قَالا أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّصَيْبِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مَوْلَى لِعَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ
[ ٤٢٧ ]
كُنْتُ أَدْخُلُ مَعَ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ إِذَا دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَدَخَلَ يَوْمًا فَدَخَلْتُ إِلَيْهِمَا وَلَيْسَ عِنْدَ الْحَجَّاجِ غَيْرَ عَنْبَسَةَ فَقَعَدْتُ فَجَاءَ الْحَاجِبُ فَقَالَ امْرَأَةٌ بِالْبَابِ فَقَالَ الْحَجَّاجُ أَدْخِلْهَا فَدَخَلْتُ فَلَمَّا رَآهَا الْحَجَّاجُ طَأْطَأَ رَأْسَهُ
فَجَاءَتْ حَتَّى قَعَدَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ امْرَأَةٌ قَدْ أَسَنَّتْ حَسَنَةُ الْخَلْقِ وَمَعَهَا جَارِيتَانِ لَهَا وَإِذَا هِيَ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةُ
فَسَأَلَهَا الْحَجَّاجُ عَنْ نَسَبِهَا فَانْتَسَبَتْ لَهُ فَقَالَ يَا لَيْلَى مَا أَتَانِي بِكِ
قَالَتْ إِخْلافُ النُّجُومِ وَقِلَّةُ الْغُيُومِ وَكَلَبُ الْبَرْدِ وَشِدَّةُ الْجَهْدِ وَكُنْتَ بَعْدَ اللَّهِ الرِّفْدَ
فَقَالَ لَهَا صِفِي الْفِجَاجَ
فَقَالَتْ الْفِجَاجُ مُغْبَرَّةٌ وَالأَرْضُ مُقْشَعِرَّةٌ وَالْمَبْرَكُ مُعْتَلٌّ وَذُو الْعِيَالِ مُخْتَلٌّ وَالْهَالِكُ الْمُقِلُّ وَالنَّاسُ مُسْنِتُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ يَرْجُونَ وَأَصَابَتْنَا سِنُونَ مُجْحَفَةٌ مُبْلِطَةٌ لَمْ تَدَعْ لَنَا هُبَعًا وَلا رُبَعًا وَلا عَافِطَةً وَلا نَافِطَةً أَذْهَبَتِ الأَمْوَالَ وَفَرَّقَتِ الرِّجَالَ وَأَهْلَكَتِ الْعِيَالَ
ثُمَّ قَالَتْ إِنِّي قَدْ قُلْتُ فِي الأَمِيرِ قَوْلا قَالَ هَاتِ فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ
أَحَجَّاجُ لَا يُفْلَلْ سِلاحُكَ إِنَّمَا الْمَنَايَا بِكَفِّ اللَّهِ حَيْثُ يَرَاهَا
[ ٤٢٨ ]
أحجاج لَا تُعْطِي الْعُصَاةَ مُنَاهُمُ وَلا اللَّهُ يُعْطِي لِلْعُصَاةِ مُنَاهَا
إِذَا هَبَطَ الْحَجَّاجُ أَرْضًا مَرِيضَةً تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا
شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا غُلامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا
سَقَاهَا فَرَوَاهَا بِشُرْبِ سِجِالِهِ دِمَاءَ رِجِالٍ حَيْثُ قَالَ حَمَاهَا
إِذَا سَمِعَ الْحَجَّاجُ رَزَّ كَتِيبَةٍ أَعَدَّ لَهَا قَبْلَ النُّزُولِ قِرَاهَا
أَعَدَّ لَهَا مَسْمُومَةً فَارِسِيَّةً بِأَيْدِي رِجَالٍ يَحْلِبُونَ صَرَاهَا
فَمَا وَلَدَ الأَبْكَارُ وَالْعُوْنُ مِثْلَهُ بِنَجْدٍ وَلا أَرْضٍ يَخِفُّ ثَرَاهَا
قَالَ فَلَمَّا قَالَتْ هَذَا قَالَ الْحَجَّاجُ قَاتَلَهَا اللَّهُ مَا أَصَابَ صِفَتِي شَاعِرٌ مُنْذُ دَخَلْتُ الْعِرَاقَ غَيْرُهَا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لأَعُدُّ لِلأَمْرِ عَسَى أَنْ لَا يَكُونَ أبدا ثمَّ الْتفت إلهيا فَقَالَ حَسْبُكِ وَيْحَكِ حَسْبُكِ ثُمَّ قَالَ يَا غُلامُ اذْهَبْ إِلَى فُلانٍ فَقُلْ لَهُ اقْطَعْ لِسَانَهَا
قَالَ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْحَجَّامِ فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَ إِنَّمَا أَمَرَكَ أَنْ تَقْطَعَ لِسَانِي بِالصِّلَةِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَسْتَبِينَهُ فَاسْتَشَاطَ الْحَجَّاجُ غَضَبًا وَهَمَّ بِقَطْعِ لِسَانِهِ وَقَالَ ارْدُدْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَتْ كَادَ وَأَمَانَة وَالله يَقْطَعُ مَقُولِي ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ
[ ٤٢٩ ]
حَجَّاجُ أَنْتَ الَّذِي مَا فَوْقَهُ أَحَدُ إِلا الخْلَيِفةُ واَلْمُسْتَغْفَرُ الصَّمَدُ
حَجَّاجُ أَنْتَ شِهَابُ الْحَرْبِ إِذْ لفحت وَأَنت للنَّاس نجم فِي الدجا يَقِدُ ثُمَّ أَقْبَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَنْ هَذِهِ قَالُوا لاوالله يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلا أَنَّا لَمْ نَرَ امْرَأَةً قَطُّ أَفْصَحَ لِسَانًا وَلا أَحْسَنَ مُحَاوَرَةً وَلا أَمْلَحَ وَجْهًا وَلا أَرْصَنَ شِعْرًا مِنْهَا فَقَالَ هَذِهِ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةُ الَّتِي مَاتَ تَوْبَةُ الْخَفَاجِيُّ مِنْ حُبِّهَا
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ أَنْشِدِينَا يَا لَيْلَى بَعْضَ مَا قَالَ فِيكِ تَوْبَةُ
فَقَالَتْ نَعَمْ أَيُّهَا الأَمِيرُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ
وَهَلْ تَبْكِينِ لَيْلَى إِذَا مِتُّ قَبْلَهَا وَقَامَ عَلَى قَبْرِي النِّسَاءُ النَّوَائِحُ
كَمَا لَوْ أَصَابَ الْمَوْتُ لَيْلَى بَكَيْتُهَا وَجَادَ لَهَا دَمْعٌ مِنَ الْعَيْنِ سَافِحُ
وَأُغْبِطَ مِنْ لَيْلَى بِمَا لَا أَنَالُهُ بَلَى كُلُّ مَا قَرَّتْ بِهِ الْعَيْنُ صَالِحُ
وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ عَلَيَّ وَدُونِي تُرْبَةٌ وَصَفَائِحُ
لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ الْبَشَاشَةِ أَوْ زَقَا إِلَيْهَا صَدَى مِنْ جَانِبِ الْقَبْرِ صَائِحُ
فَقَالَ لَهَا زِيدِينَا مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَتْ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ
حَمَامَةُ بَطْنِ الْوَادِيَيْنِ تَرَنَّمِي سَقَاكِ مِنَ الْغُرِّ الْغَوَادِي مَطِيرُهَا
أَبِينِي لَنَا لَا زَالَ رِيشُكِ نَاعِمًا وَلا زِلْتِ فِي خَضَرَاءَ غَضٍّ نَضِيرُهَا
وَأُشْرِفُ بِالْقُورِ الْيَفَاعِ لَعَلَّنِي أَرَى نَارَ لَيْلَى أَوْ يَرَانِي بَصِيرُهَا
[ ٤٣٠ ]
وَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا صُدُودٌ رَأَيْتُهُ وَإِعْرَاضُهَا عَنْ حَاجَتِي وَبُسُورُهَا
وَكُنْتُ إِذَا مَا جِئْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الْغَدَاةَ سُفُورُهَا
يَقُولُ رِجَالٌ لَا يَضُرُّكَ نَأْيُهَا بَلَى كُلُّ مَا شَفَّ النُّفُوسَ يَضِيرُهَا
بَلَى قَدْ يَضُرُّ الْعَيْنُ أَنْ تُكْثِرُ الْبُكَا وَيُمْنَعُ مِنْهَا نَوْمُهَا وَسُرُورُهَا
وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا
فَقَالَ لَهَا الْحَجَّاجُ يَا لَيْلَى مَا الَّذِي رَابَهُ مِنْ سُفُورِكِ
قَالَتْ أَيُّهَا الأَمِيرُ كَانَ يَلُمُّ بِي كَثِيرًا فَأَرْسَلَ يَوْمًا إِلَيَّ إِنِّي آتِيكِ وَفَطِنَ الْحَيُّ فَأَرْصَدُوا لَهُ فَلَمَّا أَتَانِي سَفَرْتُ فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَشَرٌّ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالرُّجُوعِ
فَقَالَ لِلَّهِ دَرُّكِ فَهَلْ رَأَيْتِ مِنْهُ شَيْئًا تَكْرَهِينَهُ
قَالَتْ لَا وَاللَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ أَنْ يُصْلِحَكَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ لِي مَرَّةً قَوْلا ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ خَضَعَ لِبَعْضِ الأَمْرِ فَأَنْشَأَتُ أَقُولُ
وَذِي حَاجَةٍ قُلْنَا لَهُ لَا تَبُحْ بِهَا فَلَيْسَ إِلَيْهَا مَا حَيِيتَ سَبِيلُ
لَنَا صَاحِبٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَخُونَهُ وَأَنْتَ لأُخْرَى فَارِغٌ وَخَلِيلُ
فَلا وَالَّذِي أَسْأَلُهُ أَنْ يُصْلِحَكَ مَا رَأَيْتُ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَالَ ثُمَّ مَهْ قَالَتْ ثُمَّ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي غُزَاةٍ لَهُ فَأَوْصَى ابْنُ عَمِّهِ إِذَا أَتَيْتَ الْحَاضِرَ مِنْ بَنِي عُبَادَةَ فَنَادِ بِأَعْلَى صَوْتِكَ
[ ٤٣١ ]
عَفَا اللَّهُ عَنْهَا هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً مِنَ الدَّهْرِ لَا يَسْرِي إِلَيَّ خَيَالُهَا
فَخَرَجْتُ وَأَنَا أَقُولُ
وَعَنْهُ عَفَا وَرَبِّي وَأَحْسَنَ حَالَهُ فَعَزَّتْ عَلَيْنَا حَاجَةً لَا يَنَالُهَا
قَالَ ثُمَّ مَهْ قَالَتْ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ فَأَتَانَا نَعْيُهُ
قَالَ فَأَنْشِدِينَا بَعْضَ مَرَاثِيكِ فِيهِ فَأَنْشَدَتْ
لِتَبْكِ الْعَذَارَى مِنْ خُفَاجَةَ نِسْوَةٌ بِمَاءِ شُئُونِ الْعَبْرَةِ الْمُتَحَدِّرِ
كَأَنَّ فَتَى الْفِتْيَانِ تَوْبَةَ لَمْ يُنِخْ قَلائِصَ يَفْحَصْنَ الْحَصَا بِالْكَرَاكِرِ
قَالَ فَأَنْشِدِينَا فَأَنْشَدْتُهُ فَلَمَّا فَرَغِتْ مِنَ الْقَصِيدَةِ قَالَ مِحْصَنٌ الْفَقْعَسِيُّ وَكَانَ مِنْ جُلَسَاءِ الْحَجَّاجِ مَنْ هَذَا الَّذِي تَقُولُ هَذِهِ هَذَا فِيهِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّهَا كَاذِبَةً
فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَتْ أَيُّهَا الأَمِيرُ إِنَّ هَذَا الْقَائِلَ لَوْ رَأَى تَوْبَةَ لَسَرَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي دَارِهِ عَذْرَاءَ إِلا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ فَقَالَ الْحَجَّاجُ هَذَا وَأَبِيكِ الْجَوَابُ وَقَدْ كُنْتَ عَنْهُ غَنِيًا
ثُمَّ قَالَ لَهَا سَلِي يَا لَيْلَى تُعْطَيْ قَالَتْ أُعْطِ فَمِثْلُكَ أَعْطَى فَأَحْسَنَ قَالَ لَكِ عِشْرُونَ قَالَتْ زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَجْمَلَ قَالَ لَكِ أَرْبَعُونَ قَالَتْ زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَفْضَلَ قَالَ لَكِ سِتُّونَ قَالَتْ زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَكْمَلَ قَالَ لَكِ ثَمَانُونَ قَالَتْ زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَتَمَّ قَالَ لَكِ مِائَةٌ وَاعْلَمِي يَا لَيْلَى أَنَّهَا غَنَمٌ
قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ أَيُّهَا الأَمِيرُ أَنْتَ أَجْوَدُ جُودًا وَأَمْجَدُ مَجْدًا وأورى زندا من أَن نَجْعَلهَا غَنَمًا قَالَ فَمَا هِيَ وَيْحَكِ يَا لَيْلَى قَالَتْ مِائَةُ نَاقَةٍ بِرِعَائِهَا
[ ٤٣٢ ]
فَأَمَرَ لَهَا بِهَا ثُمَّ قَالَ أَلَكِ حَاجَةً بَعْدَهَا قَالَتْ تَدْفَعُ إِلَيَّ النَّابِغَةَ الْجَعْدِيَّ فِي قَرَنٍ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ وَقَدْ كَانَتْ تَهْجُوهُ وَيَهْجُوهَا
فَأَبْلَغَ النَّابِغَةَ ذَلِكَ فَفَرَّ هَارِبًا عَائِذًا بِعَبْدِ الْمَلِكِ فَاتَّبَعَتْهُ إِلَى الشَّامِ فَهَرَبَ إِلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ فَاتَّبَعَتْهُ عَلَى الْبَرِيدِ بِكِتَابِ الْحَجَّاجِ إِلَى قُتَيْبَةَ فَمَاتَتْ بِقَوْمَسَ وَيُقَالُ بِحُلْوَانٍ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ طهر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ بْنُ طِرَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْخُتَّلِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ النَّسَائِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ زَيْدٍ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ تَوْبَةَ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ إِنَّ زَوْجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّ بِقَبْرِ تَوْبَةَ وَلَيْلَى مَعَهُ فَقَالَ لَهَا يَا لَيْلَى هَلْ تَعْرِفِينَ هَذَا الْقَبْرَ فَقَالَتْ لَا قَالَ هَذَا قَبْرُ تَوْبَةَ فَسَلَّمِي عَلَيْهِ قَالَتِ امْضِ لِشَأْنِكَ فَمَا تُرِيدُ مِنْ تَوْبَةَ وَقَدْ بَلِيَتْ عِظَامُهُ
قَالَ أُرِيدُ تَكْذِيبَهُ أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ
وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ عَلَيَّ وَدُونِي تُرْبَةٌ وَصَفَائِحُ
لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ الْبَشَاشَةِ أوزقا إِلَيْهَا صَدَى مِنْ جَانِبِ الْقَبْرِ صَائِحُ
فَوَاللَّهِ لَا بَرِحْتِ أَوْ تُسَلِّمِي عَلَيْهِ
فَقَالَتْ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا تَوْبَةَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا صِرْتَ إِلَيْهِ
فَإِذَا طَائِرٌ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْقَبْرِ حَتَّى ضَرَبَ صَدْرَهَا فَشَهِقَتْ شَهْقَةٌ فَمَاتَتْ فَدُفِنَتْ إِلَى جَانِبِ قَبْرِهِ فَنَبَتَتْ عَلَى قَبْرِهِ شَجْرَةٌ وَعَلَى قَبْرِهَا شَجْرَةٌ فَطَالَتَا فَالْتَقَيَا
وَمِنْ مَحَاسِنِ أَشْعَارِ تَوْبَةَ
[ ٤٣٣ ]
يَقُولُ رِجَالٌ لَا يُضِيرُكَ نَأْيُهَا أَلا كُلُّ مَا شَفَّ النُّفُوسَ يُضِيرُهَا
أَلَيْسَ يَضُرُّ الْعَيْنُ أَنْ تُدْمِنَ الْبُكَا وَيُمْنَعُ مِنْهَا نَوْمُهَا وَسُرُورُهَا
أَرَى الْيَوْمَ يَأْتِي دُونَ لَيْلَى كَأَنَّمَا أَتَتْ دُونَ لَيْلَى حِجَّةٌ وَشُهُورُهَا
خَلِيلَيَّ مَا مِنْ سَاعَةٍ تَقِفَا بِهَا مِنَ اللَّيْلِ إِلا مِثْلَ أُخْرَى نَسِيرُهَا
حَمَامَةُ بَطْنِ الْوَادِيَيْنِ أَلا اسْلَمِي سَقَاكِ الْغُرِّ الْغَوَادِي مَطِيرُهَا
أَبِينِي لَنَا لَا زَالَ رِيشُكِ نَاعِمًا وَبَيْضُكِ فِي خَضْرَاءَ غَضٍّ نَضِيرُهَا
وَكُنْتُ إِذَا زُرْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الْغَدَاةَ سُفُورُهَا
أَلا يَا صَفِيَّ النَّفْسِ كَيْفَ تَقُولُهَا لَوْ أَنَّ طَرِيدًا خَائِفًا يَسْتَجِيرُهَا
عَلَى دَمَاءِ الْبَدَنِ إِنْ كَانَ زَوْجُهَا يَرَى لِي ذَنْبًا غَيْرَ أَنِّي أَزُورُهَا
وَإِنِّي إِذَا مَا زُرْتُهَا قُلْتُ يَا اسْلَمِي وَمَا كَانَ فِي قَلْبِي لَهَا مَا يَضِيرُهَا
وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّيَ فَاجِرٌ لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا
وَلَهُ وَلَو أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ عَلَيَّ وَدُونِي تُرْبَةٌ وصفائح
[ ٤٣٤ ]
لسلمت تَسْلِيم البشاشة أوزقا إِلَيْهَا صَدَى مِنْ جَانِبِ الْقَبْرِ صَائِحُ
إِذَا النَّاسُ قَالُوا كَيْفَ أَنْتَ وَقَدْ بَدَا ضَمِيرُ الَّذِي بِي قُلْتُ لِلنَّاسِ صَالِحُ
فَهَلْ تَبْكِنِي لَيْلَى إِذَا مِتُّ قَبْلَهَا وَقَامَ عَلَى قَبْرِي النِّسَاءُ النَّوَائِحُ
كَمَا لَوْ أَصَابَ الْمَوْتُ لَيْلَى بَكَيْتُهَا وَجَادَ لَهَا دَارٌ مِنَ الدَّمْعِ سَافِحُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
فَإِنْ تَمْنَعُوا لَيْلَى وَحُسْنَ حَدِيثِهَا فَهَلْ تَمْنَعُوا مِنِّي الْبُكَا وَالْقَوَافِيَا
فَهَلا مَنَعْتُمْ إِذْ مَنَعْتُمْ كَلامَهَا خَيَالا يُمْسِينَا عَلَى النَّأْيِ هَادِيَا
يَلُومُكَ فِيهَا الَّلائِمُونَ فَصَاحَةً فَلَيْتَ الْهَوَى بِالَّلائِمِينَ مَكَانِيَا
لَعَمْرِي لَقَدْ أَسْهَدَتْنِي حَمَامَةُ الْعَقِيقِ وَقَدْ أَبْكَيْتُ مَنْ كَانَ بَاكِيَا
وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى فِي بِلادٍ بَعِيدَةٍ بِأَقْصَى بِلادِ اللَّهِ فَالْحُرُّ وَادِيَا
لَكَانَتْ حَدِيثَ النَّفْسِ لَا يَلْحُنِي بِهَا إِذَا عَلِقَ الرَّكْبُ الْحَدِيثَ فُؤَادِيَا
ذَكَرْتُكِ بِالْقُورِ التُّهَامَى فَأُصْدِعَتْ شُجُونُ الْهَوَى حَتَّى بَلَغْنَ التَّرَاقِيَا
بِثَمْدَيْنِ لاحَتْ نَارُ لَيْلَى وَصُحْبَتِي بِقَرْعِ الغضا تزجي القلاص الخوافيا