أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُسْلِمَةِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الأَعْرَابِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ الْفَزَارِيُّ قَالَ ذُكِرَ ذُو الرُّمَّةِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ عِدَّةٌ من الْأَعْرَاب فَقَالَ عصمَة
[ ٤٢٤ ]
ابْن مَالِكٍ الْفَزَارِيُّ شَيْخٌ مِنْهُمْ بَلَغَ مِائَةَ وَعِشْرِينَ سَنَةً إِيَّايَ فَسَلُوا عَنْهُ كَانَ حُلْوَ الْعَيْنَيْنِ حَسَنَ الْمَضْحَكِ بَرَّاقَ الثَّنَايَا خَفِيفَ الْعَارِضِينَ إِذَا نَازَعَكَ الْكَلامَ لَا تَسْأَمُ حَدِيثَهُ وَإِذَا أَنْشَدَ بَرْبَرَ وَجَشَّ صَوْتُهُ جَمَعَنِي وَإِيَّاهُ مَرْبَعٌ مَرَّةً فَأَتَانِي فَقَالَ هَيَا عِصْمَةُ إِنَّ مَيًّا مِنْقَرِيَةٌ وَمِنْقَرٌ أَخْبَثُ حَيٍّ أَقْوَفُهُ لأَثَرٍ وَأَثْبَتُهُ فِي نَظَرٍ وَأَعْلَمُهُ بِبَصَرٍ وَقَدْ عَرَفُوا آثَارَ إِبِلِي فَهَلْ مِنْ نَاقَةٍ نَزْدَارُ عَلَيْهَا مَيًّا
قُلْتُ إِي وَاللَّهِ الْجُؤْذَرُ قَالَ فَعَلَيْنَا بِهَا فَجِئْتُ بِهَا فَرَكِبَ وَرَدَفْتُهُ ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى نَهْبِطَ حَيَّ مَيٍّ وَإِذَا الْحَيُّ خُلُوفٌ فَلَمَّا رَآنَا النِّسْوَةُ عَرَفْنَ ذَا الرُّمَّةِ فَتَقَوَّضْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ حَتَّى اجْتَمَعْنَ إِلَى مِيٍّ وَأَنَخْنَا قَرِيبًا وَحَيَّيْنَاهُنَّ فَقَالَتْ ظَرِيفَةٌ مِنْهُنَّ أَنْشِدْنَا ذَا الرُّمَّةِ فَقَالَ لِي أَنْشِدْهُنَّ فَأَنْشَدْتُهُنَّ قَوْلَهُ
وَقَفَتْ عَلَى رَبْعٍ لِمَيَّةَ نَاقَتِي فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهُ
فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ
نَظَرْتُ إِلَى أَظْعَانِ مَيٍّ كَأَنَّهَا ذُرَى النَّخْلِ أوأثل تَمِيلُ ذَوَائِبُهْ
فَأَسْبَلَتِ الْعَيْنَانِ وَالْقَلْبُ كاتم بمغرورق نمت عَلَيَّ سَوَاكِبُهْ
بَكَى وَامِقٌ جَاءَ الْفُرَاقُ وَلَمْ تُجُلْ جَوَائِلَهَا أَسْرَارُهُ وَمَعَاتِبُهْ
[ ٤٢٥ ]
قَالَتِ الظَّرِيفَةُ لَكِنَّ الْيَوْمَ فَلْتُجِلْ
ثُمَّ مَضَيْتُ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ
وَقَدْ حَلَفَتْ بِاللَّهِ مَيَّةُ مَا الَّذِي أُحَادِثُهَا إِلا الَّذِي أَنَا كَاذِبُهْ
إِذَنْ فَرَمَانِي اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا أَرَى وَلا زَالَ فِي أَرْضِي عَدُوٌّ أُحَارِبُهْ
قَالَتْ مَيُّ وَيْحَكَ يَا ذَا الرُّمَّةِ خِفْ عَوَاقِبَ اللَّهِ ﷿
ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى أَنِ انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ
إِذَا سَرَحَتْ مِنْ حُبِّ مَيٍّ سَوَارِحُ عَلَى الْقَلْبِ آبَتْهُ جَمِيعًا عَوَازِبُهْ
فَقَالَتِ الظَّرِيفَةُ قَتَلْتِهِ قَتَلَكِ اللَّهُ
فَقَالَتْ مَيَّةُ مَا أَصَحُّهُ وَهَنِيئًا لَهُ
قَالَ فَتَنَفَّسَ ذُو الرُّمَّةِ تَنَفُسَّةً كَادَ حَرُّهَا يَطِيرُ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ مَضَيْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ
إِذَا نَازَعَتْكَ الْقَوْلَ مَيَّةُ أَوْ بدا لَك الْوَجْه مِنْهَا أونضا الدِّرْعَ سَالِبُهْ
فَيَالَكَ مِنْ خَدٍّ أَسِيلٍ وَمَنْطِقٍ رَخِيمٍ وَمِنْ خَلْقٍ تَعَلَّلَ جَادِبُهْ
فَقَالَتِ الظَّرِيفَةُ هَذَا الْوَجْهُ قَدْ بَدَا وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ تُنُوزِعَ فَمَنْ لَنَا بِأَنْ يَنْضُو الدِّرْعَ سَالِبُهْ
فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهَا مَيٌّ فَقَالَتْ مَالَكِ قَاتَلَكِ اللَّهُ مَاذَا تُجِيبِينَ بِهِ
فَتَضَاحَكَ النِّسْوَةُ فَقَالَتِ الظَّرِيفَةُ إِنَّ لِهَذَيْنِ لَشَأَنًا فَقُومُوا بِنَا عَنْهُمَا
فَقُمْنَ وَقُمْتُ فَصِرْتُ إِلَى بَيْتٍ قَرِيبٍ مِنْهُمَا أَرَاهُمَا وَلا أَسْمَعُ كَلامَهُمَا إِلا
[ ٤٢٦ ]
الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ بَرِحَ مَكَانَهُ وَلا تَحَرَّكَ وَسَمِعْتُهَا تَقُولُ كَذَبْتَ وَاللَّهِ
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا الَّذِي كَذَّبَتْهُ فِيهِ
فَتَحَدَّثَا سَاعَةً ثُمَّ جَاءَنِي وَمَعَهُ قَوَيْرِيرَةً فِيهَا دُهْنٌ طَيِّبٌ فَقَالَ هَذِهِ دَهْنَةٌ أَتْحَفَتْنَا بِهَا مَيٌّ فَشَأْنُكَ بِهَا وَهَذِهِ قَلائِدٌ زَوَّدَتْنَاهَا لِلْجُؤْذَرِ فَلا وَاللَّهِ لَا قَلَّدْتَهُنَّ بَعِيرًا أَبَدًا ثُمَّ عَقَدَهُنَّ فِي ذُؤَابَةِ سَيْفِهِ
قَالَ وَانْصَرَفْنَا فَلم نزل تخْتَلف إِلَيْهَا مَرْبَعَنَا حَتَّى انْقَضَى
ثُمَّ جَاءَنِي يَوْمًا فَقَالَ يَا عِصْمَةُ قَدْ ظَعَنَتْ مَيٌّ فَلَمْ يَبْقَ إِلا الدِّيَارُ وَالنَّظَرُ فِي الآثَارِ فَامْضِ بِنَا نَنْظُرْ إِلَى آثَارِهَا
فَخَرَجْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَى دِيَارِهَا فَجَعَلَ يَنْظُرُ ثُمَّ قَالَ
أَلا فَاسْلَمِي يَا دَارَ مَيَّ عَلَى الْبَلَى وَلا زَالَ مُنْهَلا بِجَرْعَائِكِ الْقَطْرُ
وَإِنْ لَمْ تَكُونِي غَيْرَ شَامٍ بِقَفْرَةٍ تَجُرُّ بِهَا الأَذْيَالُ صَيْفِيَّةٌ كَدْرُ ثُمَّ انْتَضَحَتْ عَيْنَاهُ بِعَبْرَةٍ فَقُلْتُ مَهْ فَقَالَ إِنِّي لَجَلِدٌ وَإِنْ كَانَ مِنِّي مَا تَرَى
فَمَا رَأَيْتُ صَبَابَةً قَطُّ وَلا تَجَلُدًا أَحْسَنَ مِنْ صَبَابَتِهِ وَتَجَلُّدِهِ يَوْمَئِذٍ
ثُمَّ انْصَرَفْنَا فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ