكمه وعراف نجد إِن هما شفيافي
فَقَالا نَعَمْ نُشْفِي مِنَ الدَّاءِ كُله وراحا مَعَ العواد يبتدران
فَمَا تركا من سلوة يعلمانها وَلَا شربة إِلَّا وَقد سقياني
فَقَالَا شفاك الله وَالله مَا لنا بِمَا ضمنت مِنْك الضلوع يدان
فعفراء أحظى النَّاس عِنْدِي مَوَدَّة وعفراء عني المعرض المتواني
قَالَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَمَا رُحْتُ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى سَمِعْتُ الصَّيْحَةَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقِيلَ مَاتَ عُرْوَةُ
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقُلْتُ يَا أَبَا السَّائِبِ وَاللَّهِ مَا أَرَاهُ إِلا شَرِقَ قَالَ فَمِمَّ شَرِقَ قُلْتُ شَرِقَ بِرِيقِهِ تَرَى إِنْسَانًا يَمُوتُ مِنَ الْحُبِّ
فَقَالَ سَخِنَتْ عَيْنَاكَ
[ ٤١٢ ]
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ رَوْحٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلْمَانَ الأَخْفَشُ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ بِشْرٍ الْمَازِنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ وُلِيتُ صَدَقَاتِ بَنِي عُذْرَةَ قَالَ فَدُفِعْتُ إِلَى فَتًى تَحْتَ ثَوْبٍ فَكَشَفْتُ عَنْهُ فَإِذَا رَجُلٌ لَمْ يَبْقَ إِلا رَأْسُهُ فَقُلْتُ مَا بِكَ فَقَالَ
كَأَنَّ قَطَاةً عَلَقَتْ بِجَنَاحِهَا عَلَى كَبِدِي مِنْ شِدَّةِ الْخَفَقَانِ
جَعَلَتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَة حكمه وعراف نجد إِن هُمَا شَفَيَانِي
ثُمَّ تَنَفَّسَ حَتَّى مَلأَ الثَّوْبَ الَّذِي كَانَ فِيهِ ثُمَّ جَمُدَ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ فَأُصْلِحُ مِنْ شَأْنِهِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ فَقِيلَ أَتَدْرِي مَنْ هَذَا هَذَا عُرْوَةُ بْنُ حُزَامٍ
حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ كِلاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سَلَمٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو دَلَفٍ هَاشِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرَّيَاشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَوْ قَالَ عُثْمَانُ شَكَّ الرَّاوِي عَلَى صَدَقَاتِ سَعْدِ هُذَيْمٍ فَلَمَّا قَبَضْتُ الصَّدَقَةَ وَقَسَّمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا أَقْبَلْتُ فَلَمَّا كُنْتُ بِبِلادِ عُذْرَةَ فِي حِيٍّ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ بَنُو هِنْدٍ إِذَا أَنَا بِبِيتٍ حَرِيدٍ مُفْرِدٍ عَنِ الْحَيِّ فَمِلْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا عَجُوزٌ جَالِسَةٌ عِنْدَ كَسْرِ الْبَيْتِ وَإِذَا شَابٌّ نَائِمٌ فِي ظِلِّ الْبَيْتِ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ وَسَلَّمْتُ تَرَنَّمَ بِصَوْتٍ لَهُ ضَعِيفٍ
جَعَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حُكْمَهُ وعراف نجد إِن هما شفياني
[ ٤١٣ ]
فَقَالا نَعَمْ نُشْفِي مِنَ الدَّاءِ كُلِّهِ وَقَامَا مَعَ الْعُوَّادِ يَبْتَدِرَانِ
نَعَمْ وَبَلَى قَالا مَتَى كُنْت هَكَذَا لِيَسْتَخْبِرَانِي قُلْت مِنْذُ زَمَانٍ
فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقْيَةٍ يَعْلَمَانِهَا وَلا سَلْوَةٍ إِلا بِهَا سَقَيَانِي
فَقَالَا شفاك الله وَالله مَا لَنَا بِمَا حَمَلَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ
ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً خَفِيفَةً فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ فَقُلْتُ أَيُّهَا الْعَجُوزُ مَا أَظُنُّ هَذَا النَّائِمَ بِفِنَاءِ بَيْتِكِ إِلا مَاتَ فَقَالَتْ نَفْسُهُ وَاللَّهِ نَفْسُهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ
فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ مَالا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ تَعَالَى فَاغْتَمَمْتُ وَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ لِكَلامِي فَلَمَّا رَأَتِ الْعَجُوزُ جَزَعِي قَالَتْ هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ بِأَجَلِهِ وَاسْتَرَاحَ مِمَّا كَانَ فِيهِ وَقَدِمَ عَلَى رَبٍّ غَفُورٌ فَهَلْ لَكَ فِي اسْتِكْمَالِ الأَجْرِ هَذِهِ الأَبْيَاتُ مِنْكَ قَرِيبٌ تَأْتِيهِمْ فَتَنْعَاهُ إِلَيْهِمْ وَتَسْأَلْهُمْ حُضُورَهُ
فَرَكِبْتُ فَأَتَيْتُ أَبْيَاتًا مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ مَيْلٍ فَنَعَيْتُهُ إِلَيْهِمْ وَقَدْ حَفِظْتُ الشِّعْرَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ بَعْدَ الرَّجُلِ مِنْهُمْ يَسْتَرْجِعُ
فَبَيْنَا أَنَا أَدُورُ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ خِبَائِهَا تَجُرُّ خِمَارَهَا نَاشِرَةً كَأَنَّهَا الشَّمْسُ طَالِعَةً فَقَالَتْ أَيُّهَا النَّاعِي بِفِيكَ الْكَثْكَثُ بِفِيكَ الْحَجَرُ مَنْ تَنْعَى قُلْتُ عُرْوَةَ بْنَ حُزَامٍ قَالَتْ بِالَّذِي أُرْسِلَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَاصْطَفَاهُ بِالنُّبُوَةِ هَلْ مَاتَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَتْ مَاذَا فَعَلَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَأَنْشَدْتُهَا الشِّعْرَ فَوَاللَّهِ مَا نَهْنَهَتْ أَنْ قَالَتْ
عَدَانِي أَنْ أَزُورَكَ يَا خَلِيلِي مَعَاشِرُ كُلُّهُمْ وَاشٍ حَسُودُ
أَشَاعُوا مَا سَمِعْتَ مِنَ الدَّوَاهِي وَعَابُونَا وَمَا فِيهِمْ رَشِيدُ
[ ٤١٤ ]
فَأَمَّا إِذْ ثَوَيْتَ الْيَوْمَ لَحْدًا وَدُورُ النَّاسِ كُلُّهُمْ لُحُودُ
فَلا طَابَتْ لِيَ الدُّنْيَا فَوَاقًا وَلا لَهُمُ وَلا أَثْرَى عَدِيدُ
ثُمَّ مَضَتْ مَعِي وَمَعَ الْقَوْمِ تَصِيحُ وَتُوَلْوِلُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ فَغَسَّلْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وَصَلَيْنَا عَلَيْهِ وَقَبَرْنَاهُ فَجَاءَتْ فَأَكْبَتْ عَلَى الْقَبْرِ
وَحَرَّكْتُ مَطِيَّتِي وَدَخَلْتُ الشَّامَ فَدَخَلْتُ عَلَى يَزِيدَ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ وَأَخْبَرْتُهُ بِالأَمْرِ الَّذِي قدمت لَهُ فَقَالَ لي هَلْ رَأَيْتَ فِي طَرِيقِكَ شَيْئًا فَحَدَّثْتَهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ فَأَكْبَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ عَلَى الْقَبْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ تَأْكُلْ وَلَمْ تَشْرَبْ فَمَا رُفِعَتْ إِلا مَيِّتَةً
قُلْتُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ لَا أَحْسَبُ الرَّاوِي عَنِ الْهَيْثَمِ حَفِظَهَا وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَصَحُّ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُبَارك بن عبد الجبار قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْمَاطِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَوْ عُثْمَانُ ابْن عَفَّانَ شَكَّ الرَّاوِي عَلَى صَدَقَاتِ سَعْدِ هُذَيْمٍ وَهُمْ عُذْرَةٌ وَسَلامَانُ وَالْحَارِثُ وَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ فَلَمَّا قَبَضْتُ الصَّدَقَةَ وَقَسَّمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا وَأَقْبَلْتُ بِالسَّهْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ إِلَى عُمَرَ أَو عمثان فَلَمَّا كُنْتُ بِبِلادِ عُذْرَةَ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو هِنْدٍ إِذَا أَنَا بِبِيتٍ حَرِيدٍ مُنْتَزَحٍ عَنِ الْحَيِّ فَمِلْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا عَجُوزٌ جَالِسَةٌ
[ ٤١٥ ]
عِنْدَ كَسْرِ الْبَيْتِ وَإِذَا شَابٌّ نَائِم فِي ظلّ الْبَيْت فملا دَنَوْتُ سَلَّمْتُ فَتَرَنَّمَ بِصَوْتٍ لَهُ ضَعِيفٍ فَقَالَ
جَعَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حكمه وعراف نجد إِن هما شَفَيَانِي
فَقَالا نَعَمْ نُشْفِي مِنَ الدَّاءِ كُلِّهِ وَقَامَا مَعَ الْعُوَّادِ يَبْتَدِرَانِ
نَعَمْ وَبَلَى قَالا مَتَى أَنْتَ هَكَذَا لِيَسْتَخْبِرَانِي قُلْتُ مِنْذُ زَمَانٍ
فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقْيَةٍ يعْلَمَانِهَا وَلا سَلْوَةٍ إِلا بِهَا سَقَيَانِي
فَقَالا شَفَاكَ اللَّهُ وَاللَّهِ مَا لنا بِمَا ضمنت مِنْك الضُّلُوعُ يَدَانِ
ثُمَّ شَهَِقَ شَهْقَةً خَفِيفَةً فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ فَقُلْتُ أَيَّتُهَا الْعَجُوزُ مَا أَظُنُّ هَذَا النَّائِمَ بِفِنَاءِ بَيْتِكِ إِلا قَدْ مَاتَ
قَالَتْ وَاللَّهِ أَظُنُّ ذَلِكَ فَقَامَتْ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ قَاضَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ فَقُلْتُ يَا أَمَةَ اللَّهِ مَنْ هَذَا قَالَتْ عُرْوَةُ بْنُ حُزَامٍ الْعُذْرِيُّ وَأَنَا أُمُّهُ قُلْتُ وَمَا صَيَّرَهُ إِلَى هَذَا قَالَتْ الْعِشْقُ لَا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ كَلامَهُ مُنْذُ سَنَةٍ إِلا فِي صَدْرِ يَوْمِنَا هَذَا فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ
مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّهَاتِي بَاكِيًا أَبَدًا فَالْيَوْمَ إِنِّي أَرَانِي الْيَوْمَ مَقْبُوضَا
تسمعننيه فَإِنِّي غَيْرُ سَامِعِهِ إِذَا عَلَوْتُ رِقَابَ الْقَوْمِ مَعْرُوضَا
قَالَ النُّعْمَانُ فَأَقَمْتُ وَاللَّهِ عَلَيْهِ حَتَّى غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَحُنِّطَ وَصُلَّى عَلَيْهِ وَدُفِنَ قَالَ قُلْتُ لِلْنُعْمَانِ فَمَا دَعَاكَ إِلَى ذَلِك قَالَ احتساب الْأجر وَاللَّهِ فِيهِ
وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بن مُحَمَّد السَّائِب عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ أَنَّ عَفْرَاءَ لَمَّا بَلَغَهَا وَفَاةُ عُرْوَةَ قَالَتْ لِزَوْجِهَا يَاهَنَاهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ مَا بَلَغَكَ وَاللَّهِ مَا كَانَ ذَلِكَ إِلا عَلَى الْحَسَنِ الْجَمِيلِ وَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى أَرْضِهِ
[ ٤١٦ ]
فِي أَرْضٍ غُرْبَةٍ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِي فَأَخْرُجَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ قَوْمِي فَيَنْدُبْنَهُ وَيَبْكِينَ عَلَيْهِ فَقَالَ إِذَا شِئْتِ فَأَذِنَ لَهَا فَخَرَجَتْ وَقَالَتْ تُرَثِّيهِ
أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْمَخْبُونُ وَيْحَكُمْ بِحَقٍّ نَعَيْتُمْ عُرْوَةَ بْنَ حُزَامِ
فَلا هنىء الْفِتْيَانُ بَعْدَكَ غَارَةٌ وَلا رَجَعُوا مِنْ غَيْبَةٍ بِسَلامِ
فَقُلْ لِلْحَبَالَى لَا تُرْجِينَ غَائِبًا وَلا فَرِحَاتٍ بَعْدَهُ بِغُلامِ
قَالَ وَلَمْ تَزَلْ تُرَدِّدُ هَذِهِ الأَبْيَاتَ وَتَبْكِي حَتَّى مَاتَتْ فَدُفِنَتْ إِلَى جَانِبِهِ
فَبَلَغَ الْخَبَرُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَوْ عَلِمْتُ بِهَذَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَا
قُلْتُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لَوْ عَلِمْتُ بِهِمَا جَمَعْتُ بَيْنَهُمَا
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ قَالَتْ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُرَاقَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَوْ أَدْرَكْتُ عَفْرَاءَ وَعُرْوَةَ لَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَا
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ فِي كِتَابِ الزَّهْرَةِ حِكَايَةَ مَوْتِ عَفْرَاءَ مَبْسُوطَةً قَالَ لَمَّا انْصَرَفَ عُرْوَةُ بْنُ حُزَامٍ مِنْ عِنْدِ عَفْرَاءَ بِنْتِ عُقَالٍ فُتُوُفِّيَ وَحِيدًا مَرَّ بِهِ رَكْبٌ فَعَرَفُوهُ فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى مَنْزِلِهَا صَاحَ بَعْضُهُمْ
أَلا أَيُّهَا الْقَصْرُ الْمُغَفَّلُ أَهْلَهُ بِحَقٍّ نَعَيْنَا عُرْوَةَ بْنَ حُزَامِ فَأَجَابَتْهُ فَقَالَتْ
[ ٤١٧ ]
أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْمَخْبُونُ وَيْحَكُمْ بِحَقٍّ نَعَيْتُمْ عُرْوَةَ بْنَ حُزَامِ
فَأَجَابُوهَا
نَعَمْ قَدْ تَرَكْنَاهُ بِأَرْضٍ بَعِيدَةٍ مُقِيمًا بِهَا فِي دَكْدَكٍ وَأَكَامِ
فَقَالَتْ لَهُمْ
فَإِنْ كَانَ حَقًّا مَا تَقُولُونَ فَاعْلَمُوا بِأَنْ قَدْ نَعَيْتُمْ نُورَ كُلِّ ظَلامِ
فَلا لَقِيَ الْفِتْيَانُ بَعْدَكَ لَذَّةً وَلا رَجَعُوا مِنْ غَيْبَةٍ بِسَلامِ
وَلا وَضَعَتْ أُنْثَى تَمَامًا بِمِثْلِهِ وَلا فَرِحَتْ مَنْ بَعْدِهِ بِغُلامِ
وَلا لَا بَلَغْتُمْ حَيْثُ وُجِّهْتُمْ لَهُ وَبُغِّضْتُمْ لَذَّاتِ كُلِّ طَعَامِ
ثُمَّ سَأَلَتْهُمْ أَيْنَ دَفَنُوهُ فَأَخْبَرُوهَا فَسَارَتْ إِلَى قَبْرِهِ فَلَمَّا قَرِبُوا مِنْ مَوْضِعِ قَبْرِهِ قَالَتْ إِنِّي أُرِيدُ قَضَاءَ حَاجَةٍ فَأَنْزَلُوهَا فَانْسَلَّتْ إِلَى قَبْرِهِ فَأَكْبَتْ عَلَيْهِ فَمَا رَاعَهُمْ إِلا صَوْتُهَا فَلَمَّا سَمِعُوهَا بَادَرُوا إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ مَمْدُودَةٌ عَلَى الْقَبْرِ قَدْ خَرَجَتْ نَفْسَهَا فَدَفَنُوهَا إِلَى جَانِبِهِ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدثنَا عَليّ ابْن أَيُّوبَ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّخَعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ يَحْيَى الصَّنَعَانِيُّ قَالَ خَرَجَتُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى صَنْعَاءَ فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَنْعَاءَ خَمْسٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يَنْزِلُونَ عَنْ مَحَامِلِهِمْ وَيَرْكَبُونَ دَوَابَّهُمْ فَقُلْتُ أَيْنَ تُرِيدُونَ قَالُوا نُرِيدُ نَنْظُرُ إِلَى قَبْرِ عَفْرَاءَ وَعُرْوَةَ فَنَزَلْتُ عَنْ مَحْمَلِي وَرَكِبْتُ حِمَارِي وَاتَّصَلْتُ بِهِمْ فَانْتَهَيْتُ إِلَى قَبْرَيْنِ مُتَلاصِقَيْنِ قَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْقَبْرِ سَاقُ شَجَرَةٍ وَمِنْ هَذَا سَاقُ شَجَرَةٍ حَتَّى إِذَا صَارَا عَلَى قَامَةٍ الْتَقَيَا فَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ تَآلَفَا فِي الْحَيَاةِ وَفِي الْمَوْتِ
[ ٤١٨ ]
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ إِسْحَاقُ قُلْتُ لِمُعَاذٍ أَيُّ ضَرْبٍ هُوَ مِنَ الشَّجَرِ فَقَالَ لَا أَدْرِي
وَقَدْ سَأَلْتُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ عَنْهُ فَقَالُوا لَا يُعْرَفُ هَذَا الشّجر ببلادنا وَمن أشعار عُرْوَة المستحسنة
لَوْ أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ وِجْدًا وَمِثْلَهُ مِنَ الْجِنِّ بَعْدَ الإِنْسِ يَلْتَقِيَانِ
فَيَشْتَكِيَانِ الْوِجْدَ ثَمَّتْ أَشْتَكِي لأَضْعَفِ وِجْدِي فَوْقَ مَا يَجِدَانِ
فَقَدْ تَرَكَتْنِي لَا أَعِي لِمُحَدِّثٍ حَدِيثًا وَإِنْ نَاجَيْتُهُ وَنَجَانِي
وَقَدْ تَرَكَتْ عَفْرَاءُ قَلْبِي كَأَنَّهُ جَنَاحُ عُقَابٍ دَائِمُ الْخَفَقَانِ