خُرَاسَانَ وَنَشَأَ بِبَغْدَادَ
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ
وَيْحَ الْمُحِبِّينَ مَا أَشْقَى جُدُودَهُمْ إِنْ كَانَ مِثْلَ الَّذِي بِي بِالْمُحِبِّينَا
يُشْقَوْنَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِعِشْقِهِمْ لَا يُدْرِكُونَ بِهِ دُنْيَا وَلا دِينَا
يَرِقُّ قَلْبِي لأَهْلِ الْعِشْقِ إِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْنِي وَمَا أَلْقَى يَرِقُّونَا
قَالَ وَلَهُ أَيْضًا
أَيُّهَا النَّادِبُ قَوْمًا هَلَكُوا صَارَتِ الأَرْضُ عَلَيْهِمْ طَبَقَا
انْدُبِ الْعُشَّاقَ لَا غَيْرَهُمْ إِنَّمَا الْهَالِكُ مَنْ قَدْ عَشَقَا
[ ٤١٩ ]
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُهْتَدِي قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمأْمُونِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ اجْتَمَعَ أَبُو نُوَاسٍ وَالْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ
فَاسْتَنْشَدَ أَبُو نُوَاسٍ الْعَبَّاسُ فَأَنْشَدَهُ
حُبُّ الْحِجَازِيَّةِ أَبْلَى الْعِظَامَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ
سَيِّدَتِي سَيِّدَتِي إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا بِالْعَاشِقِينَ اكْتِتَامْ
سَيِّدَتِي سَيِّدَتِي إِنَّنِي أَعْجَزُ عَنْ حَمْلِ الْبَلايَا الْعِظَامْ
سَيِّدَتِي سَيِّدَتِي فَاسْمَعِي دَعْوَةَ مَيِّتٍ عَاشِقٍ مُسْتَهَامْ
وَمَرَّ فِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَوَّلُ كُلِّ بَيْتٍ سَيِّدَتِي سَيِّدَتِي فَقَالَ لَهُ أَبُو نُوَاسٍ لَقَدْ خَضَعْتَ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ خُضُوعًا ظَنَنْتَ مَعَهُ أَنَّكَ تَمُوتَ قَبْلَ تَمَامِ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الأَهْوَازِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللُّغَوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَزِّ يَقُولُ لَوْ قِيلَ لِي مَا أَحْسَنُ شِعْرٍ تَعْرِفُهُ لَقُلْتُ شِعْرُ الْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ
قَدْ سَحَبَ النَّاسُ أَذْيَالَ الظُّنُونِ بِنَا وَفَرَّقَ النَّاسُ فِينَا قَوْلَهُمْ فِرَقَا
فَكَاذِبٌ قَدْ رَمَى بِالظَّنِّ غَيْرَكُمْ وَصَادِقٍ لَيْسَ يَدْرِي أَنَّهُ صَدَقَا
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ قَالَ لِي بَعْضُ
[ ٤٢٠ ]
أَصْحَابِنَا قَالَ بَشَّارٌ مَا كُنَّا نَعُدُّ هَذَا الْغُلامَ مِنَ الشُّعَرَاءِ يَعْنِي الْعَبَّاسَ بْنَ الأَحْنَفِ حَتَّى قَالَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
نَزَفَ الْبُكَاءُ دُمُوعَ عَيْنِكَ فَالْتَمِسْ عَيْنًا لِغَيْرِكَ دَمْعُهَا مِدْرَارُ
مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا يَا مَنْ لِعَيْنٍ لِلْبُكَاءِ تُعَارُ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصَّوْلِيُّ لِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ
بَرَغْمِي أُطِيلُ الصَّدَّ عَنْكِ وَأَبْتَلِي بِهَجْرِكِ قَلْبًا لَمْ يَزَلْ مِنْكِ مُتْعَبَا
وَمَا أَنَا فِي صَدِّي بِأَوَّلِ ذِي هَوَى رَأَى بَعْضَ مَالا يَشْتَهِي فَتَجَنَّبَا
تَجَنَّبَ يَرْتَادُ السُّلُّوَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَنْكِ فِي الأَرْضِ الْبَعِيدَةِ مَذْهَبَا
قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبِي قَالَ مِنْ بَارِعِ شِعْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ قَوْلُهُ
قَدْ رَقَّ أَعْدَائِي لِمَا حَلَّ بِي فَلَيْتَ أَحْبَابِي كَأَعْدَائِي
أَمَّلْتُ بِالْهُجْرَانِ لِي رَاحَةً مِنْ جَمَرَاتٍ بَيْنَ أَحْشَائِي
فَازْدَادَ جَهْدِي وَبَلائِي بِهَا أَنَا الَّذِي اسْتَشْفَيْتُ بِالدَّاءِ
قَالَ وَقَوْلُهُ
يَا ذَا الَّذِي أَنْكَرَنِي طَرْفُهُ أَنْ ذَابَ جِسْمِي وَعَلانِي شُحُوبْ
مَا مَسَّنِي ضُرٌّ وَلَكِنَّنِي جَفَوْتُ نَفْسِيَ إِذْ جَفَانِي الْحَبِيبْ
[ ٤٢١ ]
أَخْبَرَنِي أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ أَنْبَأَنَا الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا الصَّوْلِيُّ قَالَ رُوِيَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ أَنَّ بَشَّارًا أَنْشَدَ قَوْلَ الْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ أَوَّلَ مَا قَالَ الشِّعْرَ
لَمَّا رَأَيْتُ اللَّيْلَ سَدَّ طَرِيقَهُ عَنِّي وَعَذَّبَنِي الظَّلامُ الرَّاكِدُ
وَالنَّجْمُ فِي كَبَدِ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ أَعْمَى تَحَيَّرَ مَا لَدَيْهِ قَائِدُ نَادَيْتُ مَنْ طَرَدَ الرُّقَادَ بِنَوْمِهِ عَمَّا أُلاقِي وَهُوَ خِلْوٌ هَاجِدُ
فَقَالَ قَاتَلَ اللَّهُ هَذَا الْغُلامُ مَا رَضَى أَنْ يَجَعَلَهُ أَعْمَى حَتَّى جَعَلَهُ بِلا قَائِدٍ قُلْتُ وَقَدْ سَقَطَ مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ بَيْتٌ آخَرُ
نَادَيْتُ مَنْ مَنَعَ الرُّقَادَ بِصَدِّهِ حَتَّى مَتَى أَنَا سَاهِرٌ يَا رَاقِدُ
وِلِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ
تَجَنَّبْتُهُمْ وَالْقَلْبُ صَابٍّ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِي ذَاكَ الْمَنْزِلُ الْمُتَجَنَّبُ
إِذَا ذُكِرُوا أَعْرَضْتُ لَا عَنْ مَلالَةٍ وَذكرهمْ شيىء إِلَيَّ مُحَبَّبُ
عَلَى أَنَّهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَيْشِ عِنْدَنَا وَأَعْذَبُ مِنْ صَفْوِ الْحَيَاةِ وَأَطْيَبُ
وَلَهُ
إِذَا أَرَدْتَ سُلُوًا كَانَ نَاصِرُكُمْ قَلْبِي فَهَل أَنَا مِنْ قَلْبِي بِمُنْتَصِرِ
فَأَكْثِرُوا أَوْ أَقِلُّوا مِنْ إِسَاءَتِكُمْ فَكُلُّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَدْرِ
وَضَعْتُ خَدِّيَ لأَدْنَى مَنْ يَطِيفُ بِكُمْ حَتَّى احْتُقِرْتُ وَمَا مِثْلِي بِمُحْتَقِرِ
وَلَهُ
قَلْبِي يَقُولُ لِعَيْنِي كُلَّمَا نَظَرَتْ كَمْ تَنْظُرِينَ رَمَاكِ اللَّهُ بِالْعَوَرِ
يَا مَنْ يُسَائِلُ عَنْ فَوْزٍ وَصُورَتِهَا إِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَهَا فَانْظُرْ إِلَى الْقَمَرِ
مَا زِلْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الشَّمْسَ وَاحِدَةً حَتَّى رَأَيْتُ لَهَا أُخْتًا مِنَ الْبَشَرِ
[ ٤٢٢ ]
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وابْنُ نَاصِرٍ قَالا أَنْبَأَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمُنْذِرِ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ أَنْشَدَنِي أَبِي لِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ قَالَ وَتُرْوَى لِغَيْرِهِ
جَرَى السَّيْلُ فَاسْتَبْكَانِيَ السَّيْلُ إِذْ جَرَى وَهَاجَتْ لَهُ مِنْ مُقْلَتَيَّ غُرُوبُ
وَمَا ذَاكَ إِلا حِينَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَمُرُّ بِوَادٍ أَنْتِ مِنْهُ قَرِيبُ
يَكُونُ أُجَاجًا دُونَكُمْ فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْكُمْ تَلْقَى طِيبَكُمْ فَيَطِيبُ
فَيَا سَاكِنِي شَرْقَيَّ دِجْلَةٍ كُلُّكُمْ إِلَى الْقَلْبِ مِنْ حُبِّ الْحَبِيبِ حَبِيبُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُعَمَّرِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا صَاعِدُ بْنُ سَيَّارٍ قَالَ أَنبأَنَا أَحْمد ابْن أَبِي سَهْلٍ الْغَوْرَجِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظُ إِجَازَةً قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ السِّجِسْتَانِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ النُّمَيْرِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عُمَرَ الزَّنْبَقِيُّ يَقُولُ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ
لَيْسَ أُمْرُ الْهَوَى يُدْبِرُ بِالرَّأْيِ وَلا بِالْقِيَاسِ وَالتَّفْكِيرِ
إِنَّمَا الأَمْرُ فِي الْهَوَى خَطِرَاتٌ مُحْدِثَاتُ الأُمُورِ بَعْدَ الأُمُورِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الأَدِيبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السُّكُونِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُكْرِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الثُّمَالِيُّ قَالَ مَاتَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ الأَحْنَفِ وَإِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَرُفِعَ خَبَرُهُمْ إِلَى الرَّشِيدِ فَأَمَرَ الْمأْمُونَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ فَوَافَى الْمأْمُونُ وَقَدْ صَفُّوا لَهُ فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ فَقَالَ مَنْ قَدَّمْتُمْ قَالُوا إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخِّرُوهُ وَقَدَّمُوا عَبَّاسًا فَلَمَّا فَرِغَ مِنَ الصَّلاةِ اعْتَرَضَهُ مَنْ قَالَ لَهُ لِمَ قَدَّمْتُ عَبَّاسًا قَالَ بِقَوْلِهِ
سَمَّاكِ لِي قَوْمٌ وَقَالُوا إِنَّهَا لَهِيَ الَّتِي تَشْقَى بِهَا وَتُكَابِدُ
[ ٤٢٣ ]
فَجَحَدْتُهُمْ لِيَكُونَ غَيْرَكِ ظَنَّهُمْ إِنِّي لَيُعْجِبُنِي الْمُحِبُّ الْجَاحِدُ
قَالَ الْخَطِيبُ فِي هَذَا نَظَرٌ لأَنَّ وَفَاةَ الْعَبَّاسِ كَانَتْ بِالْبَصْرَةِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ
وأنبأنا مُحَمَّد ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ سُوَارٍ قَالا أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الشَّطَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ بَيَّنَّا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ قَاعِدٌ فِي مَجْلِسٍ بِالْبَصْرَةِ إِذَا بِغُلامٍ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَثَوْبًا وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ إِنَّ مَوْلايَ يُرِيدُ أَنْ يُوصِي إِلَيْكَ فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخَذَ بَيَدِي حَتَّى أَخَرَجَنِي إِلَى الصَّحْرَاءِ فَإِذَا أَنَا بِالْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ مُلْقَى عَلَى فَرَاشِهِ يَجُودُ بِنَفَسِهِ وَهُوَ يَقُولُ
يَا بَعِيدَ الدَّارِ عَنْ وَطَنِهِ مُفْرَدًا يَبْكِي عَلَى شَجَنِهِ
كُلَّمَا جَدَّ النَّحِيبُ بِهِ زَادَتِ الأَسْقَامُ فِي بَدَنِهِ
ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً فَانْتَبَهَ بِصَوْتِ طَائِرٍ عَلَى شَجَرَةٍ وَهُوَ يَقُولُ
وَلَقَدْ زَادَ الْفُؤَادُ شَجًى هَاتِفٌ يَبْكِي عَلَى فَنَنِهِ
شَاقَهُ مَا شَاقَنِي فَبَكَى كُلُّنَا يَبْكِي عَلَى سَكَنِهِ
ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَظَنَنْتُهُ مِثْلَ الأُولَى فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ