بْنُ أَحْمَدَ قَالَ كُنْتُ مَارًّا بَيْنَ تَيْمَاءَ وَوَادِي الْقُرَى صَادِرًا مِنْ مَكَّةَ فَرَأَيْتُ صَخْرَةً عَظِيمَةً مَلْسَاءَ فِيهَا تَرْبِيعٍ بِقَدْرِ
[ ٤٣٥ ]
مَا يَجْلِسُ عَلَيْهَا النَّفَرُ كَالدِّكَةِ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَنَا مِنَ الْعَرَبِ وَأَظُنُّهُ جُهَنِيًّا هَذَا مَجْلِسُ جَمِيلٍ وَبُثَيْنَةَ فَاعْرِفْهُ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمَدَائِنِيُّ قَالَ قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ رَجُلا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُحَدِّثُ قَالَ لَمَّا عَلِقَ جَمِيلٌ بُثَيْنَةَ وَجَعَلَ يُشَبِّبُ بِهَا اسْتَعَدَى عَلَيْهِ أَهْلُهَا رِبْعِيَّ بْنَ دَجَاجَةَ وَهُوَ يَؤْمَئِذٍ أَمِيرُ تَيْمَاءَ
فَخَرَجَ جَمِيلٌ هَارِبًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَجُلٍ مِنْ عُذْرَةَ بِأَقْصَى بِلادِهِمْ وَكَانَ سَيَّدًا فَاسْتَجَارَ بِهِ
وَكَانَ لِلرَّجُلِ سَبْعُ بَنَاتٍ فَلَمَّا رَأَى جَمِيلا رَغِبَ فِيهِ فَأَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُ لَيْسَلُو عَنْ بَثُيَنْةَ فَقَالَ لِبَنَاتِهِ الْبِسْنَ أَحْسَنَ ثِيَابِكُنَّ وَتَحَلَّيْنَ بَأَحْسِنِ حُلِيِّكُنَّ وَتَعَرَّضْنَ لَهُ فَلَعَلَّ عَيْنَهُ أَنْ تَقَعَ عَلَى إِحْدَاكُنَّ فَأُزَوِّجُهُ إِيَّاهَا
قَالَ وَكَانَ جَمِيلٌ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ فَإِذَا أَقْبَلَ رَفَعْنَ جَانِبَ الْخِبَاءِ فَإِذَا رَآهُنَّ صَرَفَ وَجْهَهُ
قَالَ فَفَعَلْنَ ذَلِكَ مِرَارًا فَعَرَفَ جَمِيلٌ مَا أَرَادَ بِهِ الشَّيْخُ فَقَالَ
حَلَفْتُ لِكَيْمَا تَعْلَمِينِيَ صَادِقًا وَلَلْصِدْقِ خَيْرٌ فِي الأُمُورِ وَأَنْجَحُ
لَتَكْلِيمُ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ بُثَيْنَةَ وَرُؤْيَتُهَا عِنْدِي أَلَذُّ وَأَمْلَحُ
مِنَ الدَّهْرِ لَوْ أَخْلُو بِكُنَّ وَإِنَّمَا أُعَالِجُ قَلْبًا طَامِحًا حِينَ يَطْمَحُ
[ ٤٣٦ ]
فَقَالَ الشَّيْخُ أَرْخِينَ عَلَيْكُنَّ الْخِبَاءَ فَوَاللَّهِ لَا يُفْلِحُ هَذَا أَبَدًا
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْمُقَتْدِرَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ أَنْبَأَنَا الصَّوْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ جَمِيلا بِمِصْرَ قَالَ مَنْ يُعْلِمُ لِي بُثَيْنَةَ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا فَلَمَّا مَاتَ صَارَ إِلَى حَيِّ بُثَيْنَةَ فَقَالَ
بَكَرَ النَّعْيُ وَمَا كَنَى بِجَمِيلِ وَثَوَى بِمِصْرَ ثَوَاءَ غَيْرِ قُفُولِ
بَكَرَ النَّعِيُّ بِفَارِسٍ ذِي هِمَّةٍ بَطَلٍ إِذَا حَمَلَ اللِّوَاءَ مُدِيلِ
فَسَمِعَتْ بُثَيْنَةَ فَخَرَجَتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ تَقُولُ
وَإِنَّ سُلُوِّيَ عَنْ جَمِيلٍ لَسَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ مَا حَانَتْ وَلا حَانَ حِينُهَا
سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنُ مُعَمَّرٍ إِذَا مِتَّ بَأْسَاءُ الْحَيَاةِ وَلِينُهَا
وَبَلَغَنَا مِنْ طُرِقٍ أُخْرَى عَنْ جَمِيلٍ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ
مَنْ يَأْخُذُ نَاقَتِي وَمَا عَلَيْهَا وَيَأْتِي مَاءَ بَنِي فُلانٍ وَيَنْشُدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
بَكَرَ النَّعْيُ وَمَا كَنَى بِجَمِيلِ وَثَوَى بِمِصْرَ ثَوَاءَ غَيْرِ قُفُولِ
غَدَرَ الزَّمَانُ بِفَارِسٍ ذِي هِمَّةٍ ثَبْتٍ إِذَا حَمَلَ اللِّوَاءَ نَزُولِ
فَلَمَّا قَضَى حَيَاتَهُ أَتَى الرَّجُلُ الْمَاءَ فَأَنْشَدَ الْبَيْتَيْنِ فَخَرَجَتْ بُثَيْنَةُ نَاشِرَةً شَعْرَهَا شَاقَةً جَيْبَهَا لاطِمَةً خدها وَهِي تَقول يَا أَيهَا النَّاعِي بِفِيكَ الْحَجَرُ
[ ٤٣٧ ]
أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ كَذَبْتَنِي لَقَدْ فَضَحْتَنِي وَإِنْ كُنْتَ صَدَقَتَنِي لَقَدْ قَتَلْتَنِي ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ
وَإِنَّ سُلُوِّيَ عَنْ جَمِيلٍ لَسَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ مَا جَاءَتْ وَلا جَاءَ حِينُهَا
سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنُ مُعَمَّرٍ إِذَا مِتَّ بَأْسَاءُ الْحَيَاةُ وَلِينُهَا
وَيُقَالُ إِنَّهَا لَمْ تَقُلْ شِعْرًا غَيْرَهُ وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ أَشْعَارِ جَمِيلٍ
أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ قَالَتْ أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ التَّوْزِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمَأْمُونِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ قَالَ قَالَ جَمِيلُ بْنُ مُعَمَّرٍ
خَلِيلَيَّ عُوجَا الْيَوْمَ حَتَّى تُسَلِّمَا عَلَى عَذْبَةُ الأَنْيَابِ طَيِّبَةُ النَّشْرِ
فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُمَا لِي سَاعَةً شَكَرْتُكَمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي قَبْرِي
وَإِنَّكُمَا إِنْ لَمْ تَعُوجَا فَإِنَّنِي سَأَصْرِفُ وِجْدِي فَائْذَنَا الْيَوْم بالهجر
وَمَالِي لَا أَبْكِي وَفِي الأَيْكِ نَائِحٌ وَقَدْ فَارَقَتْنِي شَخْتَةُ الْكَشْحِ وَالْخَصْرِ
أَيَبْكِي حَمَامُ الأَيْكِ مِنْ فَقْدِ إِلْفِهِ وَأَصْبِرُ مَا بِي عَنْ بُثَيْنَةَ مِنْ صَبْرِ
يَقُولُونَ مَسْحُورٌ يُجَنُّ بِذِكْرِهَا وَأُقْسِمُ مَا بِي مِنْ جُنُونٍ وَلا سِحْرُ
وَأُقْسِمُ لَا أَنْسَاكِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ وَمَا خَبَّ آلٌ فِي مُلَمَّعَةِ قَفْرِ
وَمَا لاحَ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ مُعَلَّقٌ وَمَا أَوْرَقَ الأَغْصَانُ مِنْ وَرَقِ السِّدْرِ
لَقَدْ شَغَفَتْ نَفْسِي بُثَيْنُ بِذِكْرِكُمْ كَمَا يُشْغَفُ الْمَخْمُورُ يَا بُثْنُ بِالْخَمْرِ
ذَكَرْتُ مَقَامِيَ لَيْلَةَ الْبَانِ قَابِضًا عَلَى كَفِّ حَوْرَاءَ الْمَدَامِعِ كَالْبَدْرِ
[ ٤٣٨ ]
وَكِدْتُ وَلَمْ أَمْلُكْ إِلَيْهَا صَبَابَةً أَهِيمُ وَفَاضَ الدَّمْعُ مِنِّي عَلَى النَّحْرِ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً كَلَيْلَتِنَا حَتَّى نَرَى سَاطِعَ الْفَجْرِ
تَجُودُ عَلَيْنَا بِالْحَدِيثِ وَتَارَةً تَجُودُ عَلَيْنَا بِالرُّضَابِ مِنَ الثَّغْرِ
فَلَيْتَ إِلَهِي قَدْ قَضَى ذَاكَ مَرَّةً فَيَعْلَمُ رَبِّي حِينَ ذَلِكَ مَا شُكْرِي
وَلَوْ سَأَلَتْ مِنِّي حَيَاتِي بَذَلْتُهَا وَجُدْتُ بِهَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِي
وَمِنْ أَشْعَارِهِ
رَأَيْتُكَ تَأْتِي الْبَيْتَ تُبْغِضُ أَهْلَهُ وَقَلْبُكَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي أَنْتَ هَاجِرُهُ
أَجِدُّكَ لَا يُنْسِيكَ جُمْلا وَذِكْرَهَا تَطَاوُلُ هَذَا اللَّيْلِ ثُمَّ تَقَاصُرُهُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
طَرِبْتُ وَهَاجَ الشَّوْقُ مِنِّي وَرُبَّمَا طَرِبْتُ وَأَبْكَانِي الْحَمَامُ الْهَوَاتِفُ
وَأَصْبَحْتُ قَدْ ضَمَّنْتُ صَدْرِي حَرَارَةً وَفِي الصَّدْرِ بِلْبَالٌ تَلِيدُ وَطَارِفُ
إِذَا ذَكَرَتْكِ النَّفْسُ ظَلْتُ كَأَنَّنِي يُقَرِّفُ قَرْحًا فِي فُؤَادِيَ قَارِفُ
وَقُلْتُ لِقَلْبٍ قَدْ تَمَادَى بِهِ الْهَوَى وَأَبْلاهُ حُبٌّ مِنْ بُثَيْنَةَ رَادِفُ
لَعَمْرُكِ لَوْلا الذِّكْرُ لانْقَطَعَ الْهَوَى وَلَوْلا الْهَوَى مَا جَنَّ لِلْبَيْنِ آلِفِ
وَصَاحَ بِشِعْبِ الدَّارِ مِنَّا وَمِنْهُمُ غَدَاةَ ارْتَحَلْنَا لِلتَّفَرُّقِ هَاتِفِ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
أَلا لَا أُبَالِي جَفْوَةَ النَّاسِ بَعْدَمَا بَدَا مِنْكِ رَأَيٌ يَا بُثَيْنُ جَمِيلُ
وَمَا لَمْ تُطِيعِي كَاشِحًا وَتَبَدَّلِي بِنَا بَدَلا أَوْ بَانَ مِنْكِ ذُهُولُ
وَإِنَّ صَبَابَاتِي إِلَيْكِ كَثِيرَةٌ بُثَيْنُ وَنِسْيَانِيكُمْ لَقَلِيلُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
رَسْمُ دَارٍ وَقَفْتُ فِي طَلَلِهِ كِدْتُ أَقْضِي الْحَيَاةَ مِنْ جَلَلِهْ
[ ٤٣٩ ]
مُوحِشًا مَا تَرَى بِهِ أَحَدًا تَنْسِجُ الرِّيحُ ثَوْبَ مُعْتَدِلِهْ
قَدْ أَصُونُ الْحَدِيثَ دُونَ خَلِيلٍ لَا أَخَافُ الأَذَاةَ مِنْ قِبَلِهْ
غَيْرَ مَا بِغْضَةٍ وَلا لاجْتِنَابٍ غَيْرَ أَنَّ الْمُحِبَّ مِنْ وَجَلِهْ
وَلَهُ
أَصْبَحْتَ وَدَّعْتَ الصَّبَابَةَ وَالْجَهْلا وَقَالَ لَكَ الشَّيْبُ الَّذِي قَدْ عَلا مَهْلا
وَقَالَ الأُلَى كَانُوا لِدَاتِكَ هَلْ تَرَى إِلَى الشَّيْبِ فَاجْدُدْ جِدَّنَا وَدَعِ الْهَزْلا
فَكَيْفَ وَقَدْ لَجَّتْ مِنَ الْعَيْنِ نَظْرَةٌ لِبُثْنَةَ تَأْبَى أَنْ تَبُتَّ لَهَا حَبْلا
وَتَرْجِعُ عَيْنِي بِالرِّضَا مِنْ لِقَائِهَا وَلَمْ تَكُ تَرْضَى الْبُخْلَ مَا أَعْيَبَ الْبُخْلا
تَرَى الْعَيْنُ مِنْهَا مَا لَوْ أَنَّكَ قَادِرٌ عَلَيْهِ إِذَنْ لَمْ تَبْغِ مَالا وَلا أَهْلا
بُثَيْنَةُ مِنْ صِنْفٍ يَقَلِّبْنَ أَيْدِيَ الرُّمَاةَ وَمَا يَحْمِلْنَ قَوْسًا وَلا نَبْلا
وَلَوْ كُنَّ يَصْطَدْنَ الْقُلُوبَ بِشِكَّةٍ لَمَ اعْجَبْ وَلَكِنْ كَيْفَ يَصْطَدْنَهَا غُزْلا
وَلَهُ فِي أُخْرَى
فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا سَاعِيًا بِنَمِيمَةٍ لآخَرَ لَمْ يَعْمَلْ بِكَفٍّ وَلا رِجْلِ
إِذَا مَا تَذَاكَرْنَا الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا جَرَى الدَّمْعُ مِنْ عَيْنَيْ بُثَيْنَةَ بِالْكُحْلِ
كِلانَا بَكَى أَوْ كَادَ يَبْكِي صَبَابَةً إِلَى إِلْفِهِ وَاسْتَعْجَلَتْ عَبْرَةً قَبْلِي
فياويح نَفْسِي حَسْبُ نَفْسِي الَّذِي بِهَا وَيَا وَيْحَ أَهْلِي مَا أُصِيبَ بِهِ أَهْلِي
وَلَوْ تَرَكَتْ عَقْلِي مَعِي مَا طَلَبْتُهَا وَلَكِنْ طِلابِيهَا لِمَا فَاتَ مِنْ عَقْلِي
خَلِيلَيَّ فِيمَا عِشْتُمَا هَلْ رَأَيْتُمَا قَتِيلا بَكَى مِنْ حُبِّ قَاتِلِهِ قَبْلِي
فَإِنْ قَرُبَتْ لَمْ يَنْفَعِ الْقُرْبُ عِنْدَهَا وَإِنْ بَعُدَتْ زَادَتْكَ خَبْلا عَلَى خَبْلِ
أُولَئِكَ إِنْ يَمْنَعْنَ فَالْمَنْعُ شِيمَةٌ لَهُنَّ وَإِنْ يُعْطِينَ يُعْطِينَ عَنْ بُخْلِ
[ ٤٤٠ ]
وَلَهُ فِي أُخْرَى
أَرَاعَكَ بِالْبَينِ الْخَلِيطُ الْمُزَايِلُ وَمَنْ وُدُّهُ فِي أَسْوَدِ الْقَلْبِ دَاخِلُ
فَقَدْ جَعَلَ اللَّيْلُ الْقَصِيرُ لَنَا بِهَا عَلَيَّ بِرَوْعَاتِ الْهَوَى يَتَطَاوَلُ
إِذَا مَا اعْتَرَتْنِي لَوْعَةٌ فَادَّكَرْتُهَا تَجَدَّدَ وَجْدِي وَاعْتَرَتْنِي الْبَلابِلُ
فَبِتُّ نَجِيًّا لِلْهُمُومِ مُسَهَّدًا وَنَامَتْ فَلَمْ يَأْرَقْ لِذَاكَ الْعَوَاذِلُ
أَلا رُبَّ لاحٍ لَوْ بَلا الْحُبَّ لَمْ يُلَمْ وَلَكِنَّهُ مِنْ سَوْرَةِ الْحُبِّ جَاهِلُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
وَلَرُبَّ عَارِضَةٍ عَلَيْنَا وَصْلَهَا بِالْجِدِّ تَخْلِطُهُ بِقَوْلِ الْهَازِلِ
فَأَجَبْتُهَا بِالْقَوْلِ بَعْدَ تَسَتُّرٍ حُبِّي بُثَيْنَةَ عَنْ وِصَالِكِ شَاغِلِي
لَوْ كَانَ فِي قَلْبِي كَقَدْرِ قُلامَةٍ فَضْلٌ وَصَلْتُكِ أَوْ أَتَتْكِ رَسَائِلِي
وَلَهُ فِي أُخْرَى
وَلَمَّا عَصَيْتُ النَّاصِحِينَ وَلَمْ أُطِعْ مَقَالَتَهُمْ أَلْقَوْا عَلَى غَارِبِي حَبْلِي
بُثَيْنَةُ إِنِّي قَدْ عَصَيْتُ عَوَاذِلِي وَإِنَّكِ لَا تَعْصِينَ مَنْ لامَ مِنْ أَجْلِي
تُرِيدِينَ قَتْلِي لَا تُرِيدِينَ غَيْرَهُ وَمَاذَا الَّذِي يُرْضِيكِ يَا بُثْنُ مِنْ قَتْلِي
وَلَهُ فِي أُخْرَى
أَهَاجَتْكِ الْمَعَارِفُ وَالْطُّلُولُ عَفَوْنَ وَخَفَّ مِنْهُنَّ الْحُلُولُ
نَعَمْ فَذَكَرْتُ دُنْيَا قَدْ تَقَضَّتْ وَأَيُّ نَعِيمِ دُنْيَا لَا يَزُولُ
بِرَابِيَةٍ تُجَنُّ الرِّيحُ فِيهَا كَمَا جُنَّتْ مُوَلَّهَةٌ عَجُولُ
أماثل دَارَ بُثْنَةَ أَيْنَ حَلَّتْ كَأَنَّ الدَّارَ تَفْقَهُ مَا أَقُولُ
فَهَمَّ صَحَابَتِي أَنْ يَعْذِلُونِي فَقُلْتُ لَهُمْ أَلَيْسَ لَكُمْ عُقُولُ
[ ٤٤١ ]
مَلامُكُمْ عَلَيَّ أَذًى وَضَرٌّ وَمَوْقِفُ سَاعَةٍ مِنْكُمْ قَلِيلُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
أَلا أَيُّهَا الْقَلْبُ اللَّجُوجُ أَلا تَسْلُو أَلَسْتَ بِذِي عَقْلٍ فَيَنْفَعُكَ الْعَقْلُ
فَتَتْرُكَ هَذَا الْجَهْلَ يَوْمًا لِغَيْرِهِ إِذَا أَنْتَ لَمْ يُعْرَفْ لأَمْثَالِكَ الْجَهْلُ
أَظُنُّ هَوَاهَا تَارِكِي بِمُضِلَّةٍ مِنَ الأَرْضِ لَا مَالٌ لَدَيَّ وَلا أَهْلُ
وَلا أحدا أَقْضِي إِلَيْهِ وَصَّيَتِي وَلا وَارِثَ إِلا الْمَطِيَّةُ وَالرَّحْلُ
مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الأُلَى كُنَّ قَبْلَهَا وَحَلَّتْ مَكَانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبْلُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
لَحَى اللَّهُ مَنْ لَا يَنْفَعُ الْوُدُّ عِنْدَهُ وَمَنْ حَبْلُهُ إِنْ مُدَّ غَيْرُ مَتِينِ
وَمَنْ هُوَ إِنْ تُحْدِثْ لَهُ الْعَيْنُ نَظْرَةٌ يَقْطَعُ لَهَا أَسْبَابَ كُلِّ قَرِينِ
وَمَنْ هُوَ ذُو لَوْنَيْنِ لَيْسَ بِدَائِمٍ عَلَى خُلُقٍ خَوَّانُ كُلِّ أَمِينِ
فَلَيْتَ رِجَالا فِيكَ قَدْ نَذَرُوا دَمِي وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنُ لَقُونِي
إِذَا مَا رَأَوْنِي طَالِعًا مِنْ ثَنِيَّةٍ يَقُولُونَ مَنْ هَذَا وَقَدْ عَرَفُونِي
يَقُولُونَ لِي أَهْلا وَسَهْلا وَمَرَحْبًا وَلَوْ ظَفَرُوا بِي سَاعَةً قَتَلُونِي
أَرَادُوا لِكَيْمَا يَقْتُلُونِي وَلا يَدُوا دَمِي غَيْرَ أَنَّ الْوَاقِيَاتِ تَقِينِي
وَكَيْفَ وَلا تُوفِي دِمَاؤُهُمْ دَمِي وَلا مَالُهُمْ ذُو نَدْهَةٍ فَيَدُونِي
وَلَهُ فِي أُخْرَى
حَلَّتْ بُثَيْنَةُ مِنْ قَلْبِي بِمَنْزِلَةٍ بَين الجوانج لَمْ يَنْزِلْ بِهَا أَحَدُ
صَادَتْ فُؤَادِي بِعَيْنِهَا وَمُبْتَسَمٍ كَأَنَّهُ حِينَ أبدته لنا رد
[ ٤٤٢ ]
وَعَاذِلَيْنِ لَحَوْنِي فِي مَوَدَّتِهَا يَا لَيْتَهُمْ وَجَدُوا مِثْلَ الَّذِي أَجِدُ
لَمَّا أَطَالُوا عِتَابِي فِيكِ قُلْتُ لَهُمْ لَا تُفْرِطُوا بَعْضَ هَذَا اللَّوْمِ وَاقْتَصِدُوا
قَدْ مَاتَ قَبْلِي أَخُو نَهْدٍ وَصَاحِبُهُ مُرَقَّشٌ وَاشْتَفَى مِنْ عُرْوَةَ الْكَمَدُ
وَكُلُّهُمْ كَانَ فِي عِشْقٍ مَنِيَّتُهُ وَقَدْ وَجَدْتُ بِهَا فَوْقَ الَّذِي وَجَدُوا
إِنِّي لأَحْسَبُنِي أَوْ كِدْتُ أُعْلِمُهُ أَنْ سَوْفَ يُورِدُنِي الْحَوْضَ الَّذِي وَرَدُوا
إِنْ لَمْ تَنِلُنِي بِمَعْرُوفٍ تَجُودُ بِهِ أَوْ يَدْفَعِ اللَّهُ عَنِّي الْوَاحِدُ الصَّمَدُ
وَلَهُ فِي أُخْرَى
أَعَاذِلَتِي أَكْثَرْتِ جَهْلا مِنَ الْجَهْلِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ مَنْ مُلامٍ وَمِنْ عُذْلِ
أَعَاذِلُ فِي حُبِّي بُثَيْنَةَ ضِلَّةٌ وَقَدْ سَارَ حُبِّي فِي عِظَامِي وَفِي عَقْلِي
كَأَنَّكِ لَا تَدْرِينَ مَا وَجْدُ ذِي الْهَوَى وَلَمْ تَعْلَمِي فِي النَّاسِ ذَا صَبْوَةٍ قَبْلِي
يَقُلْنَ الْتَمِسْ بِالنَّأْيِ لِلْحُبِّ سَلْوَةً وَلَمْ يُلْفَ طُوْلَ النَّأْيِ عَنْ حُبِّهَا يُسْلِي
وَأَنْتِ حَدِيثُ النَّفْسِ إِنْ كُنْتُ خَالِيًا وَجِدُّ حَدِيثِي إِنْ جَدَدْتُ وَفِي الْهَزْلِ
وَمَا وَجَدَ النَّهْدِيُّ مِنْ دَاخَلَ الْهَوَى كَوِجْدِي وَلا مَنْ كَانَ ذَا جِدَّةٍ قَبْلِي
وَلَهُ فِي أُخْرَى
تَذَكَّرْتُ ذَاتَ الْخَالِ مِنْ فَرْطِ حُبِّهَا ضُحًى وَالْعِتَاقُ الْيَعْمُلاتِ بِنَا تَخْدِي
فَمَا مَلَكَتْ عَيْنَايَ حِينَ ذَكَرْتُهَا دُمُوعَهُمَا كَالنَّظْمِ تَجْرِي عَلَى خَدِّي
فَعَنَّفَنِي صَحْبِي وَقَالُوا مِنَ الْهَوَى بَكَيْتَ وَلَوْ كَانُوا بِهَا وَجَدُوا وِجْدِي
لَمَّا عَنَّفُونِي فِي الْبُكَاءِ مِنْ أَجْلِهَا وَرَبِّ مِنًى لَكِنْ شُغِفْتُ بِهَا وَحْدِي
وَقَالُوا لَقَدْ كُنَّا عَهِدْنَاكَ مَرَّةً جَلِيدًا فَمَا هَذَا بِفِعْلِ الْفَتَى الْجَلْدِ
أَلا تَرْعَوِي مِنْ أَنْ يَشُوقَكَ ذِكْرُهَا وَأَنْتَ عَلَى هَوْلٍ تَسِيرُ مَعَ الْوَفْدِ
فَقُلْتُ ذَرُوا لَوْمِي فَلَسْتُ وَإِنْ نَأَتْ بِمُنْصَرَفٍ عَنْهَا هَوَاي وَلا وُدِّي
[ ٤٤٣ ]
وَلَسَتُ وِإِنْ شَطَتْ بِهَا غُرْبَةُ النَّوَى بِنَاسٍ هَوَاهَا أَوْ أُغَيَّبُ فِي لَحْدِي
وَمَا كُنْتِ لِي إِلَّا خيالا وفتنة فياليت أَنِّي مِتُّ إِذْ كُنْتُ فِي الْمَهْدِ
وَلَمْ أَكُ فِي الدُّنْيَا عَلِقْتُ عَلاقَةً وَمَا كَانَ عِرْفَانِيكِ إِلا شَقَا جَدِّي